أنت غير مسجل في ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
موضوع جديد
العودة   ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة > .:: قسم العقيدة ::. > الملتقى العلمي لدراسة العقيدة
المنتديات موضوع جديد التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-May-2010, 07:51 PM   #1
عضو متميز
افتراضي توحيد الربوبية كما ورد في الكتاب والسنة

• معنى الربوبية لغة:
الرب في اللغة مصدر من معنى التربية, فالرب هو الذي يربي غيره وينشئه شيئا شيئا, فوصف الرب يكون لمن أنشأ الشيء حالا فحالا إلي حد التمام, أو إصلاح شئون الغير ورعاية أمره بانتظام.
ويطلق الرب في اللغة على المالك تقول: هذا رب الإبل, ورب الدار أي مالكها, ويطلق على السيد المطاع ومنه قوله تعالى: (أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا) (يوسف:41), أي سيده المطاع, ويطلق أيضا على المعبود.
ومنه قول الشاعر:
أرب يبول الثعلبان برأسه : لقد ذل من بالت عليه الثعلب.
والرب عند الإطلاق لا يقال إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات وتدبير أمورهم نحو قوله : (بَلدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) (سبأ:15).
وعلى هذا قول الله تعالى: (وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا) (آل عمران/80), أي آلهة وتزعمون أنهم الباري مسبب الأسباب والمتولي لمصالح العباد .
وعند البخاري من حديث أبى هريرة  أن رسول الله  قال: (لا يَقُل أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ, وَليَقُل: سَيِّدِي مَوْلايَ, وَلا يَقُل أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي وَليَقُل: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلامِي).
والرب عند الإضافة يقال لله ولغيره نحو رب الدار ورب الفرس لصاحبهما, وعلى ذلك المعنى جاء قول الله تعالى عن يوسف : (وَقَال للذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّه) (يوسف:42).
• معنى الربوبية في القرآن والسنة يقوم على ركنين أساسيين :
ومعنى الربوبية يقوم في القرآن الكريم والسنة النبوية على ركنين أساسيين أو معنيين جامعين, عليهما محور الأدلة النقلية والعقلية والدلالات اللغوية:
الأول: إفراد الله بالخلق والتقدير وإنشاء الشيء من العدم, ومن ثم إفراده بلوازم ذلك من الصفات الإلهية العلم والمشيئة والقدرة والملك والغنى والقوة والإحياء والإبقاء والهداية والرزق والإمداد والرعاية والإفناء والإماتة والإعادة والهيمنة والعزة والإحاطة, وكل ما يلزم من صفات الذات والأفعال لتخليق الشيء وتصنيعه, فصفة الخالق أن يستغني بنفسه فلا يحتاج إلى غيره في ذلك وأن يحتاج إليه كل من سواه.
الثاني: إفراد الله بتدبير أمر المخلوقات والعناية بهم, وتقدير أحوالهم, والقيام على شؤونهم واللطف بهم، والهداية إلى ما يصلحهم, والفصل والقضاء والحكم بينهم, وتهيئة الكون لتحقيق الغاية من خلقهم.
ويقوم توحيد الربوبية في القرآن الكريم والسنة النبوية على ركنين أساسيين أو معنيين جامعين, عليهما يدور الدليل النقلي:
الأول: إفراد الله بالخلق والتقدير والتكوين وإنشاء الشيء من العدم, ومن ثم إفراده بلوازم ذلك من العلم والمشيئة والقدرة, والملك والغنى والقوة, والإحياء والإبقاء والهداية, والرزق والإمداد والرعاية, والإفناء والإماتة والإعادة, والهيمنة والعزة والإحاطة, وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الأفعال, لتخليق الشيء وتصنيعه, وكمال إيجاده واختراعه, فصفة الخالق أن يستغنى بنفسه فلا يحتاج إلي غيره, وأن يفتقر وإليه كل من سواه.
الثاني: إفراد الله بتدبير أمر المخلوقات وتقدير أحوالهم, والقيام على شئونهم واللطف بهم, والعناية والهداية إلي ما يصلحهم, والفصل والقضاء والحكم بينهم, وتهيئة الكون لتحقيق الغاية من خلقهم.

• الأدلة النقلية على أن توحيد الربوبية يقوم على معنيين جامعين:
أما الأدلة على ذلك فهي أكثر من أن تحصى إما بالدلالة الظاهرة أو بالدلالة المستترة في آيات الربوبية, وسوف نعرض جانبا منها إيضاحا لمنهج الاستدلال, ويمكن تتبع بقية الأدلة من خلال النظر في كتاب الله وسنة رسوله s:
1. قوله تعالى عن موسى عليه السلام هو يبين حقيقة الربوبية ومعناها لفرعون لما سأله عنها: (قَال فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَال رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُل شَيْءٍ خَلقَهُ ثُمَّ هَدَى) .فالآية دلالتها صريحة على أن موسى عليه السلام لما سئل عن الربوبية أجاب فرعون عن كل معاني الربوبية في معنيين جامعين, الأول منهما هو إفراد الله بتخليق الأشياء وتكوينها وإنشائها من العدم حيث أعطى كل شيء خلقه ووجوده, والثاني هو إفراد الله بتدبير الأمر في خلقه وهدايتهم إلي قيام شؤنهم وتصريف أحوالهم والعناية بهم.
2. قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ رَبَّكُمْ اللهُ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ, يُغْشِي الليْل النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لهُ الخَلقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالمِين) .فالآية الكريمة اشتملت على توحيد الربوبية وقيامه على ركنين, والدليل على ذلك إجمالا وتفصيلا بترتيب منعكس, أما توحيد الربوبية فظاهر في قوله: (تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالمِين), وأما قيامه على ركنين ففي إفراده بالخلق والتدبير, وأما الدليل عليه إجمالا ففي قوله: (أَلا لهُ الخَلقُ وَالأَمْرُ).
وأما الدليل عليه تفصيلا, فالركن الأول هو وصف الله بالخالقية لكل ما في السماوات والأرض وإنشائها من العدم, وذلك في قوله: (إِنَّ رَبَّكُمْ اللهُ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ), والركن الثاني هو تدبير الأمر وإمساك الكون بعد إنشائه وخلقه على نظام ثابت يحقق الغاية من وجوده, وقد ورد مفصلا في قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ, يُغْشِي الليْل النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) , وقد أكدت الآية في نهايتها حقيقة الربوبية وأن رب العالمين هو المنفرد بالخلق والتدبير.
3. قوله تعالى: (اللهُ خَالقُ كُل شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُل شَيْءٍ وَكِيل ٌ, لهُ مَقَاليدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ) (الزمر:63) .وفي سورة الشورى (لهُ مَقَاليدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُل شَيْءٍ عَليمٌ) (الشورى:12). معني مقاليد المقاليد هي المفاتيح بالفارسية أو خزائن السماوات والأرض, فقوله: (اللهُ خَالقُ كُل شَيْءٍ) .شاهد للركن الأول الذي قام عليه معنى الربوبية, وقوله: (وَهُوَ عَلى كُل شَيْءٍ وَكِيلٌ), شاهد للركن الثاني وهو اعتماد الكون في قيامه بعد خلقه وإنشائه على تدبير الله, فالوكيل الكفيل وهو سبحانه حفيظ رقيب, يدبر أمر كل ما سواه ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار.
4. وعلى الوتيرة نفسها جاء قوله تعالى: (وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفي بِاللهِ وَكِيلا), فالركن الأول هو التخليق والإنشاء من العدم, والثاني هو تدبير أمور المخلوقات بعد تكوينها.
5. وكذلك قوله تعالى: (الله ُ الذِي خَلقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لتَعْلمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُل شَيْءٍ عِلمًا) .فالركنان في الآية باديان واضحان في إنشاء الخلق وتنزيل الأمر بتدبير الرزق.
6. ومثله أيضا قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمْ اللهُ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (يونس:3) .
7. وقوله تعالى: (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلى الذِي خَلقَ فَسَوَّى وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الأعلى3:1), أي خلق كل شيء مستويا فعدله وهيأه لغايته فهذا شاهد للركن الأول من ركني الربوبية.
8. قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لهُ إِنَّ الذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلوْ اجْتَمَعُوا لهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالبُ وَالمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (الحج:73).
9. فالله سبحانه نفي عن آلهتهم وصفين اثنين هما أساس الربوبية, أولهما: الخلق والتكوين حتى لأحقر المخلوقات, والثاني: التدبير, لا لما يخلقونه فإنهم أضعف من ذلك, ولكن نفي عجزهم عن تدبير أمور أنفسهم باسترداد شيء ضئيل مما يخصهم لو سلبه الذباب منهم, وهذا منتهى وصفهم بالعجز والضعف, فكيف تكون آلهة معبودة من دون الله ؟ وكل ذلك يدل على انفراد الله بالربوبية وأن معناها قائم على إفراده بالخلق وتدبير الأمر.
10. روى البخاري ومسلم من حديث أبى هريرة  أن رسول الله  قال: (قَال اللهُ عَزَّ وَجَل: (وَمَنْ أَظْلمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلقًا كَخَلقِي, فَليَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ ليَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ ليَخْلُقُوا شَعِيرَةً)
.وعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله  قال: (أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلقِ الله
وعنده أيضا من حديث ابن عباس  قال: أن رسول الله  قال: (مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلفَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَليْسَ بِنَافِخٍ.
ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث أن النبي  ذكر العلة في عقوبتهم وعذابهم وهي المضاهاة بخلق الله, لأن الله تعالى منفرد بالخلق والأمر, فهو خالق كل شيء وهو الذي صور جميع المخلوقات فأحسن صورها, فالمصور لما صور إنسانا أو حيوانا على نحو ما خلقه الله تعالى, فإنه تشبه بالله في الركن الأول من ركني الربوبية وهو الخلق, فكلفه الله يوم القيامة بالركن الثاني وهو تدبيره وتحريكه, تبكيتا وتعجيزا, كلفه أن ينفخ الروح في الصورة التي صورها وليس بنافخ, فصار ما صوره عذابا له يوم القيامة لأنه تشبه بالله في المبتدأ وأشرك في الربوبية.
ومن ثم فإن توحيد الربوبية يقوم علي ركنين أساسيين أو معنيين جامعين, الأول: إفراد الله بالخلق والتقدير وإنشاء الشيء من العدم, وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الأفعال, لتخليق الشيء وتصنيعه, وكمال إيجاده واختراعه, فصفة الخالق أن يستغنى بنفسه فلا يحتاج إلي غيره, وأن يفتقر وإليه كل من سواه, الثاني: إفراد الله بتدبير أمر المخلوقات وتقدير أحوالهم, والقيام على شئونهم واللطف بهم, والعناية والهداية إلي ما يصلحهم, والفصل والقضاء والحكم بينهم, وتهيئة الكون لتحقيق الغاية من خلقهم.
• الأدلة العقلية على توحيد الربوبية:
فإذا قيل لك: بم عرفت ربك ؟ فقل عرفته يقينا بآياته ومخلوقاته ؟ فمن الوسائل التي يدرك بها اليقين, أو يتأكد بها الإنسان أنه على يقين من أمره في توحيد ربه ؟
1. البديهيات أو الأوليات: وذلك كالحكم على أن البعرة تدل يقينا على البعير وأن الأثر يدل يقينا على المسير, ومن هنا كان المسلم على يقين بوجود الله من خلال إثبات وجود الخالق بدلالة المخلوقات, وقد ثبت ذلك بحكم الأوليات أو البديهيات, ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر, ومن مخلوقاته السموات السبع والأرضون السبع ومن فيهن وما بينهما, يقول تعالي: (وَمِنْ آيَاتِهِ الليْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ لا تَسْجُدُوا للشَّمْسِ وَلا للقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الذِي خَلقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (فصلت:37).
وقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ يُغْشِي الليْل النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لهُ الخَلقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ) (الأعراف:54), فمن أكبر المحرمات جريمة الزنا, والحكم فيها لا بد أن يقوم على مفردات يقينية ولا يبني على أمور ظنية, وقد بين القرآن وسائل إدراك اليقين عند الحكم على المرتكبين لها, فمن ذلك البديهيات وارتباط العلل بالمعلولات, كما قالت مريم للملك عندما قال لها: (إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لكِ غُلامًا زَكِيًّا قَالتْ أَنَّي يَكُونُ لي غُلامٌ وَلمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) .بزواج وَلمْ أَكُنْ بَغِيًّا بزنا لأن البديهيات تجعل العاقل يحكم حكما يقينيا بأن الولد لا يأتي إلا من طريق مشروع أو طريق ممنوع ولذلك أكد لها الملك أن ذلك واضح صحيح, وأن حالتها استثناء وأن الله يخلق ما يشاء قَال كَذَلكِ قَال رَبُّكِ هُوَ على هَيِّنٌ وَلنَجْعَلهُ آيَةً للنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا من أجل ذلك أثبت لها الخالق براءتها, بخرق العادات وظهور المعجزات, وأوحي إليها أنها إذا رأت من أنكر عليها, أن تلزم الصمت وتمتنع عن الكلام, وكل ما عليها أن تشير إلي الغلام وتقول: (إِنِّي نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلنْ أُكَلمَ اليَوْمَ إِنسِيًّا فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا فَأَشَارَتْ إِليْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلمُ مَنْ كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا قَال إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِي الكِتَابَ وَجَعَلنِي نَبِيًّا وَجَعَلنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالدَتِي وَلمْ يَجْعَلنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلامُ على يَوْمَ وُلدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ذَلكَ عِيسَي ابْنُ مَرْيَمَ قَوْل الحَقِّ الذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ للهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَي أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لهُ كُنْ فَيَكُون) (مريم:26).
فدلالة الأسباب على خالقها من أعظم الدلائل العقلية علي توحيد الربوبية: فالعقلاء يعلمون أن المصنوع يدل على صانعه والمخلوق يدل على خالقه, وآيات القرآن كثيرة جدا في بيان هذا المنهج العقلي في الاستدلال على وجود الخالق وعظمته واستحقاقه للعبادة وحده دون سواه كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَليْكُمْ هَل مِنْ خَالقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (فاطر/3),
وقوله عز وجل: (أَمْ خُلقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالقُونَ أَمْ خَلقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ) (الطور:35) .
• الطريقة السلفية في التعرف علي وجود الرب وتوحيده بالربوبية.
كيف نعرف ربنا وإلهنا ؟ ما هي طريقة السلف في إثبات وجود الله عز وجل ؟ وكيف فطر الله عباده علي معرفته ؟
طريقة السلف هي طريقة الأنبياء والرسل, (قَالتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (إبراهيم:10).
1. روى عن الإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى, فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه, ذكروا إلي سفينة في البحر كبيرة, فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها, وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تخلص منها, وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد, فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل, فقال: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع, فبهت القوم ورجعوا هي الحق وأسلموا علي يديه.
2. وسئل الشافعي رحمه الله عن وجود الخالق عز وجل فقال: هذا ورق التوت طعمه واحد, تأكله الدود فيخرج منه الحرير, وتأكله النحل فيخرج منه العسل, وتأكله الشاء والبقر والأنعام, فتلقيه بعرا وروثا وتأكله الظباء فيخرج منه المسك وهو شيء واحد.
3. وسئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عن ذلك, فقال: هاهنا حصن حصين أملس ليس له باب ولا منفذ ظاهره كالفضة البيضاء وباطنه كالذهب الإبريز, فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير ذو شكل حسن وصوت مليح.
وقال أحدهم: (لو أن الله تبارك وتعالى لم يعبد إلا عن رؤية ما عبده أحد, ولكن المؤمنين تفكروا في مجيء هذا الليل إذا جاء, فملأ كل شيء وغطى كل شيء وفي مجيء سلطان النهار إذا جاء فمحا سلطان الليل وفي السحاب المسخر بين السماء والأرض وفي النجوم وفي الشتاء والصيف, فوالله ما زال المؤمنون يتفكرون فيما خلق ربهم تبارك وتعالى حتى أيقنت قلوبهم بربهم عز وجل وحتى كأنما عبدوا الله تبارك وتعالى عن رؤية),
قال رجل لرجل أخبرني عن أمر الله عز وجل أيه أعجب فقال وأية ليس بأعجب فأخبرك بأعجبه.
وقال ابن الجوزي رحمه الله : (وهل يشك ذو عقل في وجود صانع, فإن الإنسان لو مر بقاع ليس فيه بنيان, ثم عاد فرأى حائطا مبنيا علم أنه لا بد له من بان بناه, فهذا المهاد الموضوع وهذا السقف المرفوع, وهذه الأبنية العجيبة والقوانين الجارية على وجه الحكمة, أما تدل على صانع ؟).
وما أحسن ما قاله بعض الأعراب في ذلك, قال: إن البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير, فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على اللطيف الخبير.
فلا بد لهذا الكون المخلوق المصور من خالق مصور, فإذا كانت الكتابة لا بد لها من كاتب ولا بد للصورة من مصور وللبناء من بان, وكنا لا نشك في جهل من أخبرنا عن كتابة حصلت من غير كاتب, وصياغة تمت غير صائغ فوجب أن تكون المصنوعات, وحركات الكواكب السيارات, والفلك الجوار المنشئات, قد وجدت عن قدرة خالق خلقها, وصانع صنعها, وحكيم يدبر أمرها.
• دليل الآفاق الكونية ودليل النفس البشرية
يقول تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُل شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت:53).
قال ابن عباس قوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق أي سنريهم علامات وحدانيتنا وقدرتنا, وأصح الطرق وأجلاها, وأوضحها وأشفاها في التعرف علي ربوبية الله لكونه هي طريقة القرآن.طريقة القرآن مبنية على الاستدلال بنوعين من الآيات, آيات الله في الآفاق الكونية, وآيات الله في النفس البشرية, كما ذكر الله تعالي في قوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ) (فصلت/53).
أولا دلالة الآفاق: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ) .والعالم الآن يتكاتف لاكتشاف آفاق الكون وأبعاده, والبحث عن بدايته وكيفية بنيانه, ومن أعظم مشاريع العصر بناء المحطة الفضائية الدولية مير ثم سقوطها تم بناء المحطة الدولية الجديدة.
ثانيا: دلالة النفس (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا وَفِي أَنْفُسِهِمْ) .والعالم الآن يتكاتف لاكتشاف أكبر المشاريع في تاريخ البشرية وهو مشروع الجينيوم.
ولنتحدث أولا علي دلالة الآفاق: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ) .هذا الكون الضخم العظيم من أعظم الدلائل على وجود الله وتدبيره لخلقه, فالأرض التي نعيش عليها, والمجموعة الهائلة من النجوم التي تتراءى لنا تبهر الناظرين, فتقف النفس أمامها وقوف العاجزين, تحار فيها عقول ذوى الألباب, ويسيطر عليها الدهشة والاستغراب والإعجاب, فتزداد القلوب إيمانا بعظمة الخالق وقدرته, وكمال صنعه وبديع حكمته, والقرآن الكريم الذي هو كلام الله كثرت فيه الآيات التي تدعوا العقلاء إلي النظر في خلق الأرض السماوات, وتدعوه إلى التفكر في أسرار هذه المخلوقات, ليدعم إيمانه بربه, ويطرد الشك من نفسه, قال الله تعالى (قُل انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُون َ) (يونس:101), وقال تعالى (أَوَلمْ يَنْظُرُوا فِي مَلكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:185), ويقول تعالي: (قُل سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت:20) (خَلقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ إِنَّ فِي ذَلكَ لآيَةً للمُؤْمِنِينَ) (العنكبوت:44), وجاء أيضاً: (إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الليْل وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولي الأَلبَابِ) (آل عمران:190).
لقد شغل الكون بآفاقه علماء عصرنا, ويا ليتهم بعقلهم وتقدمهم استدلوا بما اكتشفوه علي خالقهم, محطة الفضاء الروسية مير, بعد 15 عاما من الدوران حول الأرض سقطت مير في المحيط الهادي, وما هي مير ؟ مير تزن حوالي 137 طنا, كانت أضخم جسم يدور في الفضاء حول الأرض بعد القمر, مير هي جوهرة التاج الخاصة ببرنامج الفضاء الروسي, جمعت على متنها خلال فترة حياتها الكثير من رواد الفضاء والعلماء, المتخصصين في علم الكونيات من 12 دولة, هذا بالإضافة إلى روسيا, وبعد سقوط مير قامت أمريكا بإنشاء محطة الفضاء الدولية التي يشترك في تشييدها أكثر من 16 دولة, بتكلفة تصل إلى 100 بليون دولار عند تمام إنشائها.
كل ذلك لأن معرفة الكون تذهلهم, تحقيقا لقول خالقهم: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ) .آيات الله التي يستدلون من خلالها بهذه المخلوقات على رب العالمين, وحتى تقام حجة الله علي المشركين والكافرين, ما الذي اكتشفوه عن الكون في محطتهم الفضائية ؟ وما الذي وجدوه من آيات الحق في دراستهم العلمية ؟ وجدوا تصديقا لقول خالقهم: (الشَّمْسُ وَالقَمَرُ بِحُسْبَان ٍ) (الرحمن:5).
(لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لهَا أَنْ تُدْرِكَ القَمَرَ وَلا الليْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلكٍ يَسْبَحُونَ) (يّس:40) (أَلمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّل وَلوْ شَاءَ لجَعَلهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلنَا الشَّمْسَ عَليْهِ دَليلاً) (الفرقان:45).
(هُوَ الذِي جَعَل الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِل لتَعْلمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَابَ مَا خَلقَ اللهُ ذَلكَ إِلا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لقَوْمٍ يَعْلمُونَ) (يونس:5) . (وَالقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِل حَتَّى عَادَ كَالعُرْجُونِ القَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لهَا أَنْ تُدْرِكَ القَمَرَ وَلا الليْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلكٍ يَسْبَحُونَ) (يّس:39) (وَمِنْ آيَاتِهِ الليْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ لا تَسْجُدُوا للشَّمْسِ وَلا للقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الذِي خَلقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (فصلت:37).
يقول العلماء المجرة هي تجمع نجمي يضم عشرات البلايين من النجوم مثل شمسنا, والمجرة التي تتبعها مجموعتنا الشمسية تضم أكثر من أربعمائة ألف مليون نجم تحتشد على هيئة قرص مفرطح يبلغ قطره نحو مائة ألف سنة ضوئية, وارتفاعه نحو عشر ذلك, وتقع مجموعتنا الشمسية على بعد 30.000 سنة ضوئية من مركز المجرة, و20.000 سنة ضوئية من أقرب أطرافها, وتختلف نجوم المجرة في أعمارها وفي أحجامها, ودرجات حرارتها ودرجات لمعانها, وفي غير ذلك من صفاتها الطبيعية, وفي تركيبها الكيماوي وفي دورات حياتها, فمنها النجوم العادية المفردة والمزدوجة والعماليق الحمر, والنجوم الزرقاء والنجوم البيضاء والبنية والسوداء, ومنها المستعرات وفوق المستعرات, ومنها النجوم النيوترونية النابضة وغير النابضة, ومنها النجوم الخناسة الكانسة, ومنها النجم الطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب, ومن المجرات ما هو حلزوني مثل مجرتنا, ومنها ما هو بيضاوي, ومنها ما هو أكبر من مجرتنا بكثير, وما هو في حجمها وما هو أصغر منها, وقد يتجمع عدد من المجرات على هيئة عنقود مجري يضم عشرات الآلاف من المجرات, والمجرات تتباعد عن بعضها البعض بسرعات قد تقترب من سرعة الضوء في بعض الأحوال.
فدلالة الآفاق طريق من أبرز الطرق التي نتعرف من خلالها علي وجود الخالق وعظمته, ما يحدث في الكون من تصريف يتجدد, في طلوع الشمس والقمر والنجوم وفق زمان محدد, في دوران الأفلاك الدائرات, والسفن الجاريات والرياح الذاريات والنجوم العلامات, وكذلك تغير أحوال الهواء, والغيوم في السماء, والرعد والبرق وإنزال الأمطار, وما فيها من أحوال تدل على بالغ الحكمة, لا تختلط فيها الأمطار قطرة بقطرة, مهما صغرت أو كثرت أو تقاربت أو تتابعت, حتى تقع متفرقة من غير ضرر, ولو اجتمعت لعظم ضررها وكثر خرابها, فمن الذي ينزل هذه الأمطار فتروي الأرض بسهولها وجبالها, وشعابها وهضابها, ولينبت العشب الكثير الذي تأكله الأنعام والحيوان والهوام, ويخرج به النبات والأشجار, والأزهار والثمار, ويمتد الماء إلى البحار والأنهار, وتمتلأ به العيون والآبار .
(إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الليْل وَالنَّهَارِ وَالفُلكِ التِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَل اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُل دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة:164) .
فالتفكر في هذه الأمور هو النظر المأمور به في الآيات, وعلى ذلك درج السلف من غير ترتيب مقدمات, أو قانون المنطق وأنواع من الفلسفات, بل قد شهد كتاب الله على أن ذلك يفيد البيان حيث قال: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ) (فصلت:53) .ثم توعد من زعم أن ذلك لم يفده بيانا بقوله: (أَوَلمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُل شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت:53), فلا يشترط في العلم بوجود الله أن يبني على المقدمات المنطقية والأساليب النظرية, ومن الذي ينكر هذا إلا كل معاند ؟ أو يستبعده في العقل إلا كل جاحد ؟
لقد حكى الله عن الهدهد وهو طائر صغير أنه وحد الله واحتج على صحة توحيده بهذا الدليل, الذي توصل إليه من خلال النظر في الآفاق, فقال تعالى عن قوله: (أَلا يَسْجُدُوا للهِ الذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلنُونَ اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ) (النمل:25).
ودلائل الربوبية في الآفاق آياتها أعظم وأكثر من كل دليل منطقي أو منهج فلسفي, فكل إنسان تظهر له من الدلائل المعينة التي يريه الله إياها في نفسه وفي الآفاق ما لا يعرف أعيانها قوم آخرون, فالله أخبرنا أنه سيري الناس في أنفسهم وفي الآفاق من الآيات العينية المشهورة المعقولة ما يبين أن الآيات القرآنية المسموعة المتلوة حق فيتطابق العقل والنقل ويتفق العيان والقرآن, وإذا كان القرآن حقا لزم كون الرسول والذي جاء به صدقا, وذلك يتضمن إثبات الصانع وتوحيدِه وأسماءه وصفاته وإثبات النبوات وإثبات المعاد وهذه هي أصول العلم والإيمان التي تعلقت بها السعادة والنجاة.
أما دلالة الأنفس: فقد ذكرها الله بعد دلالة الآفاق فقال: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ) .ومن أعظم ما يدور في العالم الآن, مشروع القرن, أعظم مشاريع التاريخ, مشروع الجينيوم, أو خريطة الجينات البشرية, الحامض النووي للخلية دي إن إي, أو سر الحياة كما أطلقوا عليها عام 1953م, ويمتاز هذا الحامض في الخلية بأن له تركيبة واحدة في الإنسان, وهو عبارة عن سلمين لولبين ملتصقين وملتفين حول بعضهما البعض, وتتكون جوانب السلم من جزئيات السكر والفوسفور, وتتكون كل درجة من درجاته من قاعدة نيتروجيه وتوجد أربعة أنواع من هذه القواعد التي تتوالى بطريقة معينة, وقد شبه الحامض الوراثى "النووي" بكتاب مؤلف من أبواب محددة والباب الواحد مكون من صفحات, وفي كل صفحة فقرات مكتوبة بكلمات من أحرف, ولا يزيد عدد الأحرف عن أربعة, هي المواد الأساسية التي خلقها الله سبحانه وتعالى في الجسم الإنساني والحيواني والنباتي, تصور لغة من أربعة حروف كيميائية, موضوعة في تسلسل معين يؤدي إلى خلق البشر, والله سبحانه وتعالى خلقنا بتركيبة مبنية على هذه الحروف الأربعة.
نشر العلماء أول حلقة من خريطة الجينات البشرية في تقدم يبشر بإحداث ثورة في المفاهيم العلمية والطبية, تتوج جهودا مضنية بذلها علماء كثيرون من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان والصين طوال السنوات العشر الماضية لفك شفرة الجينات الوراثية التي جعلت منا كائنات حية, الجينوم هو القائمة الكاملة من الجينات الوراثية المشفرة اللازمة لتكوين الكائن الحي, هناك 3.1 مليار حرف من الحامض النووي (دي إن إيه) .في كل خلية من الخلايا البشرية البالغ التي عددها 100 تريليون خلية, الأسس النتروجينية الأربعة لحروف الحامض النووي والمترتبة على شكل أزواج, تحمل المعلومات الكاملة لتكوين جميع الكائنات الحية, إذا وضعت جميع جزيئات الحامض النووي في الجسم البشري سوية من نهايات أطرافها, فإنها تساوى مسافة ما بين الأرض إلى الشمس ذهابا وعودة 600 مرة, والمعلومات الموجودة في الخلية يمكن أن تملأ مجموعة من الكتب يصل ارتفاعها إلى 60 مترا أو 200 دليل هاتف كل واحد منها مؤلف من 500 صفحة.
دلالة الأنفس دلالة بليغة قال الله تعالى: (قُتِل الإنسان مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيل يَسَّرَهُ) (عبس:20) .وقال تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذاريات:21) .وقال: (يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ الذِي خَلقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) (الانفطار:8), وقال: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِليْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة:28)
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلقَةٍ لنُبَيِّنَ لكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفي وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَل العُمُرِ لكَيْلا يَعْلمَ مَنْ بَعْدِ عِلمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلنَا عَليْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُل زَوْجٍ بَهِيج, ذَلكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي المَوْتَى وَأَنَّهُ عَلى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ, وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ) (الحج:7).
وقد جمع الله تعالى ذكر دلالتي النفوس والآفاق في قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُل شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت:53) .
ونحن نعلم بالضرورة أننا وجدنا أحياء قادرين عالمين ناطقين سامعين مبصرين مدركين بعد أن لم نكن شيئا وأن أول وجودنا كان نطفة قذرة مستوية الأجزاء والطبيعة غاية الاستواء, بحيث يمتنع في عقل كل عاقل, أن يكون منها بغير صانع حكيم ما يختلف أجناسا وأنواعا وأشخاصا.
أما الأجناس فكما نبه عليه قوله تعالى: (وَاللهُ خَلقَ كُل دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْليْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ) (النور:45), وأما الأنواع فنبه عليها بقوله: (أَلمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلقَةً فَخَلقَ فَسَوَّى فَجَعَل مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى) (القيامة:39),
وأما الأشخاص فبقوله تعالى: (قُتِل الإنسان مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيل يَسَّرَهُ) (عبس:20), وبيان ذلك أنه خلق من نطفة فقدره مستوية الطبيعة, فكيف يكون منها ما يبصر, ومنها ما يسمع, ومنها ما يتذوق, ومنها ما يشم ؟ ومنها ما يحس ويتأثر, ومنها العظم الصلب ومنها الرخو اللب, ومنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع.
قال قتادة رحمه الله في قوله تعالي: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً) (الإسراء:72) .قال: من عمي عما يرى من الشمس والقمر والليل والنهار وما يرى من الآيات ولم يصدق بها فهو عما غاب عنه من آيات الله أعمى وأضل سبيلا) .

انور مهدي غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


flagcounter


الساعة الآن 03:14 PM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir