أنت غير مسجل في ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
موضوع جديد
العودة   ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة > .:: قسم العقيدة ::. > الملتقى العلمي لدراسة العقيدة
المنتديات موضوع جديد التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 23-Dec-2006, 03:10 AM   #1
عضو مؤسس
افتراضي دلالة العقل والحس على وجود الفطرة

سأقتصر هنا على ذكر دلالة العقل والحس على وجود الفطرة لوضوح دلالة الشرع عليها ، فأقول وبالله التوفيق :

أولا: الأدلة العقلية على وجود الفطرة كثيرة ومنها(1):

1- أن الإنسان قد يحصل له تارة من الاعتقادات والإرادات ما يكون حقاً، وتارة ما يكون باطلاً، فالإنسان حساس متحرك بالإرادة كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "أصدق الأسماء: حارث وهمام"(2).
وعلى هذا فلا يخلو: إما أن تكون نسبة نفسه إلى النوعين نسبة واحدة، بحيث لا يترجح أحد الأمرين على الآخر بمرجح من نفسه، أو لابد أن تكون نفسه مرجحة لأحد النوعين.
والأول خلاف المعلوم بالضرورة، فإنا نعلم أنه إذا عرض على كل أحد أن يعتقد الحق ويصدق، وأن يريد ما ينفعه، وعرض عليه أن يعتقد الباطل ويكذب ويريد ما يضره، مال إلى الأول ونفر عن الثاني.
وإذا كان لابد من ترجيح نفسه لأحد النوعين، فإن ترجيح الكذب الضار مع فرض تساوي المرجحين أولى بالامتناع من تكافئهما، فتعين أنه إذا تكافأ المرجحان فلا بد أن يترجح عنده الصدق والنفع، وهو المراد باعتقاد الحق وإرادة الخير، وهذا دليل أن في الإنسان قوة تقتضي اعتقاد الحق وإرادة النافع وهي الفطرة.

2- أن النفوس إذا حصل لها معلّم ومخصص، حصل لها من العلم والإرادة بحسب ذلك، ومن المعلوم أن كل نفسٍ قابلة للعلم وإرادة الحق، ومعلوم أن مجرد التعليم والتحضيض لا يوجب العلم والإرادة، لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك، وإلا فلو علّم البهائم والجمادات وحضضها لم يحصل لها ما يحصل لبني آدم، والسبب في الموضعين واحد، وهذا دليل على وجود قوة في النفس لطلب الحق وترجيحه على غيره وهي الفطرة.

3- أنّا لو فرضنا توقف معرفة النفس للحق ومحبته على سبب خارج عن ذاتها، فإننا نجد في كل نفس ما يدفعها إلى قبول الحق ورفض الباطل مما يعرض لها من خارج ذاتها.
وهذا دليل على وجود الفطرة التي تدفع النفس إلى هذا القبول والرفض.

4- أن كل نفس إذا لم يعرض لها مصلح ولا مفسد من خارج ذاتها، فإننا نجدها تطلب ما ينفعها وتحاول أن تدفع عنها ما يضرها، والدليل على ذلك أنا نجد الطفل مدفوعاً إلى لبن أمه ما لم يعرض له مانع كمرض فيه أو في أمه أو غير ذلك، مما يوجب نفوره عن شرب لبنها.
ومعنى هذا أن حب الإنسان لما ينفعه مركوز فيه وهذا دليل على وجود الفطرة.


ثانيا: شهادة الحس (الواقع) على وجود الفطرة:

1- عدم وجود مجتمع بلا دين:
إن فطرة الإنسان تأبى عليه الإلحاد ولذلك كان التدين والبحث عن الدين شاهداً على وجود هذه الفطرة في أعماق كل إنسان.
"ولقد بلغ من حيوية هذه الفطرة أن حاول مجموعة من الناس إقامة دين جديد ينبثق منها، ويعتمد في الإلزام على وحيها الباطني، وسمّوه الدين الطبيعي"(3).
وقد أجمع علماء المقابلة بين الأديان على أن العقيدة الدينية قديمة قدم الإنسان(4)، ففي معجم "لاروس": "إن الغريزة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشرية، حتى أشدها همجية وأقربها إلى الحياة الحيوانية، وإن الاهتمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية"(5).
ويؤكد هذا المؤرخ الإغريقي بلوتارك فيقول: "قد وجِدَت في التاريخ مدن بلا حصون.. ولا قصور.. ولا مدارس.. ولكن لم توجد أمة بلا معابد" (6).
ويقول هنري برجسون : "نرى في السابق أو في الحاضر مجتمعات إنسانية لاحظ لها من علم أو فن أو فلسفة، ولكنا لا نعرف مجتمعاً لا دين له"(7).
ويقول أوجست ساباتييه في كتابه فلسفة الأديان: "لماذا أنا متدين؟ إني لم أحرك شفتي بهذا السؤال مرة إلا وأراني مسوقاً للإجابة عليه بهذا الجواب، وهو أنا متدين. لأني لا أستطيع خلاف ذلك، لأن التدين لازم معنوي من لوازم ذاتي، يقولون لي: ذلك أثر من آثار الوراثة أو التربية أو المزاج، فأقول لهم قد اعترضت على نفسي كثيراً بهذا الاعتراض نفسه ولكني وجدته يعقدّ المسألة ولا يحلها"(8).
وعلى هذا فإنه يمكن أن يطلق على الإنسان أنه حيوان متدين بفطرته، كما يعرّف بكونه حيوان ناطق أو حيوان مفكر أو مدني بطبعه(9). ولا يلزم -مما سبق- أن كل من تدين بفطرته فدينه صحيح أو موافق للفطرة، لأن الفطرة ليست حجة في ذاتها مستقلة، فهي تتأثر بعوامل كثيرة، لكن مع ذلك بقي أثرها مع وجود العوامل المؤثرة فيها، فقادت أقواماً كُثر للبحث عن الدين الحق، ولو سَلِمت من المؤثرات الفاسدة لقادتهم إلى ذلك.

2- ظهور التساؤلات الفطرية عن الكون والحياة والإنسان، وانبعاث هذه التساؤلات مباشرة بعد اكتساب اللغة في أول سن التمييز.
يقول سانت هيلير : "هذا اللغز العظيم الذي يستحث عقولنا: ما العالم؟ ما الإنسان؟ من أين جاءا؟ من صنعهما؟ من يدبرهما؟ ما هدفهما؟ كيف بدءا؟ كيف ينتهيان؟ ما الحياة؟ ما الموت؟ ما القانون الذي يجب أن يقود عقولنا في أثناء عبورنا في هذه الدنيا؟ أي مستقبل ينتظرنا بعد هذه الحياة؟ هل يوجد شيء بعد هذه الحياة العابرة؟ وما علاقتنا بهذا الخلود؟ هذه الأسئلة لا توجد أمة ولا شعب ولا مجتمع إلا وضع لها حلولاً جيدة أو رديئة، مقبولة أو سخيفة، ثابتة أو متحولة"(10).
ويعترف آخر بالتفكير في هذه الأسئلة فيقول: "مهما يكن تقدمنا العجيب في العصر الحاضر.. فإن عقلنا في أوقات الهدوء والراحة والسكون -عظماء كنَّا أو متواضعين، أخياراً كنَّا أو أشراراً- يعود إلى التأمل إلى المسائل الأزلية"(11).
ويقول يوسف إسلام وهو يتحدث عن إسلامه وعن رحلته في البحث عن الدين الحق، ويبين كيف كانت أسئلة الفطرة تجول بداخله ويبحث لها عن جواب: "بدأت أفكر، وأبحث عن السعادة التي لم أجدها في الشهرة ولا في القمة ولا في المسيحية فطرقت باب البوذية ، والفلسفة الصينية وصرت قدرياً وآمنت بالنجوم ... ولكني وجدت ذلك كله هراء ثم انتقلت إلى الشيوعية ، ولكني شعرت أن الشيوعية لا تتفق مع الفطرة فأيقنت -إذ ذاك- أن ليست هناك عقيدة تعطيني الإجابة وتوضح لي الحقيقة -ولم أكن أعرف عن الإسلام شيئاً بعد- ... لقد أجاب القرآن عن كل تساؤلاتي وبذلك شعرت بالسعادة، سعادة العثور على الحقيقة، ووجدت في القرآن كيف أن هذه السعادة هي الخالدة"(12).

3- اقتراب البشرية شيئاً فشيئاً من مبادئ الإسلام، وقد تجلى هذا في عصرنا الحاضر في المطالب التي طرحها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان(13)، وهناك أمثلة أخرى كثيرة(14) تبين أن البشرية تقترب -نظرياً على الأقل- من كثير مما جاء به الإسلام، وجاء به الأنبياء والرسل جميعاً، وهذا دليل على وجود الفطرة في نفوس هؤلاء البشر جميعاً(15).

4- أن هناك اتفاقاً في عقول الناس وفطرهم على قبول ما اعتبره الإسلام معروفاً، واستنكار ما اعتبره منكراً، والارتياح لما اعتبره طيّباً، والنفور مما اعتبره خبيثاً، وإذا كان واقع أكثر الناس يشهد بخلاف هذا، فالسبب يعود إلى ما يحصل للفطرة من التغيير(16).

5- وجود من سلمت فطرته فأنكر على قومه ما هم فيه من الشرك بالله تعالى، فأقر بالخالق تعالى ولم يشرك به، وقد مثّل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حال فطرة هؤلاء بقوله: "مثل الفطرة مع الحق: مثل ضوء العين مع الشمس، وكل ذي عين لو ترك بغير حجاب لرأى الشمس، والاعتقادات الباطلة... مثل حجاب يحول بين البصر ورؤية الشمس، وكذلك أيضاً كل ذي حس سليم يحب الحلو، إلا أن يعرض في الطبيعة فساد يحرفه حتى يجعل الحلو في فمه مراً"(17)، ومن هؤلاء الذين سلمت فطرتهم فاستدل بما حوله من الآيات المبثوثة في الكون على الخالق تعالى، قس بن ساعدة ، فقد كان يخطب في الأسواق والاجتماعات العامة يبين للناس ما هم فيه من ضلال ومن أقواله في ذلك: "من عاش مات ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر ونبات، وأحياء وأموات، ليل داج، وسماء ذات أبراج.. أيها الناس: إن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم هذا الذي أنتم عليه، بل هو إله واحد ليس بمولود ولا والد"(18).
وممن تبين له بفطرته ضلال الشرك وعبادة الأصنام: ورقة بن نوفل ، وعبيدالله بن جحش وعثمان بن الحويرث ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، فقد امتنعوا عن مشاركة أقوامهم في عبادة الأصنام وتعاهدوا على طلب دين غير عبادة الأصنام وكان مما قالوا: تعلّموا والله ما قومكم على شيء لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به، لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، يا قوم التمسوا لأنفسكم ديناً، فإنكم والله ما أنتم على شيء، فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم -عليه السلام-"(19).

فهذه الأمور الخمسة وغيرها شهادات من واقع الناس وتاريخهم على وجود الفطرة، وأنها إذا سَلِمت من الحجب والمؤثرات تقودهم إلى الحق والنجاة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
(1) انظر: الدرء لابن تيمية: 8/456-468، وشفاء العليل لابن القيم: 516-520.
(2) هذا اللفظ جزء من حديث طويل، وقد أخرج هذا الجزء أحمد في مسنده برقم 19054 [طبعة قرطبة]، والبخاري في الأدب المفرد باب أحب الأسماء إلى الله ص 284، وأبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في تغيير الأسماء 4/287، وابن أبي عاصم في الاحاد والمثاني 5/240، وأبو يعلى في مسنده رقم 7169، والطبراني في الكبير برقم 753 و754 و949، وفي الأوسط 698، والبيهقي في سننه الكبرى، باب ما يستحب أن يسمى به 9/306، وفي شعب الإيمان 6/394،.
(3) مصادر المعرفة للزنيدي: 391.
(4 ) انظر: الدين وحاجة الإنسان إليه محمود مزروعة: 20.
(5) بحوث في الثقافة الإسلامية لعبد الظاهر وآخرون: 39.
(6) بحوث في الثقافة الإسلامية لعبد الظاهر وآخرون: 39.
(7) مقال في الإنسان فرج: 112.
(8) بحوث في الثقافة الإسلامية لعبد الظاهر وآخرون: 38.
(9) انظر: المصدر السابق: 39.
(10) وظيفة الدين في الحياة للزحيلي: 35.
(11) إن الدين عند الله الإسلام شلبي: 32-33.
(12) مصادر المعرفة للزنيدي: 350-351.
(13) الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو وثيقة دولية صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك في العاشر من ديسمبر 1948م بباريس، وقد وصفت بأنها أضخم تحد لعصرنا الحديث.
(14) ومن هذه الأمثلة: المطالبة بالطلاق، وبالقصاص، وأحكام الميراث، وعودة المرأة إلى بيتها وغير ذلك من الشهادات والأمثلة والمؤتمرات التي تؤكد قرب الناس كما ذكرنا ولو نظرياً من دين الفطرة الإسلام.
انظر على سبيل المثال: شريعة الكمال/ لعبدالوهاب صالح 41-51 وغيرها، والتشريع الإسلامي وحاجتنا إليه، لمحمد الصباغ.
(15) انظر: دلائل التوحيد للقاسمي 136، دليل الأنفس لعز الدين 27.
(16) انظر: دلائل التوحيد للقاسمي 136، دليل الأنفس لعز الدين 27.
(17) مجموع الفتاوى لابن تيمية: 4/247.
(18) هذه الخطبة لها ألفاظ عدة وقد ذكرها بطرقها وألفاظها، ابن كثير في البداية والنهاية 3/299-315، والطبراني في الكبير برقم 12561.
(19) السيرة النبوية/لابن هشام: 2/51.

التوقيع
" ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم "
علي القرني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 23-Dec-2006, 05:15 PM   #2
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
رقم العضوية: 2
الدولة: السعودية
المشاركات: 1,066
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 2
عدد المشاركات : 1,066
بمعدل : 0.23 يوميا
عدد المواضيع : 208
عدد الردود : 858
الجنس : ذكر

إرسال رسالة عبر AIM إلى سعد الماجد
بارك الله فيكم

أشكرك على العرض الممتع والمشاركة المتميزة
وا حبذا لو جعلت موضوعات الفطرة متسلسلة في حلقات ، مع التعريف للفطرة والصحيح في تفسير الفطرة كما جاءت بذلك النصوص ، وبعض الدراسات لهذا الموضوع ....وفقت لكل خير

التوقيع
[IMG]http://www.alsaqr.com/tawqee3/sob7ank.gif[/IMG]
سعد الماجد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


flagcounter


الساعة الآن 05:08 AM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir