عرض مشاركة واحدة
قديم 02-Apr-2016, 05:07 PM   #3
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2007
رقم العضوية: 3416
المشاركات: 696
افتراضي رد: كي لا تنخدع بالإلحاد متجدد


وهذا الملحد - هداه الله – قدح في قضية بديهية وهي وجوب وجود خالق للكون بإحدى نظريات ميكانيكا الكم ، و بما أن النظريات مؤلفة من البديهيات، فلو جاز القدح في البديهيات بالنظريات لزم فساد البديهيات والنظريات، فإن فساد الأصل يستلزم فساد فرعه، فتبين أن من سوغ القدح في القضايا البديهية الأولية الفطرية بقضايا نظرية فقوله باطل[1] .

و قول الملحد أن الكون نشأ من لا شيء دون الحاجة لخالق يستلزم أن اللاشيء يتحول إلى شيء وهذا يخالف البديهة القاضية أن اللاشيء لا يمكن أن ينتج شيئا ،ولا يمكن لشيء أن يأتي من العدم، وفاقد الشيء إذا كان لا يملكه ولا يملك أسبابه لا يعطيه فكيف يعطي العدم الوجود ؟!!، و كيف يعطي اللاشيء شيئا ؟!!

و اعتبر الملحد الفراغ لا شيء و خلط بين اللاشيء و الفراغ الكمي ،و الفراغ الكمي - حسب ميكانيكا الكم -يعتبر شيئا موجودا ممتلئ بجسيمات افتراضية من المادة والمادة المضادة و يحدث فيه تموجات ومن هذه التموجات يمكن أن تتخلق أزواج من الجسيمات والجسيمات المضادّة ،ولا يمكن فصل هذا الفراغ الكمي عن الكون أما اللاشيء أو العدم فهو ضد الوجود أو اللاوجود أو انعدام الوجود بجميع صوره و أشكاله أي لا يوجد أي شيء تماما لا مادة و لا طاقة ولا زمان ولا مكان ،و نحن نعلم أن الشيء هو ما يتصور أو يخبر عنه ،ويراد به أساسا الموجود و يقابل المعدوم [2] .


و قد أدعي أن أغلب الناس تعتبر الفضاء الفارغ لا شيء وهذا غير صحيح فإذا فرضنا تجريد المكان من الإشعاعات والجزيئات والجسيمات والمادة بحيث لا يكون فيه أي شيء من هذه الأشياء فالمكان الذي كان يحوي هذه الأشياء التي جردت منه مازال موجودا ،وهو شيء موجود و ليس لا شيء ،و إن كان ليس بشيء مادي أو جسماني ،و الفراغ ليس معناه اللامكان بل معناه مكان جُرِد من الإشعاعات والجزيئات والجسيمات والمادة .

و يحدث في الفضاء الفارغ أو الفراغ الكمي quantum vacuum تذبذبات كمومية quantum fluctuation و التي تؤدي إلى وجود جسيمات افتراضية virtual particles تظهر وتختفي من الوجود في كل لحظة ،و بالتالي الفراغ الكمي شيء يحدث فيه أشياء .

و حسب مبدأ عدم التأكد لهيزنبرج يستحيل أن يخلو الفراغ من الطاقة وأنه سيبقى حد أدنى من الطاقة zero point energy لا يمكن النزول عنه ولا يمكن أن تصل الطاقة إلى صفر ،وهذا القدر من الطاقة يعتبر شيئا من ضمن الأشياء مع العلم أن المادة والطاقة وجهان لعملة واحدة أو يمكن اعتبارهما صيغتين مختلفتين لجوهر واحد قابلتين للاستحالة من إحداهما إلى الأخرى[3].

و أدعي الملحد وجود فضاء فارغ خال من كل شيء - أي فراغ محض – فراغ خال من المادة والطاقة ،وهذا يخالف مبدأ عدم التأكد إذ يستحيل أن يخلو الفراغ أو الخواء من الطاقة تماما وأنه سيبقى حد أدنى من الطاقة لا يمكن النزول عنه ولا يمكن أن تصل الطاقة إلى صفر وبالتالي لا يوجد مكان طاقته صفر حقيقي .

والطاقة في الخواء vacuum أمر حقيقي، وليس الخواء في الفيزياء الحديثة جيبا لا يحوي شيئا فهو يمخض بنشاط غير مرئي حتى في درجة حرارة الصفر المطلق التي تتوقف عندها - حسب التعريف- حركة الجزيئات[4].

و لو بذلنا كل قدرتنا في إفراغ منطقة معينة من الفضاء من كل الطاقات فإن هناك قدر من الطاقة سيبقى ولا يمكن إخراجه وهذا القدر من الطاقة يعتبر شيئا من ضمن الأشياء ، وبالتالي ليس هناك شيء اسمه فراغ محض في هذا الكون ولا عدم تام من كل شيء في هذا الكون .
و هذا الملحد يناقض نفسه إذ كيف يدعي أن الكون خلق من لا شيء ،وهو يشرح آلية نشأة الكون من الفضاء الفارغ عبر التموج الكمومي quantum fluctuation ؟!! والفضاء الفارغ شيء موجود في الزمكان المحيط به ،وليس عدما و ليس لا شيء أضف إلى ذلك أن آلية نشأة الكون تطوي في معناه وجود فاعل منشئ للكون .

و أدعي الملحد أن الجسيمات الافتراضية تخرج من لا شيء ،وهذا غير صحيح فهذه الجسيمات الافتراضية خرجت من مكان ما في الكون - و ليس خارج الكون - خلال فترات قصيرة جدا من الزمن ، والمكان الذي خرجت منه له طاقة إذ لا يمكن أن يوجد مكان خال من الطاقة تماما حسب مبدأ عدم التأكد .

ومجرد ظهور الجسيمات تحت الذرية في الفراغ الكمي و اختفائها عبر التموجات الكمومية لا يستلزم أن يكون الكون بأكمله قد نشأ عبر التموجات الكمومية .

وأدعي الملحد أن قوانين ميكانيكا الكم يمكن أن تخلق الكون بدلا من أن يقول أن قوانين ميكانيكا الكم يمكن أن تفسر كيفية نشأة الكون ،و العلم يعرفنا كيف تعمل الأشياء ، و ليس لماذا تعمل الأشياء ومن الذي عملها ؟ أي يعرفنا آلية عمل الأشياء ،وطريقة عملها ،ولا يفسر العلم لنا لماذا تعمل الأشياء ؟ ، ومن الذي جعلها تعمل بهذه الطريقة ؟ فلا يبحث العلم عن الفاعل بل يبحث عن الفعل ،ولا يبحث عن الحادث بل يبحث عن الحدث ،ولا يبحث عن موجِد القوانين بل يبحث عن القوانين نفسها .

وما أجمل ما قاله الشيخ عبد الرحمن بن حَبَنَّكَة الميداني : ( قد يعض الكلب الحجر الذي رآه يتجه نحوه ليصيبه، أما الإنسان المفكر فإنه يبحث عن الذي رمى الحجر نحوه بقصد، فإذا عرفه واستبان أنه قد قصد قتله أو إيذاءه حاول أن ينتقم منه دفاعاً عن نفسه، ولم يفكر بالانتقام من الحجر مطلقاً.

وهنا نقول: إن الماديين الذين يقفون عند الأسباب المادية للظواهر الكونية التي يتجلى فيها القصد، ولا يبحثون عن السبب الحقيقي، مع أن هذه الأسباب تحتاج هي أنفسها إلى أسباب تفسر ظاهراتها وتعلل حدوثها، إنما يفكرون بمثل دماغ الحيوان الذي يعض الحجر الذي قُذف عليه )[5].


[1] - منهاج السنة النبوية لابن تيمية 2/151
[2] - المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية ص 104
[3] - تأملات في الفيزياء الحديثة لعلي الشوك ص244 الطبعة الأولى 2012 م

[4] - اتجاهات في الفيزياء استغلال طاقة نقطة الصفر مجلة العلوم يوليو 1998 مجلد 14
[5] - كواشف زيوف للشيخ عبد الرحمن الميداني ص 522

التوقيع
د.ربيع أحمد طبيب بشري قليل الوجود في المنتدى
العمر قصير و العلم غزير فلا وقت للكسل بل الجد والعمل هكذا علمنا البشير النذير
ربيع أحمد السلفي غير متصل   رد مع اقتباس