أنت غير مسجل في ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
موضوع جديد
العودة   ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة > .:: قسم الملل والمذاهب المعاصرة ::. > ملتقى دراسة الملل والمذاهب المعاصرة
المنتديات موضوع جديد التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-May-2008, 12:31 AM   #1
عضو متميز
افتراضي ملف مجلة البيان عن ( اللبرالية )

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

دعاة اللبرلة!

عقول محتلة... أم ولاءات مختلة؟

د. عبد العزيز كامل




ربما لم يأخذ الفكر الليبرالي حظه من الدراسات التحذيرية في حقول الدراسات الإسلامية خلال عقود طويلة مضت، كما حدث مع الفكر الشيوعي أو القومي أو البعثي، ولعل ذلك يعود إلى أن الليبرالية كثيراً ما تسترت وراء ديكور الديمقراطية، وتنكرت أحياناً أخرى بأقنعة الحرية الفكرية، والسعادة الفردية، وقِيَم التحضر والتمدين والتحديث، في أوقات كان معظم العالم العربي والإسلامي يئن تحت وطأة نظم شمولية بأفكار قمعية تاقت الشعوب معها إلى معاني الحرية والانطلاق. وقد انهمك المثقفون والمفكرون في مناهضة الفكر الإلحادي، شرقياً كان أو غربياً، ظانين أن الفكر الليبرالي متحرر من الأيديولوجيات والثوابت أياً كانت.

ولما انهار جدار الشيوعية، فرح بذلك العالم (الحر) في أمريكا والغرب، ودق طبول النصر لعصر جديد، تتسيد فيه القيم الغربية الليبرالية بلا منافس أو منازع، ليشترك العالم بالترغيب أو الترهيب في رفع رايات انتصار خادع، على جثة نِدٍ حضاري مزيف، هو الاتحاد السوفييتي السابق، ورفع أحد فلاسفة أمريكا المعاصرين «فرنسيس فوكوياما» عقيرته بانتصار الليبرالية في المعركة الحضارية الإنسانية، ليسدل الزمان أستاره على المشهد الأخير والمثير من مسرحية «نهاية التاريخ»!

وبدأ الأمريكيون بعدها يتحركون بهستيريا لإخضاع (العبيد) أو (الهنود) للدخول قسراً في سجن الحرية الليبرالية، وأصبحنا أمام (جوانتنامو) ثقافية واقتصادية وسياسية وأمنية اسمها (العولمة)؛ حيث لا مجال للحديث معها عن ديمقراطية الأغـلـبية، ولا الذاتية الشخـصية أو الخـصوصية الثقـافـية، ولا حتى منطق المصلحة، وبخاصة إذا كانت مصلحة (الآخر).

ويؤسفنا بعد كل هذا أن نجد من بني جلدتنا من يجعل من نفسه منصة تنطلق منها صواريخ الدمار الفكري الشامل القادم من أمريكا، صوب أراضينا المكشوفة وسماواتنا المفتوحة، متعللين بحريتهم في الفكر والفعل.

إن القضية قبل أن تكون اعتناقاً لفـكر، أو اقتـناعاً بمـبدأ؛ هي قضـية إيمـان وتسـليم؛ فمن الحقـائق المقـررة في ديـننا أن الله لم يتـرك منـاهج إصـلاح البـشر للبـشر بشكل مطـلق، بل تولى ـ سبحـانه ـ ذلك بنفـسه، فأرسـل لذلك الرسـل وأنـزل الكتب، ونادى الوحي في الناس جميعاً: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء: 174 - 176]. وإن الظن بأن البشر يمكنهم التفرد بتدبير شؤونهم بما يتفق مع غاية خلقهم، هو سوء ظن بالإله الخالق ـ سبحانه ـ وادعاء عليه بالعبثية وعدم الحكمة ـ جل ربنا عن ذلك ـ إذ كيف يخلق ويرزق، ثم يأذن للإنسان بأن يفسد باسم الإصلاح، أو يفجر باسم التحرر...؟ {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ كَالْـمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْـمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ * كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [ص: 27 - 34].

إن كل فكر إنساني لا يعبأ إلا بالحياة الدنية القصيرة، دون اكتراث بالنجاة في الحياة الآخرة الباقية؛ لهو فكر معاد للإنسانية، مهما ادَّعى أصحابه الحرص على سعادة الإنسان؛ لأن هذا الفكر في النهاية هو اتباعٌ للهوى الذي يهوي بالإنسان إلى دركات التيه والضياع.

والفكر الليبرالي (Libralisme) لم يبلوره مفكر واحد في عصر واحد، بل اشترك في وضع أصوله العديد من المفكرين في أزمنة وأمكنة مختلفة، حتى صارت له أسسٌ تشمل نواحي الحياة في جوانبها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والدينية، إلاّ أن هذا الشمول لا ينفي عن الليبرالية صفة القصور؛ لأنها اقتصرت في الجملة على تلبية الغرائز الدنيا في الإنسان، دون أدنى اعتبار للقيم العليا التي من أجلها كرّم الله بني آدم وحملهم في البر والبحر وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً، بل هي فوق ذلك لا تعتمد إلا على أخس قدرات الإنسان على الفعل، وهي التمرد على إرادة الله عن طريق الكسب الاختياري الذي منحه إياه: {بَلْ يُرِيدُ الإنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} [القيامة: 5 - 6]، وهذا هو أحط أنواع العبودية لغير الله؛ حيث يجعل من نفسه إلهاً لنفسه.

لقد نشـأ الفـكـر اللـيبرالي في بيئة غير بيئتنا، وتأصل على غير شريعتنا وأخلاقياتنا، وطُبق في غير مجتمعاتنا، واستهدف علاج آفات وإصلاح عيوب لم تعانِ منها أمتنا؛ فليس عندنا تسلط كنسي على عقول الناس، ولا احتكار كهنوتي للحقيقة، ولا خرافة طقوس تقوم على الخصومة المفتعلة بين الدين والعلم، ومع هذا، هَامَ به ـ على طريقة جُحر الضب ـ أقوام من المسلمين، وأرادوا أن يستوردوه ومعه العز والتقدم والشرف، فلم يجرُّوا بذلك على أمتهم إلا الذل والتأخر والانكسار، وصعب عليهم بعد ذلك ـ كما فعل الغراب حين أراد أن يقلد مشية الهُدْهُد ـ أن يعودوا لما كانوا عليه، فلا هم ظلوا مسلمين صلحاء أنقياء، ولا هم صاروا غربيين خلصاء بل: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلَى هَؤُلاءِ وَلا إلَى هَؤُلاءِ} [النساء: 143].

نشأ الفكر الليبرالي عن فلسفة سياسية واقتصادية، أفرزت قناعات ثقافية وممارسات اجتماعية، حاولت بعد ذلك أن تتحول إلى منطلقـات لحـريـة ديـنية، ونـسبية اعـتقادية، تؤول إلى (اللا دين). والليبرالية، بكل تعريفاتها لكل أصنافها؛ تركز على جوهر واحد يتفق عليه جميع الليبراليين، وهو أنها: تعتبر الحرية هي المبدأ والمنتهى في حياة الإنسان، وهي وراء بواعثه وأهدافه، وهي المقدمة والنتيجة لأفعاله. فالحرية هي سيدة القيم عندهم دون أدنى حدود أو قيود، سواء كانت هذه الحدود هي (حدود الله) أو كانت تلك القيود لسبب سياسي أو اجتماعي، أو ثقافي، أما مبدأ عبودية الإنسان لخالقه كما جاءت به رسالات السماء جميعاً، فهي عند الليبراليين لون من تراث الماضي «المتخلف».

بدأ الفكر الليبرالي في مرحلته المبكرة داعياً إلى حق التمرد ضد الحكومات التي تقيد الحريات الشخصية، ولهذا أوحت الأفكار الليبرالية بالثورة الإنجليزية عام 1688م، والأمريكية عام 1775م، والفرنسية عام 1789م، وأدت هذه الثورات إلى قيام حكومات تعتمد على دساتير تقدس حق الإنسان في الحرية الشخصية بأوسع دوائرها، دون التزام تجاه شيء، إلا القوانين المصاغة أصلاً لحماية الحريات الشخصية.

صحيحٌ أن الحرية الإنسانية، بضوابطها الأخلاقية، قيمة عظيمة، يفقد الإنسان من حقوقه الآدمية بقدر ما يفقد منها، ولكن التحريف الذي لحق بدين الأوروبيين النصارى، في تقنين ألوان من العبودية، جعلتهم يثورون على تلك التطبيقات المنحرفة للأديان المحرفة، ولو كنا مكانهم تحت التسلط والاستبعاد، لثرنا مثلهم؛ لأن للحرية الإنسانية حدوداً لا يطيق الإنسان بوصفه إنساناً أن يُحرم منها على الشكل الذي شرعته الكنيسة من دون الله. ولكن الفكر الليبرالي لم يقف عند حد علاج الخلل الناشئ بسبب فساد تصورات الكنيسة في الدين والسياسة والاقتصاد والاجتماع، بل جعل الآلهة المتعددة إلهاً واحداً هو الهوى، فهو المعبود الحقيقي في الملة الليبرالية.

الليبرالية... وتأليه الهوى:

يدرك من له أدنى إلمام بتصنيفات وتفريعات أصحاب الـملل والنحل والأديان، أن الإنسان بمعزل عن هداية الوحي، عبد كل شيء من حجر وشجر وشمس وقمر، وقدَّس الكثيرَ من الحيوان والهوام، وأطاع كل طاغوت من إنسان وجان، إلا أن هناك عبادة أخرى لم تشتهر بين العبادات؛ لأن المعبود فيها غير مشخـص ولا ثابت، والعبادة فيها بلا شعائر ولا طقوس، ألا وهي عبادة الذات وتقديس الهوى، وتلك العبادة تختلف عن غيرها، بأن العبودية فيها غير واضحة المعالم؛ فهي مجرد سير أعمى وأهوج في طرق مظلمة بحثاً عن سعادة مفقودة، وغاية غير موجودة.

وهذا الظلام الحالك، هو ما أشار إليه القرآن في قول الله ـ تعالى ـ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23]، ففي الآية تنديدٌ بمن يأتمر بأمر هواه؛ فما رآه حسناً فعله، وما رآه قبيحاً تركه، وهذا هو جوهر التأليه؛ فكل ما يستلزم الطاعة بلا قيود فهو عبودية، والإله المعبود في الآية هو الهوى، من باب التشبيه البليغ أو الحقيقة، والطاعة هنا مستلزمة للمحبة والرغبة، فـ (هواه) بمعنى: مهويه ومرغوبه المطاع.

ولهذا فإن عِلْم عابد الهوى لا ينفعه إن كان عنده علم؛ لأن الله ختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، فلا هادي له ولا مرشد من بعد الله؛ لأنه أغلق على نفسه باب الهداية عندما عزل نفسه بنفسه عنها.

ولم نرَ في الأفكار والمناهج المنحرفة شيئاً ألصق بوصف عبادة الهوى وتقديس الذات مثل الليبرالية المعاصرة من حيث وضعها وتعريفها؛ فهي تعني طلاقة حرية الإنسان وانفلاتها من كل القيود، بحيث لا يكــون هنـاك أي مانـع أو رادع مـن فـرد أو أسرة أو جماعة أو دولة أو فكر أو دين أو تقاليد، بل يتصرف المرء وفق ما تمليه النفس وتسوق إليه الرغبة على ألا يتعدى على حرية الآخرين. صحيح أن أرباب الليبرالية يختلفون فيها بقدر اختلاف أهوائهم، إلا أنهم يتفقون على شيء واحد، وهو وصف موسوعة (لالاند) الفلسفية لها بأنها: «الانفلات المطلق بالترفع فوق كل طبيعة».

وقد عرَّفها المفكر اليهودي (هاليفي) بأنها: «الاستقلال عن العلل الخارجية، فتكون أجناسها: الحرية المادية والحرية المدنية أو السياسية، والحرية النفسية والحرية الميتافيزيقية (الدينية)» وعرفها الفيلسوف الوجودي (جان جاك روسو) بأنها: «الحرية الحقة في أن نطبق القوانين التي اشترعناها نحن لأنفسنا». وعرفها الفيلسوف (هوبز) بأنها «غياب العوائق الخارجية التي تحد من قدرة الإنسان على أن يفعل ما يشاء».

وهكذا نرى أن تعريفات الليبرالية تُجمِع على أنها انكفاء على النفس مع انفتاح على الهوى؛ بحيث لا يكون الإنسان تابعاً إلا لنفسه، ولا أسيراً إلا لهواه، وهو ما اختصره المفكر الفرنسي (لاشييه) في قوله: «الليبرالية هي الانفلات المطلق».

ولهذا فإننا نعجب كل العجب ممن لديه أدنى معرفة بمعنى العبودية لله في الإسلام؛ كيف يجرؤ أن يقول: (الليبرالية الإسلامية) فيجمع بين مـتنـاقضين، وهل يمكن أن ينادي مـن أسـلم بـ «انفـلات مطـلق» أو «تطبيق للقوانين التي اشترعها الإنسان بنفسه لنفسه»؟! وهل هناك في الإسلام استقلال عن كل المؤثرات الخارجية في الاعتقاد والسياسة والنفس والمادة؟! كيف يمكن أن تنسب كـل هـذه القبـائح للإسلام أو تصبغ به؟ إن الليبراليين الـغربـيـين يحـلو لهم كثيراً أن يكسوا هذه الدمامة بأصباغ من الجمـال المصطنع، فيفلسفوا اتِّباع الهوى بـ «تحكيم العقل» ويصـفـوا التـمـرد على القـيم والـثوابـت بـ «الحرية المطلقة» أو «منع المنع»، ويرددوا دائماً بأنهم ضد الاستبداد السياسي الذي يمثله استبداد الدولة، والاستبداد الاجتماعي الذي تمثله القيم والأعراف، والاستبداد الديني الذي تمثله العقائد.

ولذلك نرى الليبراليين بكل أصنافهم ينفرون من كلمة (ثوابت) ويضيق عَطَنُهم من كلمة (عقيدة) ويفرون كأنهم حمرٌ مستنفرة فرت من قسورة إذا حدثتهم عن ثبات الأحكام، ودوام الحكمة والصلاحية فيها.

وبالنظر إلى أن طبيعة الهوى وسجية أهل الأهواء هي التقلب والتغير، فقد صاحَبَ الغموضُ مصطلحَ (الليبرالية) في مرحل تطورها، إلا في أمر واحد؛ وهو: تحقيق الرفاه والترف والذاتية الفردية إلى الحد الأقصى، وتحول هذا من الإطار الذاتي إلى الإطار الجمعي لدى المجتمعات التي تبنت الأفكار الليبرالية، والتي أسمت نفسها (العالم الحر)، وأصبح هذا العالم (حراً) في أن يحقق الحد الأقصى من الرفاة والمتاع، سيراً وراء الهوى المتبع والشح المطاع للأفراد، كل ذلك على خلفية المصلحة، المرادفة في كل الأحوال للأنانية المفرطة.

ولهذا وجد الناس البَوْن شاسعاً بين شعارات الليبرالية في عالم المثال، وتطبيقاتها في عالم الواقع؛ فقد غاب العامل الإنساني، وحل محله العامل الطبقي أو العنصري، ولم يعد (الإنسان) هو قضية الليبرالية الأولى إلا بحسب لونه أو جنسه أو مستواه الاقتصادي. فالليبرالية السياسية (الديمقراطية) في الغرب تختلف عن ديمقراطيات البلدان التابعة أو المستعبَدة من الغرب، والليبرالية الاقتصادية (الرأسمالية) في الغرب يجب أن توصِل عندهم إلى نتائج مسيطِرة، وعندنا إلى نتائج مسيطَر عليها. وأما بقية مفردات الليبرالية من ثقافية واجتماعية ودينية، فهي ينبغي أن تمثل عندهم نموذج القدوة والمثال، بينما تمثل لدى مقلديهم أنماط التبعية والذوبان إلى حد الابتذال.

أما الليبرالية الفكرية الثقافية والدينية فهي الأخطر، وتعني عندهم المزيد من هجر الخصوصيات والثوابت عند الأمم، في حين يفيئون هم إلى ما يعدُّونه قِيَماً يجب تصويرها بأحسن صورة، وتصديرها على أوسع نطاق.

وقد حدثت في ذلك تجارب وتجارب، دأب المفتونون بالفكر الليبرالي فيها على أن ينقلوا إلى مجتمعاتنا أدواء الليبرالية، دون أن يستطيعوا أن يداووا بها مرضاً.

لن نتحدث هنا عن تجربة تركيا المريرة في ذلك، سواء على يد العلمانيين أو أشباه الإسلاميين؛ فقد يقال إن تركيا في قسم منها جزء من أوروبا، ولهذا تسعى للتواصل معها واللحاق بها، ولكن أمامنا تجربة أخرى عربية غير تلك التركية، وهي التجربة المصرية التي خاضها العلمانيون كاملة لتنتهي إلى نتائج وخيمة لا تزال الأجيال في مصر تعاني منها لليوم، ومع هذا فقد ظلت هذه التجربة الخاسرة جاهزة للتصدير رغم كل علامات التحذير من انتهاء صلاحيتها وفساد مكوناتها.

i تكرار التجارب... واجترار الأخطاء:

انبرى نفر من المفتونين بالفكر الليبرالي فيما مضى من العقود في مصر يبشرون بذلك الفكر على صُعُد مختلفة، ففي السياسة برز (سعد زغلول) ليكون داعية للنهج الأوروبي في الأداء السياسي، وبالبرغم من نشأته الأزهرية، إلا أن رحلاته المتعددة لأوروبا غيرت من فكره، وأقنعته بأن المحتل الأوروبي عندما يرحل ـ ولا بد أنه سيرحل ـ يجب الإبقاء على ما جاء من أجله، وهو تجذير التغيير في بنية الشعوب، لتقترب من النموذج الأوروبي، ولم يكن سعد زغلول وحيداً في حمل الهم الأوروبي رغم اقتران اسمه بالبحث عن الاستقلال، بل حمل معه هذا الهم كثيـرون ممن أُشـرِبوا في قلوبهم حب الأوروبيين من خـلال التعـليم في مـدارس الإرسـالـيات أو معـاهـد الأقـبـاط، أو ضمن البعثات الخارجية؛ حيث دشن هؤلاء (العائدون من أوروبا) حملة تغريب منظمة بالتنسيق مع قوى (الاحتلال) حيناً، وتحت راية (الاستقلال) أحياناً.

فالاستعمار الإنجليزي استمر في مصر الفترة نفسها التي استمر فيها المد الليبرالي، وتحت إشراف ذلك المستعمر، وضع الليبراليون أيديهم على كل منافذ التأثير، وقد تعاقبت على حكم مصر حكومات تنتمي إلى أحزاب سياسية، وكان أكثرها يحمل المبادئ الليبرالية في السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع، كحزب الوفد الضليع في علمانيته الذي أسسه سعد زغلول والذي تفرعت منه أو انشقت عنه أحزاب علمانية، تؤمن كلها بالمبادئ الليبرالية على اختلافٍ بينها في الوسائل، وفي المدة من (أكتوبر 1922م) وحتى قيام ثورة (يوليو 1952م) أي فيما يقرب من ثلاثين عاماً، قامت في مصر إحدى وأربعون وزارة، كان الوفديون الليبراليون أو المنشقون عن الوفديين (السعديين) يتناوبون فيها مع غيرهم من العلمانيين على كراسي رئاسة الوزراء، ولم يكن التنافس بين هذه الأحزاب في الغالب إلا بقدر إثبات قدرتها على إحداث التغيير في بيئة المجتمع المصري وفق معايير الغرب؛ فماذا كانت الحصيلة؟

w وضع دستور علماني لمصر عام (1923م) على يد حزب الأحرار الدستورين المتعاطفين مع الانجليز، وهو الدستور الذي ظل معمولاً به مدة المد الليبرالي، والذي نص صراحة على أن التشريع حق خالص للبرلمان، وهو ما يعني تنحية الشريعة، وظل ذلك تقليداً متبعاً بعد ذلك.

w أبرمت معاهدة (1936م) بين الإنجليز وبين حزب الوفد الليبرالي في إحدى فترات (مصطفى النحاس) الذي تولى رئاسة الوزراء سبع مرات، وكانت معاهدة تحالف مع الاحتلال، تتخفى وراء مفاوضات الاستقلال، وقد استمرت لثلاثة عقود، في ظل المد الليبرالي المنادي بالتحرر.

w في ظل الأحزاب الليبرالية، جرى (تأليف) أحكام مبدلة وضعية بدلاً من الأحكام الشرعية على يد (عبد الرزاق السنهوري)، وفريقه، وهي الأحكام والقوانين المحادة للشريعة والمتناقضة مع أحكامها ومقاصدها والتي أصبحت مصدراً تستمد منه معظم الدول العربية فيما بعد قوانينها، وقد أحلت تلك القوانين كثيراً من المحرمات وألغت مرجعية الشريعة بشكل عملي.

w انطلقت مؤامرة (لبرلة) أو (تحرير المرأة) من حجاب العفة والكرامة، على يد قاسم أمين (تنظيراً)، وهدى شعراوي وصفية زغلول (تطبيقاً) وانتشرت العدوى بعد ذلك إلى بلدان عربية عديدة حتى صارت بعض العربيات ينافس الأوروبيات في (الليبرالية) الاجتماعية والأخلاقية.

w أُرسيت قواعد التعامل الربوي لتُبنى عليها صروح الاقتصاد، على يد (طلعت حرب) الذي أقام اقتصاداً وطنياً حراً، ولكنه كان حرباً على الله ورسوله؛ لأنه لم يذر ما بقي من الربا، بل أقام له المؤسسات والشركات ليؤكل أضعافاً مضاعفة.

w أُصِّل «بطلان» الحكم الإسلامي على يد (علي عبد الرازق) الذي بلغت (اليبرالية الدينية) على يديه أن زعم أن المسلمين أحرار في أن يهجروا تحكيم الشريعة؛ لأن الإسلام دين لا دولة.

w جرت علمنة مناهج التعليم، على يد المستشار (دنلوب) المفوض الإنجليزي الذي كلف بوضع المعالم الرئيسة لمناهج التعليم المصرية؛ بحيث يُحَيَّد فيها الدين والتاريخ الإسلامي، وتهمش اللغة، وتستلهم المبادئ الغربية.

w أما الصحافة والإعلام فلا تسل عن تعاون الفجار مع الكفار في إنشاء مؤسساتها وإرساء قواعدها على أسس منافية للدين عقيدةً وشريعةً وأخلاقاً؛ حيث اشتهرت أسماء لأخبث قوى الهدم باسم الكتابة والفن والأدب، ولمعت أسماء كثير من النصارى واليهود الذين قاموا في ظل حماية الحكومات الليبرالية بهدم كل ما طالته أيديهم من قيم وأخلاق ومبادئ، بالتعاون مع حثالة من دروز لبنان، ونصيرية سوريا، وأقباط مصر، مع من داروا في فلكهم من سقطة القوم.

إن المحصلة النهائية للتجربة الليبرالية التي سادت في مصر في النصف الأول من القرن العشرين، أثمرت جيلاً تطلع إلى المزيد من الانحراف باسم التحرر، حتى جاء الثوريون ليثوروا على التحرريين، ويزايدوا عليهم في المناداة بمبادئ الحرية، حتى نعتوا أنفسهم بـ (الضباط الأحرار) تشبهاً بعتاة العلمانيين في تركيا، وتحت دعوى القضاء على فساد الأحزاب المتعددة في عهد الملكية، جرى جمع الفساد كله في حزب شمولي واحد أطلقوا عليه (الاتحاد الاشتراكي)، وهو الحزب الذي تسربت إليه، وتحيزت إلى صفه كل عناصر الفساد القديمة، إضافة إلى العناصر المفسدة الجديدة.

واليوم تحاول الولايات المتحدة تحت مسمى إصلاح الشرق الأوسط الكبير، أن تجدد الدماء المتجمدة في عروق الليبرالية المصرية، وتنشئ لها على عينها أجيالاً جديدة، بعد (الانقلاب الأبيض) الذي قام به الثوريون على أنفسهم، انتقالاً من النهج الاشتراكي الشرقي، إلى النهج الديمقراطي والرأسمالي الغربي؛ حيث لم يَرُقْ للأمريكيين ذلك التردد والتلكؤ الذي سلكه بقايا (جيل الثورة) في انقلابهم على النهج الاشتراكي، كما لم تقنعهم نتائج (المواجهة الشاملة) مع أصحاب النهج الإسلامي، الذين أظهروا رفضاً لكلا المنهجين المستوردين الاشتراكية والرأسمالية؛ ولهذا فإن الأمريكيين اليوم يتطلعون إلى إيصال قوى شابة، تقود المعركة من جديد لصالح الغرب مع الإسلاميين، أو بالأحرى مع الإسلام في مصر، غير تلك القوى التي قادت المعركة من قبل لصالح الشرق.

ولكن الولايات المتحدة نفسها، بدأت بنفسها في إثبات أن ما يسمى بـ (القيم الديمقراطية والليبرالية) تسقط عند أول اختبار في ميدان المصالح، وتترنح في حلبة الصراع، عندما يكون الند المحارب صاحب حق، أو طالب حرية حقيقية.

i تعدد الليبراليات وتهاوي الشعارات:

إذا كانت الليبرالية السياسية تعني حق الإنسان في اختيار النظام الذي يريده، والنواب الذين يمثلونه، بما يكفل تحقيق العدالة والمساواة والاستقلال؛ فإن هذه الليبرالية بدأت تسقط كشعار على يد الولايات المتحدة ودول الغرب المبشرة بها؛ فقد درجت الولايات المتحدة وحلفاؤها على انتهاك سيادة وحرية العديد من الدول في السنوات الأخيرة، مرة بالغزو المباشر، ومرة بالتدخل السافر، ومرات ومرات بأنواع العقوبات، وبهذا يجري بانتظام إهدار ما يعده الغرب قيماً وأعرافاً قامت لأجلها الثورات الكبرى هناك، ويحدث هذا من أمريكا بالذات على يد يمين ديني مغالٍ، يؤمن بالحرفية أكثر مما يؤمن بالحرية، حتى إن الحقوق السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها، باتت تعيش خطراً وضرراً بدأ يصل إلى حد ارتفاع بعض الأصوات بحرمان النساء والسود والمهاجرين من حق الانتخاب، وقصر ذلك على البيض البروتستانت. وهو ما يؤكد أن مشروع الهيمنة الأمريكي ليس من أجل الحريات، بقدر ما هو بسبب المصالح العنصرية والطبقية في الداخل والخارج.

إن هذا يعني في النهاية أن مسلسل سقوط (القيم) الليبرالية قد بدأ بالفعل على يد من بشروا بها، ووضعوا خطط السيـطرة عـلى العـالم مـن أجـلـها، بل إن الديمقراطية نفسها ـ كأبرز تجليات الليبرالية السياسية ـ بدأت تفقد بريقها الخادع هنا وهناك، بعد أن بدا للجميع أنها لا تزيد عن عملية بيع وشراء، لا للسلع والمنتوجات، ولكن للذمم والأصوات، فهاهي الولايات المتحدة نفسها، ترتفع فيها تكاليف شراء المناصب العليا بمعدلات صاروخية؛ فمجموع ما أُنفق على الانتخابات الرئاسية قد ارتفع من 175 مليون دولار عام 1960م إلى أكثر من مليار ومائتي مليون دولار عام 1980م، وارتفع إلى ثلاثة مليارات ومائتي مليون دولار في التسعينيات، ووصل إلى أربعة مليارات من الدولارات في آخر التسعينيات، وفي الانتخابات الأخيرة بلغت تكاليف فوز بوش وحزبه خمسة مليارات من الدولارات.

هذا عند زعيمة العالم الليبرالي الحر في الغرب. وأما في الشرق؛ فإن الكراسي ومناصب الحكم بل مقاعد النيابة عن الشعب عند من يلهثون وراء السراب الليبرالي والديمقراطي، تُسرق ولا تُشترى، فإذا كان كبار رجال الأعمال في الغرب يشترون الأصوات شراء؛ فإن كبار المحتالين عندنا يسرقونها سرقة، بتزوير ظاهر، وتحايل مكشوف، بل بـ (بلطجة) وشيطنة وانحراف. أما في واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط (إسرائيل) فقد تكشفت مؤخراً فضيحة تورط شارون وابنه (عمير) بالكذب والتزوير وإنفاق مبالغ طائلة من أموال دولة اللصوص القائمة على الاغتصاب، لإنفاقها على العملية الانتخابية التي جاءت بشارون.

أما الليبرالية الفكرية التي تعد أساساً لليبرالية السياسية، فهي تؤصل منذ نشأتها للفوضي الفكرية، ولهذا فإن كل ما يبنى فوقها من منشآت سياسية يؤول أمره إلى الفوضى، وثورة الليبرالية على الدين وثوابته لا تلبث أن تتحول إلى ثورة على السياسية ومسالكها.

وتأتينا الليبرالية الاقتصادية (الرأسمالية) بوجهتها الانتهاـزية ونكـهتـها اليـهوديـة؛ إذ تقـوم منذ وضع أسسها (آدم سميث 1723 ـ 1790) على المصلحة، أو (الأنانية)، فهي المحرك الوحيد للنشاط الإنساني كما يقول، ولا ينبغي أن يوضع أمام المصلحة أي قيد، وهو ما عبر عنه بقوله: (دعه يعمل، دعه يمر)؛ فالاقتصاد لا ينظمه حسب النظام الرأسمالي إلا قانون العرض والطلب وقوانين الطبـيعة البشـرية، دون أي قيود أو ضوابط.

وتجيء الليبرالية الدينية، أو (الميتافيزيقية) كما يسمونها أحياناً، لتكون عاراً على كل من يتبنى الليبرالية ممن يدعي احترام المبادئ الإنسانية فضلاً عن القيم الإسلامية، فالليبرالية الديـنية، أو التعددية الدينية تسعى إلى نمط من الفكر الديني، لا يتقيد بأية قواعد، ولا يستند إلى أية مرجعية، بل يستند إلى حرية الإنسان في اختيار الإله الذي يهواه، ولو عبد كل يومٍ إلهاً.. ولو لم يعبد إلهاً على الإطلاق إلا هواه.

والليبرالية الدينية تقوم على فكرة نسبية الحقيقة، وترِّوج لمقولة: لا دين على الإطلاق يحتكر الصواب.

ولهذا كانت الليبرالية الدينية دائماً هي الأداة الخادمة والدافعة لبقية الليبراليات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية؛ لأن الليبرالية الدينية تهدم أولاً القواعد، وتزيل الحواجز، لينطلق (البناؤون الأحرار) بعدها في تشييد أبنية الضلالة على أسس الغواية، كل ذلك على خلفية إلغاء الخصوصيات الثقافية، وتدمير مفهوم (المقدس) وتبديله بمهفوم (النسبية) في الحقائق والعقائد والقيم لإزالة الثبات عنها، حتى لا يبقى هناك مجال لأصول تبنى عليها الهوية، أو ترتكن إليها القيم.

وفي عالمنا الإسلامي، وبالرغم من أن الليبرالية بدأت تظهر حقيقتها على أنها حملة استئصالية، تستهدف الدين في أصوله قبل فروعه، والأخلاق في جوهرها قبل مظهرها؛ فقد وجدت من الأفّاكين من يروِّج لها ويتحدث باسمها، بل تطور الأمر إلى أن بعض الطيبين انساق إلى الانخداع بالليبرالين والإنصات لقولهم، وصدق الله: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47].

وتمخض الأمر عن ميلاد ما يعرف الآن بـ (الليبرالية الإسـلامـيـة) علـى غـرار ما كـان يعـرف بـ (اشتراكية الإسـلام) و (اليسار الإسلامي) وكذلك دعوى (ديمقراطية الإسلام) والدعوة إلى (أسلمة العلمانية).

والسؤال هنا: هل سيؤول مصير (الليبرالية الإسلامية) إلى معنى (الليـبرالية الدينية) المتمحور حول مقولة (جون هيك): «لا دين يحتكر الحقيقة»؟! نخشى أن يحدث ذلك! وهل سيقول الليبراليون (الإسلاميون) إن الإسلام لا يملك كل الحقيقة، وأن عقيدته لا تمثل كل الصواب؟ فبعض الأفراخ الجديدة للفكر اللـيـبرالي (الإسلامـي) بـدأت تكشـف عن نفسـها فـي جـراءة لا تُستغرب على من يؤمن بـ (نسبية الحقيقة) و (تطور القيم)، وهو ما قد يوصِل إلى التطابق والتماثل بين (الليبرالية الإسلامية) والعلمانية الرامية إلى فصل الدين عن الحياة، ولكن هذه قضية أخرى تحتاج إلى تفصيل وتأصيل.

غير أن إرهـاصـات التـحـول (العـربـي) الليبرالي العلني إلى محادَّة الدين تشعرنا بالقلق، من أن تتحول هذه العدوى إلى التوجه الليبرالي (الإسلامي) المدَّعى.

يثير موقع شبكة (الليبرالية الكويتية) في زاوية (من نحن؟) السؤال التالي: «هل الليبرالي علماني؟»، ويجيب: «نعم! كل الليبراليين علمانيون»، ثم يثير سؤالاً آخر: «ما هو موقفنا من تطبيق الشريعة الإسلامية؟» فيجيب: «الحقيقة هي أنه لا توجد هناك أية شريعة إسلامية، بل هناك شرائع إسلامية متعددة.. وقد أثبت التاريخ أن جميع الدول الدينية في التاريخ الإنساني هي دول دكتاتورية قمعية، ولا يوجد نموذج لشريعة إسلامية حتى الآن يتوافق مع حقوق الإنسان الأساسية» ثم ينتهي القائمون على الموقع إلى القول: «الطريق إلى العدل والمساواة والحرية يبدأ بتطبيق الديموقراطية والليبرالية الحرة، أما الدعوة إلى الشريعة؛ فما هي إلا أوهام مخلوقة من الجماعات الأصولية لبسط نفوذها».

هل يستطيع الليبراليون (الإسلاميون) تبرئة زملائهم من الليبراليين العرب في الكويت أو غيرها من هذا الإلحاد الصريح؟ وهل يستطيعون أن ينفوا عن الليبراليين (الإسلاميين) في تركيا مثلاً توقهم المتسارع والمندفع إلى نحو تلك الليبرالية الدينية..؟ لقد قال نجم الليبرالية (الإسلامية) «رجب أردوغان»: «نحن بحاجة إلى تغيير توجهنا إلى حيث الليبرالية الدينية..»، ومع هذا لا يزال «أردوغان» فارس أحلام العديد من (الإسلاميين) الليبراليين، الذين تسميهم بعض الأوساط الأمريكية (الإسلاميين الجدد).

لا نشك أن الولايات المتحدة سترعى هذه التيارات الجديدة، وستتبناها؛ لأنه أقصر طريق للوصول إلى بغيتها في ضرب ما تسميه (الإسلام الأصولي) أو (السلفي) أو (الوهابي)، بل إنها ستزرع زرعاً ـ من خلال نفوذها على الحكومات ـ مثل هذه العناصر الداعية إلى (التحرر الديني) في مناصب التأثير والتوجيه الاجتماعي، وهو ما كشف عنه تقرير معهد (راند) الشهير عن (الإسلام المدني الديموقراطي) أي (الإسلام الليبرالي) وكذلك تقرير (عقول وقلوب ودولارات).

والولايات المتحدة لم تعد تخفي رغبتها العارمة في فرض (الليبرالية الدينية) تحت مسمى (الحريات الدينية)؛ فقد بدأت منذ سنوات في إصدار تقرير سنوي باسم (تقرير الحرية الدينية في العالم) تركز فيه على العالم الإسلامي، وهذا التقرير يصدر بموجب ما يسمى بـ (قانون الحرية الإمريكي) الصادر عام (1998م) والذي يستهدف بحسب وصف موقع الخارجية الأمريكي على الإنترنت «دراسة وفحص المعوقات التي تحول دون (إطلاق) الحرية الدينية في مئة وسبعة وتسعين دولة ومنطقة في العالم».

صدر التـقرير السـابع عن الحرية الدينية في العالم في 8/11/2005، على أن يُقدَّم للكونجرس الأمريكي لمناقشته، وقد انتقد حالة الحرية الدينية في عدد من الدول العربية والإسلامية، وأثنى على (التقدم) الحاصل في دول أخرى في جوانب «التحرر» الديني. وقبل أن أذكر أبرز ما ورد في ذلك التقرير، أريد التنبيه على النقاط التالية المستخلصة من محتوى التقرير:

1 - الـولايات المـتحدة تتـجه نـحو اعتبـار قضـيـة (الحريات الدينية) من الشؤون الدولية لا من خصوصيات الدول الداخلية.

2 ـ لا تريد الولايات المتحدة أن تتعامل مع أفكار (الحرية الدينية) كمجرد أفكار تقترح أو دعوات تعرض، وإنما تريدها إملاءات، توصل إليها الإغراءات أو الضغوطات.

3 ـ (فوضى العقائد) هي السقف المحدد والغاية المرجوة من «فرض» الحرية الدينية، حتى تنفتح كل الأبواب أمام التنصير أو بالأصح التكفير الذي يستهدف بشكل خاص عوام المسلمين.

ولنمر سريعاً على لقطات من التقرير الخطير:

أ ـ ما يتعلق بإيران:

يأخذ التقرير على إيران، عدم الاعتراف بالطائفة البهائية (التي تؤمن بـ «المرزا غلام أحسن» نبياً بعد الرسول -صلى الله عليه وسلم-) وينتقد إغلاق مراكز التبشير النصراني البروتستاتي في إيران، ويرى أن اتخاذ سياسة معادية لدولة (إسرائيل) يدخل ضمن عدم الالتزام بالحرية الدينية، كما يشير إلى التحيز الحاصل في إيران ضد الطائفة السنية.

ب ـ ما يتعلق بالسعودية:

يدعي التقرير ألاَّ وجود للحرية الدينية في المملكة العربية السعودية، ويدل على ذلك بـ (إجبار) الدولة مواطنيها جميعاً على اعتناق دين الإسلام فقط، وعدم سماحها للمواطن بأن يغير دينه، وينتقد أيضاً عدم الاعتراف داخل المملكة بالأديان الأخرى، فضلاً عن حمايتها، ويرى أن عدم السماح لأصحاب الأديان الأخرى من غير المواطنين بممارسة شعائرهم علناً أمر متعارض مع الحرية الدينية، ويُعد التقرير من مظاهر انتهاك هذه الحرية عدم السماح للمواطنين بالرجوع عن الإسلام، ومن مظاهر انتهاكها: إطلاق الشرطة الدينية (أهل الحسبة) لمراقبة المتهاونين في أداء الصلاة، ومن المظاهر المنتقدة أيضاً إلزام جميع الطلاب في المراحل المختلفة بدروس ومناهج دينية تتطابق مع التعاليم «السلفية». كما يرى التقرير أن معالجة الصحافة للقضايا الدينية محدودة للغاية ومقيدة.

وأشار التقرير إلى أن الحكومة الأمريكية تطالب بالالتزام العلني بالسماح بأداء الشعائر لغير المسلمين، وتحث على إلغاء التمييز بين الطوائف والأديان، وأظهر التقرير أن وزير الخارجية الأمريكي السابق (كولن باول) كان قد وصف الأوضاع بالسعودية عام 2004م بأنها مثيرة للقلق بسبب «الانتهاكات الشديدة» للحريات الدينية.

ج ـ ما يتعلق بالسودان:

يأخذ التقرير على الحكومة السودانية أنها تعتبر نفسها «حـكومة إسلامـية» وأن الحزب الحاكم يلتزم بـ (أسلمة) البلد، ولـهذا يفرض كثيراً من القيود والتمييز ضد غير المسـلمـين وغيـر الـعـرب، ويرى التقرير أن الحرية الممنوحة للمسلمين في بناء المساجد ليست ممنوحة لغير المسلمين في بنـاء معابدهم، وأشـار التقرير إلى أن وزارة الخـارجية الأمـريكية صنفت السـودان مـرات عديدة بـأنه بلد مثير للقلق فيما يخـتص بالانتهـاكات الشـديـدة للحريـة الديـنية، وأن ممثلي السفـارة الأمريكية هناك ربطوا بين تحسين العلاقة مع الخرطوم، وبين اتخاذ إجراءت للتخفيف من تلك الانتهاكات.

د ـ ما يتعلق بمصر:

يرى واضعو التقرير أن تمييز الحكومة المصرية ضد المسيحيين لا يزال مستمراً؛ فهناك تمييز في التعيين في المناصب العامة وهيئات التدريس، ويُرفض قبول المسيحيين في جامعة الأزهر! وهناك إعاقة لحرية بناء الكنائس، ويعتبر التقرير من المآخذ على الدولة المصرية أنها تمتنع عن الاعتراف بالطائفة البهائية، وينتقد محاولات «التضييق» على النشاط التبشيري بين المسلمين بذريعة منع الفتن الطائفية.

وقد أشار التقرير إلى أن المسؤولين الأمريكيين وعلى رأسهم وزيرة الخارجية الأمريكية ومساعدها للشرق الأوسط والسفير الأمريكي وغيرهم، أثاروا مع كبار المسؤولين المصريين موضوع الحرية الدينية، كما أعربوا عن قلقهم بشأن التمييز ضد البهائيين والمسيحيين، وأشار التقرير إلى أن أعضاء من الكونجرس الأمريكي أبدوا غضبهم أثناء زيارتهم لمصر مؤخراً من المقالات التي تعادي السامية، وأبلغوا بذلك رؤساء تحرير الصحف وغيرهم من الإعلاميين، وأشار التقرير كذلك إلى أن هناك برامج أمريكية في مجالات عدة لتمويل مشاريع تتعلق بالحريات الدينية، منها برامج للتعاون مع الأقباط في جنوب مصر وبرامج لتشجيع التقارب بين الطوائف الدينية، ونوه التقرير بمشاركة بعثة أمريكية في تشجيع وضع مواد دراسية تحث على الحرية الدينية في مناهج التعليم باللغتين العربية والإنجليزية.

هـ ـ ما يتعلق بالعراق:

لأن العراق أصبح ساحة مفتوحة أمام التجارب الأمريكية في تنفيذ مفاهيمها حول الحرية الدينية؛ فقد أشار التقرير إلى أن هناك تنسيقاً على مستوى عالٍ بين المسؤولين في البلدين لجعل العراق بلداً نموذجياً في إطلاق الحريات الدينية، ولهذا تستضيف الإدارة الأمريكية العديد من الندوات والحوارات حول هذا الموضوع، وتمول المشاريع الهادفة لذلك لجمع جهود المذاهب والطوائف كلها ضد ما تعتبره الولايات المتحدة إرهاباً ينبغي على الجميع محاربته.

شهادة إشادة..!

في مقابل هذه الانتقادات المتعددة لبلدان كثيرة، أشاد تقرير الحرية الدينية الأمريكي بدولة الإمارات لاستضافتها مؤتمراً دولياً لمحاربة الإرهاب والتشدد الديني؛ في حين أن حكومتها تبرعت بقطعة أرض في أواخر عام 2004م لبناء كنيسة (سانت ماري) لجالية الروم الأرثوذكس في دبي، ورحب التقرير باشتراك وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف في أبو ظبي في الاحتفالات الدينية التي أقامتها الكنيسة الإنجيلية العربية هناك بمناسبة عيد الميلاد؛ حيث حضرها وكيل وزارة شؤون المساجد ومساعد وكيل وزارة الشؤون الإسلامية. وأثنى التقرير أيضاً على قيام مستشار الوزارة للشؤون الدينية في دبي بإزاحة الستار عن حجر الأساس لبناء كنيسة (الأنبا أنطونيوس) القبطية المصرية على أرض دبي، برفقة رئيس أساقفة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر والخليج والشرق الأوسط.

وماذا بعد:

ـ فهل هذا ما يريده الليبراليون ـ علمانيين أو «إسلاميين»؟

ـ هل يطالبون بأن تتحقق (المساواة) بين التوحيد والتثليث، وتعدد الآلهة وانعدام الآلهة.. في بلاد المسلمين..؟

ـ وهل يسرهم ذلك (العدل) بين المعبودات، فلا يفرق بين عبادة خالق الكون الواحد الأحد، وبين عبادة الصلبان والنيران والجُعلان..؟

ـ هل يرضيهم أن يفرض (السلام) مع كل أعداء الإسلام، وتشن حروب الإبادة فقط على عباد الرحمن؟

ـ وهل يفرحون بانتشار الكنائس في جزيرة العرب التي أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- ألا يجتمع فيها دينان..؟

ـ وهل يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وتتم العودة عن الحجاب، استجابة لدعاوى التحرير والتغرير؟

ـ وهل يغتبطون باستمرار استبعاد الشريعة بحكم الدولة والقانون، ولا يبقى منها إلا نصوص مجمدة في صدور بعض الدساتير..؟

ـ وهل تنشرح نفوسهم عندما يرون التعليم والإعلام يمسخ أجيال الأحفاد بعدما دمر كثيراً في أجيال هي الآن آباء وأجداد..؟

ـ وهل يرغبون في أن تظل فئام من الأمة تأكل الربا أضعافاً مضاعفة، معرّضين أنفسهم والناس معهم لحرب من الله ورسوله..؟

لا نظن الدعوة لهذا وغيره في بلاد المسلمين تصدر إلا من دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها؛ فإن كان الليبراليون العلمانيون اللادينيون لا يستنكفون عن هذا الوصف لأنفسهم، فلا نظن أن الليبراليين «الإسلاميين» يجهلون أن هذه هي أبرز معالم البرنامج الذي يريد به الأعداء أن يردونا به إلى الوراء.

{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ} [النساء: 89].

اللهم اهدنا جميعاً سواء السبيل.

التوقيع
للإشتراك المجاني في رسائل جوال ضد التغريب أرسل كلمة مشترك للرقم ( 0551915972 ) لشريحة سوى فقط , أوللإشتراك في الواتس آب لكل شرائح الجوال.
http://majles.alukah.net/showthread.php?t=86061
زين العابدين غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-May-2008, 12:36 AM   #2
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2006
رقم العضوية: 68
المشاركات: 2,824
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 68
عدد المشاركات : 2,824
بمعدل : 0.61 يوميا
عدد المواضيع : 540
عدد الردود : 2284
الجنس : ذكر

افتراضي

الليبراليون الجدد.. عمالة تحت الطلب

ترجمة: إبراهيم عرفة أحمد



كتب جون بي آلترمان (Jon B. Alterman) مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية الأمريكي (Center for Strategic and International Studies) مقالاً تحت هذا العنوان تحدث فيه عن تنامي الدعم الغربي لليبراليين العرب محذراً من أن تعاظم هذا الدعم سيضر الليبراليين العرب ولن يفيدهم، ومحذراً الغربيين من الرهان عليهم. ويعد هذا المقال اختصاراً لمقال آخر كان قد كتبة

أصبحت الحاجة ماسة إلى الليبراليين العرب أكثر من أي وقت مضى؛ حيث يرى فيهم بعض الغربيين الأمل والقوى القادرة على مواجهة خطر «القاعدة» لذلك يدعوهم كبار مسؤولي الحكومات في واشنطن ولندن وباريس وغيرها من العواصم الغربية إلى موائد الأكل وشرب الخمر.

لقد ازداد الدعم الغربي لليبراليين العرب، لكن يبدو أن تنامي هذا الدعم قد يحدث تأثيراً معاكساً؛ فبدلاً من أن يؤدي إلى تقويتهم فإنه سيؤدي إلى تهميشهم ووصمهم بالعمالة، بل جعل الكثيرين يتشككون في الإصلاح السياسي الذي يسعى الغرب إلى تحقيقه في المنطقة.

يعتبر اتخاذ السياسة الغربية لليبراليين العرب قاعدة انطلاق لتنفيذ سياساتها في المنطقة أمراً منطقياً؛ بالنظر إلى التجانس الموجود بين الطرفين؛ فالليبراليون العرب على مستوى تعليمي جيد، ويتحدثون الإنجليزية بطلاقة، وفي بعض الأحيان يتحدثون الفرنسية أيضاً. فالساسة الغربيون يجدون الراحة في التعامل معهم وهم كذاك يحبون التعامل مع الغرب.

لكن إذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فيجب أن نعترف أن الليبراليين العرب القدامى قد كبر سنهم وازدادت عزلتهم وتضاءل عددهـــم، ولـم يعد لهــم إلا تأثيـر محدود في مجتمعاتهم والقليل من الشرعية؛ فهم بالنسبة لمواطني بلــدانهم وبخاصـة الشبــاب منهــم لا يمثــلون أمل المستقبل، بـل يمثلــون الأفكـار الغابـرة التـي لـم تنجـح في الماضي، ولـم يعـد لديهـم القـدرة على استمالة قلوب وعقول أبناء بلدانهم.

إن اهتمام الغرب المتزايد بالليبراليين العرب يُنذر بتأزم موقفهم، ويجعلهم يوصَمون بالعمالة، ليس العمالة الهادفة إلى تحقيق الحرية والتقدم، ولكن العمالة للغرب ومساعدته في مساعيه لإضعاف وإخضاع العالم العربي. بل الأسوأ من ذلك جعلهم يتحولون إلى الغرب؛ حيث يجدون حفاوة الاستقبال تاركين بذلك مجتمعاتهم؛ لأنهم لا يجدون فيها تلك الحفاوة التي يجدونها في الغرب.

إن الناظر إلى حال الليبراليين العرب يجد أن السواد الأعظم منهم ينتظر أن تأتي الولايات المتحدة لتسلمهم مفاتيح البلاد التي يعيشون فيها؛ في الوقت الذي تقوم فيه الجماعات المحافظة بعمل برامج نشطة إبداعية مبهرة يقدمون من خلالها مجموعة من الخدمات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين. مع هذا؛ فإن كثيراً من الليبراليين يعتقدون حتى الآن أن دورهم ينتهي بمجرد كتابة مقالة.

وإن من غير المحتمل أن يؤدي هذا الدعم المتنامي إلى انغماس هؤلاء الأشخاص في مجتمعاتهم، بل على العكس؛ فإن ذلك الدعم سيشكل حافزاً لهم لتعلم كيفية الحصول على المساعدات من الهيئات الغربية التي تقدم المعونة. وقد ذكر لي أحد أصدقائي بالإدارة الأمريكية أن نموذج المتلقين للمعونة التي تقدمها الإدارة الأمريكية هو ابن لأحد السفراء من أم ألمانية وتصادف أنه يدير منظمة أهلية. إن تقديم المساعدات إلى تلك المنظمات لا يجعلها تبدو نبتاً للوطن بل على العكس يقلل من ذلك التصور.

إن السياسة الحكيمة تقتضي تنفيذ النقاط الثلاث الأساسية التالية بدلاً من الرهان على الليبراليين العرب:

أولاً: أن نستثمر الحرية؛ وذلك بأن ندعم الحرية للجميع ليس فقط لمن يدعمون أفكارنا، بل ولمن يعارضونها. وقد يرى بعضنا أن الضغط على الحكومات العربية لإتاحة المجال أمام حرية التعبير وحرية إنشاء الجمعيات الأهلية والانضمام لها يشكل خطراً كبيراً، خاصة في ظل الحرب العالمية على الإرهاب. لكن ذلك أمر غاية في الأهمية؛ لأن تلك الحرية ستوجد سوقاً حرة تُعرض فيها كل الأفكار، وهو الأمر الذي سيمكِّن الليبراليين من كسب الدعم الشعبي بدلاً من أن يُنظَر إليهم على أنهم قد اختيروا من الغرب ليكونوا بديلاً عن القوميين والمحافظين والراديكاليين. نحن دائماً ندعي أننا نرغب في أن تقوم دولة عظمى بإدارة الشرق الأوسط كي تتيح المجال للمنافسة. إذاً لماذا لا نرحب بتلك المنافسة بين الأفكار المبنية على مبدأ تكافؤ الفرص للجميع؟

ثانياً: يجب أن نقلل من الشروط والصفات المطلوبة في المنظمات التي نقدم لها الدعم. فعدم تقديم الدعم لمنظمات تقوم بأعمال إرهابية يعد أمراً طبيعياً. لكن سياسة منع الدعم عن المنظمات التي لا تقدم الدعم لسياستنا تعتبر هزيمة لأنفسنا، وستؤدي بنا إلى العزلة، كما ستضعف من مصداقية كل من نرغب في العمل معه.

ثالثاً: وأخيراً: يجب استحداث أنشطة جديدة لا تحمل ختم الإدارة الأمريكية؛ هذه الأنشطة الجديدة يمكن أن تنفذ بمشاركة من الحلفاء الأوروبيين الذين يشعر الكثير منهم بالقلق من تأزم الوضع السياسي والاجتماعي في العالم العربي. بعض الأنشطة الأخرى يمكن أن تقوم بها المنظمات الأهلية والجامعات ومؤسسات أخرى. الهدف من ذلك ليس إخفاء الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في هذه الأنشطة، بل الهدف هو جذب قطاع كبير من المجتمعات الشرق أوسطية إلى قطاع كبير من المجتمعات الغربية.

كما يجب أن لا نتخلى عن الليبراليين العرب؛ فكثير منهم يقاتل بشجاعة في سبيل تحقيق أفكار ندعمها، والتخلي عنهم سيبعث بـرسـائل خاطئـة. لكـن فـي الوقـت نفـسه يـجب أن لا نعلق أملنا على نجاحهم؛ فالأفضل لنا أن نحقق نجاحات جزئية مع قطاع كبير من العامة بدلاُ من أن نحقق نجاحاً كبيراً مـع مجموعة مـن النخبـة المنعـزلة والتـي لا تتمتع بأي تفويض شعبي.

إننا نريد أن نروِّج للفكر التحرري بين جماهير العالم العربي الموجودة في القاهرة وبغداد وبيروت، وليس في واشنطن ولندن وباريس؛ لذلك يجب أن يأتي الدعم المقدم إليهم من حكومات تلك الدول وليس من الحكومات الغربية. وإذا نسينا ذلك فعندئذ لن نكون قد أسأنا لأنفسنا فقط، بل سنكون قد أسأنا في حقهم أيضاُ.

التوقيع
للإشتراك المجاني في رسائل جوال ضد التغريب أرسل كلمة مشترك للرقم ( 0551915972 ) لشريحة سوى فقط , أوللإشتراك في الواتس آب لكل شرائح الجوال.
http://majles.alukah.net/showthread.php?t=86061
زين العابدين غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-May-2008, 12:40 AM   #3
عضو متميز
افتراضي

الإسلام والليبرالية (حقيقة التوجه الأمريكي وإمكانية الالتقاء الفكري)

خالد أبو الفتوح



بعد أحداث سبتمبر 2001، وتحديداً في عام 2003م، وضمن جهود أمريكا لرسم خريطة التغيير المزمع اتباعها في العالم الإسلامي، نشرت مؤسسة (راند) الأميركية تقريراً استراتيجيّاً بعنوان (الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء، والموارد، والإستراتيجيات) للباحثة في قسم الأمن القومي (شيرلي بينارد)، وفي ربيع عام 2004م قامت الباحثة نفسها بنشر ملخص


ولمن لا يعرف مؤسسة (راند)، فهي مؤسسة نشأت بصفتها مركزاً للبحوث الإستراتيجية لسلاح الجو الأميركي، ثم تحولت بعد ذلك إلى مركز عام للدراسات الإستراتيجية الشاملة، ويعدها المحللون السياسيون بمثابة «العقل الاستراتيجي الأميركي».

تقرير الباحثة (بينارد) الذي اهتم بتقديم توصيات عملية لصاحب القرار الأمريكي، يتكون من تمهيد وثلاثة فصول وأربعة ملاحق وقائمة مراجع:

الفصل الأول عنوانه: «رسم خريطة للموضوعات: مقدمة لآفاق الفكر في الإسلام المعاصر»، ويناقش فيه الوضع الراهن من حيث المشكلات المشتركة والإجابات المختلفة، ويحدد مواقف التيارات الإسلامية إزاء عدد من الموضوعات الرئيسية، مثل: الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وتعدد الزوجات، والعقوبات الجنائية والعدالة الإسلامية، وموضوع الأقليات، ولبس المرأة، والسماح للأزواج بضرب الزوجات.

أما الفصل الثاني فهو يمثل صلب التقرير، وعنوانه: «العثور على شركاء من أجل تطوير وتنمية الإسلام الديمقراطي»، وهو يتضمن تصنيف التيارات الإسلامية المعاصرة إلى أربعة: العلمانيين، والأصوليين، والتقليديين، والحداثيين؛ حيث يحدد السمات الرئيسية لكل تيار وموقفه من المشكلات المطروحة.

أما الفصل الثالث وعنوانه: «إستراتيجية مقترحة»، فهو يتضمن توصيات عملية موجهة لصانع القرار الأميركي لاستبعاد التيارات الإسلامية المعادية وتدعيم التيارات الإسلامية الأخرى، وخصوصاً ما يطلق عليه التقرير التيارات العلمانية والحداثية، ولأنها أقرب ما تكون إلى قبول القيم الأميركية وخاصة القيم الديمقراطية.

وتقرر (بينارد) أن الغرب يراقب بدقة الصراعات الإيديولوجية العنيفة داخل الفكر الإسلامي المعاصر، وتقول بالنص: «من الواضح أن الولايات المتحدة والعالم الصناعي الحديث والمجتمع الدولي ككل تفضل عالماً إسلامياً يتفق في توجهاته مع النظام العالمي، بأن يكون ديمقراطياً، وفاعلاً اقتصادياً، ومستقراً سياسياً، تقدمياً اجتماعياً، ويراعي ويطبق قواعد السلوك الدولي، وهم أيضاً يسعون إلى تلافي (صراع الحضارات) بكل تنويعاته الممكنة، والتحرر من عوامل عدم الاستقرار الداخلية التي تدور في جنبات المجتمعات الغربية ذاتها بين الأقليات الإسلامية والسكان الأصليين، في الغرب، وذلك تلافياً لتزايد نمو التيارات المتشددة عبر العالم الإسلامي، وما تؤدي إليه من عدم استقرار وأفعال إرهابية».

وبناء على هذه الدراسة المتعمقة يقدم التقرير عناصر أساسية لإستراتيجية ثقافية وسياسية مقترحة لفرز الاتجاهات الإسلامية الرئيسية التي يجملها التقرير في أربعة وهي: العلمانيون، والأصوليون، والتقليديون، والحداثيون. وفي ضوء هذا الفرز تشن الولايات المتحدة الأميركية حرباً ثقافية - إن صح التعبير - ضد الاتجاهات الإسلامية العدائية، وفي الوقت نفسه تصوغ إستراتيجية لدعم الاتجاهات الإسلامية القريبة من القيم الأميركية، مادياً وثقافياً وسياسياً؛ لمساعدتها في الاشتراك في ممارسة السلطة السياسية في البلاد العربية والإسلامية.

ومن هنا نفهم كلمات العنوان الفرعي للكتاب التقرير «شركاء، وموارد، وإستراتيجيات»، فكلمة (الشركاء) تشير إلى هؤلاء الفاعلين الإسلاميين الذين سيقبلون - لسبب أو لآخر - الاشتراك مع الجهود الغربية عموماً والأميركية خصوصاً في عملية إعادة صياغة الأفكار الإسلامية، من خلال عملية إصلاح ديني لها خطوطها البارزة، والتي تصب في النهاية في استئصال الفكر المتطرف، مما سيؤدي بالضرورة إلى تجفيف «منابع الإرهاب»، أي: تحديد الشركاء الإسلاميين المناسبين، والعمل معهم لمكافحة التطرف والعنف و «الإرهاب»، وتشجيع قيم الديمقراطية على الطريقة الغربية الأميركية.

أما إشارة العنوان الفرعي إلى (الموارد) فمعناها ببساطة تخصيص ميزانيات ضخمة للإنفاق على المشروع، من خلال «وكلاء» يقومون بمهمة تجنيد الأنصار ونشر الكتب وإصدار المجلات التي تحمل الفكر الإصلاحي الإسلامي الجديد.

وتبقى كلمة (الإستراتيجيات) الواردة في العنوان الفرعي للكتاب، وهي تشير بكل بساطة إلى الإستراتيجية التي تقترحها الباحثة لشن حرب ثقافية ضد التيارات الأصولية الإسلامية من ناحية، والتعاون الفعال مع عناصر من التيارات العلمانية والحداثية والتقليدية الإسلامية من ناحية أخرى.

ومن الملفت للنظر أن الباحثة الأميركية ـ التي لا تتردد في وصف مهمة كتابها التقرير بأنه إسهام في عملية «إعادة بناء الدين الإسلامي Religion Building» ـ أفردت ملحقاً خاصاً لمناقشة (السنة النبوية) والتي تتمثل في الأحاديث، وقررت أنه من الضروري تنقية هذه الأحاديث؛ لأن بعضها يستخدم كأساس للفتاوى الدينية التي تستند إليها الجماعات الإسلامية المتطرفة في كراهية الآخر والهجوم على الغرب سياسة وثقافة.

لم يمض وقت طويل على هذا التقرير حتى تولى مركز ابن خلدون الذي يديره د. سعد الدين إبراهيم تنفيذ التوصيات الأميركية الخاصة بالإسهام في (إعادة بناء الدين الإسلامي) بما يتفق مع القيم الأميركية، ونظم في القاهرة مؤتمراً ـ مولته أمريكا حسماً من المعونة الأمريكية لمصر ـ موضوعه (الإسلام والإصلاح)، بمشاركة 20 باحثاً من جنسيات عربية وأوروبية وأميركية، بالتنسيق مع ثلاثة مراكز بحثية دولية، وقد صدر بيان عن المؤتمر ذكر فيه أنه تبنَّى الدعوة إلى «إعادة صياغة نسق معرفي جديد للفكر الإسلامي ومراجعة التراث الإسلامي مراجعة جذرية، والتصدي لأفكار المؤسسات التي تحتكر الحديث باسم الدين، ومواجهة وتفنيد مقولات ورؤى وأفكار التيارات الدينية المتطرفة، وتكثيف الحوار مع القوى المعتدلة والمستنيرة في المجتمعات الغربية عامة والمجتمع الأميركي خاصة، وأهمية إدماج الحركات الإسلامية في العملية الديمقراطية، وتمكين الحركات المعتدلة من حق الوجود السياسي إذا قبلت بالديمقراطية كخيار إستراتيجي، وأقرت بالمبادئ الأساسية التي تقوم عليها قيم المجتمع المدني والدولة المدنية الحديثة، وضرورة إجراء حوار عام موسع مع تيارات الإسلام السياسي السلمي».

غير أن أخطر توصية تبناها المؤتمر: دعوته إلى تنقية التراث الديني من الحديث النبوي الشريف، والاعتماد فقط على نصوص القرآن الكريم كمرجعية وحيدة، والتصدي لأفكار المؤسسات التي تحتكر الحديث باسم الدين وإيجاد مدرسة اجتهاد جديدة في القرن الحالي.

وقد قوبلت توصيات المؤتمر التي أعلنت في مؤتمر صحفي في نهايته باعتراضات عنيفة من الحضور وبعض الصحف المصرية، والتي أفاضت في ذكر الهجوم العنيف على منظم المؤتمر والمشاركين فيه، واتهامهم المباشر بالعمالة لأمريكا.

معظم ما سبق هو مقتطفات منسقة من مقالات نشرت في الفترة من 15/7 إلى 5/8/2004م، و 5/10/2004م، بجرائد الأهرام المصرية والنهار اللبنانية وملحق (وجهات نظر) من الاتحاد الإماراتية، للكاتب (السيد ياسين)، وهو كاتب غير متهم بالتطرف أو الأصولية، بل على العكس يصنفه كثيرون على أنه يقف في الخندق المواجه للتيار الإسلامي.

وبحسب الكاتب نفسه في المقالات نفسها: فإن الاهتمام بما أطلق عليه (الصحوة الإسلامية) أكاديمياً وبحثيّاً لم يكن وليد الساعة، ولكنه ظهر واضحاً عام 1979م عقب نجاح الثورة الإيرانية، بَيْدَ أن الأب الحقيقي للتيار الأكاديمي الأميركي الذي حاول بعمق شديد ونادر تأصيل الليبرالية الإسلامية، هو عالم السياسة الأميركي المعروف (ليونارد بايندر) في كتابه (الليبرالية الإسلامية: نقد للأيديولوجيات التنموية) الصادر عام 1988م عن دار نشر مطبعة جامعة شيكاغو.

ومن الأهمية بمكان في سبيل إيضاح الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها تيار الليبرالية الإسلامية كما صاغ منطلقاته الباحثون في دراساتهم، أن نعتمد على ما قرره بايندر نفسه في شرحه لخطة كتابه، وهو يقول: «المحور الأساسي للكتاب هو دراسة العلاقة بين الليبرالية الإسلامية والليبرالية السياسية، وهو يضع في اعتباره الرأي الذي مؤداه أن العلمانية تنخفض معدلات قبولها، ومن المستبعد أن تصلح كأساس أيديولوجي لليبرالية السياسية في الشرق الأوسط، ويتساءل الكتاب عما إذا كان من الممكن بلورة ليبرالية إسلامية، ويخلص إلى أنه بغير تيار قوي لليبرالية الإسلامية فإن الليبرالية السياسية لن تنجح في الشرق الأوسط، بالرغم من ظهور دول بورجوازية».

وبعد أن يرصد (الأستاذ ياسين) بعض التطورات الفكرية والتحركات السياسية لبعض القوى الإسلامية، يقول:

وهكذا يمكن القول إن الاهتمام المبكر لعالم السياسة الأميركية (ليونارد بايندر) بالليبرالية الإسلامية منذ عام 1988م(1)، قد فتح باباً للاجتهاد الأميركي أدى من بعد - من خلال عملية تراكمية معرفية معقدة ـ إلى أن يُصدر عالم السياسة الأميركي (رايموند ويليام بيكر) عام 2003م كتاباً ملفتاً للنظر عن الإسلاميين المستقلين في مصر، عنوانه (إسلام بلا خوف: مصر والإسلاميون الجدد)، نشرته جامعة هارفارد، وقد خصصه لدراسة أفكار أربعة من الكتاب الإسلاميين المعروفين، وهم: (أحمد كمال أبو المجد)، و (طارق البشري)، و (فهمي هويدي)، ومحمد سليم العوَّا.. ويضيف كاتب المقالات نفسه إلى هؤلاء الأربعة: الشيخ يوسف القرضاوي.

بالطبع لا يعني ذلك أن محاولات أمريكا والغرب عموماً لـ (ليبرة) الإسلام بدأت منذ هذا التاريخ، فقد أشار كاتب إسلامي كبير في خمسينيات وستينيات القرن الميلادي الماضي إلى خطورة (الإسلام الأمريكي) الذي تحاول الولايات المتحدة إيجاد موطئ قدم له في العالم الإسلامي، وقد أشرت في مقالات سابقة إلى محاولات الغرب الدؤوبة لإيجاد إسلام (بروتستانتي) لا يثير العداء للغرب ولا يستفز المسلمين، خاصة الجهود التي بذلت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين(2).

ورغم الهجمة الأمريكية الشرسة والضغوط الغربية الهائلة التي تهدف إلى تمرير هذه المشروعات في عالمنا الإسلامي، فإني لم أجد جديداً أو غريباً في هذه المساعي، اللهم إلا في حجم التوجه ومقدار تكثيف الجهود في فترة زمنية محددة، ولكن الجديد حقاً كان في محيطنا الداخلي، وأعني به: ظهور فئة تنتسب إلى التيار الإسلامي (العامل) يَسِمُ أفرادها أنفسهم بأنهم (إسلاميون ليبراليون).

ويبدو أن ضغوط الواقع الاستبدادي التسلطي، وضيق ـ أو اختناق ـ مساحات الحريات، وشيوع مناخات الأحادية والمصادرة... جعل كثيراً من أفراد هذه الفئة يسترقون السمع لأي دعوى حرية، حتى ولو كانت نابتة خارج إطارنا الإسلامي، حتى ولو كانت باسم (الليبرالية). كنت أستغرب ـ ولا يُستغرب ـ أحدهم وهو ينعت نفسه بأنه (إسلامي ليبرالي)، وكأنه يصف نفسه بأنه مسلم (شافعي)، أو (مالكي)، أو حتى (شيعي)، أو كأنه ينسب نفسه بأنه (مسلم إندونيسي) أو (مسلم مغربي)، كان لا يستهجن ذلك، في حين كانت كلماته تقرع أذني وكأنها (إسلامي ماركسي) أو (إسلامي بوذي) أو (إسلامي علماني).

ومع استبعادي لعمالة هذا الشخص وأمثاله ـ أو حتى وعيه ـ للمشروع الأمريكي السابق ذكره، فإني على قناعة بأن أحدنا لا يفهم الإسلام، أو لا يفهم الليبرالية، أو لا يفهمهما معاً، هذا إذا كان هذا الشخص جاداً وصادقاً في كلامه.

وإذا كان المقام لا يتسع لعرض جميع أبعاد هذا الموضوع، فسأكتفي هنا بعرض وجهة نظري في الفرق بين الإسلام والليبرالية في أصولهما ومنطلقاتهما وما يترتب على ذلك من فروق على نطاق التصورات أو التطبيقات.

ü الليبرالية والحريات.. الأصول والمنطلقات:

بداية فإنه لا يختلف أحد من الليبراليين (الأصوليين) على أن (الفكر الليبرالي) لا يقتصر على حقل الفكر السياسي، بل يمتد إلى ما هو أبعد منه، ليكوِّن فلسفة اجتماعية شاملة ترتبط بتوجهات محددة في مجالات الأخلاق وفلسفة العلم والقيم الاجتماعية والاقتصاد، إضافة إلى السياسة.

لقد لحق مفهوم الحرية ـ الذي ارتبط بالديمقراطية في المدن الإغريقية ـ تطور هائل من المدرسة الليبرالية، خصوصاً مع (جون لوك) في القرن السابع عشر؛ فالحرية في هذا المفهوم هي حرية الفرد، وهي الاعتراف له بمجال خاص لا يجوز التعدي عليه أو التدخل فيه؛ فالحرية هنا هي الاعتراف للفرد بحقوق طبيعية أو أساسية لا يجوز التعدي عليها ولو بموافقة الأكثرية: للفرد الحق في الحياة، في العقيدة، في التعبير، في الاجتماع، في الملكية، في التعاقد.. وهكذا لم يبق للحرية مفهوم إجرائي لاختيار الحكام، أو لأسلوب اتخاذ القرارات السياسية، بل أصبح للحرية مضمون حقوقي قانوني، هو الاعتراف بالحقوق الأساسية للإنسان باعتباره إنساناً.. وهذا هو المفهوم الليبرالي للحرية.

فعندما نتحدث عن الحرية فإننا قد نقصد أموراً مختلفة، ويمكن تلخيص هذه المفاهيم المتعددة تحت ثلاثة مفاهيم: هناك ما يمكن أن نطلق عليه (الحرية الجمهورية)، وهي تتطلب المشاركة في الحياة السياسية واختيار الحكام ومسؤولياتهم، وهي تقابل المفهوم المستقر للديمقراطية السياسية، وهذه تجد جذورها في الديمقراطيات الإغريقية أو ما يطلق عليه (كونستانت) الحرية بالمفهوم القديم.

وهناك من ناحية ثانية (الحرية الليبرالية) وهي تشير إلى الاعتراف بحقوق وحريات أساسية للأفراد لا يجوز الاعتداء عليها أو التعرض لها، وهي تقابل المفهوم الحديث للحرية عند (كونستانت) أو الحرية السلبية عند (برلين)، وهي أيضاً ما يقابل ما يعرف حديثاً بـ (حقوق الإنسان) الأساسية كما صدر عن منظمات الأمم المتحدة في وثائقها المتعددة.

وأخيراً هناك ما يمكن أن نطلق عليه (الحرية المثالية) أو الحريات الاقتصادية والاجتماعية؛ حيث يتعلق الأمر بضرورة تمكين الفرد من ممارسة حرياته، بتوفير حد أدنى من المستوى الاقتصادي وتقديم الخدمات الأساسية في التعليم والصحة والخدمات العامة»(1).

وإذا كان هذا الكلام يُظهر بعض الاختلاف في نظرة الليبراليين أنفسهم إلى (الحرية)، إلا أنه يوضح أننا لا نستطيع أن نفصل مسيرة الحريات الليبرالية عن مسيرة حقوق الإنسان في الغرب؛ إذ تتشابك وتتداخل المفاهيم في كليهما.

ينقسم الحديث عن الحقوق والحريات إلى شُعب عديدة: فهناك (حق المعرفة) و (حرية الإبداع) و (حرية الاعتقاد) و (حرية الرأي ) و (حرية التعبير)، و (حرية التعليم)، و (حرية الملكية)، و (الحرية الشخصيّة)، ويمكن أن يضاف إلى ذلك: (حق تكوين الأحزاب والتكتلات). وقد تنقسم بعض هذه الشعب إلى أقسام أو فروع متعددة، كما هو الحال بالنسبة للحرية الشخصيّة، التي تشمل: (حرية التنقل) و (حق الأمن) و(حرية المسكن)، ويعد بعض الباحثين (حرية الرأي) الأصل في هذه الشُّعَب والأقسام جميعاً، وليس من هدفنا في هذا المقال تناول هذه الحريات والحقوق تفصيلياً، بقدر ما يهمنا وضع إطار كلي نستطيع من خلاله فهم النسق الذي توضع فيه هذه الحريات والحقوق وكيفية فهم خريطة العلاقات بينها.

فمفهوم قيم (الحريات) و (حقوق الإنسان) اصطبغ بالخلفية الفكرية التي خرجت منها هذه الحقوق، وخضع للمنظومة القيمية العامة للمجتمع الذي نشأت فيه، وهو ما يختلف كلية عن الخلفية الإسلامية والمنظومة الإسلامية التي تحوي المفردات أو المصطلحات نفسها.

فمن المعروف أنه يختلف مفهوم كل مصطلح وطبيعة العلاقة بين القيمة التي يحملها وقيم المصطلحات الأخرى بحسب الإطار الفكري والفضاء القيمي الذي يسبح فيه هذا المصطلح، وعليه: لا نستطيع أن نختزل مفهوماً ما ونقتبسه من بيئته الفكرية والقيمية ثم نحاول إسقاطه على بيئة أخرى ومجتمع آخر له خلفيته الفكرية الخاصة ومنظومته القيمية المتمايزة.

من الملاحظ أن تبلور الليبرالية تزامن، في القرن السابع عشر الميلادي، مع ظهور الرأسمالية في أوروبا، عندما ظهرت حاجة الرأسماليين الصاعدين وقتها لإيجاد ذريعة أخلاقية وفكرية لحق تخزين الأموال الشخصية وكنزها، واعتقد المفكرون الليبراليون الأوائل بأنه لو خُلِّيَ العالم وسيره الطبيعي فإن المشكلات البشرية سوف تتجه تلقائياً نحو الحل، وأننا لو تركنا الأفراد يعملون وفق إرادتهم الخاصة، فإن ذلك سوف يحقق المساواة في المجتمع وكذلك الأخوة، ومن ثم: اعتقدوا أن عامة الناس يمكنهم اختيار الطريق المفضي إلى سعادتهم وراحتهم، وعليه: فلا تحتاج المسألة إلى افتراض تصور أو نظام يفرض عليهم من فوقهم، سواء من رجال الدين أو غيرهم؛ فالناس أنفسهم يمكنهم تعيين الحقوق والتكاليف التي يجب أن يستجيبوا لها بدون وجود سلطة عليا من خارجهم تفرض ذلك عليهم، وهذا ما تعرض للنقد حتى من مفكرين غربيين، كـ (تشارلز فرنكل) في كتابه (أزمة الإنسان الحديث)، ففي الحقيقة أن الغرب لم يلغِ المرجعية والسلطة بإطلاق، بل استبدل مرجعية بأخرى وسلطة بغيرها، بعد أن أزاح الدين عن ساحة التوجيه والتنظيم.

الغرب في نهضته استمد خلفيته الفكرية من الفكر الفلسفي اليوناني القائم على تقديس العقل - الذي أعلى من قيمته مرة أخرى مكتشفات عصر النهضة -، كما أن الغرب في نهضته كان خارجاً لتوه من سيطرة كنسية طاغية قائمة على تخلف علمي واستدلالي يورد الفيلسوف (فرانسيس بيكون) نموذجاً لها، فيقول: «وقع بحث ونقاش سنة 1432م، في مجمع من المجامع العلمية، حول عدد أسنان الحصان. لقد جرى التفتيش عن الإجابة عن هذا الموضوع في آثار العلماء السابقين، بيدَ أن ذلك لم يقدم أي نتيجة، وبعد أربعة عشر يوماً من التحقيق أبدى أحد الطلاب رأيه بالنظر إلى فم الحصان وعد أسنانه، لكن هذا الاقتراح تم التعاطي معه على أنه كفر، وأن قائله مستوجب للتأديب الشديد، وفي نهاية المطاف، وبعد عدة أيام من البحث والجدال، أعلن المركز العلمي عدم قابلية هذه المسألة للحل؛ نظراً لعدم ورودها في كتب القدماء، فأحس الغرب بأهمية الاستدلال العقلي وبتعطشه للتجربة الحسية التي حرمته منها الكنيسة، مهدراً أي طريق آخر للمرجعية المعرفية، وأصبح إثبات الحقائق أو نفيها مرهوناً بوقوع هذه الحقائق في دائرة نشاطاتنا العقلية وتجاربنا الحسية، وهذا معناه أنه لا يجوز الاعتراف بأي شيء اعترافاً مسبقاً؛ فكل شيء قابل للتجربة أو للتجزئة والتحليل العقلانيين.

وهذا ما أثر على نظرة الغرب إلى (الدين) و (الغيبيات) وتصوراته عن الكون والإنسان والحياة عموماً؛ حيث إن الدين والغيبيات لا يمكن للعقل المجرد إدراك مسائلهما، وعليه: فهي نسبية وغير يقينية ولا يستطيع أحد الزعم بأحقية تصوره وإبطال تصور الآخرين، ولذا: فهي متروكة لاعتقاد كل فرد، ومن ثَم: ينبغي على كل إنسان أن يفسح المجال لاعتقادات الآخرين وأن يتسامح معهم في معتقداتهم؛ لأنها ببساطة متساوية مع اعتقاداته في نسبتها إلى الحقيقة، أو بالأحرى: في افتقارها إلى الحقيقة. وعندما صادروا الدين والغيبيات من دائرة العقل والحواس فإنهم وضعوهما في دائرة العواطف والضمير الإنساني، وهي الدائرة التي لا ينبغي لأحد أن يتدخل فيها أو يصادرها، وفي أقصى الافتراضات: فهي عاطفة تقوم على الإقناع وليس على الإلزام.. كما أثر ذلك على نظرة الغرب إلى كيفية بحث الإنسان عن أهدافه وغاياته وعن طرق الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف والغايات.. كما أثر ذلك أيضاً في النظرة إلى الأخلاق، حيث لا توجد أخلاق مقدسة أو مؤبدة أو مطلقة؛ فالحُسن والسوء ليسا مطلقين ولا كليين، كما أن تحديد الخير والشر والحسن والقبح يختلف من إنسان إلى آخر، ومن ثَم: لا ينبغي أن تُفرض هذه الأخلاق من سلطة عليا أيّاً كانت. وإذا كان الأمر كذلك فإن السلوك الإنساني سيتحدد من خلال الرغبات والميول البشرية، وعندها سيكون الحَسَن هو ما يحبه الأفراد أنفسهم ويرغبون فيه، والقبيح والسيئ هو ما ينفر منه هؤلاء الأفراد ويتعارض مع الرغبات الإنسانية.

لم يكن هذا هو التأثير السلبي الوحيد للكنيسة على منظومة الغرب في حقوق الإنسان وحرياته؛ فلقد أدت نظرة الكنيسة إلى الإنسان على أنه يحمل خطيئة أبدية ورثها من أبيه آدم، أي: إنه مذنب بالأصالة حتى يخلصه المسيح، أدى ذلك إلى رد فعل عكسي عند الليبراليين تمثل في تمحورهم حول الإنسان، فهو البداية وهو النهاية وهو الغاية. وإذا نظرنا إلى هذا الإنسان وفق المنظور العقلي والحسي فإنه يتجرد من (الروح) ولا يبقى منه إلا الأبعاد الذاتية والنفعية، أي: الغرائز والشهوات والماديات.

والخلاصة: أن الغرب لم يُخرج تصوراته عن منظومته في حقوق الإنسان وحرياته - في الربع الأخير من القرن الثامن عشر - إلا بعد قطيعة حادة مع الدين ممثلاً في الكنيسة الكاثوليكية - التي أذعنت في النهاية لهذه القطيعة رافعة شعار (دعوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) - ثم تجسدت هذه القطيعة في أكبر تجلياتها على أرض الواقع عبر الثورة الفرنسية عام 1789م بشعارها الماسوني المثلث (حرية - مساواة - إخاء)، وهو الشعار الذي يعد أصل كافة حقوق الإنسان في المنظور الغربي، تأسيساً على أنها حقوق عامة تشمل جميع الأفراد بموجب (الحق الطبيعي) الذي يسبق جميع الثقافات والحضارات - حسب هذا الفكر - وعليه: صدر في العام نفسه (إعلان حقوق الإنسان والمواطن).

فواضح أن المرجعية في الغرب ـ بعد انقطاعه عن الكنيسة في مجالات الحياة ـ تحولت إلى العقل إضافة إلى الحس التجريبي، ومن هذه المرجعية انبثقت هذه الحقوق والحريات، مع مراعاة البعد الاقتصادي في تطور المجتمع الغربي آنذاك، وواضح أيضاً أن المنهجية التي تأسست عليها هذه الحقوق والحريات هي العلمانية.

وإذا رصدنا ترتيب الهرم القيمي الذي استقر عليه الغرب بناءً على هذه المرجعية وهذه المنهجية نجد أن (الحرية) و (المساواة) تتبوآن قمة هذا الهرم، وعليه: فتحقيق هاتين القيمتين - حسب المفهوم المستقر لديهم - له الأولوية المطلقة التي ينبغي أن تخضع له، أو تتقيد به، أو تنتظم معه قيم المجتمع الأخرى، ومن هنا: أصبحت (الحرية) و(المساواة) على رأس (الثوابت) و(المقدسات) التي لا يمكن المساس بهما، والتي يمكن - أيضاً - التضحية بالقيم الأخرى والحقوق الأخرى من أجل المحافظة عليهما.

وعلى هــذا الأسـاس انتظـمت (الحقوق) و (الحريات) و (العلاقات). ففي العلاقات بين الأفراد نجد أن (حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين)، وفي العلاقة بين الفرد والمجتمع برزت نظرية (العقد الاجتماعي) التي نضجت قبيل الثورة الفرنسية في فكر (جان جاك روسو)، والتي بمقتضاها يتنازل كل فرد في المجتمع عن بعض إطلاقات حقوقه وحرياته للجماعة التي ينتمي إليها، والتي تجسدها الدولة، مقابل (تنظيم) هذه الدولة لممارسة تلك الحقوق والحريات بين جميع الأفراد وحمايتها لها، وهكذا تحولت هذه الحقوق والحريات (الطبيعية) إلى حقوق (مدنية) لا يسمح بالخروج عليها؛ حيث تحميها سلطة المجتمع (الدولة)، وهو الأساس الذي قامت عليه الدولة الحديثة في الغرب.

وبانتشار الفلسفة التحررية (الليبرالية) واستقرارها في غرب أوروبا في القرن التاسع عشر.. أخذت الحريات والحقوق الفردية بُعداً جديداً، عندما أصبحت هذه الفلسفة هي الأساس النظري للتنظيم السياسي والاقتصادي والقانوني للمجتمعات الغربية، فنادت الليبرالية - في الفكر السياسي - بالوقوف ضد كل أشكال التمييز الاجتماعي أو القانوني بين البشر (مساواة)، وطالبت بإطلاق كل الحريات لكل الناس (حرية)، ولكن في حدود قانون واحد يحكمهم ويحتكمون إليه دون تمييز، أو بتعبير الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: «من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكي لا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم»، فأصبح القانون هو الذي يجسد حقوق الإنسان في نهاية الأمر - حسب الرؤية الغربية - كما نادت الليبرالية بأقل قدر ممكن من القيود التي قد يفرضها المجتمع على تصرفات الأفراد (فردية منهجية).

وتوج ذلك بإصدار الغرب، المنتصر عام 1948م والمتأثر بما أشيع عن حجم المذابح التي تعرض لها اليهود في هذه الحرب، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بموافقة 48 دولة وامتناع 8 دول عن التصويت - معظمها من دول ما كان يسمى بالكتلة الاشتراكية، ثم تلاه مواثيق وعهود دولية متعددة لحقوق الإنسان، وقد جاء هذا الإعلان مهملاً لقيم لا يزنها الغرب بميزان الحقوق (حق الارتباط الأسري، حق الجوار، حق المسافر «ابن السبيل».. إلخ)، وفي الوقت نفسه: مارس - وما يزال - فرض وجهة نظره في هذه الحقوق على المجتمعات الضعيفة بلا أدنى مراعاة لحرية الاختيار وحق الاختلاف، حيث يرى الغرب في كل زمن وصوله إلى مرحلة النضج والكمال في هذا الزمن، ويرى تخلف غيره من المجتمعات، ويرى أن عليه رسالة سامية، هي (تحضير) هذه المجتمعات المتخلفة بفرض رؤيته (الحضارية) عليها.

وهكذا نرى أن ملامح الإطار الفكري والفضاء القيمي الذي خرجت منه الحريات والحقوق في الغرب تتمثل في أن:

1 - العقل المجرد هو مرجعية هذا الحقوق والحريات، حتى وإن اقتبس هذا العقل بعض قيم الدين ـ كما في تأثر الليبرالية بالبروتستانتية ـ فإن العقل المجرد يبقى هو الحاكم على هذه القيم بالرفض والقبول.

2 - العلمانية (فصل الدين عن الحياة وعن الدولة) هي المنهجية التي تنتظم فيها هذه الحقوق والحريات.

3 - (الحرية) و (المساواة) هما أعلى قيم المجتمع التي تخضع لها وتنتظم معها قيم المجتمع الأخرى، فهما (ثوابت) و (مقدسات) لا يمكن المساس بهما.

4 - إعلاء قيمة (الفرد) ومصالحه مقابل تقليص دور المجتمع ومصالحه.

وعلى هذه الأسس نستطيع رد الأحداث الجزئية إلى أصولها وتفسيرها تفسيراً منطقياً:

ففي الغرب يحق لأي شخص اعتناق الدين الذي يروق له سواء أكان سماوياً أو غير سماوي أو أن يكون ملحداً أو أن يغير دينه (انظر: المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)؛ لأن ذلك يدخل في إطار حق (حرية الاعتقاد)، وهو حق (شخصي / فردي) لا يجوز التدخل فيه. وواضح هنا أن تصور (الاعتقاد، أو الدين) جاء منسجماً مع النظرة العلمانية الغربية للدين التي تفصل بين الدين والحياة؛ فالدين عندهم لا علاقة له بالعقل ـ أي: لا يوزن بمعيار الصحة والخطأ ـ أو بنظام المجتمع، ولكنه عاطفة أو ضمير يكنه الشخص داخل نفسه فقط.

وعلى ذلك: فلو أن شخصاً ما كان من دينه الذي (يعتقده) إباحة تعدد الزوجات مثلاً وأراد ممارسة ذلك فإن الدولة تتدخل لـ (تقييد) هذه الحرية وتمنعه من ذلك؛ لأن تلك الممارسة خارجة عن حقه في (حرية الاعتقاد)؛ إذ إنها خرجت عن إطار (العاطفة والضمير الشخصي)، ولأن في ذلك خرقاً للقانون وللعقد الاجتماعي وللنظام الذي ارتضاه معظم الأفراد (فصل الدين عن الحياة)، ولأن فيه تعدياً على حقوق أفراد آخرين (المرأة، حتى ولو كانت راضية) حسب زعمهم، ولكن في الوقت نفسه: يباح لهذا الشخص معاشرة نساء أخريات خارج إطار الزوجية، ما دام ذلك يتم برضاهن ـ حتى لو كان ذلك مخالفاً لدينه الذي ينتسب إليه - لأن في ذلك إشباعاً لحاجات غريزية يمارسها أفراد بمقتضى (حريتهم) الشخصية التي لم يقيدها القانون؛ فالمسلم في هذه البلاد يستطيع أن (يعتقد) و (يعبر) بحرية عما يعتقد ـ وذلك افتراضاً؛ فتداعيات أحداث سبتمبر كشفت قشرة التجمل الديمقراطية ـ ولكنه لا يستطيع أن يمارس بالحرية نفسها تطبيق ما يعتقده ويعبر عنه (تأمل أيضاً قضية حجاب الفتيات المسلمات في فرنسا، ومنع الذبح الشرعي في أكثر من دولة أوروبية، ومصادرة كتب إسلامية لأكثر من كاتب في أحد معارض الكتب بباريس «عاصمة النور!»، وتأمل معها في الوقت نفسه: الموقف من سلمان رشدي وأمثاله).

وفي الغرب رُفعت قضايا عديدة ضد أكثر من مفكر وكاتب ومؤرخ لمجــرد أنه (عبــر عن رأيه) بالتشكــيك في محارق النــازية لليهــود (الهولوكــست) نفياً لوجودها أو تقليلاً من عدد ضحاياها، وقد كانت حجج اليهود أن في ذلك معاداة للسامية، وهي عنصرية تعمل على إشاعة الكراهية ومضادة (الإخـاء) و (المسـاواة)، وهي (ثوابت) و (مقدسات) في المجتمع الغربي، يجب المحافظة عليها حتى ولو اقتضى ذلك تقييد (حرية الرأي) ومصادرة (حرية التعبير) لأفراد مفكرين، يمكن أن يكون مآلهم السجن (عكس الحرية تماماً) أو الحكم بالغرامة المالية، بـدلاً من تشـجيعهم عـلى البــحث الحــر والرأي الحر.

في الغرب يقوم نظام الحكم على الديمقراطية (وهي من أكبر عمليات النصب الفكري في التاريخ، ولهذا حديث آخر) التي قوامها القبول بالتعددية، وضماناً لإعمال هذا المبدأ تقوم أنظمة الحكم الغربية بإطلاق (حرية تكوين الأحزاب السياسية والتكتلات) ومع ذلك نجد أن بعض هذه الدول تشترط عدم خروج الأحزاب على بعض المبادئ الأساسية في المجتمع (تقييد هذا الحق وتوجيهه) فلا تسمح بقيام حزب جمهوري في بلد ملكي، أو قيام حزب ملكي في بلد جمهوري، أو قيام حزب انفصالي في بلد اتحادي، أو قيام حزب شيوعي في بلد رأسمالي (كما في أمريكا مثلاً)، أو قيام حزب نازي أو فاشي في بلد ليبرالي - وخاصة ألمانيا وإيطاليا - ولو حدث اختراق لبعض هذه الشروط والقيود تحت مسميات ومظلات أخرى فإن العقوبات تكون بالمرصاد لهذا الاتجاه ولزعيمه ولبلده، وحالة حزب الحرية (القومي النمساوي) وزعيمه (يورج هايدر) ليست ببعيدة.

وأسباب ذلك التقييد والتضييق قريبة من الأسباب المذكورة في النقطة السابقة.

وباختصار: ماذا لو خرج في الغرب ـ مِن منطلق الحريات ـ مَن يطالب بهدم (ثابت) الحرية (المقدسة) وإسقاطه؟ الرد الفوري الجاهز من أنصار الحرية سيكون الشعار المعروف: (لا حرية لأعداء الحرية) بدعوى أن هؤلاء (سيستخدمون الحرية لقتل الحرية).

وبالطبع فإنهم لا يعدون هذه القيود انتقاصاً للحقوق والحريات، بل يعدونها حماية لهذه المكتسبات التي أصبحت ثوابت (مقدسة) وضبطاً لها؛ حتى لا تتحول إلى فوضى يضيع معها نظام المجتمع.

التوقيع
للإشتراك المجاني في رسائل جوال ضد التغريب أرسل كلمة مشترك للرقم ( 0551915972 ) لشريحة سوى فقط , أوللإشتراك في الواتس آب لكل شرائح الجوال.
http://majles.alukah.net/showthread.php?t=86061
زين العابدين غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-May-2008, 12:43 AM   #4
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2006
رقم العضوية: 68
المشاركات: 2,824
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 68
عدد المشاركات : 2,824
بمعدل : 0.61 يوميا
عدد المواضيع : 540
عدد الردود : 2284
الجنس : ذكر

افتراضي

تابع :الإسلام والليبرالية (حقيقة التوجه الأمريكي وإمكانية الالتقاء الفكري)

لخالد أبو الفتوح


الحريات في الإسلام بين الحق والضبط:

وفي مقابل المنظومة الغربية في الفكر والقيم نجد في الإسلام و (المجتمع الإسلامي) منظومة مختلفة تماماً: مختلفة في المرجعية والمنهجية، وفي الثوابت والمقدسات، وفي الغايات والأهداف، وحتى في الوسائل والأدوات القانونية والاقتصادية والسياسية لتحقيق هذه الغايات.

فمقابل (العقل المجرد) و (الحس التجريبي) نجد في الإسلام أن (الوحي) هو المرجعية الأولى للفكر والقيم، مع عدم إهمال أهمية المرجعية المعرفية للعقل والحس، ولكن وضعهما في إطارهما واستعمالهما في مجالاتهما.

ومقابل (العلمانية) نجد في الإسلام أن (الشريعة) وانتظام الدين مع الدنيا هو المنهجية التي يقوم عليها المجتمع.

ومقابل (الفردية) نجد في الإسلام المسؤولية المتبادلة بين الفرد والمجتمع والتآلف بينهما من غير جور أو تعدي أي منهما على الآخر (حقوق شخصية، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر)، وهو ما يؤكده حديث السفينة التي استهمها ركابها، وهذا المفهوم يرقى بحريتي الرأي والتعبير ـ وفق التصور الإسلامي ـ من مرتبة (الحق الشخصي) إلى مرتبة (المسؤولية الاجتماعية).

ومقابل (الحرية) و (المساواة) نجد في الإسلام أن (العبودية) لله رب العالمين و (العدل) بين البشر (ليس بالضرورة أن يكون العدل هو المساواة كما يفهمها بعض البشر) يتربعان على قمة الهرم القيمي في المجتمع الإسلامي، فهما أكبر (الثوابت) و (المقدسات) في المجتمع، وتحقيق هاتين القيمتين وعدم المساس بهما له الأولوية المطلقة التي ينبغي أن تخضع له أو تتقيد به أو تنتظم معه قيم المجتمع الأخرى بما فيها الحقوق والحريات.

وأعني بـ (العبودية) لله ـ عز وجل ـ: الخضوع والدينونة العامة له (سبحانه)، {وَمَا خَلَقْتُ الْـجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْـحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33]، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، وفي هذا الإطار نلاحظ أن تحقيق (العبودية) لله ـ عز وجل ـ يتناسب طردياً مع (التحرر) من المخلوقات؛ فكلما عظمت حقيقة العبودية لله ـ تعالى ـ وارتفعت في نفس المسلم، كلما ازداد تحرره من المخلوقين. كما نلاحظ أن هذا التحرر يكون داخلياً وخارجيّاً؛ فالعبودية لله ـ سبحانه ـ تجعل المسلم يتحرر حتى من سيطرة (الأشياء) والتعلق بها؛ «تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أُعطي رضي وإن لم يُعْطَ لم يرضَ»(1). وتأمل موقف سلطان العلماء (العز بن عبد السلام) عندما أغلظ في القول جهراً مناصحة للملك الصالح نجم الدين أيوب، لما رأى الأمراء يقبِّلون الأرض بين يديه. يقول تلميذه الباجي: «سألت الشيخ لمَّا جاء من عند السلطان ـ وقد شاع هذا الخبر ـ: يا سيدي! كيف الحال؟ فقال: يا بني! رأيته في تلك العظمة فأردت أن أهينه؛ لئلا تكبر نفسه فتؤذيه، فقلت: يا سيدي! أما خِفتَه؟ فقال: والله! يا بني! استحضرتُ هيبة الله ـ تعالى ـ فصار السلطان قدامي كالقط».

أما (العدل) فإنه من أبرز خصائص هذه الأمة {وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى: 15]، {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]، والوسط هو العدل - كما جاء في تفسيرها-.

وضمن هذا الإطار تنتظم (الحقوق) و (الحريات) الشخصية، وليعذرني القارئ في استعراض بعض هذه الحقوق والحريات حسب شكل الإطار الغربي:

فـ (حق المعرفة) مكفول في الإسلام، ولكن تحت ظروف معينة جاز تضييقه بعض الشيء لأجل الارتقاء بمستوى (العبودية) والمحافظة عليها، كما في حديث معاذ عندما أخبره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرَّمه الله على النار»، فقال معاذ: «يا رسول الله! أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟»، قال: «إذن يتكلوا»(1)، وهو ما يسميه العلماء: جواز كتم العلم للمصلحة.

و (حرية العقيدة) في المجتمع الإسلامي مكفولة (في إطار) مراعاة الثابت الأعلى لهذا المجتمع (العبودية والدينونة لله عز وجل)، ومن هنا اتسع المجتمع الإسلامي لوجود التعدد الديني فيه، عندما قَبِلَ أن يتعايش فيه أفراد يعتنقون اليهودية والنصرانية - وقد يلحق بهما المجوس كما جاء في بعض الروايات، باعتبار أن لهم شبهة كتاب - وترك لهم حرية تنظيم شؤونهم الشخصية، بينما لم يتسع لغيرهما من الديانات الوثنية أو الإلحاد، وذلك باعتبار أن اليهودية والنصرانية ديانتان ذواتا أصل سماوي ويعلنان انتسابهما إلى مظلة تلك العبودية والدينونة في الجملة؛ فالقاعدة في ذلك: قبول المجتمع الإسلامي أن ينضوي تحت مظلته كل من يعلن قبوله لسلطان الله عليه في الجملة، ونبذه لكل من يعلن تمرده وخروجه على هذا السلطان.

ولكن الانحراف والتحريف الطارئ على تلكما الديانتين - والذي يتصادم مع حقيقة (ثابت) العبودية - يجعل دائرة (حرية التعبير) أضيق في حقهما من دائرة (حرية الاعتقاد)، فلا يحق لهما الدعوة - أو التبشير ـ بدينهما، ولا إظهار شعائر عباداتهما ـ المعبرة عن انحرافهما ـ خارج دائرة معتنقيهما. فخروج (حرية التعبير) عن هذه الدائرة يخرق نظام المجتمع ويهدم الثابت الأساس والمقدس الأول في الهرم القيمي للمجتمع. وهنا يضاف ـ في حق هؤلاء ـ إلى قبول سلطان الله: قبول شريعة الإسلام باعتبارهما المرجعية والنظام اللذين يقوم عليهما المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية.

ويتعلق بـ (حرية الاعتقاد) مسألة المرتد عن الإسلام: ففي حين أن الإسلام لا يعاقب من لم يدخل فيه ابتداء، كما أنه لا يُكره أحداً على اعتناقه والدخول فيه، {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]، {وَقُلِ الْـحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6]، كما لا يمنع ولا يعاقب من انتقل من دين إلى آخر أو من مذهب عقدي في هذه الأديان (التي تعيش في ظله) إلى آخر - وفي ذلك خلاف فقهي ضعيف -.. نجد أنه في الوقت نفسه يمنع و (يعاقب) من ينتقل منه إلى غيره، ولا ينفع في هذا المقام محاولات بعض المتكلفين إبراز آراء فقهية شاذة تنفي عقوبة القتل عن المرتد، بغية التطابق مع المفهوم الغربي لـ (حرية الاعتقاد) لأن التهديد والوعيد الأخروي الثابت في القرآن {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217] يأبى إضفاء شرعية هذه الصفة (حرية الاعتقاد) لهذه الفعلة (الردة عن الإسلام) في المجتمع المسلم، وبحسب المفهوم الليبرالي الذي يتمحلون في موافقته؛ فإن ذلك الوعيد يعد ترهيباً معنويّاً لا يتفق مع الدعوة إلى حرية الاعتقاد.

ونستطيع فهم موقف الإسلام من المرتد عنه، في ضوء أن ذلك الانتقال عنه يعد طعناً في القيمة العليا والأساس التي يقوم عليها المجتمع، أو بعبارة أخرى: إنه يعد ذلك إعلاناً بالطعن في صحة هذا الدين، أو في عدم حاجة الإنسان إليه، وذلك غير مقبول في مجتمع يستمد شرعيته ومرجعيته بالأساس من اعتقاد صحة هذا الدين ومن الحاجة إليه.

ولا يقتصر (التضييق) على (حرية التعبير) على أهل الكتاب والمرتدين فقط، بل يشمل كل متطاول وطاعن في ثوابت المجتمع ومقدساته، سواء أكان منتسباً إلى الإسلام أم غير منتسب، بل إن ذلك الطعن من سمات (الإمامة في الكفر) كما في قوله ـ تعالى ـ: {وَإن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة: 12]، وبالطبع فإن بعض المنتسبين إلى المنظومة الغربية قد يعدون الطعن في الدين (حرية إبداع) و (حرية رأي) و (حرية تعبير).

ولكننا نرى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يعتدَّ بـ (إبداع) ولا (حرية تعبير) اليهودي كعب بن الأشرف عندما شن حملة إعلامية (شعرية) هجا فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وآذاه، كما لم يأبه القرآن الكريم ولا الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا مجتمع الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بـ (حرية الرأي) عندما أبدى بعض المنافقين - في سياق التهكم والسخرية بدعوى التسلية واللعب - رأيهم في (قرَّاء) الصحابة (أي: فقهاؤهم وعُبَّادهم) بأنهم أرغب بطوناً وأكذب ألسنة وأجبن عند اللقاء(1)، وهو ما عده القرآن استهزاءً بالله وآياته ورسوله، استلزم أن يكون كفراً بعد إيمان لا يقبل فيه الاعتذار باللعب؛ فما بالنا بمن يهزأ صراحة ويعلن جديته في ذلك؟

وهنا نقطة يرددها كثيرون بدعوى أنها دليل على السماح بحرية الرأي المتضمن لنشر آراء كفرية في المجتمع الإسلامي... حيث يدعي بعض الكتاب أنه في مسألة مثل مسألة التعرض إلى الذات الإلهية وإنكار وجودها ابتداءً، نجد أن القرآن الكريم أورد وحفظ ما يصعب حصره من دعاوى غير المسلمين وآرائهم ومقولاتهم واتهاماتهم أياً كانوا في هذا الباب.

هذا الكلام وأمثاله يحمل في طياته خلطاً كبيراً بين مفهوم (حرية التعبير) الذي يستدلون له، ومفهوم (الحوار والجدل) الذي وردت في سياقه الآيات والآراء والمقولات التي أشاروا إليها. والحقيقة أن بين المفهومين فرقاً كبيراً؛ فحرية التعبير تقتضي ترك صاحب الرأي يعرض وجهة نظره وحججه بدون أي تعقيب أو تعليق مباشر، وقد لا يوجد تعقيب بالمرة، وهذا ما لم يحدث في القرآن ولا في غيره من المرجعيات الإسلامية؛ بينما الحوار والجدل عملية إلقاء حجة على حجة ورأي على رأي لإظهار الحق؛ ففي هذا المقام نلحظ أن إيراد القرآن لأقوال أهل الشرك والكفر لم يكن بقوة الحق الممنوح لهم (حرية التعبير)، بل كان بقوة الفعل الذي صدر منهم وأصبح واقعاً لا يمكن تجاهله، فأوردها في محاورات ومجادلات غاية في الدقة والأمانة والرقي، ونلحظ أيضاً أن (الحوار والمجادلة) بهذه الصورة يعد من أوسع الممارسات الفكرية في الحقل الإسلامي.

ورغم هذا (التضييق) على حرية الرأي وحرية التعبير (الرأي يكون سابقاً للتعبير عنه) إذا تصادم هذا الرأي أو التعبير مع ثوابت المجتمع ومقدساته وأخلَّ بنظام الهرم القيمي فيه.. نرى في الوقت نفسه تسامحاً ومرونة واتساعاً في (حرية الرأي) و (حرية التعبير) حتى لو صدر من غير المسلم - وحتى لو كان هذا الرأي خاطئاً ومخالفاً لما هو راسخ، بل لو كان يحمل شبهة التطاول الضمني - وذلك إذا كان مستظلاً بمظلة ثوابت المجتمع ومقدساته: فهذا يهودي آخر يتقاضى من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مالاً فيجبذه من منكبه ويقول له: «إنكم يا بني عبد المطلب أصحاب مطل وإني بكم لعارف» ويرد الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما انتهر عمرُ اليهوديَّ، فيقول له: «يا عمر! أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج: أن تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي»(2)، وهذا رائد الخوارج يقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- - بعدما قسّم بعض مال في المؤلفة قلوبهم -: «يا رسول الله! اتق الله!» أو «يا رسول الله! اعدل!»(3)؛ ففي هذه المواقف آراء تحمل شبهة تطاول ضمني على شخص الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولكن هذا التطاول ليس على مقام النبوة والرسالة، ومن حق الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يعفو ويتنازل عن حقه الشخصي، وإن لم يكن من حق أمته التنازل عن هذا الحق. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن هذه الآراء كانت مستظلة بمظلة ثوابت المجتمع (العدل في الحالة الأولى، والعدل والعبودية لله ـ تعالى ـ في الحالة الثانية) ولذلك كان تذكير الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتصحيحه بأنه هو أول من يتمثل هذه الثوابت ويحميها: «ومن يعدل إن لم أعدل؟»، «أوَلست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟».

وتتسع هذه الحريات (حرية الرأي وحرية التعبير) كلما تأكد استظلالها بمظلة هذه الثوابت، حتى ولو أدت إلى (اختلاف) و (تنوع) و (تعدد)، وفي اختلاف الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ومَنْ بعدهم من مدارس فقهية ومناهج كلامية ما يتعذر حصره في هذا الصدد.

وهنا نقطة جديرة بالذكر، وهي: أن التاريخ يشهد بأن مساحة (التنوع) و (حرية الرأي الآخر) و (حرية التعبير) كانت دائماً في أقصى مداها في ظل السيادة الثقافية والسياسية لأهل السنة والجماعة، بينما كانت هذه المساحة تتقلص دائماً - وأحياناً إلى حد الاختناق - مع تملك الفرق الأخرى لأزِمَّة الأمور، ومحنة خلق القرآن التي أراد فيها المعتزلة (أهل العقل) امتحان الأمة وحملها فرداً فرداً على اعتناق رأيها في هذه المسألة العقدية.. خير شاهد على ذلك.

وعلى النسق نفسه ينتظم حق تكوين الأحزاب والتكتلات؛ فمانعو الزكاة وأتباع مسيلمة الكذاب كوَّنوا تكتلات بناءً على (آراء) تبنوها، ولكن لما كانت هذه الآراء مصادمة لثوابت المجتمع ومقدساته لم يكن لها مكان في هذا المجتمع؛ فكان الصدام معها والقضاء عليها واستئصال آرائها، بخلاف الخوارج الذين تكتلوا على (رأي) أيضاً؛ فلم يقاتَلوا ابتداءً، بل لم يقاتلوا إلا عندما نابذوا الدولة الإسلامية بالقتال، فقوتلوا على جريمتهم السياسية وليس على آرائهم، واستمرت آراؤهم سيارة بعد ذلك في أتباع مذهبهم، يشملهم الانتساب إلى عموم الأمة بمصطلح (أهل القبلة)، وكذلك التكتلات الفكرية الأخرى، بل والتكتلات الاجتماعية كالقبائل، بل كالمهاجرين والأنصار، وهي تكتلات كانت مكونة تحت لواء (انتماء) وليس تحت راية (ولاء) الذي ظل دوماً معقوداً للقيم والمقدسات العليا في المجتمع الإسلامي.

فهل بعد ذلك يمكن القول إن الإسلام يدعو إلى الحريات والحقوق كما تدعو إليها الليبرالية، ويمكن الجمع بينهما بلا غضاضة؟.. أم أن إضافة الليبرالية إلى الإسلام ليست إضافة بيان أو ترادف، بل لإكمال نقص وسد خَلة في الإسلام؟

نبرئ إخواننا أن يكون ذلك قولهم..

التوقيع
للإشتراك المجاني في رسائل جوال ضد التغريب أرسل كلمة مشترك للرقم ( 0551915972 ) لشريحة سوى فقط , أوللإشتراك في الواتس آب لكل شرائح الجوال.
http://majles.alukah.net/showthread.php?t=86061
زين العابدين غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-May-2008, 12:46 AM   #5
عضو متميز
افتراضي

الليبراليون العرب هل هم حقاً ليبراليون؟

أحمد دعدوش


الليبرالية الجديدة تيار فكري حديث يُشكل امتداداً لليبرالية الكلاسيكية الغربية التي نشأت في كل من إنجلترا وفرنسا إبَّان عصر النهضة، والتي تُعدّ بمثابة منظومة أيديولوجية متكاملة تتناول كافة أشكال الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما تمتد لتشمل المناهج العلمية والفكرية وتحدد أدواتها وآلية عملها. وتعود نشأة الليبرالية الجديدة إلى منتصف القرن الميلادي الماضي، كردِّ فعل لإخفاق الليبرالية الكلاسيكية في تجنيب العقل الأوروبي تبعات التطرف العقائدي، والذي استفحل مع بروز الحركات الفاشية والقومية، وحتى الشيوعية التي خرجت كسابقاتها من رحم الفلسفة المادية، وهي المرجعية الأم للعقل الأوروبي الحديث بكافة أطيافه.

ومع تراجع الليبرالية الكلاسيكية التي حُمّلت الكثير من أوزار الحربين العالميتين، بدأت مرحلة جديدة من النقد وإعادة البناء في محاولة لإنقاذ الثقافة الليبرالية الغربية، فظهرت «الكينزية» كتعديل ضروري وعاجل للاقتصاد الرأسمالي الكلاسيكي ليسمح للدولة بالتدخل وإدارة الأزمات، وفي الفلسفة والآداب بدأ المفكرون والنقاد بوضع تصوراتهم المختلفة لمرحلة «ما بعد الحداثة». وفي السياسة برزت مفاهيم التكتل والأحلاف والاحتواء. أما الميدان العلمي فقد شهد انحساراً لنزعة المركزية الأوروبية المتعالية، وبدأ العلماء يدركون أن معرفتهم بالكون ما زالت أقل بكثير من تحقيق آمال القرن العشرين في الإحاطة بأسراره.

وفي هذا المقال سنقوم بإضاءة بعض النقاط التي توضح الفرق الكبير بين الليبرالية الغربية وصورتها المستوردة في العالم العربي والإسلامي، انطلاقاً من حقيقة رئيسة مفادها أن الليبرالية الغربية كانت قد نشأت في ظل ظروف سياسية واجتماعية خاصة، وأنها ظهرت كردِّ فعل للاضطهاد الكنسي للعلماء من جهة، وللاستبداد السياسي والاقتصادي من قِبَل النبلاء والإقطاعيين الغربيين من جهة أخرى. وعبر تحالف السلطتين الدينية والسياسية الإقطاعية تمكن رجال الدين المسيحي من فرض سلطانهم على العقلية العلمية الأوروبية، وحرّموا على العلماء والمفكرين الخوض في الكثير من القضايا التي أعطيت صفة القداسة، ومن ذلك الاضطهاد الذي تعرض له الفلكي الإيطالي «غاليليه» لادِّعائه دوران الأرض حول الشمس وليس العكس، وهو الأمر الذي يتناقض مع رأي الكنيسة التي تبنّت نظرية «بطليموس» وألبستها مسوح القداسة.

أما الإقطاعية فقد أخضعت الطبقة العاملة لنظامها الطبقي الجائر، وهو الأمر الذي دفع الطبقة البورجوازية الناشئة للتحالف مع العمال والفلاحين في سبيل التحرر من نير الإقطاع وإحلال الفكر الليبرالي الذي يحقق للفرد حريته وكرامته. وفي المقابل، فإن واقع مجتمعنا الشرقي الإسلامي يكاد يختلف جذرياً عن هذا النموذج الأوروبي، فضلاً عن الفرق الكبير في المنهجين الفكري والسلوكي لدى الليبراليين العرب عما هو متعارف عليه في الليبرالية الغربية، وسنسعى لتوضيح ذلك من خلال المقارنة التالية بين الطرفين:

1 ـ لقد قامت حركة التنوير الأوروبية وفق تسلسل مرحلي تلقائي؛ بدءاً من العلمانية ثم الليبرالية وأخيراً الديمقراطية، بحيث لا يمكن عزل أي مرحلة منها عن الأخرى أو تجاوز اللاحقة منها السابقة، فكانت بداية النهضة الأوروبية مع حركة العلمنة التي تعني تحرر العقل العلمي من سلطان الكنيسة الجائر، وإعفاءه من الالتزام بالولاء لما يتناقض مع أولى بديهياته، ونادت بإطلاق حرية العقل في التجريب والملاحظة بعيداً عن المسلّمات الأولية المتناقضة في النصوص الدينية، ولم يكن ذلك يعني التملّص من الإيمان الديني عند معظم العلمانيين، بل كانت حركتهم موجهة نحو تخليص العقل من سلطان الكنيسة لعدم إمكان الجمع بينهما، ومن ثَم عزل الإيمان الغيبي (الميتافيزيقا) عن الواقع التجريبي المحسوس.

أما في الشرق؛ فقد عمد أتباع الليبرالية العربية إلى اختزال المراحل التسلسلية ـ السابق ذكرها ـ من تطور الحركة التنويرية من العلمانية والليبرالية والديمقراطية وبشكل مبتسر؛ إذ ينادي معظم الليبراليين العرب بضرورة التطبيق الفوري والراديكالي للمفهوم الليبرالي الديمقراطي الغربي دون تغيير، وكأنه وصفة سحرية يمكن من خلالها حل معضلات العالم العربي وبشكل فوري.

من جهة أخرى، يقتصر مفهوم العلمانية لدى الكثير من الليبراليين العرب على حتمية تناقض العلم مع الدين، وذلك بالمفهوم الكلي لكل من العلم والدين، دون النظر إلى أي خصوصية لهذا الدين أو ذاك، أو بحث في أوجه الخلاف بين الدين الإسلامي ـ الذي يراد عزله ـ وبين المنهج العلمي التجريبي الذي كان قد نشأ أصلاً تحت مظلة الإسلام في عصره الذهبي. إذ لم يرد في التاريخ الإسلامي أي ذكر لاضطهاد العلماء باسم الإسلام، كما لم تنشأ خلال العصور الوسطى أي طبقة كهنوتية تُخضِع لسلطانها طبقة أخرى تسمى طبقة العلماء، بل نجد أن معظم العلماء المسلمين الذين نقل لنا التاريخ إبداعهم العلمي في أي من فروعه، كانوا قد نشؤوا على التربية الدينية السائدة في ذلك العصر، والتي تقضي بترسيخ القاعدة العلمية الدينية من علوم القرآن والحديث والفقه والعقيدة واللغة، قبل أن يتوجه طالب العلم لاختيار التخصـص الـذي يـريـده مـن علـوم دينيـة أو تجريبية. ولم يحدث أن اشتكى أي من علماء الإسلام من التناقض الذي يمكن أن يحدث بين عقيدته الإيمانية والتزامه بتعاليمها السلوكية والشعائرية، وبين أبحاثه وتجاربه في كافة ميادين العلم التجريبي والطبيعي.

أما ما ينسب للإسلام من اضطهاد للفلاسفة فهو أمر خارج عن نطاق المقارنة؛ إذ لم يكن حظرُ معظم علماء الدين الإسلامي للفلسفة إلا حظراً لدراسة العقيدة بأدوات الفلسفة اليونانية التي كانت قد نشأت في مجتمع وثني لم يحظَ بنور الوحي والرسالة، وهو أمر لا يعدو أن يكون وضعاً للأمور في مكانها الصحيح، ولو أن البحث لم يتناول الإلهيات والغيبيات وظل مقتصراً على الجانب الطبيعي التجريبي لما وُجد في التاريخ الإسلامي شيء يُذكر مما يتشبث به النقاد، علماً أن الحظر الإسلامي للبحث الفلسفي لا يختلف في جوهره عن الحظر المطبق في الكثير من الدول الليبرالية اليوم على الفكر المناهض للثقافة الغربية.

2 ـ بناء على التسلسل المرحلي السابق ذكره، فإن الليبرالية الاقتصادية والأيديولوجية لم تنشأ في الغرب إلا بعد شيوع العلمنة وتخليص العلم من سلطان الكهنوت، وهكذا فقد كان من الطبيعي أن تثور العقلية العلمانية على أيديولوجيا التسليم بالمطلق ومنح العلم صفة النسبية. وتزامن ذلك مع تطلع الفرد للتحرر الاقتصادي من نير الإقطاع، وتحالف البورجوازية الناشئة مع الطبقة الكادحة التي أصبحت أكثر وعياً وثقافة، مما أدّى إلى تقلّص سلطات الإقطاعيين ومنح الطبقات الدنيا حرية العمل والتملك.

أما في النظام السياسي- الاقتصادي الإسلامي، فعلى الرغم من انحسار التطبيق العادل لتعاليم الإسلام في مراحل متعددة من التاريخ السياسي الإسلامي، إلا أن إلباس هذا التاريخ حُلّةَ الإقطاع الأوروبي ليس إلا محض عبث، وخصوصاً أن علماء الدين الإسلامي كانوا يشكلون صف المعارضة الأول للاستبداد السياسي على مرِّ العصور، ولم يكن التحالف المزعوم بين الفريقين على الشكل الذي يراد له أن يكون في قراءة الليبراليين لهذا التاريخ. فضلاً عن أن النظام الاقتصادي في المجتمع الإسلامي لم يكن إقطاعياً من أي وجه، ولا يمكن تبرير هذه القراءة للتاريخ بالنظر إلى أملاك السلطان وأصحاب الجاه مع غضِّ الطرف عن الحرية الاقتصادية في العمل والتملك، وانتشـار الأوقـاف التي كـانت تزيـد على كل ممتلكات السلطان - كما في بلاد الشام - وهذا أمر يتنافى مع أولى بديهيات الإقطاع.

3 ـ إثر ذلك التغيير العقلي والاجتماعي في المجتمع الأوروبي نشأ النظام الديمقراطي كتطور تلقائي ليحل بديلاً عن نظام التوريث الإقطاعي الملكي، وما كان ذلك ليحدث لولا تغلغل الفكر العلماني الليبرالي في المجتمع، والذي أشاع مبادئ الحرية الفردية وحق تقرير المصير، مما أدَّى إلى تدخل الأفراد في انتخاب السلطة الحاكمة، ومن ثم نشوء النظام الديمقراطي القائم على الاقتراع ورأي الأغلبية.

وفي المقابل نجد أن الليبراليين العرب قد تجاوزوا كل هذه المراحل سعياً لإحلال النظام السياسي الديمقراطي دون التعرض لليبرالية الأيديولوجية وسياقها التاريخي، بل لم يجد بعضهم ضيراً في الاستعانة بالخارج والاتِّكال على الغرب لإحلال هذا النظام بالقوة إن دعت الحاجة، دون التعرض لحقيقة نوايا هؤلاء الحلفاء وأطماعهم في المشرق الإسلامي التي لا يخفيها الغرب نفسه.

4 ـ لم يذكر لنا تاريخ النهضة الأوروبية أن أحداً من مفكري الليبرالية الغربية قد أقام مقارنة ذهنية بين المجتمع الأوروبي الذي ينتمي إليه وأي من المجتمعات الأخرى، كما لم يبادر أي منهم لاقتباس أي نظام سياسي أو اقتصادي من الخارج لإحلاله في أوروبا، سواء كان ذلك من جهة الاقتباس والإفادة من مجتمع يبادله الشعور بالندّية أو من جهة التقليد القائم على الشعور بالنقص. أما الليبرالية العربية فعلى النقيض من ذلك تماماً؛ إذ لم يسعَ مفكرو أي أمة من الأمم النامية في العصر الحديث إلى مثل هذا الاستنساخ المقصود للعقلية الغربية ومحاولة إحلالها كبديل عن الواقع المحلي، وبالشكل الذي ينادي به الليبراليون العرب منذ بداية ما يسمى بحركة النهضة العربية. يقول زكي نجيب محمود في كتابه (تجديد الفكر العربي): «هذا التراث كله بالنسبة لعصرنا فقد مكانته، فالوصول إلى ثقافة علمية وتقنية وصناعية لن يكون بالرجوع إلى تراث قديم، ومصدره الوحيد هو أن نتجه إلى أوروبا وأمريكا نستقي من منابعهم ما تطوعوا بالعطاء، وما استطعنا القبول، وتمثل ما قبلناه».

5 ـ الليبرالية الغربية تقتضي نسبية الحقيقة والموضوعية في النظر والقياس، ولعل إحدى أهم سِمَات العقل الليبرالي تتلخص في تجريد العقل وحياده، وتنزيهه عن الأفكار المسبقة والصور النمطية للأفكار والتصورات، ومنحه الحق في التجريب والقياس والنقد لكافة الظواهر دون تحيز؛ فالليبرالي الغربي يؤمن أن مرجعيته هي العقل وحـده، سـواء كـان العقل غربـياً أو شرقياً، مع تحيز في الكثير من الحالات للعقل الغربي انطلاقاً من مركزيته الأوروبية. أما الليبرالي العربي فقد وقع في الفخ الذي نصبه لخصومه «الإسلاميين» إذ نجده لا يقل تمجيداً وتقديساً لمرجعيته الليبرالية إلى حدٍّ يكاد يكون فيه مسلوب الإرادة أمامها؛ ففي الوقت الذي يُؤخذ فيه على «الإسلامي» تقديسه للنص الديني واعتماده التراث كمرجعية مطلقة، يظل هو متمسكاً بنصوص ومبادئ كبار مفكري العقلانية الأوروبية.

6 ـ امتـداداً لما سبق ذكـره؛ فإن الليـبرالي العربي يلجأ عادة إلى التبرير عند محاكمة الـغـرب على أخطـائه، بـل ـ يلـجأ لا شعورياً ـ إلى تحميل الذات المسؤولية عن كل خطأ وكأنه بات أسيراً لعقدة الذنب. وقد يتطور الأمر لدى بعضهم إلى إدانة شبه مطلقة لكل ما هو عربي - إسلامي، فتتحول دراسة التاريخ الإسلامي من النقد الموضوعي ـ بهدف طرح القداسة عنه ـ إلى بحث متعمد عن أخطاء الماضي وإدانة رموزه وتجريمهم، بل الافتراء عليهم إن دعت الحاجة، إلى درجة تشبيه «محمد الفاتح» بشارون وستالين في ترحيله نصارى القسطنطينية إلى أوروبا بالرغم من احتمائهم بتاجه السلطاني من ظلم الفاتيكان، ولا غرو - والحال هذه - في الادعاء أن الخليفة بعد الفتح قد تدثر «مرتاحاً بين الغلمان والحريم بعباءة كسروية» فقط لكـونه خـلـيفة علـى طريقة التوريث ولم يصـل إلـى الحـكم بصنـاديق الاقتراع الديمقراطي ورغـم أنف التـاريخ. [خالص جـلـبي، الـشرق الأوسط: العـدد (8310) بتاريخ 10 جمادى الآخرة 1422هـ]، والأمر ذاته ينسحب على «صلاح الدين» الذي لم يشفع له شيء من إنجازاته عندما اكتشف الكاتب الليبرالي أنه قد أمر بقتل السهرَوَرْدي المتهم بالزندقة، ثـم ترك مملكـتـه لوارثـي الحـكـم من أبنـائه وإخـوته بـدلاً من سعـيه لإحلال الديمـقراطية. [الكـاتب نفـسه، الشرق الأوسط: 4 ربيـع الثانـي 1426 هـ، 12 مايو 2005 العدد 9662].

وبهذه العقلية المنهزمة، لا يتورع الليبرالي العربي عن اللجوء المسرف لآلية النقد الذاتي في معالجته لكافة القضايا المعاصرة؛ إذ لا يرى في الاستعمار الأجنبي إلا قابلية داخلية للاستعمار، ولا يجد في احتلال العراق إلا خروجاً بعضهم قومياً عن المنظومة الدولية، بل لا تعدو المقاومة في العراق وفلسطين أكثر من لعبة خطرة لا يدرك «المتشددون» أبعادهـا، أمـا العولمة - بوجهها الأمريكي السافر - فتتحول لدى بعضهم إلى نتيجة طبيعية للتطور الديالكتيكي للمجتمع الإنساني (بالمفهوم الهيوماني الشامل) والذي ما زال يعمل على كتابة صفحات تاريخه الأولى.

وهكذا؛ فإن المفهوم الليبرالي العربي للغرب لا يتعدى كونه مفهوماً ذاتياً لا موضوعياً؛ بحيث تقتصر دراسة المجتمعين الإسلامي والغربي على تقصِّي النواقص في الأول، وتلمُّس المزايا في الثاني، وكأن الأمر لا يخرج عن آلية المفاضلة لنقل الأول إلى الثاني ليس إلا، وبغضِّ النظر عن تفهّم حاجة الأول، وأخطاء الثاني.

وهذا فخ آخر يقع فيه الليبرالي العربي؛ ففي الوقت الذي يلوم فيه «الإسلامي» على استسلامه لعقدة المؤامرة التي تحكم نظرته للآخر، يكاد هو يحصر مفهومه عن الآخر في نطاق التمثل والتقليد، وإذا كان الأول يحاكم الآخر انطلاقاً من الثقة بالذات، فإن الثاني يحاكم الذات انطلاقاً من انهزامه أمام الآخر، وهذا الأمر يتناقض أيضاً مع واحدة من أهم مسلّمات الليبرالية التي تنظر إلى كل من الذات والموضوع بحياد ونزاهة.

ختاماً:

فإن الليبرالية الغربية لم تنشأ في أوروبا إلا بعد أن قطعت مرحلة طويلة من التطوير والتحديث، وكان الدافع لوجودها هو حاجة الفرد الأوروبي إلى ذلك النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يضمن له حريته وكرامته، ويوفر له حاجاته المعيشية بشكل متوازن. وعليه؛ فقد كان حريّاً بالليبراليين العرب إذ رفعوا شعار تحقيق مصالح الفرد العربي والدفاع عن حقوقه أن يُمعنوا النظر أولاً في خصوصيته وظروفه التي تحيط به، وأن يتجردوا وفقاً للمفهوم الليبرالي من كافة المعطيات المسبقة التي تلقفوها عن الغرب، ثم يُعملوا عقولهم فيما يكفل تحقيق كافة حقوق الفرد العربي، ويؤمّن له معيشة كريمة لا يعاني فيها من أي تناقض مع إيمانه الغيبي أثناء تفاعله مع معطيات الحياة اليومية. وعندئذ يمكن لغير الليبرالي العربي أن يطمئن في



الليبراليون العرب هل هم حقاً ليبراليون؟

أحمد دعدوش


الليبرالية الجديدة تيار فكري حديث يُشكل امتداداً لليبرالية الكلاسيكية الغربية التي نشأت في كل من إنجلترا وفرنسا إبَّان عصر النهضة، والتي تُعدّ بمثابة منظومة أيديولوجية متكاملة تتناول كافة أشكال الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما تمتد لتشمل المناهج العلمية والفكرية وتحدد أدواتها وآلية عملها. وتعود نشأة الليبرالية الجديدة إلى منتصف القرن الميلادي الماضي، كردِّ فعل لإخفاق الليبرالية الكلاسيكية في تجنيب العقل الأوروبي تبعات التطرف العقائدي، والذي استفحل مع بروز الحركات الفاشية والقومية، وحتى الشيوعية التي خرجت كسابقاتها من رحم الفلسفة المادية، وهي المرجعية الأم للعقل الأوروبي الحديث بكافة أطيافه.

ومع تراجع الليبرالية الكلاسيكية التي حُمّلت الكثير من أوزار الحربين العالميتين، بدأت مرحلة جديدة من النقد وإعادة البناء في محاولة لإنقاذ الثقافة الليبرالية الغربية، فظهرت «الكينزية» كتعديل ضروري وعاجل للاقتصاد الرأسمالي الكلاسيكي ليسمح للدولة بالتدخل وإدارة الأزمات، وفي الفلسفة والآداب بدأ المفكرون والنقاد بوضع تصوراتهم المختلفة لمرحلة «ما بعد الحداثة». وفي السياسة برزت مفاهيم التكتل والأحلاف والاحتواء. أما الميدان العلمي فقد شهد انحساراً لنزعة المركزية الأوروبية المتعالية، وبدأ العلماء يدركون أن معرفتهم بالكون ما زالت أقل بكثير من تحقيق آمال القرن العشرين في الإحاطة بأسراره.

وفي هذا المقال سنقوم بإضاءة بعض النقاط التي توضح الفرق الكبير بين الليبرالية الغربية وصورتها المستوردة في العالم العربي والإسلامي، انطلاقاً من حقيقة رئيسة مفادها أن الليبرالية الغربية كانت قد نشأت في ظل ظروف سياسية واجتماعية خاصة، وأنها ظهرت كردِّ فعل للاضطهاد الكنسي للعلماء من جهة، وللاستبداد السياسي والاقتصادي من قِبَل النبلاء والإقطاعيين الغربيين من جهة أخرى. وعبر تحالف السلطتين الدينية والسياسية الإقطاعية تمكن رجال الدين المسيحي من فرض سلطانهم على العقلية العلمية الأوروبية، وحرّموا على العلماء والمفكرين الخوض في الكثير من القضايا التي أعطيت صفة القداسة، ومن ذلك الاضطهاد الذي تعرض له الفلكي الإيطالي «غاليليه» لادِّعائه دوران الأرض حول الشمس وليس العكس، وهو الأمر الذي يتناقض مع رأي الكنيسة التي تبنّت نظرية «بطليموس» وألبستها مسوح القداسة.

أما الإقطاعية فقد أخضعت الطبقة العاملة لنظامها الطبقي الجائر، وهو الأمر الذي دفع الطبقة البورجوازية الناشئة للتحالف مع العمال والفلاحين في سبيل التحرر من نير الإقطاع وإحلال الفكر الليبرالي الذي يحقق للفرد حريته وكرامته. وفي المقابل، فإن واقع مجتمعنا الشرقي الإسلامي يكاد يختلف جذرياً عن هذا النموذج الأوروبي، فضلاً عن الفرق الكبير في المنهجين الفكري والسلوكي لدى الليبراليين العرب عما هو متعارف عليه في الليبرالية الغربية، وسنسعى لتوضيح ذلك من خلال المقارنة التالية بين الطرفين:

1 ـ لقد قامت حركة التنوير الأوروبية وفق تسلسل مرحلي تلقائي؛ بدءاً من العلمانية ثم الليبرالية وأخيراً الديمقراطية، بحيث لا يمكن عزل أي مرحلة منها عن الأخرى أو تجاوز اللاحقة منها السابقة، فكانت بداية النهضة الأوروبية مع حركة العلمنة التي تعني تحرر العقل العلمي من سلطان الكنيسة الجائر، وإعفاءه من الالتزام بالولاء لما يتناقض مع أولى بديهياته، ونادت بإطلاق حرية العقل في التجريب والملاحظة بعيداً عن المسلّمات الأولية المتناقضة في النصوص الدينية، ولم يكن ذلك يعني التملّص من الإيمان الديني عند معظم العلمانيين، بل كانت حركتهم موجهة نحو تخليص العقل من سلطان الكنيسة لعدم إمكان الجمع بينهما، ومن ثَم عزل الإيمان الغيبي (الميتافيزيقا) عن الواقع التجريبي المحسوس.

أما في الشرق؛ فقد عمد أتباع الليبرالية العربية إلى اختزال المراحل التسلسلية ـ السابق ذكرها ـ من تطور الحركة التنويرية من العلمانية والليبرالية والديمقراطية وبشكل مبتسر؛ إذ ينادي معظم الليبراليين العرب بضرورة التطبيق الفوري والراديكالي للمفهوم الليبرالي الديمقراطي الغربي دون تغيير، وكأنه وصفة سحرية يمكن من خلالها حل معضلات العالم العربي وبشكل فوري.

من جهة أخرى، يقتصر مفهوم العلمانية لدى الكثير من الليبراليين العرب على حتمية تناقض العلم مع الدين، وذلك بالمفهوم الكلي لكل من العلم والدين، دون النظر إلى أي خصوصية لهذا الدين أو ذاك، أو بحث في أوجه الخلاف بين الدين الإسلامي ـ الذي يراد عزله ـ وبين المنهج العلمي التجريبي الذي كان قد نشأ أصلاً تحت مظلة الإسلام في عصره الذهبي. إذ لم يرد في التاريخ الإسلامي أي ذكر لاضطهاد العلماء باسم الإسلام، كما لم تنشأ خلال العصور الوسطى أي طبقة كهنوتية تُخضِع لسلطانها طبقة أخرى تسمى طبقة العلماء، بل نجد أن معظم العلماء المسلمين الذين نقل لنا التاريخ إبداعهم العلمي في أي من فروعه، كانوا قد نشؤوا على التربية الدينية السائدة في ذلك العصر، والتي تقضي بترسيخ القاعدة العلمية الدينية من علوم القرآن والحديث والفقه والعقيدة واللغة، قبل أن يتوجه طالب العلم لاختيار التخصـص الـذي يـريـده مـن علـوم دينيـة أو تجريبية. ولم يحدث أن اشتكى أي من علماء الإسلام من التناقض الذي يمكن أن يحدث بين عقيدته الإيمانية والتزامه بتعاليمها السلوكية والشعائرية، وبين أبحاثه وتجاربه في كافة ميادين العلم التجريبي والطبيعي.

أما ما ينسب للإسلام من اضطهاد للفلاسفة فهو أمر خارج عن نطاق المقارنة؛ إذ لم يكن حظرُ معظم علماء الدين الإسلامي للفلسفة إلا حظراً لدراسة العقيدة بأدوات الفلسفة اليونانية التي كانت قد نشأت في مجتمع وثني لم يحظَ بنور الوحي والرسالة، وهو أمر لا يعدو أن يكون وضعاً للأمور في مكانها الصحيح، ولو أن البحث لم يتناول الإلهيات والغيبيات وظل مقتصراً على الجانب الطبيعي التجريبي لما وُجد في التاريخ الإسلامي شيء يُذكر مما يتشبث به النقاد، علماً أن الحظر الإسلامي للبحث الفلسفي لا يختلف في جوهره عن الحظر المطبق في الكثير من الدول الليبرالية اليوم على الفكر المناهض للثقافة الغربية.

2 ـ بناء على التسلسل المرحلي السابق ذكره، فإن الليبرالية الاقتصادية والأيديولوجية لم تنشأ في الغرب إلا بعد شيوع العلمنة وتخليص العلم من سلطان الكهنوت، وهكذا فقد كان من الطبيعي أن تثور العقلية العلمانية على أيديولوجيا التسليم بالمطلق ومنح العلم صفة النسبية. وتزامن ذلك مع تطلع الفرد للتحرر الاقتصادي من نير الإقطاع، وتحالف البورجوازية الناشئة مع الطبقة الكادحة التي أصبحت أكثر وعياً وثقافة، مما أدّى إلى تقلّص سلطات الإقطاعيين ومنح الطبقات الدنيا حرية العمل والتملك.

أما في النظام السياسي- الاقتصادي الإسلامي، فعلى الرغم من انحسار التطبيق العادل لتعاليم الإسلام في مراحل متعددة من التاريخ السياسي الإسلامي، إلا أن إلباس هذا التاريخ حُلّةَ الإقطاع الأوروبي ليس إلا محض عبث، وخصوصاً أن علماء الدين الإسلامي كانوا يشكلون صف المعارضة الأول للاستبداد السياسي على مرِّ العصور، ولم يكن التحالف المزعوم بين الفريقين على الشكل الذي يراد له أن يكون في قراءة الليبراليين لهذا التاريخ. فضلاً عن أن النظام الاقتصادي في المجتمع الإسلامي لم يكن إقطاعياً من أي وجه، ولا يمكن تبرير هذه القراءة للتاريخ بالنظر إلى أملاك السلطان وأصحاب الجاه مع غضِّ الطرف عن الحرية الاقتصادية في العمل والتملك، وانتشـار الأوقـاف التي كـانت تزيـد على كل ممتلكات السلطان - كما في بلاد الشام - وهذا أمر يتنافى مع أولى بديهيات الإقطاع.

3 ـ إثر ذلك التغيير العقلي والاجتماعي في المجتمع الأوروبي نشأ النظام الديمقراطي كتطور تلقائي ليحل بديلاً عن نظام التوريث الإقطاعي الملكي، وما كان ذلك ليحدث لولا تغلغل الفكر العلماني الليبرالي في المجتمع، والذي أشاع مبادئ الحرية الفردية وحق تقرير المصير، مما أدَّى إلى تدخل الأفراد في انتخاب السلطة الحاكمة، ومن ثم نشوء النظام الديمقراطي القائم على الاقتراع ورأي الأغلبية.

وفي المقابل نجد أن الليبراليين العرب قد تجاوزوا كل هذه المراحل سعياً لإحلال النظام السياسي الديمقراطي دون التعرض لليبرالية الأيديولوجية وسياقها التاريخي، بل لم يجد بعضهم ضيراً في الاستعانة بالخارج والاتِّكال على الغرب لإحلال هذا النظام بالقوة إن دعت الحاجة، دون التعرض لحقيقة نوايا هؤلاء الحلفاء وأطماعهم في المشرق الإسلامي التي لا يخفيها الغرب نفسه.

4 ـ لم يذكر لنا تاريخ النهضة الأوروبية أن أحداً من مفكري الليبرالية الغربية قد أقام مقارنة ذهنية بين المجتمع الأوروبي الذي ينتمي إليه وأي من المجتمعات الأخرى، كما لم يبادر أي منهم لاقتباس أي نظام سياسي أو اقتصادي من الخارج لإحلاله في أوروبا، سواء كان ذلك من جهة الاقتباس والإفادة من مجتمع يبادله الشعور بالندّية أو من جهة التقليد القائم على الشعور بالنقص. أما الليبرالية العربية فعلى النقيض من ذلك تماماً؛ إذ لم يسعَ مفكرو أي أمة من الأمم النامية في العصر الحديث إلى مثل هذا الاستنساخ المقصود للعقلية الغربية ومحاولة إحلالها كبديل عن الواقع المحلي، وبالشكل الذي ينادي به الليبراليون العرب منذ بداية ما يسمى بحركة النهضة العربية. يقول زكي نجيب محمود في كتابه (تجديد الفكر العربي): «هذا التراث كله بالنسبة لعصرنا فقد مكانته، فالوصول إلى ثقافة علمية وتقنية وصناعية لن يكون بالرجوع إلى تراث قديم، ومصدره الوحيد هو أن نتجه إلى أوروبا وأمريكا نستقي من منابعهم ما تطوعوا بالعطاء، وما استطعنا القبول، وتمثل ما قبلناه».

5 ـ الليبرالية الغربية تقتضي نسبية الحقيقة والموضوعية في النظر والقياس، ولعل إحدى أهم سِمَات العقل الليبرالي تتلخص في تجريد العقل وحياده، وتنزيهه عن الأفكار المسبقة والصور النمطية للأفكار والتصورات، ومنحه الحق في التجريب والقياس والنقد لكافة الظواهر دون تحيز؛ فالليبرالي الغربي يؤمن أن مرجعيته هي العقل وحـده، سـواء كـان العقل غربـياً أو شرقياً، مع تحيز في الكثير من الحالات للعقل الغربي انطلاقاً من مركزيته الأوروبية. أما الليبرالي العربي فقد وقع في الفخ الذي نصبه لخصومه «الإسلاميين» إذ نجده لا يقل تمجيداً وتقديساً لمرجعيته الليبرالية إلى حدٍّ يكاد يكون فيه مسلوب الإرادة أمامها؛ ففي الوقت الذي يُؤخذ فيه على «الإسلامي» تقديسه للنص الديني واعتماده التراث كمرجعية مطلقة، يظل هو متمسكاً بنصوص ومبادئ كبار مفكري العقلانية الأوروبية.

6 ـ امتـداداً لما سبق ذكـره؛ فإن الليـبرالي العربي يلجأ عادة إلى التبرير عند محاكمة الـغـرب على أخطـائه، بـل ـ يلـجأ لا شعورياً ـ إلى تحميل الذات المسؤولية عن كل خطأ وكأنه بات أسيراً لعقدة الذنب. وقد يتطور الأمر لدى بعضهم إلى إدانة شبه مطلقة لكل ما هو عربي - إسلامي، فتتحول دراسة التاريخ الإسلامي من النقد الموضوعي ـ بهدف طرح القداسة عنه ـ إلى بحث متعمد عن أخطاء الماضي وإدانة رموزه وتجريمهم، بل الافتراء عليهم إن دعت الحاجة، إلى درجة تشبيه «محمد الفاتح» بشارون وستالين في ترحيله نصارى القسطنطينية إلى أوروبا بالرغم من احتمائهم بتاجه السلطاني من ظلم الفاتيكان، ولا غرو - والحال هذه - في الادعاء أن الخليفة بعد الفتح قد تدثر «مرتاحاً بين الغلمان والحريم بعباءة كسروية» فقط لكـونه خـلـيفة علـى طريقة التوريث ولم يصـل إلـى الحـكم بصنـاديق الاقتراع الديمقراطي ورغـم أنف التـاريخ. [خالص جـلـبي، الـشرق الأوسط: العـدد (8310) بتاريخ 10 جمادى الآخرة 1422هـ]، والأمر ذاته ينسحب على «صلاح الدين» الذي لم يشفع له شيء من إنجازاته عندما اكتشف الكاتب الليبرالي أنه قد أمر بقتل السهرَوَرْدي المتهم بالزندقة، ثـم ترك مملكـتـه لوارثـي الحـكـم من أبنـائه وإخـوته بـدلاً من سعـيه لإحلال الديمـقراطية. [الكـاتب نفـسه، الشرق الأوسط: 4 ربيـع الثانـي 1426 هـ، 12 مايو 2005 العدد 9662].

وبهذه العقلية المنهزمة، لا يتورع الليبرالي العربي عن اللجوء المسرف لآلية النقد الذاتي في معالجته لكافة القضايا المعاصرة؛ إذ لا يرى في الاستعمار الأجنبي إلا قابلية داخلية للاستعمار، ولا يجد في احتلال العراق إلا خروجاً بعضهم قومياً عن المنظومة الدولية، بل لا تعدو المقاومة في العراق وفلسطين أكثر من لعبة خطرة لا يدرك «المتشددون» أبعادهـا، أمـا العولمة - بوجهها الأمريكي السافر - فتتحول لدى بعضهم إلى نتيجة طبيعية للتطور الديالكتيكي للمجتمع الإنساني (بالمفهوم الهيوماني الشامل) والذي ما زال يعمل على كتابة صفحات تاريخه الأولى.

وهكذا؛ فإن المفهوم الليبرالي العربي للغرب لا يتعدى كونه مفهوماً ذاتياً لا موضوعياً؛ بحيث تقتصر دراسة المجتمعين الإسلامي والغربي على تقصِّي النواقص في الأول، وتلمُّس المزايا في الثاني، وكأن الأمر لا يخرج عن آلية المفاضلة لنقل الأول إلى الثاني ليس إلا، وبغضِّ النظر عن تفهّم حاجة الأول، وأخطاء الثاني.

وهذا فخ آخر يقع فيه الليبرالي العربي؛ ففي الوقت الذي يلوم فيه «الإسلامي» على استسلامه لعقدة المؤامرة التي تحكم نظرته للآخر، يكاد هو يحصر مفهومه عن الآخر في نطاق التمثل والتقليد، وإذا كان الأول يحاكم الآخر انطلاقاً من الثقة بالذات، فإن الثاني يحاكم الذات انطلاقاً من انهزامه أمام الآخر، وهذا الأمر يتناقض أيضاً مع واحدة من أهم مسلّمات الليبرالية التي تنظر إلى كل من الذات والموضوع بحياد ونزاهة.

ختاماً:

فإن الليبرالية الغربية لم تنشأ في أوروبا إلا بعد أن قطعت مرحلة طويلة من التطوير والتحديث، وكان الدافع لوجودها هو حاجة الفرد الأوروبي إلى ذلك النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يضمن له حريته وكرامته، ويوفر له حاجاته المعيشية بشكل متوازن. وعليه؛ فقد كان حريّاً بالليبراليين العرب إذ رفعوا شعار تحقيق مصالح الفرد العربي والدفاع عن حقوقه أن يُمعنوا النظر أولاً في خصوصيته وظروفه التي تحيط به، وأن يتجردوا وفقاً للمفهوم الليبرالي من كافة المعطيات المسبقة التي تلقفوها عن الغرب، ثم يُعملوا عقولهم فيما يكفل تحقيق كافة حقوق الفرد العربي، ويؤمّن له معيشة كريمة لا يعاني فيها من أي تناقض مع إيمانه الغيبي أثناء تفاعله مع معطيات الحياة اليومية. وعندئذ يمكن لغير الليبرالي العربي أن يطمئن في


الليبراليون العرب هل هم حقاً ليبراليون؟

أحمد دعدوش


الليبرالية الجديدة تيار فكري حديث يُشكل امتداداً لليبرالية الكلاسيكية الغربية التي نشأت في كل من إنجلترا وفرنسا إبَّان عصر النهضة، والتي تُعدّ بمثابة منظومة أيديولوجية متكاملة تتناول كافة أشكال الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما تمتد لتشمل المناهج العلمية والفكرية وتحدد أدواتها وآلية عملها. وتعود نشأة الليبرالية الجديدة إلى منتصف القرن الميلادي الماضي، كردِّ فعل لإخفاق الليبرالية الكلاسيكية في تجنيب العقل الأوروبي تبعات التطرف العقائدي، والذي استفحل مع بروز الحركات الفاشية والقومية، وحتى الشيوعية التي خرجت كسابقاتها من رحم الفلسفة المادية، وهي المرجعية الأم للعقل الأوروبي الحديث بكافة أطيافه.

ومع تراجع الليبرالية الكلاسيكية التي حُمّلت الكثير من أوزار الحربين العالميتين، بدأت مرحلة جديدة من النقد وإعادة البناء في محاولة لإنقاذ الثقافة الليبرالية الغربية، فظهرت «الكينزية» كتعديل ضروري وعاجل للاقتصاد الرأسمالي الكلاسيكي ليسمح للدولة بالتدخل وإدارة الأزمات، وفي الفلسفة والآداب بدأ المفكرون والنقاد بوضع تصوراتهم المختلفة لمرحلة «ما بعد الحداثة». وفي السياسة برزت مفاهيم التكتل والأحلاف والاحتواء. أما الميدان العلمي فقد شهد انحساراً لنزعة المركزية الأوروبية المتعالية، وبدأ العلماء يدركون أن معرفتهم بالكون ما زالت أقل بكثير من تحقيق آمال القرن العشرين في الإحاطة بأسراره.

وفي هذا المقال سنقوم بإضاءة بعض النقاط التي توضح الفرق الكبير بين الليبرالية الغربية وصورتها المستوردة في العالم العربي والإسلامي، انطلاقاً من حقيقة رئيسة مفادها أن الليبرالية الغربية كانت قد نشأت في ظل ظروف سياسية واجتماعية خاصة، وأنها ظهرت كردِّ فعل للاضطهاد الكنسي للعلماء من جهة، وللاستبداد السياسي والاقتصادي من قِبَل النبلاء والإقطاعيين الغربيين من جهة أخرى. وعبر تحالف السلطتين الدينية والسياسية الإقطاعية تمكن رجال الدين المسيحي من فرض سلطانهم على العقلية العلمية الأوروبية، وحرّموا على العلماء والمفكرين الخوض في الكثير من القضايا التي أعطيت صفة القداسة، ومن ذلك الاضطهاد الذي تعرض له الفلكي الإيطالي «غاليليه» لادِّعائه دوران الأرض حول الشمس وليس العكس، وهو الأمر الذي يتناقض مع رأي الكنيسة التي تبنّت نظرية «بطليموس» وألبستها مسوح القداسة.

أما الإقطاعية فقد أخضعت الطبقة العاملة لنظامها الطبقي الجائر، وهو الأمر الذي دفع الطبقة البورجوازية الناشئة للتحالف مع العمال والفلاحين في سبيل التحرر من نير الإقطاع وإحلال الفكر الليبرالي الذي يحقق للفرد حريته وكرامته. وفي المقابل، فإن واقع مجتمعنا الشرقي الإسلامي يكاد يختلف جذرياً عن هذا النموذج الأوروبي، فضلاً عن الفرق الكبير في المنهجين الفكري والسلوكي لدى الليبراليين العرب عما هو متعارف عليه في الليبرالية الغربية، وسنسعى لتوضيح ذلك من خلال المقارنة التالية بين الطرفين:

1 ـ لقد قامت حركة التنوير الأوروبية وفق تسلسل مرحلي تلقائي؛ بدءاً من العلمانية ثم الليبرالية وأخيراً الديمقراطية، بحيث لا يمكن عزل أي مرحلة منها عن الأخرى أو تجاوز اللاحقة منها السابقة، فكانت بداية النهضة الأوروبية مع حركة العلمنة التي تعني تحرر العقل العلمي من سلطان الكنيسة الجائر، وإعفاءه من الالتزام بالولاء لما يتناقض مع أولى بديهياته، ونادت بإطلاق حرية العقل في التجريب والملاحظة بعيداً عن المسلّمات الأولية المتناقضة في النصوص الدينية، ولم يكن ذلك يعني التملّص من الإيمان الديني عند معظم العلمانيين، بل كانت حركتهم موجهة نحو تخليص العقل من سلطان الكنيسة لعدم إمكان الجمع بينهما، ومن ثَم عزل الإيمان الغيبي (الميتافيزيقا) عن الواقع التجريبي المحسوس.

أما في الشرق؛ فقد عمد أتباع الليبرالية العربية إلى اختزال المراحل التسلسلية ـ السابق ذكرها ـ من تطور الحركة التنويرية من العلمانية والليبرالية والديمقراطية وبشكل مبتسر؛ إذ ينادي معظم الليبراليين العرب بضرورة التطبيق الفوري والراديكالي للمفهوم الليبرالي الديمقراطي الغربي دون تغيير، وكأنه وصفة سحرية يمكن من خلالها حل معضلات العالم العربي وبشكل فوري.

من جهة أخرى، يقتصر مفهوم العلمانية لدى الكثير من الليبراليين العرب على حتمية تناقض العلم مع الدين، وذلك بالمفهوم الكلي لكل من العلم والدين، دون النظر إلى أي خصوصية لهذا الدين أو ذاك، أو بحث في أوجه الخلاف بين الدين الإسلامي ـ الذي يراد عزله ـ وبين المنهج العلمي التجريبي الذي كان قد نشأ أصلاً تحت مظلة الإسلام في عصره الذهبي. إذ لم يرد في التاريخ الإسلامي أي ذكر لاضطهاد العلماء باسم الإسلام، كما لم تنشأ خلال العصور الوسطى أي طبقة كهنوتية تُخضِع لسلطانها طبقة أخرى تسمى طبقة العلماء، بل نجد أن معظم العلماء المسلمين الذين نقل لنا التاريخ إبداعهم العلمي في أي من فروعه، كانوا قد نشؤوا على التربية الدينية السائدة في ذلك العصر، والتي تقضي بترسيخ القاعدة العلمية الدينية من علوم القرآن والحديث والفقه والعقيدة واللغة، قبل أن يتوجه طالب العلم لاختيار التخصـص الـذي يـريـده مـن علـوم دينيـة أو تجريبية. ولم يحدث أن اشتكى أي من علماء الإسلام من التناقض الذي يمكن أن يحدث بين عقيدته الإيمانية والتزامه بتعاليمها السلوكية والشعائرية، وبين أبحاثه وتجاربه في كافة ميادين العلم التجريبي والطبيعي.

أما ما ينسب للإسلام من اضطهاد للفلاسفة فهو أمر خارج عن نطاق المقارنة؛ إذ لم يكن حظرُ معظم علماء الدين الإسلامي للفلسفة إلا حظراً لدراسة العقيدة بأدوات الفلسفة اليونانية التي كانت قد نشأت في مجتمع وثني لم يحظَ بنور الوحي والرسالة، وهو أمر لا يعدو أن يكون وضعاً للأمور في مكانها الصحيح، ولو أن البحث لم يتناول الإلهيات والغيبيات وظل مقتصراً على الجانب الطبيعي التجريبي لما وُجد في التاريخ الإسلامي شيء يُذكر مما يتشبث به النقاد، علماً أن الحظر الإسلامي للبحث الفلسفي لا يختلف في جوهره عن الحظر المطبق في الكثير من الدول الليبرالية اليوم على الفكر المناهض للثقافة الغربية.

2 ـ بناء على التسلسل المرحلي السابق ذكره، فإن الليبرالية الاقتصادية والأيديولوجية لم تنشأ في الغرب إلا بعد شيوع العلمنة وتخليص العلم من سلطان الكهنوت، وهكذا فقد كان من الطبيعي أن تثور العقلية العلمانية على أيديولوجيا التسليم بالمطلق ومنح العلم صفة النسبية. وتزامن ذلك مع تطلع الفرد للتحرر الاقتصادي من نير الإقطاع، وتحالف البورجوازية الناشئة مع الطبقة الكادحة التي أصبحت أكثر وعياً وثقافة، مما أدّى إلى تقلّص سلطات الإقطاعيين ومنح الطبقات الدنيا حرية العمل والتملك.

أما في النظام السياسي- الاقتصادي الإسلامي، فعلى الرغم من انحسار التطبيق العادل لتعاليم الإسلام في مراحل متعددة من التاريخ السياسي الإسلامي، إلا أن إلباس هذا التاريخ حُلّةَ الإقطاع الأوروبي ليس إلا محض عبث، وخصوصاً أن علماء الدين الإسلامي كانوا يشكلون صف المعارضة الأول للاستبداد السياسي على مرِّ العصور، ولم يكن التحالف المزعوم بين الفريقين على الشكل الذي يراد له أن يكون في قراءة الليبراليين لهذا التاريخ. فضلاً عن أن النظام الاقتصادي في المجتمع الإسلامي لم يكن إقطاعياً من أي وجه، ولا يمكن تبرير هذه القراءة للتاريخ بالنظر إلى أملاك السلطان وأصحاب الجاه مع غضِّ الطرف عن الحرية الاقتصادية في العمل والتملك، وانتشـار الأوقـاف التي كـانت تزيـد على كل ممتلكات السلطان - كما في بلاد الشام - وهذا أمر يتنافى مع أولى بديهيات الإقطاع.

3 ـ إثر ذلك التغيير العقلي والاجتماعي في المجتمع الأوروبي نشأ النظام الديمقراطي كتطور تلقائي ليحل بديلاً عن نظام التوريث الإقطاعي الملكي، وما كان ذلك ليحدث لولا تغلغل الفكر العلماني الليبرالي في المجتمع، والذي أشاع مبادئ الحرية الفردية وحق تقرير المصير، مما أدَّى إلى تدخل الأفراد في انتخاب السلطة الحاكمة، ومن ثم نشوء النظام الديمقراطي القائم على الاقتراع ورأي الأغلبية.

وفي المقابل نجد أن الليبراليين العرب قد تجاوزوا كل هذه المراحل سعياً لإحلال النظام السياسي الديمقراطي دون التعرض لليبرالية الأيديولوجية وسياقها التاريخي، بل لم يجد بعضهم ضيراً في الاستعانة بالخارج والاتِّكال على الغرب لإحلال هذا النظام بالقوة إن دعت الحاجة، دون التعرض لحقيقة نوايا هؤلاء الحلفاء وأطماعهم في المشرق الإسلامي التي لا يخفيها الغرب نفسه.

4 ـ لم يذكر لنا تاريخ النهضة الأوروبية أن أحداً من مفكري الليبرالية الغربية قد أقام مقارنة ذهنية بين المجتمع الأوروبي الذي ينتمي إليه وأي من المجتمعات الأخرى، كما لم يبادر أي منهم لاقتباس أي نظام سياسي أو اقتصادي من الخارج لإحلاله في أوروبا، سواء كان ذلك من جهة الاقتباس والإفادة من مجتمع يبادله الشعور بالندّية أو من جهة التقليد القائم على الشعور بالنقص. أما الليبرالية العربية فعلى النقيض من ذلك تماماً؛ إذ لم يسعَ مفكرو أي أمة من الأمم النامية في العصر الحديث إلى مثل هذا الاستنساخ المقصود للعقلية الغربية ومحاولة إحلالها كبديل عن الواقع المحلي، وبالشكل الذي ينادي به الليبراليون العرب منذ بداية ما يسمى بحركة النهضة العربية. يقول زكي نجيب محمود في كتابه (تجديد الفكر العربي): «هذا التراث كله بالنسبة لعصرنا فقد مكانته، فالوصول إلى ثقافة علمية وتقنية وصناعية لن يكون بالرجوع إلى تراث قديم، ومصدره الوحيد هو أن نتجه إلى أوروبا وأمريكا نستقي من منابعهم ما تطوعوا بالعطاء، وما استطعنا القبول، وتمثل ما قبلناه».

5 ـ الليبرالية الغربية تقتضي نسبية الحقيقة والموضوعية في النظر والقياس، ولعل إحدى أهم سِمَات العقل الليبرالي تتلخص في تجريد العقل وحياده، وتنزيهه عن الأفكار المسبقة والصور النمطية للأفكار والتصورات، ومنحه الحق في التجريب والقياس والنقد لكافة الظواهر دون تحيز؛ فالليبرالي الغربي يؤمن أن مرجعيته هي العقل وحـده، سـواء كـان العقل غربـياً أو شرقياً، مع تحيز في الكثير من الحالات للعقل الغربي انطلاقاً من مركزيته الأوروبية. أما الليبرالي العربي فقد وقع في الفخ الذي نصبه لخصومه «الإسلاميين» إذ نجده لا يقل تمجيداً وتقديساً لمرجعيته الليبرالية إلى حدٍّ يكاد يكون فيه مسلوب الإرادة أمامها؛ ففي الوقت الذي يُؤخذ فيه على «الإسلامي» تقديسه للنص الديني واعتماده التراث كمرجعية مطلقة، يظل هو متمسكاً بنصوص ومبادئ كبار مفكري العقلانية الأوروبية.

6 ـ امتـداداً لما سبق ذكـره؛ فإن الليـبرالي العربي يلجأ عادة إلى التبرير عند محاكمة الـغـرب على أخطـائه، بـل ـ يلـجأ لا شعورياً ـ إلى تحميل الذات المسؤولية عن كل خطأ وكأنه بات أسيراً لعقدة الذنب. وقد يتطور الأمر لدى بعضهم إلى إدانة شبه مطلقة لكل ما هو عربي - إسلامي، فتتحول دراسة التاريخ الإسلامي من النقد الموضوعي ـ بهدف طرح القداسة عنه ـ إلى بحث متعمد عن أخطاء الماضي وإدانة رموزه وتجريمهم، بل الافتراء عليهم إن دعت الحاجة، إلى درجة تشبيه «محمد الفاتح» بشارون وستالين في ترحيله نصارى القسطنطينية إلى أوروبا بالرغم من احتمائهم بتاجه السلطاني من ظلم الفاتيكان، ولا غرو - والحال هذه - في الادعاء أن الخليفة بعد الفتح قد تدثر «مرتاحاً بين الغلمان والحريم بعباءة كسروية» فقط لكـونه خـلـيفة علـى طريقة التوريث ولم يصـل إلـى الحـكم بصنـاديق الاقتراع الديمقراطي ورغـم أنف التـاريخ. [خالص جـلـبي، الـشرق الأوسط: العـدد (8310) بتاريخ 10 جمادى الآخرة 1422هـ]، والأمر ذاته ينسحب على «صلاح الدين» الذي لم يشفع له شيء من إنجازاته عندما اكتشف الكاتب الليبرالي أنه قد أمر بقتل السهرَوَرْدي المتهم بالزندقة، ثـم ترك مملكـتـه لوارثـي الحـكـم من أبنـائه وإخـوته بـدلاً من سعـيه لإحلال الديمـقراطية. [الكـاتب نفـسه، الشرق الأوسط: 4 ربيـع الثانـي 1426 هـ، 12 مايو 2005 العدد 9662].

وبهذه العقلية المنهزمة، لا يتورع الليبرالي العربي عن اللجوء المسرف لآلية النقد الذاتي في معالجته لكافة القضايا المعاصرة؛ إذ لا يرى في الاستعمار الأجنبي إلا قابلية داخلية للاستعمار، ولا يجد في احتلال العراق إلا خروجاً بعضهم قومياً عن المنظومة الدولية، بل لا تعدو المقاومة في العراق وفلسطين أكثر من لعبة خطرة لا يدرك «المتشددون» أبعادهـا، أمـا العولمة - بوجهها الأمريكي السافر - فتتحول لدى بعضهم إلى نتيجة طبيعية للتطور الديالكتيكي للمجتمع الإنساني (بالمفهوم الهيوماني الشامل) والذي ما زال يعمل على كتابة صفحات تاريخه الأولى.

وهكذا؛ فإن المفهوم الليبرالي العربي للغرب لا يتعدى كونه مفهوماً ذاتياً لا موضوعياً؛ بحيث تقتصر دراسة المجتمعين الإسلامي والغربي على تقصِّي النواقص في الأول، وتلمُّس المزايا في الثاني، وكأن الأمر لا يخرج عن آلية المفاضلة لنقل الأول إلى الثاني ليس إلا، وبغضِّ النظر عن تفهّم حاجة الأول، وأخطاء الثاني.

وهذا فخ آخر يقع فيه الليبرالي العربي؛ ففي الوقت الذي يلوم فيه «الإسلامي» على استسلامه لعقدة المؤامرة التي تحكم نظرته للآخر، يكاد هو يحصر مفهومه عن الآخر في نطاق التمثل والتقليد، وإذا كان الأول يحاكم الآخر انطلاقاً من الثقة بالذات، فإن الثاني يحاكم الذات انطلاقاً من انهزامه أمام الآخر، وهذا الأمر يتناقض أيضاً مع واحدة من أهم مسلّمات الليبرالية التي تنظر إلى كل من الذات والموضوع بحياد ونزاهة.

ختاماً:

فإن الليبرالية الغربية لم تنشأ في أوروبا إلا بعد أن قطعت مرحلة طويلة من التطوير والتحديث، وكان الدافع لوجودها هو حاجة الفرد الأوروبي إلى ذلك النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يضمن له حريته وكرامته، ويوفر له حاجاته المعيشية بشكل متوازن. وعليه؛ فقد كان حريّاً بالليبراليين العرب إذ رفعوا شعار تحقيق مصالح الفرد العربي والدفاع عن حقوقه أن يُمعنوا النظر أولاً في خصوصيته وظروفه التي تحيط به، وأن يتجردوا وفقاً للمفهوم الليبرالي من كافة المعطيات المسبقة التي تلقفوها عن الغرب، ثم يُعملوا عقولهم فيما يكفل تحقيق كافة حقوق الفرد العربي، ويؤمّن له معيشة كريمة لا يعاني فيها من أي تناقض مع إيمانه الغيبي أثناء تفاعله مع معطيات الحياة اليومية. وعندئذ يمكن لغير الليبرالي العربي أن يطمئن في

التوقيع
للإشتراك المجاني في رسائل جوال ضد التغريب أرسل كلمة مشترك للرقم ( 0551915972 ) لشريحة سوى فقط , أوللإشتراك في الواتس آب لكل شرائح الجوال.
http://majles.alukah.net/showthread.php?t=86061

التعديل الأخير تم بواسطة زين العابدين ; 12-May-2008 الساعة 01:14 AM.
زين العابدين غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-May-2008, 12:59 AM   #6
عضو متميز
افتراضي

الإسلام الليبرالي أو الضوء الذي يخفي الحقائق

محمد إبراهيم مبروك


يبدو أن قناعات المنظِّرين الأمريكيين من أمثال (هنتنجتون) و (فوكوياما) و (برنارد لويس) بأن الإسلام يملك الأيديولوجية الوحيدة القادرة على تحدي المنظومة الليبرالية العلمانية للحضارة قد غدت قناعات نهائية للسياسة الأمريكية بوجه عام.


ومع إصرار هذه السياسة على الانفراد بحكم العالم غدا قهر الإسلام وإرغامه على الالتحاق بالتبعية الغربية هو الهدف المحوري لتلك السياسة الذي تدور حوله باقي أهدافها الأخرى. ومع استعصاء الإسلام على هذا القهر الذي يتجلى في المقاومة الجهادية للأمريكيين في أماكن مختلفة من هذا العالم اقتضى العمل على اختراق الإسلام نفسه من الناحية الفكرية بابتداع ما يسمى بـ (الإسلام الليبرالي) الذي شاع عنه الحديث في المرحلة الأخيرة والذي يعني بكلمة مبسطة للغاية: ابتداع بناء مفاهيمي مزيف يجمع بين بعض الأطر الشكلية للإسلام والمضمون الليبرالي للحضارة الغربية القائمة، ويتم تبنيه ودعمه والترويج له بالطريقة التي تصنع منه الضوء الذي يخفي الحقائق.

* الرصد والتنظير لمحاولات توظيف الإسلام للمصالح السياسية:

العمل على توظيف الإسلام للمصالح السياسية شأن قديم، مثله مثل كل ما يمكن العمل على توظيفه من معتقدات للمصالح السياسية في التاريخ الإنساني؛ حيث يتوقف النجاح في ذلك على مدى تيقُّظ أهل هذه المعتقدات لما يستهدفه أعداؤهم من اختراق لها؛ لدفعهم إلى الوجهة التي يريدون من خلال الخداع والتضليل.

ويمكن الحديث عن ثلاث محاولات للرصد والتنظير حول هذا الموضوع في النصف الثاني من القرن العشرين:

الأولى: هي ما رصده الأستاذ (سيد قطب) من محاولات أمريكية لتوظيف الإسلام لمصالحها السياسية أوائل تلك المرحلة الزمنيـة للعمـل على إرث الإمبـراطورية الإنجليزية، وسماه حينذاك بـ (الإسلام الأمريكاني).

الثانية: ما كان قائماً بالفعل في الاتحاد السوفييتي، وقام بالتنظير له أيضاً مجموعة من المفكرين العرب من العمل على توظيف الإسلام لخدمة الأهداف الشيوعية وهو ما كان يسمى حينذاك بـ (الإسلام الأحمر).

الثالثة: هي ما قام به صاحب هذه الدراسة من رصد ملامحه فترة السبعينيات والثمانينيات واستشفاف شيوعه في العقود التالية من التأثر بشيوع المفاهيم البراجماتية في المنطقة، ومن بينها البراجماتية الدينية، ومن ثم العمل على توظيف الإسلام للمصالح المختلفة بوجه عام سواء كانت المصالح السياسية الأمريكية، أو المصالح السياسية لقادة بعض الأنظمة، أو قـادة بعض التيـارات المعـارضة، بل من جانب بعض المنتمين للتيـار الإسـلامي نفسه أيضاً وهو ما سماه حينذاك بـ (الإسلام البراجماتي أو النفعي) حيث صدر في كتاب يحمل العنوان نفسه عام 1989م.

* ما هي الليبرالية؟

لوك وفولتير:

على الرغم من أن الليبرالية عادة ما تُنسب إلى الفيلسوف الإنجليزي (جون لوك 1632- 1704) إلا أن (جون لوك) كان يهدف في الأساس من أفكاره السياسية إلى التحرر من سلطات الكنيسة السياسية، وما رسخته من أفكار حول نظرية التفويض الإلهي للملوك والتي نظَّر لها السير (روبرت فيلمر) في كتابه (دفاع عن السلطة الطبيعية للملك) والذي ذهب فيه إلى أنه «على من يؤمنون بأن الكتاب المقدس منزل من عند الله أن يسلِّموا بأن الأسرة الأبوية وسلطة الأب أقرهما الله، وانتقلت هذه السيادة من الآباء إلى الملوك»(1).

ومن أجل دحض آراء (فيلمر) هذه ذهب (لوك) إلى تصور أن الأفراد في «الحالة الطبيعية» يولدون أحراراً متساوين (وهذه هي نقطة الانطلاق في المذهب الليبرالي كله) وأنه بمقتضى العقل توصل الناس إلى اتفاق «عقد اجتماعي» تنازلوا فيه عن حقوقهم الفردية في القضاء والعقاب للجماعة ككل؛ وعلى هذا تكون الجماعة هي السيد أو الحاكم الحقيقي؛ وهي تختار بأغلبية الأصوات رئيساً أعلى ينفذ مشيئتها(2).

وذهب (لوك) أيضاً إلى ضرورة أن تُفصَل السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية «فالسلطة التشريعية هي التي ينبغي أن تكون لها الكلمة العليا؛ لأنها مسؤولة فقط أمام المجتمع بصورة كلية، ذلك المجتمع الذي تعد هي ممثلة له» ومن هنا جعل لوك الأمة هي مصدر كل السلطات وهي الفيصل بينها أيضاً، كما أن مبدأ الفصل بين السلطات الذي فصله (مونتسكيو) بعد ذلك» مبدأ جوهري بالنسبة لليبرالية السياسية»(1).

وكان (فولتير) من أشهر زعماء الليبرالية في فرنسا والذي يعد تلميذاً خالصاً لـ (لوك) من الناحية الفلسفية البحتة، ولكنه يتجاوزه من حيث القدرات الأدبية في التأثير ونقده الحاد وسخريته اللاذعة. وكانت قضية (فولتير) الرئيسية هي تحرير العقلية الأوروبية تماماً من المسيحية الثالوثية عقائد ومفاهيم وقيماً؛ وهكذا كان يصرخ بعنف وسخرية: «إن لديَّ مائتي مجلد في اللاهوت المسيحي؛ والأدهى من ذلك أني قرأتها وكأني أقوم بجولة في مستشفى للأمراض العقلية»(2).

واتساقاً مع ما سبق فقد دافع (فولتير) دفاعاً مريراً عن حرية الرأي بالنسبة للعقائد والأفكار؛ ولهذا تتردد له تلك المقولة الشهيرة: «أنا لا أوافقك القول، ولكني سأدافع حتى الموت عن حقك في قوله».

جون ستيورات مل:

يعد (جون ستيورات مل) منظِّر الليبرالية الأكبر والذي اهتم في كتابه (عن الحرية) بشرحها شرحاً وافياً، وقد حدد أن الغرض من كتابه هذه هو تقرير المبدأ الذي يحدد معاملة المجتمع للأفراد «ومضمون هذا المبدأ هو أن الغاية الوحيدة التي تبيح للناس التعرُّض بصفة فردية أو جماعية لحرية الفرد هي حماية أنفسهم منه؛ فإن الغاية الوحيدة التي تبرر ممارسة السلطة على أي عضو من أعضاء أي مجتمع مُتَمَدْيِن ضد رغبته هي منع الفرد من الإضرار بغيره. أما إذا كانت الغاية من ذلك هي الحيلولة دون تحقيق مصلحته الذاتية أدبيةً كانت أم ماديةً فإن ذلك ليس مبرراً كافياً؛ إذ إنه لا يجوز مطلقاً إجبار الفرد على أداء عملٍ ما، أو الامتناع عن عملٍ ما»(3).

ولكن: ما الذي يمكن أن يحدد في سلوك الفرد ما هو قد يؤثر بالضرر على المجتمع أو لا يؤثر؟

يرى (جون ستيورات مل) أن هناك منطقة في حياة الفرد هي صميم الحرية البشرية، وليس للمجتمع بها إلا مصلحة غير مباشرة إن كانت له مصلحة على الإطلاق، وهي تتضمن:

أولاً: المجال الداخلي للوعي: وهذا يقتضي حرية العقيدة في أوسع معنى لها، وحرية الفكر والشعور، وحرية الرأي والميول في جميع الموضوعات عملية أو علمية، مادية أو أدبية، دينية أو دنيوية. وقد يتبادر إلى الأذهان أن حرية التعبير عن الآراء ونشرها يدخل في نطاق مبدأ آخر؛ إذ إنها تتعلق بتصـرفـات الفـرد التي تمـس الغير؛ ولكن لما كانت هـذه الحرية لا تقل أهمية عن حرية الفكر نفسها إذ إنها تقوم على الأسباب نفسها؛ فلا يمكن إذن الفصل بينهما.

ثانياً: أن هذا المبدأ يتناول حرية الأذواق والمشارب: بمعنى أنه يطلق الحرية في رسم الخطة التي نسير عليها في حياتنا بما يتفق مع طباعنا، وأن نفعل ما نشاء، على أن نتحمل ما يترتب على ذلك من نتائج دون أن يقف في طريقنا أحد من إخواننا في الإنسانية طالما كانت أفعالنا لا تنالهم بضرر حتى ولو اعتقدوا أن تصرفاتنا هذه دليل على السخف أو السفه أو الخطأ.

ثالثاً: إنه يتفرع من حرية كل فرد - وفي نطاق حدودها - حرية اجتماع الأفراد للتعاون على أي أمر ليس فيه ضرر للغير؛ على أن يكون الأشخاص المجتمعون بالغين راشدين لم يساقوا إلى الاجتماع بعنف أو إكراه»(4).

وهو بعد ذلك يؤكد تماماً أنه «لا يمكن لأي مجتمع أن يتمتع بالحرية دون أن يكفل هذه الحريات بوجه عام مهما كان نظام الحكم فيه، ولا يمكن لأي مجتمع أن يتمتع بحرية تامة ما لم تكفل هذه الحريات كاملة غير منقوصة»(5).

وفي خطوة تالية يشرح (ستيورات مل) تناقضاته مع الديمقراطية ذاتها (والتي يشاع بين الكثيرين من الكُتَّاب والسياسيين لدينا أنها والليبرالية شيء واحد) فهو ينكر على الشعب استخدام أي وسيلة من وسائل الإجبار ضد حرية التعبير «أنكر على الشعب الحق في ممارسة مثل هذا الإجبار سواء عن طريقه أو عن طريق الحكومة؛ فمثل هذه السلطة غير مشروعة في ذاتها، ولا يجوز لأرقى الحكومات أو أقلها شأناً أن تلجأ إليها، وهي إذا صدرت بمشيئة الرأي العام فقد تكون أفظع وأشنع مما لو صدرت رغماً عنه وبمعارضته»(6).

وتنطلق المسألة هنا أساساً من رؤيته الفلسفية العلمانية التي انتهت لديه إلى النسبية المعرفية والقيمية المطلقة، ومن ثمَ فإنه على كافة الناس والحكومات أن يتصرفوا على قدر طاقاتهم، وأن يبذلوا أقصى جهدهم؛ فليس هناك شيء يسمى التعيين المطلق، وإنما هناك ثقة كافية لتحقيق غايات الحياة البشرية، ويجوز لنا أو يجب علينا أن نفترض صحة آرائنا لكي نسترشد بها في تصرفاتنا.

وليس ثمة ما يمكن فصله عن البحث والنقاش والجدال بما في ذلك المعتقدات والقيم حتى لو اجتمعت الأجيال على صحة هذا المعتقد أو ذاك الرأي «فإنه من الواضح تماماً أن الأجيال ليست أكثر مناعة من الأفراد في الوقوع في الخطأ؛ فإن كل جيل مضى كان يعتنق كثيراً من الآراء التي اكتشفت زيفها وتفاهتها أجيال تالية»(7) ثم يعمل (ستيورات مل) بعد ذلك على اتخاذ مثل تاريخي بارز لانتصار المسيحية الغربية على معارضيها ليستخدمه في دحضها بعد ذلك؛ فالإمبراطور (مارقس أوربليوس) كان أكثر معاصريه علماً وأدباً وحرصاً على أن يسود العدل؛ وعلى الرغم من ذلك «كان من أشد الحكام اضطهاداً للمسيحية؛ فبالرغم من استيعابه لجميع علوم الأقدمين وتبحره في حكمة الأولين ومن اتساع تفكيره وبُعد نظره.. إلا أنه لم يدرك أن المسيحية ستعود بالخير لا بالشر على العالم»(1).

وهكذا تأتي الخطوة التالية لهدم المسيحية الغربية في قوله: «بَيْدَ أننا نخالف الإنصاف ونجانب الحقيقة إذا توهمنا أن (مارقس أوريليوس) لم يكن لديه ـ وهو يكافح المسيحية ـ كل المعاذير والحجج التي يلتمسها اليوم أنصار المسيحية لمكافحة ما يناقضها من الآراء. فما كان اعتقاد أحد من المسيحيين في كذب الإلحـاد وفي أنه يؤدي إلى تداعي المجتمع وتفككه بأشد ولا أرسخ من اعتقاد (مارقس أوريليوس) في بطلان المسيحية وفي أنها تفضي إلى انحلال المجتمع وانهدام أركانه»(2).

ولا يكتفي (ستيوارت مل) بمهاجمة العقائد المسيحية الغربية، ولكنه يهاجم آدابها أيضاً؛ والمفارقة هنا أنه يقدم آداب الإسلام عليها على الرغم من اعتباره له أنه دين وثني؛ حيث يذهب إلى أنه «بينما نجد آداب الأمم الوثنية الراقية تصنع الواجبات الاجتماعية في أرفع منزلة من الاعتبار حتى تضمن في سبيل ذلك الحقوق الشخصية والحرية الفردية نرى الآداب المسيحية البحتة لا تكاد تشعر أو تعترف بتلك الواجبات المقدسة؛ وها نحن نقرأ في آداب الإسلام هذه الكلمة الجامعة: (كل والٍ يستكفي عاملاً عملاً وفي ولايته من هو أكفأ له فقد خان عهد الله وخليفته)»(3).

ولأنه يضرب بكل القواعد الأخلاقية عرض الحائط إذا مست بحرية الفرد فهو يعترض على الذين يتساءلون: «إذا كانت المقامرة والقذارة والسُّكْر والدعارة والبطالة من الآفات المزرية بالسعادة شأن الكثير من الأفعال المحظورة بنص القانون؛ فلماذا إذن لا يحاول المشرع قمعها بقدر ما تسمح حالة المجتمع؟ ثم لماذا لا يتقدم الرأي العام ليسد الفراغ الذي لا بد أن يتركه المشرع وينظم رقابة شديدة على هذه الرذائل وينزل العقاب الصارم بمن يوصم بها؟»(4).

وموقفه من هذا التساؤل هو أن معيار تجريم ذلك اجتماعياً هو إلحاق الضرر المباشر بالمجتمع «فمثلاً ليس من الحق أن يعاقب إنسان لمجرد السُّكْر، ولكن الجندي الذي يسكر وهو قائم بواجبه جدير بالعقاب.. أما الضرر العَرَضي ـ أو الضرر التقديري - الذي يصيب المجتمع عنماد يتصرف الفرد تصرفاً لا ينحل بأي واجب معين نحو الجمهور ولا يلحق أي أذى بأحد غير نفسه؛ فهو ضرر تافه خليق بالمجتمع أن يتحمله عن طيب خاطر في جانب ما ينشأ عن الحرية من الخير العميم»(5).

وخلاصة موقفه من الدين تتحدد في ذهابه إلى أنه من واجب الإنسان حمل غيره على إطاعة أوامر الدين هي الأصل لكل ما ارتكبه البشر من ألوان الاضطهاد.

* ليبرالية العلمانيين العرب:

إذا كانت هذه الليبرالية كما نظَّر لها الفلاسفة الغربيون فإن الليبرالية التي يدعو إليها العلمانيون العرب تستهدف تحديداً الإطاحة بالعقائد والمفاهيم والقيم الإسلامية أو تذويبها تماماً. يقول (الدكتور أحمد أبو زيد) في هذا السياق: «لقد أفلحت الثقافات الليبرالية في الغرب في تحرير الفرد من كثير من القيم التقليدية المتوارثة والأحكام التي تفرضها تلك القيم؛ وبخاصة الأحكام المتعلقة بمفهومي الصواب والخطأ، فيتحرر الفرد من القواعد الأخلاقية والتعاليم الدينية، ويرفض أن تكون تصرفاته وحياته الخاصة وتعامله مع الآخرين محلاً للتقويم والحكم عليه اجتماعياً وأخلاقياً كما يحدث في المجتمعات أو الثقافات المحافظة أو غير الليبرالية. فالصواب والخطأ مفهومان تعسفيان صاغهما أشخاص سوداويون متسلطون لإخضاع الآخرين لإرادتهم ووجهة نظرهم المتعسفة الضيقة؛ ولذا يجب رفضهما حتى يحيا الفرد حياته بالصيغة التي تروق له»(6).

أما (جمال البنا) فيحدد أهم ما تستهدفه هذه الليبرالية في ضرب الثوابت؛ حيث يقول: «إن أهم ما يفترض أن تتجه إليه الحرية هو هذه الثوابت بالذات التي وإن كانت تقوم بالحفاظ والاستقرار للمجتمع وتمسكه من الانزلاق أو التحلل، إلا أن عدم مناقشتها يجعلها تتجمد، بل وتتوثن وتأخذ قداسة الوثن المعبود؛ هذا كله بفرض أن الثوابت هي دائماً صالحة ولازمة؛ ولكنها لا تكون كذلك دائماً»(7).

* موقف الإسلام من الليبرالية:

ولسنا هنا بصدد نقد الليبرالية أو تقييمها فلسفياً؛ وإن كنا نود أن نسجل مبدئياً أن الأمر يتعلق بالأساس بالرؤية الفلسفية التي يصدر عنها فكر المفكر أو الفيلسوف؛ فقد تكون الليبرالية قابلة للأخذ والرد انطلاقاً من الرؤية العلمانية التي تقتصر على العقل وخبراته في إدراك حقائق الوجود وتصريف شؤون الحياة. أما إذا كان المفكر أو الفيلسوف يتبع عقيدة أو مذهباً معيناً فإن أول ما تمثله له هذه الليبرالية هي مطالبته بالتخلي عن هذه العقيدة أو هذا المذهب تماماً؛ وهذا ما يحدو بنا إلى مناقشة الفكرة الأساسية التي تتمحور عليها هذه الدراسة، وهي: هل من الممكن أن يتوافق الإسلام مع هذه الليبرالية؟

فالإسلام دين مبدئي شمولي لا يقبل التجزُّؤ يقوم على عقيدة متكاملة وقواعد ثابتة ومنظومة تجمع بين تصوراته لحقائق الوجود وقواعد السلوك التي ينبغي اتباعها من جهة الفرد والمجتمع على السواء وكذلك القيم الأخلاقية الموجهة لها. وإذا كان الإسلام يتسامح في الحرية العقائدية والفكرية فإنه يستهدف أيضاً إقامة مجتمع مستقر يستمد مرجعيته من قواعده العقائدية التي ارتضاها هذا المجتمع.

وحـقـاً أن الإسـلام يـتـسـامـح مـع حـريـة العقائد والأفكار {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] والكثير من أعلام الفكر الغربي على مر التاريخ يضربون به المثل في هذا التسامح مقابلة مع المسيحية الغربية، ويستدلون على ذلك بالحرية التي تمتعت بها الأقليات غير المسلمة في أكناف الحضارة الإسلامية في الوقت الذي كان وجود المسلم في الدول المسيحية الغربية لا يعني سوى القتل. ولكن تسامح الإسلام هذا لا يعني قبول الإسلام بعرض عقائد مجتمعاته على الدوام على مائدة التفاوض والأخذ والرد؛ فهذا أمر يتعلق بعقيدة المجتمع ومن ثَم باستقراره، بخلاف حرية العقائد والأفكار للأفراد {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] وبعيداً عن موضوع حد الردة فإن أي قوة لا تستطيع قهر أفراد هذا المجتمع المسلم نفسه على الثبات على عقائده؛ فالإسلام لا يأمر بالتفتيش عن دواخل الناس، لكن يظل هؤلاء ملتزمين بقواعد القانون العام.

وشمولية الإسلام تجعل من الإيمان بقواعـد السلوك المستـمـدة مــنه جـزءاً لا يتجزأ من الإيمان بالإسلام نفسه {وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] فكيف يمكن إذا أمر الإسلام بتحريم الزنا على سبيل المثال أن يقال إنه من الممكن في إطار الليبرالية الإسلامية المفترضة أن نجعل الموقف من الزنا عند ارتضاء الطرفين يمكن وضعه على محك التجربة لتقدير ما يمكن أن يؤدي إليه من أضرار على المجتمع؟ بل الأمر أكبر من ذلك؛ لأنه لو كان تقدير الأغلبية رفض هذا الموضوع بناء على ما قد تتوصل إليه من أضرار اجتماعية له (ولا أدري بأي مرجعية يمكن تقدير هذه الأضرار؟) فإن هذا يكون حكم الديمقراطية. ولكن الليبرالية تتجاوز ذلك، فتذهب إلى عدم سماح الأغلبية بالتدخل في مثل هذا الأمر؛ لأنه يدخل في تقديرها في منطقة الحرية الشخصية للأفراد التي لا يسمح للمجتمع بالتدخل فيها.

والناس أحرار في أن يقولوا إن موقف الليبرالية هذا أفضل من الإسلام في هذه المسألة أو غيرها؛ فكل هذا يقبله المنطق عند الوقوف على قاعدة اللا قاعدة، ولكن أن يقال إن هذا مسموح به في إطار الإسلام من باب التسامح والحرية اللذين دعا إليهما الإسلام فإن هذا يعني أنه بالإمكان أن نمشي فوق رؤوسنا.

ومسألة القيم الرائجة ليست منقطعة الصلة بهذا السياق؛ لأن القيم الرائجة لها دورها الفعال المباشر في إنماء المجتمع نحو غاياته أو انتكاسه إلى الاتجاه المضاد. فلا يصح بأية حال من الأحوال أن أقيم ـ على سبيل المثال ـ مجتمعاً إسلامياً ويتم السماح مع ذلك بترويج القيم الاستهلاكية فيه، تلك القيم التي تجعل من جلب المال وإنفاقه إلهاً آخر يُعبد من دون الله الواحد الأحد.

* الإسلام الليبرالي والجمع بين البراجماتية والليبرالية:

هناك الكثير ممن يجمع بين البراجماتية والليبرالية. فمن الناحية الفلسفية فإن بين منظِّري الليبرالية والبراجماتية الأشهرين (جون ستيورات مل) و (وليم جيمس) الكثير من النقاط المشتركة؛ خصوصاً في الجانب العملي لفلسفتيهما. فالليبرالية تريد أن تضع العقائد أو الأفكار في ساحة النقاش والحوار، والبراجماتية في الوقت نفسه لا تلتزم بأية عقيدة أو فروض نظرية مسبقة أو عقائد أو أفكار جازمة. والليبرالية تجعل من إلحاق الضرر بالآخرين هي الحدود الوحيدة التي تقيد حرية الفرد فيما يرغب فيه من منفعة. والبراجماتية تجعل من المنفعة العملية هي المعيار الوحيد لكل الحقائق. وإذا كان (ستيوارت) قد استمد أفكاره عن النفعية من أستاذه (بتنام) الذي استمدها بدوره من (أبيقور) فإن (وليم جيمس) قد استمدها في الغالب مباشرة من (أبيقور).

أما من الناحية السياسية فإذا كانت البراجماتية الأمريكية تريد توظيف الإسلام في المنطقة لمصالحها السياسية؛ فإن الخطوة الأولى لتحقيق هذه المصالح هو تذويب المبدئية الإسلامية، ومن ثَم فإن الليبرالية ـ بمناهضتها لوجود أية عقائد اجتماعية أو قواعد تشريعية وقيمية مستمدة من هذه العقائد ومطالبتها أن تكون كل هذه الأمور عرضة للنقاش والحوار والصواب والخطأ ـ تكون وسيلة رائعة لتذويب هذه المبدئية، وهو الأمر الذي يعني تحقيق تلك المصالح الأمريكية.

* نماذج واقعية قائمة للإسلام الليبرالي:

النموذج السيـاسي للإسـلام الليـبرالـي: حـزب العـدالة والتنمية التركي:

عندمـا صعـد حـزب العدالـة والتنـميـة التركي لتولي الـوزارة بـقـيـادة (رجـب أردوغـان) مـن خلال الانتـخـابـات ظهر الزعيم التاريخي لحزب الرفاه ورئيس وزراء تركيا السابق (نجم الدين أربكان) في أحد حلقات برنامج (بلا حدود) بقناة الجزيرة ليقول إن قيادات الحزب مجموعة من العملاء صعدوا إلى الحكم من خلال مساعدة أجهزة أجنبية نافذة في الدولة، وأنهم يعملون لتطويع الإسلام للمصالح الأمريكية في المنطقة وأنهم يقومون بتقديم تنازلات للعلمانية القائمة في الدولة تفقدهم الصفة الإسلامية. ولكن ما نسيه الزعيم الكبير أنه نفسه أول من أدخـل الإسلامـيـين هذه اللعـبة بتقـديم التنـازلات الحـاسـمة للعلمـانـيـة؛ وذلك بزيـارته لـقـبر صـنم العلمـانية الأكـبـر (كمال أتاتورك) وإعلانه أمامه التزامه بالدستور العلماني في الحكم واقتصار جهوده على ممارسات سياسية واقعية في ظل مرجعية علمانية قائمة، وإذا كان هو قد فعل ذلك فعليه ألا يندهش أن يأتي تلامذته إلى الحكم بالتحالف مع السياسة الأمريكية. وإذا كان (أربكان) أعلن التزامه بالدستور العلماني أمام الصنم الأتاتوركي فإن تلامذته من قيادات العدالة والتنمية يستاؤون الآن من إطلاق صفة الإسلاميين عليهم، ويعلنون أنهم علمانيون. فالذي يحدث الآن أن التنازلات التي قام بتقديمهـا للعلمانيـة بعـض زعمـاء الإسـلاميين من باب المراوغة ـ على أفضل فروض حسن الظن ـ يقوم بها الآن وأكثر منها بعض تلاميذهم من باب الاقتناع، وما أن تبدأ بالتنازل عن بعض الإسلام حتى تنتهي على الفور بالإسلام؛ حدث ذلك في تركيا، ويحدث مثله في تونس ومصر وأماكن أخرى. والنتيجة هي كما تقول مجلة الشاهد البريطانية(1): «إن الصفقة التي تطبخ الآن تسعى إلى جعل الإسلام التركي مفرغاً من ثوابت الدين» ولكن الأهم من ذلك هو ترويج هذا النموذج التركي نفسه على أنه النموذج الإسلامي الليبرالي المعتدل الذي ينبغي الاقتداء به في كل دول العالم الإسلامي إلى درجة أن كبار القادة الأمريكيين مثل (الرئيس بوش) و(كولن باول) و(كوندليزا رايس) أعلنوا مراراً أن النموذج التركي هو النموذج الذي ينبغي أن يسود في المنطقة، بل إن اليميني المحافظ الصهيوني المعروف بعدائه وتعصبه الشديد للعالم الإسلامي (وولفويتز) أعلن أن «الأتراك يقاتلون من أجل مجتمع حر وديمقراطي ومتسامح يمكن أن يصبح نموذجاً مفيداً لدول أخرى في العالم الإسلامي». بل إن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يقوم في الأساس على الارتكاز الفكري لمفهوم الإسلام الليبرالي «بدأت تسريبات معالمه مع زيارة رئيس وزراء تركيا (رجب أردوغان) إلى واشنطن في 28/1/2004 ونشرت صحيفة (يني شفق) التركية (معناها: الفجر) في 30/1/2004 عرض الرئيس الأمريكي (بوش) على (رجب) معالم هذا المشروع الذي يمتد من المغرب حتى أندونيسيا مروراً بجنوب آسيا، وآسيا الوسطى والقوقاز، وقد ابتدأ العرض على تركيا لتتولى الترويج لنموذجها الديمقراطي واعتدالها الديني (بحسب خبر الصحيفة). والمقصود انبطاحها لأمريكا وأخوّتها لإسرائيل لدرجة أن الرئيس الأمريكي اقترح أن تبادر تركيا إلى إرسال وُعَّاظ وأئمة إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي ليتولوا التبشير بنموذج الاعتدال التركي المطبق في تركيا.

هذه الأخبار ذكرها المحرر الرئيس للصحيفة المذكورة والذي كان ضمن الوفد الصحفي المرافق لأرودغان»(2).

* الليبرالية والديمقراطية:

أظهرنا فيما سبق أن الليبرالية خصوصاً عند منظِّرها الأكبر (جـون ستيـوارت مـل) تجـعـل من الفـردية ـ أي من الفكر العقلي للأفراد وحسـابات المصـالح والأضرار ـ المرجعيةَ الوحيدة لكل أمر من الأمـور، وتجعل من الحرية الشخصية منطقة محرمة لا يحق للمجتمع التدخل فيها؛ بينما تجعل الديمقراطية من الأغلبية معبرة عن إرادة الأمة، ومن ثم فعلى الأفراد الخضوع لأحكامها.

ومع ذلك تظل الديمقراطية هي أداة عملية معبرة عن الليبرالية التي تظل تعمل في الوقت نفسه على وضع العوائق في مواجهة الإرادة العامة للأغلبية لمنعها من التدخل في المنطقة الخاصة بالحرية الشخصية.

إذاً؛ فالتداخل كبير بين الديمقراطية والليبرالية، والترويج لليبرالية في المنطقة يعمل أساساً من خلال الترويج للديمقراطية كمدخل ضروري لها، ومن ثَم فإن مناقشة موقف الإسلام من الليبرالية يقتضي بشكل حتمي مناقشة موقفه من الديمقراطية.

* موقف الإسلام من الديمقراطية:

وتُعَرَّف الديمقراطية بأنها «مذهب يراد به إرجاع أصل السلطة السياسية أو مصدرها إلى السلطة العامة للأمة. أما الديمقراطية كنظام للحكم فيراد به النظام الذي يُرجِع أصل السلطة السياسية أو مصدرها إلى الإرادة العامة للأمة»(3).

والديمقراطي «هو ذلك الإنسان القادر على تعديل أوضاع حياته وأفكاره ومبادئه وقيمه وفقاً للمتغيرات الاجتماعية المحيطة به، وينبع التغيير من الإيمان بأن البُنى الاجتماعية لا تُبنى على قواعد ثابتة، بل هي نتاج لتفاعل الأفراد وخبراتهم واتفاقهم، ولذلك فما يراه الأفراد ممثلاً للحق والعدل فهو الحق والعدل؛ فالإطار الذهني الديمقراطي يُبنى على الثقة المتناهية في العقل الذي يُمَكِّن الإنسان من الحياة في إطار المجتمع التعددي بتقبله لنمط حياة الآخرين مما يعكس قدراً كبيراً من العقلانية»(4).

والديمقراطية توجد «إذا توفرت عدة شروط؛ منها: الانتخابات الدورية، والتعددية السياسية، والمنافسة والمشاركة السياسية، وهي التي تشكل في مجملها الأسس العامة للديمقراطية الليبرالية والتي تتمثل في التعددية السياسية، والتي تظهر في شكل تعدد حزبي وتداول على السلطة بين الأحزاب المتنافسة، وخضوع القرارات السياسية للتفاعل السياسي بين القوى السياسية المختلفة، وخضوعه للمساومة، والحل الوسط، واحترام رأي الأغلبية، والمساواة السياسية بمنح صوت لكل مواطن، وترسيخ مفهوم الدولة القانونية القائمة على الفصل بين السلطات مع وجود دستور مكتوب، وخضوع الحكام للقانون»(5).

وعلى الأساس السابق فإن الإشكالية الأساسية في تحديد موقف الإسلام من الديمقراطية هي في شبهة التشابه بينها وبين الشورى في مبدأ حق الأغلبية في اتخاذ القرار، ومن ثَم الانحياز إلى إرادة الجماهير في مواجهة استبداد الفرد. ولكن هذا التشابه أو التقاطع في هذه النقطة لا يؤثر أدنى تأثير في التناقض بين الإسلام والديمقراطية كمنظومة متكاملة بوجه عام؛ فبينما يتم اتخاذ قرار الأغلبية في الإسلام في إطار المرجعية الإسلامية؛ فإن اتخاذ قرار الأغلبية في الديمقراطية يتم دون إطار على الإطلاق؛ أي دون الالتزام بأيَّة قواعد عقائدية أو فكرية أو أخلاقية، وينطلق من الأرضية العلمانية في التفكير التي تقتصر على العقل الإنساني وخبراته في إدراك حقائق الوجود وتصريف شؤون الحياة «فوجود منظور أخلاقي واحد للقيم في المجتمع يتعارض مع الفكر التعددي، ومن ثَمَّ؛ فأولئك الذين يرغبون في رؤية قيم عقائدية أو أخلاقية واحدة تسود في المجتمع لا بد أن ينتهي بهم المطاف إلى معارضة التعددية. وبناء عليه فالمجتمع الديمقراطي غير ملزم بتبني منظور أحادي للوحدة الاجتماعية، وحين يسود أو يسعى أي منظور عقائدي أخلاقي لفرض رؤيته على المجتمع فإنه من المتعذر بناء مجتمع ديمقراطي؛ وذلك لأن الديمقراطية تبنى على المنظور العلماني للمجتمع»(1).

وهذا يتناقض مع كون الدولة في الإسلام دولة عقيدية، تجعل من العقيدة الإسلامية مرجعيتها التي تستمد منها سلطاتها وأحكامها. من ناحية أخرى فإن الأفراد في الديمقراطية أيّاً كانت توجهاتهم لهم الحق دون تمييز في إبداء الرأي في كافة شؤون الدولة وتوجهاتها، ثم يتم اتخاذ القرارات بناء على تحديد موقف الأغلبية الناتجة عن ذلك أيّاً كان هذا الموقف. وهذا يتناقض مع التحريم على الأفراد أو غيرهم أن يتدخلوا فيما هو ثابت من الشريعة {وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، وكما يقول ابن تيمية: «والإنسان متى حلل الحرام المجمَع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمَع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء»(2).

كما أن القرار لا يعود للأفراد دون تمييز فيما هو محل الاجتهاد من الشرع، وإنما هذا يعود لأهل الاختصاص من العلماء؛ وهؤلاء هم الذين تطبق فيما بينهم قاعدة الأغلبية عند الخلاف. وما سبق لا يعني تجريد الأفراد العاديين من الحقوق السـياسية في الإسـلام؛ لأنه يعود لهؤلاء أيّـاً كانت انتماءاتهم ما داموا مواطنين بالدولة الحق في اتخاذ قرارات الدولة العامة التي لا تحتاج إلى قدرات اجتهادية خاصة. ومن ناحية أخرى فـإن القبول بمبدأ تـداول السلطة مع أحـزاب ذات أـيديـولـوجيات مختلفة هو أشبه ما يكون بالقبول بمبدأ: «نعبد ربك يوماً، وتعبد ربنا بوماً» وهو المبدأ الذي رفضه الرسول -صلى الله عليه وسلم- من قريش.

* من مداخل الغزو الفكري للإسلام الليبرالي:

أولاً: الإسلام الليبرالي من خلال محو الحدود الفاصلة بين الإسلام والعلمانية:
تنامت في السنوات الأخيرة الدعوة لعدم استقطاب الجماهير بين الإسلام والعلمانية، وتم الترويج لبعض الادعاءات العلمانية التي تزعم إيمان تيار عريض من العلمانيين بالإسلام مع عدم اقتناعهم بأن الإسلام دين ودولة، ورفضهم لتطبيق الشريعة الإسلامية، وقام أحدهم وهو (جمال البنا) بالترويج لمفهوم جديد بالنسبة للواقع الثقافي الإسلامي ـ وإن كان قد عمل على إشاعته من قبلُ بعض المستشرقين ذوي العلاقات الخاصة مع الاستخبارات الغربية ـ هذا المفهوم هو أن الإسلام دين وأمة، وليس ديناً ودولة، بل وأصدر (البنا) كتاباً بهذا العنوان كان قد نشر معظمه بجريدة القاهرة.

وإذا كان العلمانيون يفعلون ذلك من جهتهم فإن الأغرب من ذلك هو ما يقوم به بعض الإسلاميين من الدعوة في هذا الاتجاه؛ حيث يفرق (فهمي هويدي) بين مستويين من العلمانية: العلمانية المتصالحة مع الدين... والعلمانية الرافضة للدين.

ويرى أن الفئة الأولى من العـلمـانيين لا تعـارض العقيدة رغم تحفظها على تطبيق الشريعة الإسلامية في الواقع، ومن ثَم فلا مانع - كما يؤكد ـ من مد الجسور مع هؤلاء «ونفسح مجالاً للعلمانية المتصالحة مع الدين، ونفكر في تأصيل شرعي لهذا [عبارة عجيبة وكأن الخيارات العقلية تأتي أولاً ثم يتم البحث عن تأصيل شرعي لها من خلال التأويل القائم على الهوى طبعاً] وأظن أن ذلك ليس صعباً؛ فقد جاز لنا أن نقبل أهل الـذمة. فهل يجـوز لنـا أن نقـبل أنـاسـاً لـهم تحفـظـات عـلى عـلاقة الدين بالسياسة؟»(3). وفي هـذا السيـاق أيضاً فإنه يقبل الماركسيين الذيـن لا يرفضون الدين رغم تحفظاتهم على الشريعة الإسلامية.

أما الدكتور (محمد عمارة) فيقسم العلمانيين تقسيماً يختلف قليلاً عن هذا وإن كان يمضي في الاتجاه نفسه تماماً؛ فهناك «علمانيون (عملاء وثوريون) يهدفون إلى ربط المسلمين بعجلة الغرب أو إلى نقض الدين وإلغائه في واقع الحياة، والخلاف مع هؤلاء خلاف في «الأصول». أما العلمانيون الآخرون فينادون فقط بفصل الدين عن الدولة والخلاف معهم خلاف في الفروع»(4).

ثانياً: الإسلام الليبرالي من خلال الاستجابة للعمل الديمقراطي:

تبنِّي بعض الإسلاميين للديمقراطية:
حديث بعض الإسلاميين عن تبني الديمقراطية حديث يعود إلى حوالي عقدين من الزمان كتعبير من هؤلاء عن قبول الحل السلمي في الصراع السياسي مع الأنظمة القائمة مقابل الخيار المسلح الذي اتخذته بعض جماعات العنف في تلك المرحلة وتراوحت الدوافع بين التسليم الواقعي بضرورة اتخاذ هذا المسار كخيار وحيد مستطاع للمشاركة في العمل السياسي وبين الرغبة في استثمار الصراع القائم المنهك والمسيء للصورة لدى الغرب بين طرفين لا يعرف كلاهما سوى لغة العنف، ومن ثمَ الظهور بصورة الودعاء الطيبين الراغبين في العمل السياسي وفقاً للقواعد الغربية.

وعلى سبيل المثال فقد أقر «الدكتور صلاح الصاوي» التعامل المرحلي مع الديمقراطية، وذلك من باب الموازنة بين المصالح والمفاسد بقوله: «إذا كانت العلمانية هي الشر الواقع لا محالة فإن العلمانية الديمقراطية أهون وأخف وطئاً من العلمانية الديكتاتورية»(5).

وفي مارس 1994 أصدرت جماعة (الإخوان المسلمين) مجمـوعة من الوثـائق - هـي الأخـطـر في تـاريخـها من وجهة نظرنا - من بينها وثيقة بعنوان: «الشورى وتعدد الأحزاب في المجتمع المسلم»، وقد تناولت الوثيقة رؤية الإخوان للديمقراطية والتعددية والعمل الحزبي، وانتهت إلى ما يلي:

أولاً: أن الأمة مصدر السلطات.

ثانياً: إقرار وجود دستور مكتوب يفصل بين السلطات وبحفظ الحريات.

ثالثاً: قيام مجلس أمة منتخب.

رابعاً: الدعوة إلى تعدد الأحزاب والتعددية السياسية.

خامساً: إقرار تداول السلطة عن طريق انتخابات برلمانية دورية.

أما (محمد سليم العوا) فذهب إلى أنه في ظـل الطـغيـان في كل الحكومـات والمجتمعـات فـلا بديل عن التعددية وهي واجبة - وليسـت جائزة فحسب (لا أدري من أين يأتي هؤلاء الكتاب بكـل هـذه الجرأة على إصـدار مثل هذه الأحكام) - في الجمـاعـات العـاملة للإسـلام والعـاملة في السياسة والمجتمع الإسـلامـي، وانتـهى إلى أن التعـددية تعني أنـه «لا يمــكـن منع الاتجاهات الأخرى كالعلمانيين والشيوعيين والملاحدة عن الوجود في المجتمع المعاصر، بل يجب منعهم من الدعوة إلى هـدم النظـام الإسـلامي، ثـم تركـهم بعد ذلك وجمهور الناخبين؛ فإذا خدعوه كـان الإسلاميون مقـصريـن في دعـوة النــاخبين وتبصـيرهم، ولا يجوز أن يحـملوا تقصيرهم وقعودهم عن الدعوة الصحيحة على الآخرين - فكل الاتجاهات تتنافس»(1).

ويفرق (فهمي هويدي) بين ثلاث صور للعمل السياسي من المنظور التعددي:

الصورة الأولى: تظهر في العمل السياسي داخل الإطار الإسلامي، وتتمثل في تعدد الاتجاهات والاجتهادات الإسلامية.

أما الثانية: فتظهر في شكل فكر غير إسلامي يتحفظ على بعض جوانب الشريعة الإسلامية.

أما الثالثة: فتظهر في عمل خارج العقيدة الإسلامية ومضاد لها في الوقت ذاته.

ويرى هويدي أن الموقف من هذه الصيغ يكون كما يأتي:

أولاً: العمل السياسي للفئة الأولى مباح اتفاقاً.

ثانياً: العمل السياسي للفئة الثانية مباح ترجيحاً.

ثالثاً: العمل السياسي للفئة الثالثة محظور إجماعاً»(2).

وكل ما أستطيع قوله هنا بالنسبة للكلام السابق هو أن أتساءل: من أين استمد (هويدي) هذه الرؤية؟ هل من الممكن أن يكون قد استمدها من المرجعية الإسلامية؟

التمييز بين مواقف الإسلاميين من الديمقراطية:

لا بد أن نميز بين عدة مواقف من الديمقراطية حتى يمكن تحديد ما نقصده بالتساوم على الإسلام من خلال مدخل قبول العمل الديمقراطي:

1 ـ القول بأنه لا تناقض بين الديمقراطية والإسلام أو الإقرار بقواعد اللعبة الديمقراطية بما في ذلك مبدأ المرجعية الشعبية، ومبدأ تداول السلطة بين الأحزاب ذات المرجعيات العلمانية أو الإسلامية بوجه عام والقول بأن ذلك يتفق مع نظام الحكم الإسلامي أو لا يتناقض معه.

2 ـ قبول دخول اللعبة الديمقراطية والالتزام بقواعدها بما في ذلك مبدأ المرجعية الشعبية، ومبدأ تداول السلطة مع الأحزاب ذات المرجعيات العلمانية أو اللا إسلامية بوجه عام، مع الإقرار بعدم اتفاق ذلك مع نظام الحكم الإسلامي، ولكن قبوله فقط من باب اعتقاد ضرورة ذلك للمشاركة في العمل السياسي.

3 ـ قبول دخول اللعبة الديمقراطية والالتزام بقواعدها والمراوغة في الإقرار بمدى اتفاق ذلك مع نظام الحكم الإسلامي.

4 ـ قبول دخول اللعبة السياسية على أساس إتاحة الفرصة للجماهير في اختيار النظام الإسلامي في ظل الظروف القائمة؛ مع الإعلان عن العمل على إصلاح النظم القائمة وتعديلها بما يتفق مع النظام الإسلامي، ومن ثم يكون اختيار الجماهير للجهة الإسلامية التي تتخذ هذا المسلك يعني اختيارها أيضاً للإجراءات التي أعلنتها لتعديل النظام.

وما نراه ـ وبناء على الأسس التي ذكرناها سلفاً بالنسبة لموقف الإسلام من الديمقراطية ـ فإنه إذا كان الموقف الرابع يمكن قبوله، والموقفان الثاني والثالث يحتملان الاجتهاد؛ فإن الموقف الأول يمثل مساومة صريحة على الإسلام.

ومع ذلك فقد تكون هناك حالات خاصة تجعل الموقف الإسلامي من المشاركة في العملية الديمقراطية أكثر تحديداً. فعلى سبيل المثال فإن مشاركة الإسلاميين في الانتخابات الكويتية يمثل واقعياً تحقيق الهيمنة على البرلمان الكويتي في ظل ظروف محيطة تجعل تطبيق النظام الإسلامي في هذه الدولة ضرباً من المستحيل. وعلى النقيض من ذلك فإن مشاركة الإسلاميين في انتخابات يديرها مجموعة من العملاء في ظل الاحتلال الأمريكي للعراق الذي يقاومه المجاهدون في كل مكان تمثل خيانة عظمى تعمل على تدعيم هذا الاحتلال وإضفاء


---------------------------


(1) نقلاً عن ول ديورانت - قصة الحضارة: مج 17 ج 2 ص 47.
(2) بريتراند رسل - حكمة الغرب: ج 2 ص 115.
(1) المرجع السابق: ص 116.
(2) نقلاً عن ول ديورات - قصة الحضارة: مج 19 ج 2 ص 205.
(3) الحرية: ص 72.
(4) المرجع السابق: ص 76 - 77.
(5) الحرية: ص 77.
(6) المرجع السابق: 83.
(7) المرجع السابق: ص 88.
(1) المرجع السابق: ص 100.
(2) المرجع السابق: ص 102.
(3) المرجع السابق: ص 139.
(4) المرجع السابق: ص 179.
(5) المرجع السابق: ص 181.
(6) الحياة 2 نوفمبر 2004.
(7) الحرية : ص 12.
(1) الشاهد: العدد 343.
(2) أبو محمد المقدسي - مشروع الشرق الأوسط الكبير: موقع المقريزي.
(3) إبراهيم عبد العزيز شيحا (مبادئ الأنظمة السياسية) نقلاً عن د. محمد أحمد مفتي - نقص الجذور الفكرية للديمقراطية: ص 31- 32.
(4)Zeuedie Barbu نقلاً عن محمد أحمد مفتي - مرجع سابق: 21- 22.
(5) علي الدين هلال - مفاهيم الديمقراطية في الفكر السياسي الحديث - نقلاً عن محمد أحمد مفتي - مرجع سابق: ص 16.
(1) Michoel Novak نقلاً عن المرجع السابق: ص 22.
(2) نقلاً عن المرجع السابق: ص 40.
(3) التعددية السياسية والديمقراطية في الوطن العربي مجموعة من الكتاب: ص 55.
(4) من مظاهر الخلل في الحركات الإسلامية المعاصرة، الوعي الإسلامي العدد 316، نقلاً عن محمد أحمد مفتي - مرجع سابق: ص 77.
(5) الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي: ص 257.
(1) التعددية السياسية - مرجع سابق: ص 48. (2) المرجع السابق: ص 55.

المصدر هنا

التوقيع
للإشتراك المجاني في رسائل جوال ضد التغريب أرسل كلمة مشترك للرقم ( 0551915972 ) لشريحة سوى فقط , أوللإشتراك في الواتس آب لكل شرائح الجوال.
http://majles.alukah.net/showthread.php?t=86061

التعديل الأخير تم بواسطة المُوَقِّع ; 11-May-2008 الساعة 06:01 PM.
زين العابدين غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-May-2008, 06:02 PM   #7
مشرف وإداري2
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
رقم العضوية: 2004
المشاركات: 598
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 2004
عدد المشاركات : 598
بمعدل : 0.14 يوميا
عدد المواضيع : 20
عدد الردود : 578
الجنس : ذكر

افتراضي

بارك الله فيك !
وزادك عِلماً ، وصَبرا!
أنصح إخواني بطباعة هذا الملف ، وقراءته ، ففيه معلومات مهمة ، ووجهات نظر، وأشياء ينبغي الاطلاع عليها، خاصة في هذه الأيام.

التوقيع
في ازديادِ العِلمِ إرغامُ العِدا . . . . وجَمـــالُ العِـلمِ إصلاحُ العَــمل
المُوَقِّع غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-May-2008, 01:05 AM   #8
عضو متميز
افتراضي

بارك الله فيك
وجزاك الله خيرا

التوقيع
للإشتراك المجاني في رسائل جوال ضد التغريب أرسل كلمة مشترك للرقم ( 0551915972 ) لشريحة سوى فقط , أوللإشتراك في الواتس آب لكل شرائح الجوال.
http://majles.alukah.net/showthread.php?t=86061
زين العابدين غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-Jun-2008, 12:39 PM   #9
عضو متميز
افتراضي

فتح الله لكم ونفع الله بكم الإسلام والمسلمين
على هذا النقل المفيد والمهم

طالبةعقيده غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 12-Jun-2008, 03:06 AM   #10
عضو متميز
افتراضي

حياكم الله ونفع بكم

التوقيع
للإشتراك المجاني في رسائل جوال ضد التغريب أرسل كلمة مشترك للرقم ( 0551915972 ) لشريحة سوى فقط , أوللإشتراك في الواتس آب لكل شرائح الجوال.
http://majles.alukah.net/showthread.php?t=86061
زين العابدين غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


flagcounter


الساعة الآن 07:22 AM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir