أنت غير مسجل في ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
موضوع جديد
آخر 10 مشاركات : اختيار موضوع الرسالة وصياغة عنوانه ( آخر مشاركة : - )    <->    طلب في بحث عن موقف المستشرقين من الشريعة الإسلامية ( آخر مشاركة : - )    <->    ارجوا الحوار بهدوء ( آخر مشاركة : - )    <->    الليبراليه والعلمانيه مفاهيم واعتقادات ... ( آخر مشاركة : - )    <->    دمعة على التوحيد في بلاد التوحيد . ( آخر مشاركة : - )    <->    الأقصى المستباح... ( آخر مشاركة : - )    <->    إلا رسول الله فلا نامت أعين الجبناء ( آخر مشاركة : - )    <->    ما هو ضابط الخوف من الجن المخرج من الملة؟ ( آخر مشاركة : - )    <->    الاسلام دين العدل لا المساواه ( آخر مشاركة : - )    <->    ما معنى الشيء المطلق ومطلق الشيء؟ ( آخر مشاركة : - )    <->   
العودة   ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة > .:: قسم الملل والمذاهب المعاصرة ::. > ملتقى دراسة الملل والمذاهب المعاصرة
المنتديات موضوع جديد التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-Aug-2007, 01:40 PM   #1
عضو متميز
افتراضي حركة الإصـلاح والتـجـديـد الـديـنـي في أوربا (حلقات)

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .....
أما بعد :
فإن في دراسة التاريخ فوائد وعبر ، إذ لا بد من التأمل في الأحداث وسبرها ، وتُجْمَع الخبرات في أحوال الأمم ويحكم عليها من بيئتها ، هذا في ما درس وغبر ، أما ما هو باق إلى يومنا فمن الأهمية بمكان لا سيما إذا كان في الأديان ، فلا يمكن لدارس العقائد تصور بعض الأسباب والتغيرات الطارئة على المذاهب والملل إلا بمعرفة التاريخ وما جرى من وقائع ، وكذلك لا نستطيع أن نعرف حقيقة الشعارات التي ترفعها الأحزاب والحركات إلا بمعرفة الظروف السائدة
وقت قيامها ...

ولا بد لدارس الملل والنحل أن يهتم بالأحداث الكبرى التي قلبت بعض الأمور وأحدثت تغيرات غيرت بعض المسيرات والسياسات .... لذا سيكون بحثنا هذا عن حركة التجديد والإصلاح الديني في أوربا .. وإن كان الأولى أن يسمى : حركات التجديد والإصلاح الديني في أوربا ، لكن كثير منها باء بالفشل .. حتى أصبح من المعرف لدى المثقفين أنه ما ثمة إلا حركة مارتن لوثر عندما يذكر التجديد والإصلاح الديني في أوربا ..

اسأل الله سبحانه وتعالى أن يعز الإسلام والمسلمين ويذل أعداءه أعداء الدين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد سيد المرسلين
...

محمد الغانم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-Aug-2007, 01:50 PM   #2
عضو متميز
افتراضي

تمهيد


أولا ً : تعريف التجديد :



1 ـ التجديد في اللغة :


جدد من الجدة مصدر الجديد . يقال : أجد ّ ثوبا ً واستجده ، أي : صيره جديدا ً ، وهو ضد الخلق .

وتجدد الشيء صار جديدا ً ، والجدة نقيض البلاء ، وهذا شيء جديد ، أي : غير بال ٍ ولا خلق .

يقال : بلي بيت فلان ثم أجد بيتا ً من شعر .

وفلان جدد الوضوء بمعنى أعاده ، وجدد العهد ، أي : أكده وأحياه .

والخلاصة أن التجديد هو : إعادة الشيء بعدما خلق وبلي إلى ما كان عليه أول الأمر 1.




2 ـ التجديد في المعنى الاصطلاحي :


التجديد في المعنى الاصطلاحي له مفهومان :

الأول : التجديد بالمعنى الشرعي :

وهو إحياء ما اندرس من معالم الدين ، وانطمس من أحكام الشريعة ، وإعادة ما ذهب من السنن وخفي من العلوم . [2]

وهذا هو التجديد عند المسلمين ، وقد تكون متمثلة في رجل وعلم من أعلام المسلمين مثل الإمام أحمد بن حنبل ، ومالك ، والشافعي ، وابن تيمية ، رحمهم الله أجمعين ، وقد تكون متمثلة في عدة أعلام ومنصورة برجالات كثر مثل دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى .



الثاني : التجديد عند الخلوف والمتأثرين بالثقافات الغربية :

إجراء التغيير كلما احتيج إليه في أصول الدين وفروعه ، لتتوافق مع تغيرات قيم هذا العصر ومعطياته ومنطلقاته المستمدة من الثقافة الغربية المعاصرة التي هي نـتاج تفكيري بشري محض ، ليس للوحي المعصوم أثر فيه .[3]

يقول فضيلة الشيخ صالح الفوزان عنه : " معناه الابتداع وإحداث في الدين ما ليس منه ، إن التجديد الذي ينادون به هو التجديد في الدين بإحداث فقه جديد معاصر كما يسمونه، لأن الفقه القديم بزعمهم لا يناسب هذا العصر بشكله ومضمونه " . [4]





ثانيا ً : تعريف الإصلاح :


1 ـ تعريف الإصلاح في اللغة :


الإصلاح من الصلاح ، وهو ضد الفساد .

يقال صلح يصلح صلاحا ً وصلوحاً ، وهو صالح وصليح ، والجمع صلحاء وصلوح .

والإصلاح نقيض الإفساد ، والمصلحة : الصلاح .

والمصلحة واحدة المصالح ، والاستصلاح نقيض الاستفساد ، وأصلح الشيء بعد فساده : أقامه ، وأصلح الدابة : أحسن إليها فصلحت . [5]







2 ـ تعريف الإصلاح الديني في الاصطلاح :


الإصلاح الديني يطلق على اعتبارين :



الأول : هو محاولة رد الاعتبار للقيم الدينية ، ورفع ما أثير حولها من شبه وشكوك قصد التخفيف من وزنها في نفوس المسلمين ...

ويقصد به كذلك محاولة السير بالمبادىء الإسلامية ، من نقطة الركود التي وقفت عندها في حياة المسلمين إلى حياة المسلم المعاصر ... [6]



الثاني : هي المحاولات الفكرية التي يدعي القائمون بها اصلاحا ً أو تجديدا ً في الإسلام ، وهي في واقع أمرها إخضاع الإسلام للون معين من التفكير ، أجنبي عنه ، سواء في هدفه أو فيما يصدر عنه . [7]



أما عن التجديد والإصلاح الديني الغربي : فهو مجموعة حركات قامت على مناوئة الكنيسة الغربية في روما ، تزعم أبرزها مارتن لوثر ، واشتهرت بالبروتستانتية ، دعت إلى عدة مبادئ في جملتها الدعوة إلى التحرر من طغيان الكنيسة ورجالها .





















--------------------------------------------------------------------------------

[1] ـ لسان العرب لابن منظور ( 1/414-415) ، والقاموس المحيط للفيروز آبادي (1/ 291)

[2] ـ فيض القدير للسخاوي ( 1/10)

[3] ـ تجديد الخطاب الديني بين التأصيل والتحريف ، محمد بن شاكر الشريف ، ص 37.

[4] ـ مجلة الدعوة ، العدد 1245 ، 21/11/1410 . ص 17.



[5] ـ لسان العرب لابن منظور ( 2/ 516 ) .

[6] ـ الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالإستعمار الغربي ، د. محمد البهي ص 329

[7] ـ المصدر السابق ، ص 329 .

التعديل الأخير تم بواسطة محمد الغانم ; 04-Aug-2007 الساعة 01:52 PM.
محمد الغانم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-Aug-2007, 02:42 PM   #3
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2006
رقم العضوية: 158
الدولة: المملكة العربية السعودية
المشاركات: 672
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 158
عدد المشاركات : 672
بمعدل : 0.23 يوميا
عدد المواضيع : 156
عدد الردود : 516
الجنس : أنثى

افتراضي


وفقكم الله وسددكم
هذا الموضوع له ثقله وأهميته خاصة وأنه امتد إلى العالم الإسلامي ولاتزال آثاره باقية.
التوقيع
الرضا بالقدر جنة الدنيا، ومستراح العابدين، وباب الله الأعظم.

معالي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-Aug-2007, 06:29 PM   #4
مشرف وإداري1
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
رقم العضوية: 4
الدولة: السعودية
المشاركات: 598
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 4
عدد المشاركات : 598
بمعدل : 0.20 يوميا
عدد المواضيع : 181
عدد الردود : 417
الجنس : ذكر

افتراضي

جزاكم الله خيرا

التوقيع
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
قلم الكاتب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-Aug-2007, 04:37 PM   #5
عضو متميز
افتراضي

أحسنت وبارك الله فيك .

التوقيع
للإشتراك المجاني في رسائل جوال ضد التغريب أرسل كلمة مشترك للرقم ( 0551915972 ) لشريحة سوى فقط , أوللإشتراك في الواتس آب لكل شرائح الجوال.
http://majles.alukah.net/showthread.php?t=86061
زين العابدين غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-Aug-2007, 05:05 PM   #6
عضو متميز
افتراضي

بارك الله فيكم جميعا ً ، وبما أنكم تحمستم مع الموضوع فإن شئتم ذيلناه بالكلام عن انتقال حركات التجديد ( تذويب ) إلى العالم الإسلامي ...

محمد الغانم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-Aug-2007, 03:12 AM   #7
عضو متميز
افتراضي

حالة أوربا في العصور الوسطى قبل ظهور حركة التجديد والإصلاح الديني :


قبل البدء في وصف حال أوربا قبل حركة التجديد والإصلاح بعد العصور الوسطى لا بد أن نبين ما هي العصور الوسطى أو العصور المظلمة :

ـ العصور الوسطى :

تعددت الآراء والنظريات حول بداية العصور الوسطى ونهايتها ، فقد طرح الباحثون منذ القرن الثامن عشر أحداثاً عديدة وتواريخ شتى لبداية العصور الوسطى.

فالبعض حدد سنة 284 م وهي التي اعتلى فيها الإمبراطور قسطنطين الكبير عرش الإمبراطورية ، وهي البداية الحقيقية للعصور الوسطى [1].

وكثير من المؤرخين كما يقول بعض الباحثين يرون أن سنة 476م هي أصلح وأنسب لبداية تاريخ القرون الوسطى الأوربية ، لأن هذه السنة تعتبر آخر عهد بالإمبراطورية الرومانية في الغرب .
[2]

واختلف أيضا ً المؤرخون حول تحديد نهاية العصور الوسطى ، فقد رأى البعض أن حركات الإصلاح الديني في أوربا التي بدأت في القرن الرابع عشر تمثل نهاية العصور الوسطى وبداية عصر النهضة .

ويرى فريق آخر من المؤرخين أن سنة 1453 م هي التي تحدد نهاية العصور الوسطى وبداية عصر النهضة ، ففي تلك السنة انتهت حرب المائة عام بين انجلترا وفرنسا ( 1338-1453) هذا إلى جانب أن القسطنطينية انتقلت إلى يد الأتراك العثمانيين في تلك السنة .

ومهما كان اختلاف المؤرخين حول السنة التي تبدأ منها العصور الوسطى وتلك التي تنتهي عندها ، إلا أنها من الناحية التقليدية الشكلية تبدأ في القرن الخامس وتنتهي في القرن الخامس عشر الميلادي
[3] .
ـ مصطلح العصور المظلمة :

هي نفس العصور الوسطى .العُصور المُظْلِمة اصطلاح تاريخي يُطلق على وصف فترة من فترات العصور الوسطى في أوروبا. وتشير كلمة مظلمة إلى الغياب المفترض في حقل المعرفة خلال تلك الحقبة، لكننا الآن ندرك أن العصور الوسطى لم تكن مظلمة إظلامًا تامًا. وإن كانت تبدو كذلك لعلماء عصر النهضة المتقدم نسبيًا وللمؤرخين المتأخرين الذين تأثروا بهؤلاء العلماء فيما بعد.

أما عن حالة أوربا فقد

كانت القرون الأولى من العصور الوسطى، خاصة من القرن الخامس إلى أواخر القرن العاشر الميلاديين أقرب إلى أن تكون مظلمة، حيث أصيبت حضارة غربي أوروبا بالانحطاط، ولم يتبقَ من معرفة الرومان القدامى سوى ما بقي في قلة قليلة.

أما المعرفة التي نُقلت عن اليونانيين فقد اندثرت تقريبًا. وكان الذين تلقوا علمًا فئة قليلة من الناس، كما ضاع الكثير من المهارات الفنية والتقنية القديمة.

وفي مقابل الظلام الذي خيَّم على غرب أوروبا، كانت الحياة أكثر إشراقًا في جهات أخرى، فقد كان المسلمون في نفس الوقت يعيشون ثراءً حضاريًا وثقافيًا وارتقوا في كل المجالات العلمية كالطب والهندسة والبصريات والرياضيات والفلك …

.ثم إن هذه العلوم انتقلت من أسبانيا ( عندما كان المسلمون في الأندلس) إلى الغرب فيما بعد وامتد نور العلم العربي الإسلامي من الصين شرقًا حتى حدود أوروبا غربًا.

وفي بداية القرن الحادي عشر الميلادي، بدأت الحياة الاقتصادية والسياسية تنتعش في أوروبا. وقد أدى الانتعاش إلى تطور ثقافي هائل خلال القرن الثاني عشر الميلادي[4].


أما عن حالة أوربا فقد كانت أوربا في القرن الميلادي الأول وثنية ، فقد كانت الإمبراطورية الرومانية تدين بما يسمى بالوثنية الرومانية التي تقوم على القول بوجود ثلاثة آلهة :

جوبتير ، مارس ، كورنيوس ، وتقدس الإمبراطور الذي كان يدعي الربوبية ، كما تقدس الصور والتماثيل ويسودها أيضا ً فلسفات أخرى كالأفلاطونية الحديثة الرواقية وغيرها .

ومنذ أن سمع الأوربيون بالنصرانية في القرن الميلادي الأول والتي بدأت تنتشر في إمبراطوريتهم بدأوا في محاربتها والقضاء عليها بملاحقة معتنقيها واضطهادهم طيلة ثلاثة قرون تقريبا ً .

قد كانت المملكة الرومانية في أوربا تعتبر الدين النصراني عدوا لها وخطرا ً يهدد كيانها ويعمل على تقويض أركانها ، فقاومته أشد مقاومة ، واضطهدت المؤمنين به شر اضطهاد ، وأوقعت بهم أقسى صنوف التنكيل والتعذيب والقتل في أبشع صوره ، وأشنع أساليبه ، عاقدة العزم على إبادتهم ، والقضاء عليهم القضاء الأخير[5] ...

وأبرز ملوك أوربا الذين حاربوا النصرانية في مهدها هم كالآتي [6]:

1ـ نيرون في عام 64 م :
فقد أقدم نيرون على إشعال النار في روما ، ثم اتهم النصارى وصب عليهم جام نقمته وجنونه ، وشن عليهم حملة شعواء في كل أنحاء المملكة الرومانية ، متفننا في تعذيبهم ، مبتدعا ً أبشع الوسائل في الفتك بهم ...

2ـ دومتيانوس في عام 90 م :
وقد بلغ الإمبراطور دومتيانوس أن المسيح مزمع أن يملك في كل العالم ، فخاف أن يتم ذلك في عهده ، ومن ثم أمعن في اضطهاد النصارى ، وقتل كثير منهم .....

3 ـ تراجان، في عام 106 م :
فقد أصدر تراجان سنة 106 م أمره إلى ولا ته في كل أنحاء مملكته بأن يقبضوا على النصارى ويمنعوا اجتماعاتهم التي كانوا يعقدونها في الخفاء ليقيموا صلواتهم ويحتفلوا بأعيادهم، فسامهم الولاة أبشع أنواع العذاب والتنكيل وقتلوا منهم آلافا ً مؤلفة ...

4 ـ ماركوس أور يليوس عام 162 م :

فقد أصدر الإمبراطور ماركوس في عام 162 م أمره بإبادة النصارى ، وبدأ بقتل رؤسائهم ، وكل من تدينوا بدين النصرانية ضربوا ضربا ً عنيفا ً بالسياط حتى ظهرت عروقهم ....

5 ـ سافيروس عام 203 م :

وقد اشتد الاضطهاد في عهد الإمبراطور سافيروس سنة 203 م وازداد عدد القتلى في أيامه زيادة مروعة ، وكان ممن قتل في تلك الأيام : أريناوس أسقف ليون ، وليونيداس أب أوريجانوس الراهب القبطي ....

6 ـ كاراكلا سنة 211 م :

تولى كاراكلا العرش سنة 211 م فضاعف الجزية على النصارى وقضى على من يقاوم الحكومة منهم بالصلب أو بأن يطرح للوحوش ...

7 ـ مكسيميانوس سنة 235 م :

وحين جلس مكسيميانوس على العرش اضطهد النصارى اضطهادا ً شديدا ً ، واضطر كثيرون إلى الفرار من وجهه ومنهم البابا ياروكلاس البطريك .

8 ـ ديسيوس سنة 249 م :
وقد كان هذا المذكور يكره النصارى كراهية شديدة ، وقد نكل بهم تنكيلا لم يسبق له مثيل ، وتفنن في تعذيبهم بوسائل تقشعر من هولها الأبدان ، وقد قتل عشرات الألوف من الرجال والنساء والأطفال .
ويقول القديس أوسابوس : إنه في فترة من فترات ذلك العهد قتل عشرة الآلاف دفعة واحدة.. ثم يقول : إنني رأيت عدادا ً كبيرا ً يقتل في أحد الأيام حتى أن السيوف من كثرة ما استعملت في ذلك اليوم تكسرت ولم تعد تقطع ، بينما أنهك التعب الجلادين فكانوا يتناوبون حتى يعمل البعض ويستريح الآخرون .

9 ـ فاليريان سنة 258 م :
أصدر الإمبراطور فاليريان أمره سنة 258 م بقتل النصارى فقتل في عهده كثيرون ومنهم سكستس أسقف روما ، وكبر يافس أسقف قرطاجنة .

10 ـ دقلد يانوس سنة 284 م :

وقد كان هذا هو الأقسى ممن سبقوه على النصارى ، فقد صمم ألا يكف عن قتل النصارى حتى تصل دماؤهم إلى ركبة فرسه ، وفعلا نفذ عزمه وراح يطوف بفرسه في بحر من الدماء.. وهدم كنائس النصارى وأحرق كتبهم وقبض على أساقفهم وأذاقهم من كل صنوف العذاب وأغرقهم في مذابح دامية لم يسبق لها نظير في التاريخ ...

يقول أوسابيوس : ولقد شاهدت بعيني بينما كنت واقفا بقرب النطع جمعا ً غفيرا من النصارى جمعوا لينالوا الشهادة ولكن بطرق مختلفة ، فكان بعضهم يحرقون في أتون النار ، وبعضهم تحزُّ رؤوسهم بالسيف ، وكانوا من الكثرة بحيث إن السيف قد ثلم حده من كثرة ما قطع من الرقاب ، وكذلك السيافون تعبوا وخارت قواهم من ذبح الآدميين ، فكانوا يستريحون هنية ريثما يستردون أنفاسهم ...

11 ـ غالير يوس سنة 304 م :
كان غالير يوس صهر دقلد يانوس، جلس على العرش سنة 304 م بعد موت صهره وكان يرمي من وراء الاضطهادات القاسية أن يقضي على النصارى ، ولكنه كان كلما شدد النكير عليهم ازدادت النصرانية انتشارا ً ، فأصدر أمرا ً جديدا ً في سنة 308 م يقضي بمواصلة اضطهادهم في غير هوادة ولا رحمة [7] ...



--------------------------------------------------------------------------------

[1] ـ أثر الكنيسة على الفكر الأوربي ، د. أحمد علي عجيبة ، ص 5

[2] ـ انظر معالم تاريخ أوربا في العصور الوسطى ، د. محمود سعيد عمران ، ص 15 .

[3] ـ انظر معالم تاريخ أوربا في العصور الوسطى ص 20 ، وأثر الكنيسة على الفكر الأوربي ص 5 ، وانظر تاريخ أوربا في العصور الوسطى ، د. سعيد عبدالفتاح عاشور ، ص 10-29 .

[4] ـ انظر الموسوعة العربية العالمية .

[5] ـ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ، د. رؤوف شلبي ، ص 116

[6] ـ انظر الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والفرق المعاصرة ( 2/ 567 ) .

[7] ـ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ، د. رؤوف شلبي ص 118 ـ 124 بإختصار وتصرف .

محمد الغانم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 13-Aug-2007, 01:35 PM   #8
عضو متميز
افتراضي

ـ نهاية عصر الاضطهاد :
لما انتهى الأمر بالإمبراطور جالير وقد كان شديد المضطهدين للنصرانية عام 311م إلى أن تكشف له عقم جهوده ، فاضطر إلى التراجع أمام العقبات التي أثارها لحكمه عناد الكنيسة الهائل ، واستسلم لفكرة التسامح مع النصارى ... ثم مات بعد ذلك بفترة قصيرة .

ثم أصبح موته مجالا ً لتنافس عد كبير من طالبي الحكم الذين حاول كل منهم استرضاء الأنصار وكسب أكبر قدر من التأييد من طوائف العب المختلفة .

وكانت تلك فرصة ذهبية للكنيسة تستطيع أن تبيع تأييدها ..

وكان أحد المتنافسين على العرش وهو " قسطنطين " رجلا ً موثوقا ً به لديها ـ ولم يكن قسطنطين قد تحول للنصرانية بعد ـ .

وكانت نقطة التحول في مطلع القرن الرابع بعد إصدار مراسيم التسامح سنة 311م ، وبعدها بعشر سنوات دخل القسطنطين النصرانية واعتنقها ، وسرعان ما قويت النصرانية ورجحت كفتها وشالت كفت أعدائها ، فانقّضت على أعدائها تفتك وتفني ...فتأسست الجمعيات الثورية باسم الدين ، وكان أشهرها جمعية الصليب المقدس .[1]

ولما أعتنق القسطنطين النصرانية الجديدة المحرفة دعا إلى أول مجتمع نصراني وهو مجمع نيقيا سنة 325 م وأعلنت فيه النصرانية عقيدة رسمية للإمبراطورية الرومانية .

يقول ابن البطريق النصراني في وصف المجتمعين وعددهم ما نصه : بعث الملك قسطنطين إلى جميع البلدان ، فجمع البطاركة والأساقفة ، فاجتمع في مدينة نيقية ثمانية وأربعون وألفان من الأساقفة ، وكانوا مختلفين في الآراء والأديان ، فمنهم من كان يقول إن المسيح وأمه إلهان من دون الله ، وهم البربرانية ، ويسمون المريميين ، ومنهم من كان يقول إن المسيح من الآب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار ، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها ، وهي مقالة سابليوس وشيعته ، ومنهم من كان يقول : لم تحبل به مريم تسعة أشهر ، وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب ، لأن الكلمة دخلت أذنها ، وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها ، وهي مقالة إليان وأشياعه .

ومنهم من كان يقول إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره وأن ابتداء الابن من مريم وأنه اصطفي ليكون خالصا للجوهر الإنساني صحِبتْه النعمة الإلهية ، وحلت فيه بالمحبة والمشيئة، ولذلك سمي ابن الله ، ويقولون : الله جوهر قديم واحد ، وأقنوم واحد، ويسمونه ثلاثة أسماء ولا يؤمنون بالكلمة ولا بروح القدس ، وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريك أنطاكية وأشياعه ..

ومنهم من كان يقول إنهم ثلاثة آلهة لم تزل ، صالح ، وطالح ، وعدل بينهما ، وهي مقالة مرقيون اللعين وأصحابه ، وزعموا أن مرقيون رئيس الحواريين وأنكروا بطرس ...

ومنهم من كان يقول بألوهية المسيح وهي مقالة بولس الرسول ، ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا ً ...

ثم وضع الملك للثلاث مائة والثمانية عشر أسقفا ً مجلسا ً خاصا ً عظيما ً ، وجلس في وسطهم وأخذ خاتمه وسيفه وقضيبه فدفعه إليهم وقال لهم : قد سلطتكم اليوم على مملكتي لتصنعوا ما ينبغي لكم أ، تصنعوا مما فيه قوام الدين ، وصلا ح المؤمنين ، فباركوا الملك ، وقلدوه سيفه ، وقالوا له : أظهر دين النصرانية ، وذب عنه ، ووضعوا له أربعين كتابا ً فيها السنن والشرائع ، منها ما يصلح للملك أن يعلمه ويعمل به ، ومنه ما يصلح للأساقفة أن يعملوا به . [2]

فلما كان الإمبراطور وثنيا ً ولا علم عنده بالمسيحية انحاز إلى ما يوافق هواه ورغبته فنصر قول القائلين بألوهية المسيح ، وأمر بلعن وطرد من خالفهم وملاحقته .

وبالفعل تم ذلك وترتب عليه القضاء على التوحيد ، واندراس معالمه بعد ذلك ، كما أدى ذلك إلى انتشار النصرانية المثلثة بقوة السلطان ، وأولهم قسطنطين الذي لم يدخل الديانة النصرانية إلا وهو على فراش الموت .[3]

وبعد ذلك فرضت عقيدة النصارى في أوربا وقهروا الناس عليها ، وتسلطت الكنيسة وطغيت في شتى مجالاتها [4].


--------------------------------------------------------------------------------

[1] ـ المسيحية ، د. أحمد شلبي ، ص 95 .

[2] ـ محاظرات في النصرانية ، لمحمد أبي زهرة ، ص 114-115 ، وانظر المسيحية ص 95 ، وكذلك دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية ، د. سعود الخلف ، ص 250- 255 ، وانظر بتوسع تاريخ أوربا في العصور الوسطى ، ص 30 – 50 .

[3] ـ دراسات في الاديان اليهودية والنصرانية ، د. سعود الخلف ، ص 367-368 .

[4] ـ انظر الميزان في مقارنة الأديان ، للمستشار محمد عزت الطهطاوي ، ص 231-233
محمد الغانم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 20-Aug-2007, 12:12 AM   #9
عضو مؤسس
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
رقم العضوية: 2
الدولة: السعودية
المشاركات: 1,066
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 2
عدد المشاركات : 1,066
بمعدل : 0.35 يوميا
عدد المواضيع : 208
عدد الردود : 858
الجنس : ذكر

إرسال رسالة عبر AIM إلى سعد الماجد
افتراضي

جزاك الله خيرا....لا تزال موفقاً..زادك الله علماً ويقيناً.

التوقيع
[IMG]http://www.alsaqr.com/tawqee3/sob7ank.gif[/IMG]
سعد الماجد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 24-Aug-2007, 05:16 PM   #10
عضو متميز
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعد الماجد مشاهدة المشاركة
جزاك الله خيرا....لا تزال موفقاً..زادك الله علماً ويقيناً.
بارك الله فيك يا دكتور سعد على مرورك وثناءك ، وبارك الله في الإخوة من قبلك( معالي ، وزين العابدين ، وعبدالله السلفي ) .
محمد الغانم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-Sep-2007, 07:52 PM   #11
عضو متميز
افتراضي

تسلط الكنيسة وبداية ظهور حركة الإصلاح في أوربا :



منذ أن أقرت النصرانية المحرفة في أوربا في مجمع نيقيا وإعطاء البابا السلطة ،والكنيسة تمارس طغيانا ً وتسلطا ً تولد بسببه الانفجار على الديانة النصرانية.

وقبل أن نبين مظاهر تسلط الكنيسة لا بد أن نتكلم بداية سلطة البابا .

حصل البابا على السلطة حين منحته له المجامع النصرانية والظروف الراهنة في ذلك العصر ، وفي مجمع روما المنعقد سنة 869 م قرر أن الفصل في المسائل الدينية من اختصاص كنيسة روما ، وأن النصارى جميعا ً يخضعون لقرارات رئيس هذه الكنيسة ، ويقرر أحد مجامع روما أن الكنيسة البابوية تملك حق الغفران وتمنحه لمن تشاء ، وتملك كذلك حق الحرمان وتجعله في حق من تشاء [1].

أما السلطة التي حصل عليها البابا فمرجعها إلى الانقسام السياسي الذي حصل في الدولة الرومانية وإلى الصراع الذي جاء عقب ذلك ، وفي وسط هذا الانقسام وذلك الصراع استقل البابا استقلالا ً تاما ولم يعد تابعا لأي من الملوك والأمراء ، وقد اعترف الجميع له بالاستقلال تخلصا ً من التنافس على السيطرة على الكنيسة ، ومن ثم صار تعيين البابوات بطريق المجامع لا بطريق الأباطرة ، وهذا مما قوى سلطة البابا .

وفي الوقت الذي لم يعد البابا تابعا ً لأي من الملوك ، كان الملوك بحكم أنهم نصارى فإنهم تابعين للبابا، وخاضعين له تبعا ً لقرارات المجامع مما جعل كل النصارى ملزمين بطاعة البابا
وخاضعين له[2] .
وكان المسيح كما يعتقدون قد أقام بطرس الرسول خليفة له ليرأس الحواريين ويدير شئون المسيحيين، وقد انشأ بطرس كنيسة روما ، والبابا خليفة لبطرس في رياسة هذه الكنيسة وفي إدارة شئون المسيحيين ، فالبابا على هذا خليفة للمسيح ، له سلطاته ومكانته[3] .
وقد باشر رجال الدين هذه السلطات بكثير من التوسع ، فأخذوا يبيعون صكوك الغفران ، ويصدرون قرارات الحرمان حتى على الملوك والعظماء ، وأصبحت الكنيسة بذلك هي التي تفهم الكتاب المقدس ، وهي التي تصدر القرارات بناء على هذا الفهم .. والذي يتوارثه البابوات ، ولا معقب لما تقوله الكنيسة، وعلى الناس أن يتلقوا قولها بالقبول ، وافق العقل أو خالفه، وعلى المسيحي إذا لم يستسغ عقله قولا قالته أو مبدأ دينيا ً أعلنته أن يروض عقله على قبوله ، فإن لم يستطع فعليه أن يشك في العقل ولا يشك في قول البابا . [4]


أما الطغيان الذي مارسته الكنيسة فقد تعدى وتنوع حتى أصبح طغيانا ً دينيا ً وماديا ً وسياسيا ً .



أولا ً : التسلط الديني عند الكنيسة :

ويظهر التسلط الديني من خلال الأمور التالية :


1 ـ فرض عقيدة التثليث والصلب والفداء قهرا ً ، وسفكت دماء من خالف هذه العقيدة وعذبت من يشك فيها [5].

2 ـ نصبت الكنيسة نفسها إلها ً يحلل ويحرم وينسخ ويضيف ، والويل لمن يبدي رأيه .

فحرمت الختان ، وزواج رجال الدين ، وأحلت أكل الميتة وشرعت التماثيل .

3 ـ أدعت الكنيسة أنها تملك حق الغفران ، فأصدرت صكوك الغفران التي يبيعها رجال الدين بأغلى الأثمان .

4 ـ أعطت الكنيسة نفسها حق الحرمان والطرد من رحمة الله حتى أصبح هذا الحرمان شبحا ً مخيفا ً أمام الأفراد والشعوب والملوك[6] .

5 ـ فرض الرهبانية والانقطاع عن الدنيا والامتناع عن الزواج ، ولكن لا بأس من ممارسة الجنس مع الراهبات في الأديرة ، ولأنه أيضا ً من أسباب تطهير الذنوب فيما يسمى مع من يطلب الغفران[7] .

6 ـ أقامت الكنيسة محاكم التفتيش في فرنسا عام 1123 م ، وفي أسبانيا 1478 م وفي غيرهما والتي أقيمت للمخالفين لآراء الكنيسة ولكنها ركزت أكثر على تعذيب المسلمين وبخاصة في الأندلس ، فقد أبيد المسلمون إبادة تامة في أمس وأشنع ما يتخيله الإنسان من الهمجية والوحشية وكانت تأتي أوامر الإبادة من المحكمة المقدسة الأم في روما[8] .

7 ـ تفرد الكنيسة بفهم الكتاب المقدس وتفسيره :

وبه ألغت الكنيسة عقول تابعيها ، وعطلت تفكيرهم ، واحتجزت لنفسها حق الفهم والتفسير للكتاب المقدس دون سائر الناس ، والويل لمن يعقب على قولها برأي أو نصيحة ، فما على الناس إلا القبول والتسليم دون مناقشة أو تفكير استساغوا ما تلقوه أم لا ، وافق الفطر السليمة أم لا ، وما لا يمكن استساغته فعلى الجميع اتهام عقولهم وترويضها لقبول ما طرح عليها ، فالشك في العقل لا في قول البابا إذ هو معصوم أبدا ً " انظر إلى الهامش لزاماً " [9].

8 ـ حاربت الكنيسة كل من خالف آرائها المحرفة من أصحاب العلم التجريبي ، ففي عام 1543م صدر كتاب حركات الأجرام السماوية لمؤلفه كوبرنيق الذي يخالف رأي الكنيسة الذي يعتنق رأي بطليموس القائلة بأن الأرض مركز الكون وبقية الأجرام تدور حولها ، فحرمت الكنيسة قراءة كتاب كوبرنيق ولاحقته لإعدامه إلا أنه مات قبل ن تظفر به .

وفي عام 1594 م قام قراد فو برونو بإحياء نظرية كوبرنيق فقبضت عليه محكمة التفتيش وسجنته ست سنوات ، فلما أصر على رأيه أحرقته وذرت رماده في الهواء.

وفي عام 1643 م توصل جاليلو إلى صناعة المرقب ( التلسكوب ) فأيد علميا ً ما قدمه من قبله ، فقبضت عليه الكنيسة فسجنته وأرغمته على الرجوع عن رأيه ، فلما خاف من الإحراق والقتل أرتد عن فكرته وركع أمام رئيسي المحكمة قائلا ً : أنا جاليلو وقد بلغت السبعين من عمري سجين راكع أمام فخامتك والكتاب المقدس أمامي ألمسه بيدي ، أرفض وألعن وأحتقر قولي الإلحادي الخاطيء
[10] .



ثانيا ً : التسلط السياسي :

لقد أسهمت الكنيسة في تحريف العقيدة وتعطيل الشريعة ، ثم فرضت نفسها وصية على الملوك والأمراء وأرغمتهم على الخضوع والذلة لها ، فمعيار صلاحهم منوط بما يقدمونه لها من مراسم الطاعة والخدمة ، وكان أباطرة أوروبا يضيقون ذرعا ً بتسلط الكنيسة في جميع شؤونهم ، حتى كانوا هم الذين يقودون تتويج الملوك والأباطرة ، كما أن من صلاحياتهم خلعهم وعزلهم ، ومن خالف منهم فللكنيسة أن تخلعه بالقوة وتحْرم أتْباعه من المغفرة إلى غير ذلك مما جعل الوضع في أوربا يعاني من تمزق رهيب بين الكنيسة والأباطرة . [11]


ثالثا ً : التسلط المادي :

ويتمثل تسلط الكنيسة المادي فيما يأتي :

1 ـ الأملاك الإقطاعية ، فقد أصبحت الكنيسة أكبر ملاك الأراضي في أوربا ، فقد كان أحد الأديرة يمتلك 15 ألف قصر صغير ، ودير آخر يملك 200 ألف من رقيق الأرض، وكان القسيس فيثور يملك عشرين ألف رقيق .

2 ـ الأوقاف ، فقد كانت الكنيسة تملك ثلث أراضي بريطانيا ، وتأخذ الضرائب الباهضة بدعوى صرفها على الكنائس وتجهيز الحروب الصليبية .

3 ـ العشور ، فقد فرضت الكنيسة على أتباعها عشر ما تغله الأراضي الزراعية والحرف المختلفة .

4 ـ ضريبة السنة الأولى ، وهي مجموعة الدخل السنوي الأول لأي وظيفة تدفع للكنيسة بصفة إجبارية .

5 ـ العمل المجاني لصالح الكنيسة ، فقد أرغمت الكنيسة أتباعها على العمل المجاني لاسيما بناء الكنائس والأديرة وغيرها من المشروعات الكنيسية فيما لا يقل عن يوم في الأسبوع
[12].



بعد هذا الطغيان والظلم من الكنيسة بدأت بوادر الانفجار في أوساط المجتمع الأوربي وعلت صيحات المطالبة بالإصلاح الكنيسي ، فقد قامت عدة حركات لمحاولة الإصلاح منها ما حورب وقضي عليه، ومنها ما فشل ولم يستمر ، حتى جاءت حركة الإصلاح البروتستانتية بقيادة زعيمها مارتن لوثر ، لكن قبل الكلام عن الحركة البروتستانتية نتكلم عن المحاولات والحركات التي سبقتها والتي تعد ممهدة لها ومن أسباب نجاحها .

فقد قامت في منتصف القرن العاشر حركة مطالبة بالإصلاح من منطقة " اللورين " التي أسفرت عن بناء كنيسة قرب " نامور " سنة 914 م قام بإنشائها " جيراد " وسارت هذه الحركة ببطء حتى قاومها رجال الكنيسة وتمكنوا منها .

وكانت الرغبة ملحة في إصلاح الكنيسة ، فظهرت هيئة الفرير ( الرهبان أو الإخوان ) في حركة الإخوان الفرنسسكان والدومينكان في القرن الثالث عشر ، وكانت تهدف كما يعبرون عنها إلى حياة البساطة وحماية الكنيسة من الهرطقة وتدعم البابوية عن طريق الأتباع المخلصين ... غير أن هذه الحركة أصبحت من أهل الثروة ، فجر ذلك عليهم ما تجره الثروة على أصحابها .. حتى أصبح الإخوان الفرير موضع الاتهام[13] .

وبعد ذلك ظهرت جماعة الكارثاريين " ومعناها الأطهار " وكانوا يعرفون بـ" الألبيجينين " اسم المنطقة الفرنسية التي كانوا يعيشون فيها ، وكذلك وجدوا في كولون بألمانيا وشمال إيطاليا وأسبانيا .
[14]
وكانت دعوتهم إلى العودة إلى العقائد والأساليب النصرانية الأولى ، وكانت من ناحية أخرى تحمل آراء غامضة شرقية مثل المانوية .
وكان من بينهم رجال دين يرتدون ثيابا ً سوداء ويقسمون طبقاتهم بترقيات في المناصب حتى يهبوا أنفسهم لله والأنجيل .. ولا يقربوا امرأة قط ولا يقتلوا حيوانا ً ولا يأكلوا اللحم أو البيض أو منتجات الألبان ، وألا يطعموا إلا السمك والخضروات، وكان أتباعهم يتعهدون بأن يقسموا فيما بعد على الإيمان بهذا . [15]

ويقال عنهم إنهم ينكرون الملكية الخاصة ويطالبون أن تقسم الأملاك بين الناس بالتساوي .

وكان موقفها من الكنيسة موقفا ً متشددا ً حيث وجهت إليها نقدا ً موجعا ً ، وأنكرت أن الكنيسة كنيسة المسيح ، وقالت إن بطرس تلميذ المسيح لم يأت قط إلى روما ولم يؤسس البابوية ، وأن البابوات خلفاء الأباطرة ، وأن المسيح ليس ابنا ً لله تعالى . [16]

وقد قاومت الكنيسة هذه الجماعة مقاومة شديدة ورأت في وجودها خطرا ً على كيانها ، ولذلك لما جلس البابا إنوسنت الثالث على كرسي البابوية عام 1198م رأى في وجود هذه الجماعة وانتشارها خطرا ً محدقا ً بالكنيسة ، فأصدر الأمر بقمعهم وبشن حملات ضارية عليهم . [17]

ثم بعد ذلك جاءت حركة الولدانيين ، وهي من الحركات التي جاهرت بنقد الكنيسة ، وعارضت آرائها ، وأظهرت السخط على رجال الدين ، ونددت بفسادهم ومساوئهم .

ومؤسس هذه الجماعة هو بطرس والدو المتوفى سنة 1217 م وكان تاجرا من ليون في فرنسا .

ولم يقل والدو ورفاقه عن الآخرين بمضايقة الكنيسة ،وقد كان ينعى على رجال الدين ثرائهم وترفهم .

وقد اصطبغت هذه الحركة تدريجيا صبغة معادية لرجال الدين ، ونبذتهم جميعا ً ، وأنكرت العشاء الرباني، وعارضت صكوك الغفران ، وبعض العقائد النصرانية .[18]

وقد نال بطرس والدو ما نال من سبقه من الاضطهاد والتعذيب ، فقاومت الكنيسة هذه الحركة وأحرقت الآلاف من أتباع والدو .[19]



ثم ظهر حنا وكلف الذي عكف على وضع حلول لوضع الكنيسة ، ووصل إلى أن الرب وحده له ملك السموات والأرض ، وأن جميع الصالحين لهم حق ملكية الأرض وأن هذه الملكية حق مشاع عام بينهم، لأن الملكية الفردية جاءت نتيجة لخطيئة آدم ، على ذلك لا يصح أن تتردى الكنيسة في هذه الخطيئة ـ كما يرى ـ فما كانت عاقبته إلا أن طرد هو أتباعه من " اكسفورد " واعتزل بقية حياته في قريته حتى مات عام 1383 م .

ثم جاء حناهس الذي هاجم صكوك الغفران عندما أراد البابا حنا الثالث والعشرين شن حرب على ملك " نابلي " وراح يبيع صكوك الغفران لتسهم في مساعدته على تكوين حملة عسكرية .
وقف حناهس يهاجم هذه البدعة ـ أو الهرطقة كما تسميها الكنيسة ـ ونادى بأنها ليست من الدين في شيء ، وادعى حناهس أن أوامر البابا في هذا الصدد تعتبر ملغاة لأنها تتعارض مع تعاليم المسيح .

وقد كانت نهايته أن ألقي القبض عليه عام 1414 م وحكم عليه مجمع كونستانس بالإعدام حرقا ً .
[20]
ثم جاء آرزم فوجه دعوته كما يقولون إلى العقلاء والمفكرين ، فدعاهم إلى قراءة الكتب المقدسة وفهمها والتوصل إلى العقيدة من مصادرها الأولى ، وكان آرزم صديقا ً للبابا " ليو العاشر " وكان محل إعجاب البابا فالتزم آرزم التؤدة وحافظ في دعوته على قداسة البابوية.. حتى ظهر لوثر فرفض البابا ليو العاشر جميع أفكار آرزم .

وظهر بعد آرزم تومس مور وهو إنجليزي نصراني ثائر على طقوس الكنيسة لكن في هدوء فهو يعلن أن سيادة البابا واجبة مع وجوب إصلاح الكنيسة . [21]

ثم جاء بعد ذلك جون كوليت الإنجليزي ، وديسيد يروس إيرازموس الألماني ، وكان لهما إسهامات في الدعوة إلى إصلاح الكنيسة ، إلى أن جاءت الحركة البروتستانتية [22] .

--------------------------------------------------------------------------------

[1] ـ معالم تاريخ أوربا في العصور الوسطى ، ص 290

وانظر كذلك : ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص 182 .

[2] ـ المسيحية ، ص 267 ,

[3] ـ المسيحية ، ص 268 .

[4] ـ محاضرات في النصرانية ، ص 168 .

[5] ـ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ، ص 247 .

[6] ـ محاضرات في النصرانية ، ص 155 .

[7] ـ حقيقة العلاقة بين اليهود والنصارى ، د. أحمد زايد ، ص 158 .

[8] ـ المسيحية ، ص 271 .

[9] ـ حقيقة العلاقة بين اليهود والنصارى ص 159 ، بتصرف ، وقد غيرت في بعض كلامه لأن فيه نزعة عقلية قوية، وهذا الكلام ذكر مثله أبو زهره في محاضرات في النصرانية وأحمد شلبي في المسيحية وغيرهم ، وهو غير صحيح، بل لا زمه باطل ، وكلامهم هذا معناه أن العقل هو الميزان على العقائد ، ولو أتي نصراني لهم فقد يخصمهم بسلاحهم هذا الذي ضربوا به النصرانية ، فإن العقيدة الإسلامية مبناها على الإيمان ، والإيمان يكون في الغيب وكثير من أمور العقيدة لا تطيقها العقول مثل الأمور الغيبية من أمور الآخرة ، وعذاب القبر ، ووجود الجن .. وغيرها ، فالأولى أن يقال : أجبرت الكنسية الناس على الإيمان بما يخالف الفطر ويصادم صريح العقل من الأمور التي ابتدعتها الكنيسة ، لا أن يقال ألزمت الكنيسة أتباعها بأن يقول الفرد منهم : كل ما خالف عقلك فآمن به ويعدون هذا من الفاضحات ، فعقول الناس مختلفة ، فهذا يرى ما لا يراه الآخر ، وهذا يحسن أمرا ً والآخر يصفه بالقبح . والله أعلم .

[10] ـ معالم تاريخ أوربا في العصور الوسطى ، ص 291 ـ 295

وانظر : ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ، ص 190.

ومحاضرات في النصرانية ، ص 153 .

[11] ـ انظر المسيحية ، ص 111-113 . وأيضا ً : محاضرات في النصرانية ص 117 .

[12] ـ معالم تاريخ أوروبا في العصور الوسطى ، ص 193 .والمسحية ، ص 267 وما بعدها .

وانظر بتوسع تاريخ أوروبا في العصور الوسطى ، د . سعيد عاشور ، ص 30 – 52

[13] ـ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ، ص256

[14] ـ تاريخ الكنيسة ، جون لويمر ( 4/ 42 )

[15] ـ قصة الحضارة ، ول ديورانت ، (5/78)

[16] ـ قصة الحضارة ( 5/ 80)

[17] ـ أثر الكنيسة على الفكر الأوربي ص 22 .

[18] ـ قصة الحضارة ( 6/ 76)

[19] ـ قصة الحضارة ( 6/ 77) .

[20] ـ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ، ص 257 .

[21] ـ المرجع السابق ، نفس الصفحة .

[22] ـ أثر الكنيسة على الفكر الأوربي ص 59 .
محمد الغانم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-Sep-2007, 09:44 PM   #12
عضو مؤسس
افتراضي

جزاك الله وبارك فيك

التوقيع
[IMG]http://www.alsaqr.com/tawqee3/sob7ank.gif[/IMG]
سعد الماجد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-Oct-2007, 01:15 AM   #13
عضو مشارك
 
تاريخ التسجيل: Oct 2006
رقم العضوية: 26
المشاركات: 14
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 26
عدد المشاركات : 14
بمعدل : 0.00 يوميا
عدد المواضيع : 3
عدد الردود : 11
الجنس : ذكر

افتراضي

أشكر الباحث على كتابته وأرجو أن ينتبه إلى أن التعريف الاصطلاحي- للتجديد في الغرب- غير دقيق
فليس كل تجديد هو ضد الكنيسة لأن العصرانية عندهم بدأت من رجال الدين بهدف تحسين صورة الدين ونشره سواء اليهودية أو النصرانية وأرجو مراجعة بحث الدكتور الزنيدي عن العصرانية فهو مهم
كذلك .
للتفريق بين مفهومنا للتجديد والمفهوم الغربي (يراجع كتاب بسطامي سعيد )مفهوم تجديد الدين
لوجود فروق مهمة.
والله الموفق.

التوقيع
اللهم إني أعوذ بك أن أضل أوأُضل أوأزل أُزل أوأجهل أويجهل علي أو أن اقترف أثماً أو أجره على مسلم.

التعديل الأخير تم بواسطة محمد الغانم ; 21-Nov-2007 الساعة 08:35 PM.
مفلح الشمري غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 21-Nov-2007, 08:36 PM   #14
عضو متميز
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مفلح الشمري مشاهدة المشاركة
أشكر الباحث على كتابته وأرجو أن ينتبه إلى أن التعريف الاصطلاحي- للتجديد في الغرب- غير دقيق
فليس كل تجديد هو ضد الكنيسة لأن العصرانية عندهم بدأت من رجال الدين بهدف تحسين صورة الدين ونشره سواء اليهودية أو النصرانية وأرجو مراجعة بحث الدكتور الزنيدي عن العصرانية فهو مهم
كذلك .
للتفريق بين مفهومنا للتجديد والمفهوم الغربي (يراجع كتاب بسطامي سعيد )مفهوم تجديد الدين
لوجود فروق مهمة.
والله الموفق.
بارك الله فيك ، وأشكرك على هذه الإضافة ، لكن يا أخي العزيز لم تبين وجه الخلل في التعريف بالضبط أما أن ( ليس كل تجديد هو ضد الكنيسة ) فما المراد هنا بالتجديد هل هي الحركات التي قامت مثل حركة حناوكلف وحركة آرزم وحركة مارتن لوثر وغيرها من الحركات فهذه كلها مناوئة للكنيسة ، والمراد بحركات التجديد هي التي اشتهرت .. وبعد البحث لم أجد حركة تجديد مصالحة للكنيسة إلا في الظاهر أو تكون مهادنة للكنيسة في بعض الفترات ، نعم هناك حركات إصلاحية لا تعادي الكنيسة لكن ليس لها أثر حيث أننا نستطيع أن نعدها من جملة الحركات الإصلاحية . أما بحث بسطامي سعيد وبحث الزنيدي فلم أدر ما وجه الخلل عندي لأصلح هذا من بحثهما .
وأكرر شكري لك على الإضافة والتنبيه لكن هذه وجهة نظري فإن لم تر أنها وجيهة فاتحفنا بما عندك زادك الله علما ً .
محمد الغانم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 22-Nov-2007, 12:21 AM   #15
عضو متميز
افتراضي

حركة التجديد والإصلاح البروتستانتية :



وبعد هذه المحاولات والحركات التي حاولت أن تقوم بإصلاح للوضع ومجابهة لطغيان الكنيسة أخذت الأنظار المتربصة تحصي على رجال الدين ما يفعلون ، ووجد من بينهم من استنكروا حالهم ، وأخذوا يدعون زملاءهم إلى إصلاح حالهم...[1]

ثم زاد علو الأصوات للمطالبة بإصلاح الكنيسة ، وظهر في القرن الرابع عشر عدد من المفكرين النصارى ونادوا بالإصلاح .... وكل هذا مهد لقيام حركة تجديد كتب لها النجاح ، وهي التي تعرف بحركة الإصلاح البروتستانتية التي قادها مارتن لوثر .



مارتن لوثر وصف بأنه الفلاح السكسوني الذي تدين له حركة الإصلاح الألماني بقيامها وصفاتها .

ولد مارتن لوثر في العاشر من نوفمبر سنة 1483 م في آيزليبن ، وهي بلدة صغيرة في مقاطعة سكسونيا بألمانيا .

التحق بجامعة إيرفورت ودرس فيها القانون ، وحصل منها على درجته الجامعية سنة 1504م ، ثم حور مسار حياته ودخل الدير الأوغسطيني في إيرفورت ليصبح راهبا ً ، وقد طبق الرهبنة بكل دقة ، واحتفل بدخوله في سلك الكهنة ، ثم عين مدرسا ً للفلسفة في مدرسة ويتنبرج سنة 1508 م واستمر في دراسته اللاهوتية التي أهلته لتدريس الكتاب المقدس . [2]

في سنة 1510 م اختير ليكون عضوا في وفد مرسل إلى روما ، وصدم لما رآه هناك وهاله انهيار المعايير الأخلاقية لدى رجال الدين ومن بينهم البابوات ، وانغماسهم في حياة البذخ والتبذل والملذات .

وفي سنة 1512 م منح درجة الدكتوراه في اللاهوت ، وفرغ وقته للتدريس والوعظ ، وقد استطاع أن يجذب الانتباه خاصة وأنه استطاع أن يكون لنفسه بعض الآراء التي يخالف بها الكنيسة ...

ثم سنحت له الفرصة لإظهار هذه الآراء وإعلانها بشكل حاسم وذلك حينما جاء " حنا تتزل " إلى ألمانيا لبيع صكوك الغفران .

وكانت ممارسة بيع صكوك الغفران قد انتشرت في كل الكنائس الأوربية كوسيلة لجمع المال ، وكانت الحملة الخاصة لجمع صكوك الغفران بالقرب من ويتنبرج ، هي التي استفزت مارتن لوثر ليتخذ الخطوة الدرامية الأولى تجاه الإصلاح [3].

هذا وقد كان تتزل المكلف ببيع صكوك الغفران قد انزلق في عدة مآخذ إذ أمسك بالصكوك في يده ولوح بها في الهواء ، وقال مخاطبا ً الفلاحين السذج الذين التفوا حوله إنهم إذا ما أسهموا عن طواعية واشتروا صكوك الغفران ، فإن كل تلال مدينة أنابورج ـ وهي مدينة ألمانية ـ ستتحول إلى كتلة هائلة من فضة صافية وأنه ما أن يسمع رنين العملة في الصندوق حتى تكون روح من دفعت الأموال من أجله في طريقها إلى الجنة .

وبلغ الأمر مداه حين قال مخاطبا ً الجماهير : إن الرجل إذا ارتكب الخطيئة مع العذراء المباركة نفسها فإن هذه الصكوك كفيلة بأن تمنحه الغفران الكامل . [4]

أثارت هذه التصريحات مكامن السخط في نفس مارتن لوثر ، فتحرك لمهاجمة صكوك الغفران ، وانتهز فرصة اجتماع الأهلين على عادتهم في كنيسة ويتنبرج في 31 أكتوبر سنة 1517 م وعلق على باب الكنيسة احتجاجا ً ضافيا يتضمن خمسة وتسعين بندا ً ضد صكوك الغفران .

ودعا لوثر لمناقشة كل من يريد من العلماء ، وذاع أمر هذه الوثيقة وطبعت ووزعت في طول البلاد وعرضها ، وهكذا بدأ الإصلاح البروتستانتي . [5]

وفي هذا الاحتجاج من لوثر لم يحمل على العمليات البشعة التي كان يتم بها بيع صكوك الغفران للجماهير فحسب ، بل هاجم الغفران نفسه كعملية دينية تمارسها الكنيسة الكاثوليكية في صورة تتنافى ـ كما يرى لوثر ـ مع المسيحية .

وهاجم سلطة البابا في غفران الذنوب ، ودعا إلى العودة إلى الكتاب المقدس ـ عندهم ـ مؤكدا ً على أنه هو المصدر الوحيد الذي يجب الاعتماد عليه في تفسير جميع المسائل الدينية. [6]

وقد بذلت محاولات لإلقاء القبض على لوثر وترحيله إلى روما ، لكنها أخفقت بفضل مساندة " فريديك " ناخب سكسونيا الذي لم يقبل إطلاقا ً أن يحاكم أحد من رعاياه في روما .

ورأى البابا أن يسلك مع لوثر طريق الإقناع ، فأرسل إليه أحد الكرادلة لكنه لم يفلح معه .

ومضت سنة 1518 م في محاولات ومفاوضات ومناظرات للتوفيق بين لوثر وكنيسة روما ، لكنها لم تسفر عن نجاح ، وأطلق على هذه الحركة اسم ( مشادة الرهبان ) وفي السنة التالية ظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن الانفصال عن كنيسة روما أصبح أمرا ً لا مفر منه .

واستمرت المواجهة بين لوثر وخصومه ، حيث سبق الترتيب لإجراء حوار أو مناظرة مع

" حنا إيك " وهو زميل أكاديمي سابق للورثر ، وأحد كبار أنصار الكنيسة الكاثوليكية ، وجرت المناظرة في لييزج خلال شهر يوليو سنة 1519 م .

وفي هذه المناظرة هاجم لوثر سلطة البابا ووصل إلى مرحلة الشك في أن عصمة البابا يمكن تبريرها تاريخيا ً ، فبين أن القرون الأحد عشر الأولى من تاريخ الكنيسة ، ومجمع نيقية ، والأسفار المقدسة كانت تعارض مبدأ الكنيسة وتنكره .

قد أنكر لوثر عصمة البابا ، كما أنكر عصمة المجامع الكنسية . [7]

بعد هذا بدأ لوثر في عدة خطوات عملية لتنفيذ الإصلاح ، فوجه في سنة 1519 م الدعوة إلى حكام الولايات الألمانية من الأمراء ومن إليهم كي يتزعموا هذه الحركة الإصلاحية .

ووضع في سنة 1520 م ثلاث رسائل تسمى الرسائل الثلاث العظمى في حركة الإصلاح الديني ) .

كانت الرسالة الأولى عبارة عن نداء وجهه باللغة الألمانية إلى قادة الفكر من غير رجال الدين في ألمانيا ، حثهم فيه على الشروع في إصلاح الكنيسة بأنفسهم دون الاعتماد على رجال الكنيسة .

وكانت الرسالة الثانية وضعها باللغة اللاتينية ووجهها إلى البابا ليو العاشر على أنها نداء للسلام .

والرسالة الثالثة فباللغة اللاتينية كذلك ووجهها إلى رجال الدين المسيحي أظهر فيها ضعف البابوية ، وتدهور أخلاق الدين . [8]

لم تجد الإدارة البابوية حلا ً لهذا سوى إصدار قرار الحرمان للوثر سنة 1520 م وعهد البابا شارل الخامس إمبراطور الدولة الرومانية وقتذاك تنفيذ قرار الحرمان تأسيسا ً على أن لوثر يقيم في إقليم سكسونيا الداخل في أراضي هذه الدولة ، ورأى الإمبراطور أن يعرض الموضوع على المجلس الإمبراطوري ، ودعى لوثر للمثول أمام المجلس ووجه إليه عدة أسئلة بشأن الكتب التي ألفها وهل يرغب في التراجع عما فيها ؟ فأجاب بأنه لا يستطيع الرجوع في أي موضوع تعرض له في كتاباته ، ولذلك أصدر الإمبراطور بيانا ً أعلن فيه سخطه على الحركة اللوثرية ، ثم أصدر المجلس قرارا ً في 26 مايو سنة 1521 م بطرد لوثر خارج القانون وإهدار دمه باعتباره يعرض أمن الدولة الداخلي والخارجي لأخطار فادحة ، كما تضمن قرار حظر تداول كتب لوثر ومنع قراءة جميع كتاباته . [9]

رغم هذا فقد ظلت الحركة اللوثرية ، وأخذت طريقها إلى الذيوع والانتشار ، وأطلق على أنصار هذه الحركة لفظة " بروتستانت " وهو الاسم الذي اشتهرت به حركة الإصلاح الديني .

أما عن سبب هذه التسمية ، فيقول الدكتور أحمد عجيبة :

انتشرت حركة لوثر في المقاطعات الألمانية ، وتفاقم الموقف في ألمانيا بالنسبة للكاثوليك ، ورأى الإمبراطور شارل الخامس أن يخطو خطوة لحل المشكلة الدينية التي باتت تهدد البلاد الألمانية بانقسام ديني مذهبي ، فوجه الدعوة لعقد المجلس الإمبراطوري الثاني في مدينة سبير في بافاريا في مارس 1529 . ولم تعجب قرارات هذا المجمع أنصار الحركة اللوثرية ، حيث قرر السماح بإقامة الطقوس الكاثوليكية في المقاطعات اللوثرية ، ولكنه لم يمنح هذه المقاطعات الحق المقابل : وهو أن يكون لها في البلاد الكاثوليكية الحق في إقامة القداس طبقا ً للمذهب اللوثري .
ولذلك قرر أنصار الحركة اللوثرية تحدي الإمبراطور ، فاحتجوا على قرار مجمع سبير الثاني وقالوا إننا نحتج ونعلن أننا لا نستطيع أن نذعن لهذا القرار ونعتبره لاغيا وغير ملزم لنا .

ووقع على هذا الاحتجاج خمسة أمراء ،وحكام أربعة عشر مدينة .

ومن الاحتجاج اشتق أنصار الحركة اللوثرية الاسم الذي اشتهروا به ، وهو : البروتستانت أي : المحتجون ، وهو الاسم الذي التصق بهم منذ مجمع سبير الثاني في سنة 1529 م حتى الوقت الحاضر . [10]

أما عن أهم مبادئ لوثر فهي كما يأتي :

1 ـ جعل الكتاب المقدس هو المصدر الوحيد للنصرانية ، ورد كل الأحكام التي لم ترد فيه ، كتلك التي تستند إلى رأي البابوات أو إلى العلم الخاص الذي قيل إنهم يتوارثونه الواحد عن الآخر .

2 ـ من حق كل نصراني أن يقرأ الكتاب المقدس وأن يفسره .

3 ـ ليس لكنائس البروتستانتيه رياسة عامة ، فلكل كنيسة رياستها ، وعمل الرياسة هو الإرشاد وتوجيه من لا يستطيع أن يستقل وحده بفهم الكتاب المقدس.

4 ـ ليس للكنيسة حق غفران السيئات .

5 ـ ترجمة الكتاب المقدس للغات المختلفة حتى يقرأه الناس على اختلاف لغاتهم ، وحتى تكون صلاتهم ودعاؤهم بلغة يعرفونها .

6 ـ إنكار العشاء الرباني ، وأنه لا علاقة له بجسم المسيح عليه السلام ، بل ليس إلا للذكرى .

7 ـ عدم الاعتراف بالرهبنة وإباحة الزواج لرجال الدين .

8 ـ عدم اتخاذ الصور والتماثيل في الكنائس ، وعدم السجود لها ، فذلك للوثنية أقرب . [11]



وكما يلاحظ لم يتطرق لوثر عن مسألة ألوهية المسيح ، ومسألة الصلب والفداء والخطيئة ، وغيرها مما هي أولى بالإنكار ، وأجدر بالإصلاح ، إذ لا يزال الفساد باقيا ً ما دامت عقيدة التثليث قائمة ، ولا يزال الإشكال موجودا ً ما دام أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد .

أين حركة الإصلاح هذه عن تحريف الأناجيل ؟ وأينها من هرطقة المجامع النصرانية مجمع نيقية وروما وغيرها ...

إن هذه الحركة ليست إلا إصلاح في الشكل الخارجي ، بل هي ردة فعل ، فلم تصلح الكنيسة ، ولم تصلح أحوال البابا والرهبانية ، بل فتحت كنيسة أخرى وتقوقعت مع نفسها وتركت الكاثوليكية
.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] ـ محاضرات في النصرانية ، ص 160 .

[2] ـ انظر إلى قصة الحضارة ( 3 / 9 ) ، وانظر أثر الكنيسة على الفكر الأوربي ص 59 ، ومحاضرات في النصرانية ص 162 ، وحقيقة العلاقة بين اليهود والنصارى ، ص 161 .

[3] ـ تاريخ الكنيسة ، جون لويمر ( 4/ 113 )

[4] ـ قصة الحضارة ( 3/ 6 ) .

[5] ـ تاريخ الكنيسة ( 4/ 119 ) .

[6] ـ تاريخ الكنيسة ( 4/ 119 ) .

[7] ـ تاريخ الكنيسة ( 4/ 121 )

[8] ـ تاريخ الكنيسة ( 4 / 123 ) .

[9] ـ أثر الكنيسة على الفكر الأوربي ، ص 62 .

[10] ـ أثر الكنيسة على الفكر الأوربي ، ص 62 .

[11] ـ المسيحية ، ص 275 ـ 276 ، وحقيقة العلاقة بين اليهود والنصارى ص 164 ، وأثر الكنيسة على الفكر الأوربي ص 63 . ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ص 258 ، ومحاضرات في النصرانية ص 168 ـ 170 .
محمد الغانم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-Jan-2008, 05:00 AM   #16
عضو مشارك
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
رقم العضوية: 3701
الدولة: الأردن
المشاركات: 9
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 3701
عدد المشاركات : 9
بمعدل : 0.00 يوميا
عدد المواضيع : 0
عدد الردود : 9
الجنس : ذكر

إرسال رسالة عبر MSN إلى الواعظ إرسال رسالة عبر Yahoo إلى الواعظ
افتراضي

جزاك الله خيرا

الواعظ غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 28-Jan-2008, 05:03 AM   #17
عضو مشارك
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
رقم العضوية: 3701
الدولة: الأردن
المشاركات: 9
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 3701
عدد المشاركات : 9
بمعدل : 0.00 يوميا
عدد المواضيع : 0
عدد الردود : 9
الجنس : ذكر

إرسال رسالة عبر MSN إلى الواعظ إرسال رسالة عبر Yahoo إلى الواعظ
افتراضي

هل هذا كل الموضوع أم ان هناك بقية

الواعظ غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


flagcounter


الساعة الآن 07:07 AM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir