أنت غير مسجل في ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
موضوع جديد
العودة   ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة > .:: قسم العقيدة ::. > الملتقى العلمي لدراسة العقيدة
المنتديات موضوع جديد التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-Sep-2018, 07:10 PM   #1
عضو متميز
افتراضي فرقة الخوارج


• التعريف بالخوارج.
• نشأة الخوارج.
• أبرز عقائد الخوارج، ونقدها في ضوء عقيدة أهل السنة.
-التعريف بالخوارج
الخوارج لغة:
الخوارج جمع خارجة، والتاء للتأنيث بمعنى طائفة أو فرقة خارجة. وليس مفرده خارجاً؛ لأن جمع خارج خارجون، ولم يسمع من العرب جمع خارج خوارج.
وهو مشتق من الخروج. والخروج من الشيء: ضد الدخول.
تعريف الخوارج اصطلاحا:
اختلف العلماء في التعريف الاصطلاحي للخوارج، وحاصل ذلك:
أ-تعريف الخوارج العام:
(هم الذين يخرجون على الإمام وعلى الجماعة المسلمة بالسيف للدعاء إلى معتقدهم المخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة).
إذ كل من خرج على إمام المسلمين وجماعتهم بالسيف، وكان الدافع لهذا الخروج عقيدة يعتقدها من تكفير المخالفين أو بدعة يدعو إليها يسمى خارجيا، ويعتبرون خوارج ويلحقهم الذم الوارد في النصوص.

ب-تعريف الخوارج الخاص:

(هم كل من كفر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعثمان وأصحاب الجمل ومن رضي بالتحكيم، وهم الذين يكفرون بالمعاصي، ويرون الخروج على إمام المسلمين وجماعتهم، ويتولون فرقة المحكمة الأولى).
فهؤلاء هم الخوارج الحرورية وهم المرادون في هذا والله أعلم، والخوارج فرق متعددة، عدها بعضهم وأوصلها إلى العشرين.
نشأة الخوارج
اختلف المؤرخون وعلماء الفرق في تحديد بدء نشأتهم، وخلاصة ذلك ما يلي:
-أنهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
-أنهم نشأوا في عهد عثمان رضي الله عنه.
-أنهم نشأوا في عهد علي رضي الله عنه حين خرج عليه طلحة والزبير، كما يزعم بعض علماء الإباضية.
-أو حين خرج الخوارج من المحكمة عن جيشه كما هو الراجح.
والحاصل أن الخوارج بالمعنى الصحيح اسم يطلق على تلك الطائفة ذات الاتجاه السياسي والآراء الخاصة، والتي خرجت عن جيش الإمام علي رضي الله عنه والتحموا معه في معركة النهروان الشهيرة.
وهذه هي أقوال المؤرخين تفصيلاً.
القول الأول:
أن أول الخوارج هو ذو الخويصرة أو عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي الذي بدأ الخروج بالاعتراض على النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة الفيء واتهامه إياه بعدم العدل وقد ورد في حديث البخاري تحت باب: (من ترك قتال الخوارج للتألف وأن لا ينفر الناس عنه).
عن أبي سعيد قال: "بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله. فقال: ويلك من يعدل إذا لم أعدل. قال عمر بن الخطاب دعني أضرب عنقه . قال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته ، وصيامه مع صيامه ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في رصافه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم ، آيتهم رجل إحدى يديه - أو قال ثدييه - مثل ثدي المرأة - أو قال مثل البضعة - تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه ، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي صلى الله عليه وسلم . قال فنزلت فيه (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ)"، فهو على ما يبدو من تبويبه لهذا الحديث يعتبر ذا الخويصرة أول الخوارج وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك قتله للتألف.
وقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله هذا الحديث مع اختلاف في الألفاظ وقد اقتصر في تسمية ذلك الخارجي الأول على (ذي الخويصرة) بينما هو في البخاري عبد الله بن ذي الخويصرة وربما رجع ذلك إلى اشتهار عبد الله باسم أبيه ذي الخويصرة فاقتصر مسلم على الشهرة بينما ذكر البخاري اسمه كاملاً.
وسواء كان الخارج على النبي هو عبد الله أو أباه؛ فإن الحادثة قد وقعت بهذه الصورة وقد أورد مسلم عدة روايات حول هذه القضية ولكنه لم يصرح بالاسم إلا في رواية أبي سعيد، وفي بعض الروايات التي ذكرها الإمام مسلم عن أبي سعيد ذكر أوصاف ذلك الرجل دون ذكر اسمه كما في قوله: "بعث علي رضي الله عنه وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقسمها الرسول صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر؛ الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان قال: فغضبت قريش فقالوا: أيعطي صناديد نجد ويدعنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم. فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد. قال: فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن يطع الله إن عصيته، أيأمنني على أهل الأرض ولا تؤمنوني؟ قال: ثم أدبر الرجل فاستأذن رجل من القوم في قتله (يرون أنه خالد بن الوليد)، فقال رسول الله: إن من ضئضئ هذا قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد".
وقد أخبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ببعض أوصافهم التي أخبره بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووقع مصداق ذلك حين قتلهم علي بن أبي طالب في معركة النهروان، كما جاء في كلام عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب قالوا: لا حكم إلا لله قال علي: كلمة حق أريد بها باطل؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم (وأشار إلى حلقه)، من أبغض خلق الله إليه منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي، فلما قتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئا فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا. ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه. قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم: زاد يونس في روايته: قال بكير: وحدثني رجل عن أبي حنين أنه قال: رأيت ذلك الأسود".
وقد ذهب إلى القول بأن أول الخوارج هو ذو الخويصرة كثير من العلماء منهم:
ومنهم:
1- ابن الجوزي وذلك في قوله:" إن أول الخوارج وأقبحهم حالة ذو الخويصرة ".
وقوله: "فهذا أول خارجي خرج في الإسلام وآفته أنه رضي برأي نفسه ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتباع هذا الرجل هم الذين قاتلوا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه".
2- ابن حزم، وهو رأي الشهرستاني أيضاً حيث يقول: وهم الذين أولهم ذو الخويصرة وآخرهم ذو الثدية.
واعتبر اعتراض ذي الخويصرة خروجا صريحا؛ إذ إن الاعتراض على الإمام الحق يسمى خروجاً فكيف بالاعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ويقول بعد أن ذكر حديث ذي الخويصرة: "وذلك خروج صريح على النبي صلى الله عليه وسلم، ولو صار من اعترض على الإمام الحق خارجيا فمن اعترض على الرسول أحق بأن يكون خارجياً".
القول الثاني:
وهو للقاضي علي بن علي بن أبي العز الحنفي شارح (الطحاوية)، الذي يرى أن نشأة الخوارج بدأت بالخروج على عثمان رضي الله عنه في تلك الفتنة التي انتهت بقتله وتسمى الفتنة الأولى – يقول: فالخوارج والشيعة حدثوا في (الفتنة الأولى).
ويسمي ابن كثير الذين ثاروا على عثمان وقتلوه خوارج فيقول: "وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال وكان فيه شيء كثير جدا".
القول الثالث:
وهو للورجلاني الإباضي(ت570ه) حيث يعتبر أن نشأة الخوارج بدأت منذ أن فارق طلحة والزبير علياً رضي الله عنه وخرجا عليه بعد مبايعتهما له، ثم يقول: وشرعا دين الخوارج دينا؛ فلهما أجور الخوارج وأوزارهما.
القول الرابع:
أن نشأتهم بدأت بانفصالهم عن جيش الإمام علي رضي الله عنه وخروجهم عليه، وهذا الرأي هو الذي عليه الكثرة الغالبة من العلماء إذ يعرفون الخوارج بأنهم هم الذين خرجوا على علي بعد التحكيم، ومن هؤلاء:
أبو الحسن الأشعري فقد أرخ للخوارج، -وهو أقدم من أرخ لهم- فقال: " هم الخارجون على الإمام علي".
وقد تابعه في صنيعه البغدادي؛ حيث بدأ التاريخ للخوارج بذكر الخارجين على علي رضي الله عنه. وكذلك ويرى أبو الحسين الملطي أن الفرقة الأولى للخوارج هي (المحكّمة).
هذه هي الأقوال في بدء نشأة الخوارج، وعلينا في اختيار ما نراه صحيحا منها أن نفرق بين بدء نزعة الخروج على صورة ما، وظهور الخوارج كفرقة لها آراؤها الخاصة، ولها تجمعها الذي تحافظ عليه وتعمل به على نصرة هذه الآراء.
والواقع أن نزعة الخروج – أو بتعبير أدق بدء نزعة الخروج – قد بدأت بذرتها الأولى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتراض ذي الخويصرة عليه.
هذه الحادثة التي ارتكبها ذو الخويصرة حادثة فردية في وقتها؛ حيث لم يشتهر بالخروج ولم تعرف له آراء خاصة يتميز بها ولم يكون له حزبا سياسيا معارضا وإن لم يمنع هذا من اعتباره الفيء لمجرد نزعة الخروج في صورة ساذجة، إذا صح أن يكون الاعتراض على تقسيم الفيء خروجا.
وأما القول بأن نشأتهم تبدأ بثورة الثائرين على عثمان رضي الله عنه، فلا شك أن ما حدث كان خروجا عن طاعة الإمام إلا أنه لم يكن يتميز بأنه خروج فرقة ذات طابع عقائدي خاص لها آراء وأحكام في الدين، غاية ما هنالك أن قوما غضبوا على عثمان واستحوذ عليهم الشيطان حتى أدى بهم إلى ارتكاب جريمة قتله ثم دخلوا بين صفوف المسلمين كأفراد منهم.
وفيما يتعلق بالقول بأن طلحة والزبير رضي الله عنهما كانا أول الخارجين على علي – كما يقول الورجلاني – فمن الصعب عليه إثبات ذلك. فقد كان معهما أم المؤمنين عائشة ومن معهم من المسلمين، و على كل فقد انتهت موقعة الجمل واندمج من بقي منهم في صفوف المسلمين دون أن تجمعهم رابطة فكرية معينة كتلك التي حدثت بين الخوارج على علي في جيشه فيما بعد، وكان خروجهم باسم المطالبة بدم عثمان رضي الله عنه فإذا كان قد بدئ الخروج على علي بخروج أصحاب موقعة الجمل فإنه لا ينطبق عليهم مصطلح الخوارج كطائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الدينية الخاصة، وطلحة والزبير من العشرة الذين بشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، فكيف يجوز أن يعتبرا من الخوارج ويطبق عليهما أحاديث المروق الواردة في الخوارج؟!
وهكذا يتضح الفرق بين مجرد وجود نزعة الاعتراض أو الثورة خروجا عن طاعة الإمام، وبين الخروج في شكل طائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الخاصة؛ كخروج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه منذ وقعة صفين، وهم الذين ينطبق عليهم مصطلح الخوارج بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وهذا هو القول الأخير الذي نختاره ونسير عليه في هذه الرسالة مؤرخين لهذه الطائفة دارسين لآرائهم.

أبرز عقائد الخوارج ونقدها في ضوء عقيدة أهل السنة

1-تعطيل صفات الله تعالى
الخوارج الأوائل هم مثل أهل السنة مثبتة لصفات الله تعالى، إلا أن من تأخر من الخوارج وفرقهم قد تأثروا بالجهمية والمعتزلة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أهل المقالات ذكروا أن قول الخوارج في الصفات هو قول الجهمية والمعتزلة".
-والجهمية والمعتزلة معطلة للصفات، وقولهم مخالفهم للأدلة من الكتاب والسنة:
فقد وصف الله نفسه بعدة صفات فقال تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) [الرحمن: 27]، وقال تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء) [المائدة: 64]، وقال تعالى إخباراً عن عيسى أنه قال: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) [المائدة: 116]، وقال تعالى: (وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) [الفجر: 22]، وقوله: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ) [البقرة: 210]، وقوله: (رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ) [المائدة: 19]، ، وقوله: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة: 54]. وقوله في الكفار: (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) [الفتح: 6]، وقوله: (اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ) [محمد: 28]، وقوله: (كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ) [التوبة: 46]، وقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طـه: 5]، وكذا قوله: (أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء) [الملك: 16]،
ووصفه رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا"، وبقوله: "يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة"، وقوله: "يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة"، وقوله للجارية: "أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة".
وفي إثبات ما تقدم يقول ابن قدامة رحمه الله: "فهذا وأمثاله مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به ولا نرده، ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله سبحانه لا شبيه له ولا نظير، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [الشورى: 11]، وكل ما يتخيل في الذهن إن خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه". ويقول ابن تيمية: "ومن تمام التوحيد أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، ويصان ذلك عن التحريف والتعطيل والتكييف والتمثيل".
2-القول بخلق القرآن
لقد ذكر علماء الفرق أن الخوارج قد قالوا بخلق القرآن واعتقدوه حقاً لا يماري فيه بزعمهم، ولهم شبه واهية وتأويلات بعيدة.
وفي ذلك يروي الأشعري أن الخوارج كلهم يقولون بأن القرآن مخلوق بإجماع منهم على هذا الحكم فيقول: " والخوارج جميعاً يقولون بخلق القرآن".
-وأهل السنة يمتنعون عن وصف القرآن بما لم يوصف به على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ألسنة الصحابة من أنه مخلوق أو غير مخلوق.
فالقرآن الكريم هو كلام الله تعالى... وأن إضافته إليه، إضافة حقيقية، من باب إضافة الكلام إلى قائله، فالله تعالى تكلم به، وهو الذي أنزله على رسوله، ليكون للعالمين نذيرا وهذه الحقيقة قد صرح بها القرآن الكريم، في مثل قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) [النمل: 6]، وقوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا) [يوسف: 2] وصرح بها صاحب الرسالة، ومبلغ القرآن الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في مثل قوله: "ما من الأنبياء نبي، إلا أعطي من الآيات، ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا، أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة". وهذا القدر من الأدلة الشرعية كاف في حق من آمن بالله تعالى ربا، وبمحمد بن عبد الله رسولا، وبالإسلام دينا، أن يعرف مصدر القرآن الكريم، وأنه من الله تعالى، إذ الإيمان الصحيح يقتضي أن يصدق المؤمن الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يخبر به، وقد أخبر أن هذا الكتاب من عند الله تعالى.
يقول ابن تيمية مبيناً رأي السلف في هذه المسألة: "وكما لم يقل أحد من السلف إنه مخلوق فلم يقل أحد منهم إنه قديم، لم يقل واحداً من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا من بعدهم من الأئمة ولا غيرهم، بل الآثار متواترة عنهم بأنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله".
ويقول ابن قدامة: "ومن كلام الله تعالى القرآن العظيم وهو كتاب الله المبين وحبله المتين، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود".
وقد كفر كثير من علماء السلف من قال بخلق القرآن أورد منهم الأشعري عدداً كبيراً ثم قال: "ومن قال إن القرآن مخلوق وإن من قال بخلقه كافر، من العلماء وحملة الآثار ونقلة الأخبار لا يحصون كثرة ".
ومثله ما أورده الدرامي والإمام أحمد بن حنبل من أقوال لعلماء السلف يكفرون فيها من قال بخلق القرآن، وهي أقوال كثيرة لا حاجة بنا إلى سردها هنا لأن مضمونها كما قلنا واحد، وهو إثبات القول بعدم خلق القرآن وتكفير من قال بخلقه.
وعلى كل حال فإن الخوارج لم يقتصروا على القول بخلق القرآن، بل كانت منه طائفتان أقدمتا القول في حسبان مسلم يؤمن بالله رباً وبمحمد نبياً، فضلاً عن اعتقاده، هاتان الطائفتان هما:
العجاردة والميمونية فقد أنكرتا سورة يوسف، وادعتا بأنها ليست من القرآن، وحجتهم في هذا أن القرآن جاء بالجد، وسورة يوسف اشتملت على قصص الحب والعشق.
وقد جزم كثير من العلماء بصحة ما نسب إلى الميمونية والعجاردة في هذا الاعتقاد، وإن كان الأشعري قد حكى عنهم هذا القول وهو غير جازم بصحته حيث قال: "وحكى لنا عنهم مالم نتحققه أنهم يزعمون – يعني العجاردة – أن سورة يوسف ليست من القرآن".
وتبعه الشهرستاني فذكر هذا القول على أنه قد حكي عنهم.
3-إنكار رؤية الله تعالى يوم القيامة:
فإن الخوارج يذهبون إلى استحالتها تنزيهاً لله بزعمهم-يقول النووي: "زعمت طائفة من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه وأن رؤيته مستحيلة عقلاً".
ويقول ابن أبي العز: "المخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة، ومن تبعهم من الخوارج والإمامية".
-ولقد ثبت بإجماع السلف والأئمة أن الله تعالى يرى في الآخرة، يراه أهل محبته ورضوانه، وهو خير ما وعد الله به عباده المؤمنين، بل هو كمال النعيم في الدار الآخرة، لا يشك في صحة وقوعه إلا أهل البدع والضلالات.
ومن تلك الأدلة التي وردت في القرآن الكريم قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: 22-23]، وقوله تعالى: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [يونس: 26]، فقد فسرت الزيادة بأنها النظر إلى الله تعالى كما ذهب إليه علماء السلف.
وقوله تعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ) [15-17]، يقول الدرامي: "ففي هذا دليل أن الكفار كلهم محجوبون عن النظر إلى الرحمن عز وعلا، وأن أهل الجنة غير محجوبين عنه".
ومثله قوله تعالى: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) [ق: 35]، فسرها أنس بن مالك: بأن الله يتجلى لهم كل جمعة.
ومن السنة ما جاء عن جرير قال: "كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا".
وكذا ما جاء عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا".
فلا اعتبار لكلام هؤلاء المبطلين في نفي الرؤية مع قول الله عز وجل وقول الرسول الكريم وقول السلف الصالح الذين لهم القدم الراسخة في العلم.
4-حقيقة مسمى الإيمان
في بيان حقيقة الإيمان عند الخوارج نجد أن لهم في ذلك اتجاهين
أما الاتجاه الأول:
فقول فرقة البيهسية ووافقته عليه فرقة الشبيبية إحدى فروع البيهسية وهو أن الإيمان عبارة عن المعرفة والإقرار، المعرفة بالله ورسله وما جاء به محمد جملة، والولاية لأولياء الله سبحانه والبراءة من أعداء الله والإقرار بكل ذلك.
أما الاتجاه الثاني:
فهو اتجاه عامة الخوارج وهو أن حقيقة الإيمان هو المعرفة بالقلب والإقرار باللسان والعمل بكل ما جاء به الشرع.
والخوارج ترى أن الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر الله به ورسوله، وأنه لا يتبعض. فمتى ذهب بعض ذلك فيلزم تكفير أهل الذنوب.
-والخوارج غير البيهسية والشبيبية يتفقون في الرأي مع مذهب السلف في حقيقة الإيمان من أنه تصديق وقول وعمل.
وهكذا يتضح لنا مذهب الخوارج بصفة عامة في حقيقة الإيمان، ومشابهتهم للسلف في قولهم بدخول الأقوال والأعمال في تلك الحقيقة، وإن اختلفوا عنهم في جعل الأعمال جزءا حقيقياً من الإيمان يضيع الإيمان، بضياعه، وفيما رتبوه على ذلك من أحكام تتصل بمرتكب الكبيرة.
الإيمان اعتقاد وقول وعمل الإيمان أصله في القلب: قال عز وجل:( وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) [الحجرات: 8]، وقال تعالى :(وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُم)ْ [الحشر: 7]، وقال أيضاً: (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ) [المجادلة: 22].
وقال أيضاً :( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) [النحل: 106].
وقال صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان إلى قلبه" .
إلى غير ذلك من الأدلة الصريحة في أن إيمان القلب شرط في الإيمان، ولا يصح الإيمان بدونه، وأنه إذا وجد سرى ذلك إلى الجوارح ولابد.
فلا بد في الإيمان من قول القلب وعمله، ثم قول البدن وعمله، ولا بد فيه من عمل القلب، مثل حب الله ورسوله، وإخلاص العمل لله وحده، وتوكل القلب على الله وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله ورسوله وجعلها جزءاً من الإيمان.
قول اللسان (الإقرار باللسان) قول اللسان جزء من مسمى الإيمان، والمقصود بقول اللسان: الأعمال التي تؤدى باللسان: كالشهادتين والذكر وتلاوة القرآن والصدق والنصيحة والدعاء وغير ذلك مما لا يؤدى إلا باللسان وهذه الأعمال منها ما هو مستحب ومنها ما هو واجب ومنها ما هو شرط لصحة الإيمان ولنبدأ أولاً بالنصوص الدالة على أن قول اللسان يدخل في مسمى الإيمان ومنها:
قوله عز وجل: (قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 136].
وقوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فقد أخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف أن العصمة المزايلة للكفر تثبت بالقول فبذلك يثبت أن القول إيمان لأن الإيمان هو العاصم من السيف.
أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
فهذا الحديث أصل في دخول الأعمال والأقوال في مسمى الإيمان ...
والمؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلا.
مسمى الإيمان يطلق عند أهل السنة والجماعة على ثلاث خصال مجتمعة، لا يجزئ أحدهما عن الآخر، وهذه الأمور الثلاثة جامعة لدين الإسلام:
(اعتقاد القلب، إقرار اللسان، عمل الجوارح). فمن أتى بجميعها؛ فقد اكتمل إيمانه.
5-زيادة الإيمان ونقصه
زيادة الإيمان ونقصه، والخوارج فيه ينقسمون إلى فريقين:
- أكثر الخوارج.
- الإباضية.
فأكثر الخوارج يرون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فهو إما أن يبقى كله، وإما أن يذهب كله، وذهاب الإيمان عندهم يكون بنقص بعض الأعمال، أو ارتكاب بعض الكبائر، وعلى هذا فإن نقص البعض يؤدي إلى ذهاب الكل في نظرهم.
وعلى هذا فإن الإيمان عندهم لا ينقص بالمعصية، بل إن الشخص يخرج عن الإيمان ويحبط ما قدم من خير بمجرد أن يرتكب أي كبيرة؛ لأن الإيمان إما أن يبقى جملة أو يذهب جملة، فلا زيادة ولا نقص ولا مغفرة لكبيرة، فهي تهدم الإيمان ولا تنقصه.
أما الفريق الثاني من الخوارج – وهم الإباضية– فإنهم يرون أن الإيمان يزيد وينقص.
- وهم بذلك يخالفون عامة الخوارج، ويتفقون في هذا القول مع مذهب السلف، ومن يذهب إليه من غيرهم من المتكلمين.
وهو الحق الذي يؤيده الكتاب والسنة، ويشهد له صحيح المعقول، وتؤكده أقوال السلف في هذه المسألة، هو القول بزيادة الإيمان ونقصه، فإن الناس يختلفون في أداء الأوامر واجتناب النواهي، وفي الرضى بما قدر الله، واليقين به تعالى، والتوكل عليه على درجات يلحظها الشخص في نفسه وفي غيره، ففي بعض الأوقات يحس الإنسان أن إيمانه وثقته بالله أقوى منها في بعض الأحيان.
وهذا هو ما دل عليه كلام الله، وكلام رسول الله، وكلام العلماء من سلف الأمة وخلفها، قال تعالى إخباراً عن المنافقين الذين في قلوبهم مرض في مساءلتهم غيرهم عند نزول الآيات: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [التوبة: 124]، وقال تعالى في وصف المؤمنين عندما رأوا الأحزاب من حولهم: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)[الأحزاب: 22]، وقال تعالى مبيناً حالة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه حينما خوفوا من قريش وغيرهم: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ) [آل عمران: 173].
وقال تعالى في السبب الذي من أجله جعل أصحاب النار ملائكة، وفي عدتهم أيضاً: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا) [المدثر: 31]، وقال تعالى في أصحاب الكهف: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) [الكهف: 13]، وقال تعالى: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى).
والآيات في هذا المعنى كثيرة في كتاب الله تعالى، وإذا ثبتت الزيادة، فإن مقابلها وهو النقص ثابت أيضا؛ لأن ما قبل الزيادة يقبل النقص، وقد استدل البخاري رحمه الله في صحيحه بهذه الآيات، وأثبت أن الإيمان "يزيد وينقص".
وأما الأدلة من الحديث فقد وردت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة تشير إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الناس يتفاضلون فيه.
قال صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".
قال ابن أبي العز الحنفي: "والمراد نفي الكمال".
أما نقص الإيمان بالمعاصي، فقد وردت عدة أحاديث فيها ذكر مجموعة من المعاصي، تنقص إيمان من ارتكب منها واحدا، كما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"، وفي رواية عن أبي هريرة: "ولا ينتهب نهبة ذات شرف، يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن". إلا أن هذا الحديث وما في معناه ليس المراد به نفي الإيمان مطلقاً كما تقول الخوارج، ولكن المقصود به نفي كمال الإيمان.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا، فيلقون في نهر الحيا – أو: الحياة – شك مالك، وهو أحد رواة الحديث- فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية".
وقد وردت عن السلف أقوال كثيرة في زيادة الإيمان ونقصه، أورد منها البخاري ما قاله معاذ لأحد الصحابة: "اجلس بنا نؤمن ساعة"، كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول في دعائه: "اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً".
وقد استفاض النقل عن السلف أنهم يرون الإيمان يزيد وينقص.
6- اختلاف قول الخوارج في القدر
الخوارج في مسألة القدر ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: منهم ذهبت إلى القول بإنكار القدر، والقول بخلق الإنسان لأفعاله الاختيارية، وهم بهذا الرأي يذهبون إلى قول القدرية.
وتضم هذه الطائفة من فرق الخوارج الميمونية، والحمزية، والحارثية، والشبيبية.
الطائفة الثانية: وهم الذين ذهبوا إلى القول بالجبر كما قال جهم بن صفوان، وهم طائفة من الأزارقة والشيبانية زعموا أن العبد مجبر على أفعاله، وأنه لا استطاعة له أصلاً.
الطائفة الثالثة: فهم المعتدلون الذين قالوا بقول أهل السنة في إثبات القدر خيره وشره، حلوه ومره، ومن الله تعالى، وأن الله خالق كل شيء وأن الإنسان فاعل لأفعاله الاختيارية مكتسب لها محاسب عليها.
وقد ذهب إلى هذا القول بعض فرق الخوارج كالإباضية، والشعيبية.
-فمذهب كل من الجبرية والقدرية مردود، وقد أخطأ الخوارج الذين قالوا بهذين المذهبين الباطلين.
-مذهب السلف فيها: أن الله خالق أفعال العباد، والعباد فاعلون حقيقة، والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة والله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم.
-والذين يزعمون أن الإنسان مجبر ليس له إرادة يفعل بها ألغوا عقولهم، فضلوا وأضلوا، وإلا فإننا نعلم من أنفسنا أن حركتنا ليست كحركة الجماد، الذي لا يملك شيئاً لذاته في تحركه وسكونه.
بل إننا نفرق بين الحركات غير الإرادية التي تجري في أجسادنا وبين الحركات الإرادية، فحركة القلب، وحركة الرئتين، وجريان الدم في دورته في عروق الإنسان، وآلاف العمليات المعقدة التي تجري في أجسادنا - من غير أن نعرفها ونعلم بها - ليس لنا فيها خيار، بل هي حركات اضطرارية ليس للإنسان إرادة في إيجادها وتحقيقها، ومثل ذلك حركة المرعوش الذي لا يملك إيقاف اهتزاز يده. أما أكل الإنسان وشربه وركوبه، وبيعه وشراؤه، وقعوده وقيامه، وزواجه وطلاقه، ونحو ذلك فهو يتم بإرادة وقدرة ومشيئة، والذين يسلبون الإنسان هذه القدرة ضلت عقولهم، واختلفت عندهم الموازين. والقرآن مليء بإسناد الأفعال إلى من قاموا بها كقوله تعالى:( وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى) [يونس:20]، (فَلَما أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) [الصافات:103]، (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْه) [القصص:15] (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) [القصص:79] والنصوص في هذا كثيرة يصعب إحصاؤها التي تسند الأفعال إلى من قاموا بها.
-ومذهب السلف، وأن الله خالق أفعال العباد، قال تعالى: ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى) [الأنفال:17] وقال:( أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) [الواقعة:64] فسلب عنهم فعل القتل والرمي والزرع مع مباشرتهم إياه، وأثبت فعلها لنفسه, ليدل بذلك على أن المعنى المؤثر في وجودها بعد عدمها هو إيجاده وخلقه, وإنما وجدت من عباده مباشرة تلك الأفعال بقدرة حادثة أحدثها خالقنا - عز وجل - على ما أراد فهي من الله - سبحانه وتعالى - خلق على معنى أنه هو الذي اخترعها بقدرته القديمة, وهي من عبادة كسب، على معنى تعلق قدرة حادثة بمباشرتهم التي هي أكسابهم.
7-الحكم بتكفير مرتكب الكبيرة
قول الخوارج تكفير مرتكب الكبيرة، وأنهم خارج عن الإسلام ومخلد في النار مع سائر الكفار.
وهذا رأي أكثرية الخوارج.
- فأهل السنة لا يكفرون مرتكب الكبيرة. ويقولون ناقص الإيمان، وفاسق بكبيرته.
بخلاف المرجئة بطوائفها الذين يحكمون لمرتكب الكبيرة بالإيمان الكامل.
والخوارج الذين كفروا مرتكب الكبيرة. وجعلته خارجاً من الإيمان وفي الآخرة من أهل النار.
-وأما والمعتزلة فقالوا: عن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر في منزلة بين المنزلتين. وفي الآخرة أن لم يتب في النار وهو من الكافرين.
ومن أصول معتقد أهل السنة أن الكبائر لا تنقض الإيمان ولا تنافيه فمرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان. فهو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. هذا حكمه في الدنيا.
أو مؤمن بإيمانه ناقص بكبيرته. وهو ضعيف الإيمان غير كافر، إذ لو كان الزاني كافراً لقتل، ولو كان السارق كافراً لما قطعت يده، بل لو كان كافراً لقتل، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه"، ولما ورث من أقاربه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم".
وأما حكمه في الآخرة: فمرتكب الكبيرة إذا مات وهو مصر على شيء من الكبائر ولم يتب فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، ولا يخلد في النار أحد من أهل الإسلام.
والأدلة على ذلك كثيرة منها:
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء:48]، فجعل الله ما دون الشرك تحت المشيئة.
وكذلك حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء غفر له".
فهذه النصوص تدل على أن مرتكب الكبيرة إذا لم يتب فهو تحت المشيئة وقد وردت كذلك النصوص العديدة تبين أن الله تبارك وتعالى يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان: منها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير". وفي رواية إيمان بدل خير.
وكذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فيخرجوا منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية".
فهذه النصوص وغيرها كثير تدل على أن مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار في الآخرة.
8-إنكار الشفاعة في العصاة
ينكر معظم الخوارج ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت الشفاعة في أهل المعاصي من أمته، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة المتواترة والآيات القرآنية.
ويقول علي بن علي الحنفي شارح الطحاوية: "والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل الكبائر".
-والإيمان بثبوت الشفاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بناء على ما صح فيها من الأحاديث هو إجماع الأمة، وهو مذهب السلف الصالح رضي الله عنهم جميعاً، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "أجمع المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأل الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة".
وقد رد في الصحيحين من الأحاديث التي تثبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنواع الشفاعات المختلفة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين".
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "يخرج من النار.. بالشفاعة كأنهم الثعارير. قلت: ما الثعارير؟ قال: الضغابيس" وعن جابر بن عبدالله يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج بالشفاعة من النار؟ قال: نعم".
ومنها ما ورد في حديث أنس رضي الله عنه وهو حديث طويل ورد في طلب أهل الموقف من الأنبياء عليهم السلام من يشفع لهم إلى الله لفصل القضاء، وكل يعتذر بذنب أصابه حتى يأتوا نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم فيشفع لهم عند ذلك.
وقد أخرج الإمام مسلم أحاديث كثيرة في ثبوت الشفاعة فذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها فيستجاب له فيؤتاها، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً". على غير هذا من الأحاديث التي أوردها الإمام مسلم في هذا الباب.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً، ولسنا بصدد البحث في تفاصيل الشفاعة من أقسامها وشروطها... ، وإنما الغرض هو إثبات وجودها الذي ينفيه الخوارج.
9- موقف الخوارج من الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم
لا يعترف الخوارج بالإمامة الكاملة لأحد من الصحابة إلا بإمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إمامة شرعية لا شك في صحتها ولا ريب في شرعيتها، وأنها كانت برضى المؤمنين ورغبتهم، وقد سارا على الطريق المستقيم الذي أمر الله به لم يغيرا ولم يبدلا حتى توفاهما الله على ما يرضي الله من العمل الصالح والنصح للرعية.
وهذا حق، فلقد كانا رضي الله عنهما كذلك لا يشك في ذلك إلا هالك، ولقد كان موقف الخوارج إزاءهما موفقا.
ثم بعد وفاتهما انتخبت الأمة خليفتين آخرين هلك فيهما الخوارج وخرجوا عن الحق والصواب في تقديرهم لهما ولم يوفقوا في القول فيهما وأكثروا من الافتراءات الكاذبة عليهما، ووصفوهما بما كرمهما الله عنه.
والواقع أن موقف الخوارج من عثمان موقف خاطئ، فعثمان رضي الله عنه كان من السابقين الأولين إلى الإسلام الذين مدحهم الله في كتابه، وأثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الذين جاهدوا مع رسول الله في غزواته لإعلاء كلمة الله، وكان على غاية من الكرم والإحسان، وقد زوجه الرسول صلى الله عليه وسلم بابنتيه، وأهم من هذا كله فقد شهد له الرسول بالجنة وبشره بها وهو حي يمشي على الأرض، وله مناقب عديدة مشهورة ولا يقع فيه بالذم أو التنقيص إلا من سفه نفسه.
وأما فيما يتعلق بموقف الخوارج من الإمام علي رضي الله عنه فقد اعترفوا بأنه خليفة شرعي إلى أن حكم ومن هنا خرج عن الصراط المستقيم في نظرهم، ولم يعد خليفة للمسلمين، ولا سمع ولا طاعة له على أحد، لأنه حكم البشر في كتاب الله فكفر- كما زعموا -.
التوقيع
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نور الهدى غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


flagcounter


الساعة الآن 10:16 PM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir