أنت غير مسجل في ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
موضوع جديد
العودة   ملتقى | العقيدة والمذاهب المعاصرة > .:: قسم الملل والمذاهب المعاصرة ::. > ملتقى دراسة الملل والمذاهب المعاصرة
المنتديات موضوع جديد التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 14-Oct-2010, 04:19 PM   #1
عضو متميز
افتراضي يهود اليديشية

يهود اليديشية

بليل عبدالكريم

في التاريخ اليهودي حدَثَت صراعات عقَديَّة وسياسية كثيرة منذ البداية؛ أوَّلُها ما جرى في المملكتين العبرانيتين؛ المملكة الشَّمالية والمملكة الجنوبية، من صراع بين عبادة يهوه، وعبادة بعل، وصراع بين عبادة مملكة الشمال، وعبادة مملكة الجنوب.

ثم تلاَها ما جرى بعد السَّبْي البابلي حال عودة بعض اليهود من بابل إلى فلسطين، من انقسام بينهم وبين اليهود المُقِيمين، الذين جاء منهم فرقة السامريين.

ثم انقسم اليهود دينيًّا بعد ذلك إلى صدوقيين وفريسيين وأسينيين، ثم ظهر الاحتجاج القرَّائي على اليهودية الحاخامية، كما ظهَرَت الحركات المشيحانية المختَلِفة، كالشبتانية والفرانكية والحركة الحسيدية، وهي حركات احتجاج ضدَّ المؤسَّسة الحاخاميَّة التي شاخت وبَلِيَت، وفاح ريحُ فسادِها الأخلاقي والمالي والدِّيني، فكانت الحركات ظواهِرَ اجتماعية، تهْدِم نظرية الوحدة اليهودية.

وفي العصر الحديث، انقسمت اليهودية إلى فرَق: اليهودية الإصلاحية، واليهودية المحافظة، واليهودية التجديدية، واليهودية الأرثوذكسية، واليهودية الأرثوذكسية الجديدة.

وهناك - بطبيعة الحال - الانقسام الكبير الصَّدَى سياسيًّا واجتماعيًّا بين الإشكناز، والسفارد، والمزراحيم، والفلاشا على المستوى الدِّيني.

النُّخْبة السفاردية والجماهير الإشكنازية:
يُلاحَظ أن مصطلَحَيْ "سفارد" و"إشكناز" يَصْلُحان إلى حدٍّ كبير لتصنيف يهود العالم الغربي، وبالتالي يمكن استخدامُهما إذا كان اليهودُ داخل التشكيل الحضاري الغربي هم موضوعَ النِّقاش؛ ولذا، فحينما يتناول الدَّارس تاريخ الجماعة اليهودية في إنجلترا مثلاً، فبإمكانه أن يتحدَّث عن النخبة السفاردية والجماهير الإشكنازية حتى أواخر القرن التَّاسع عشر.

فالمصطلحان يَخْتزلان الجماعات اليهودية، بل يَسْتبعِدان الجماعات اليهودية الأخرى في العالم كافَّةً، ولا غضاضة في هذا ما دام مجالُ النقاش هو يهودَ الغَرْب، ولكن الصُّورة تتغيَّر إذا كان منظور التَّحليل هو العالَمَ، وهذا واقع غالب بعد ظهور المنظَّمة الصِّهْيَونية بدعايتها للعالمية، والتكلُّم باسم كلِّ يهود العالم.

عندئذٍ يصبح مصطلحا "سفارد" و"إشكناز" قاصِرَيْن عن تناول الظاهرة، وهنا لا بدَّ من استخدام مصطلحي "شرقي" و"غربي"؛ للوصول إلى أعلى مستوى تعميمي، مع استخدام عدد آخر من المصطلحات؛ إنْ أراد الباحثُ تناول الجماعات اليهودية على مستوى أكثر تخصيصًا، فاليهودية الغربية، أو الجماعات اليهودية في الغرب، لم تَعُدِ الإطار المرجعي الوحيد، وهذا التحوُّل في مجال النِّقاش، من يهود الغرب إلى يهود العالم، هو ما أدَّى إلى تَداخُل المصطلحين، وحدوث الخلل الذي نحاول تحاشِيَه[1].

يقول المؤرِّخ "أرثر كوستلر": "ينقسم يَهُودُ عصرنا إلى قسمين: السفرديم، والإشكنازي، وفي سنة 1960 قُدِّر عدد السفرديم بخمسمائة ألف، وبلغ عدد الإشكنازي في الفترة نفسها حوالي 11 مليونًا".

هذا التَّقسيم صحيح بالنسبة لليهود الأوربِّيين، ولكن لماذا تجاهل كوستلر الحديث عن المزراحيم والفلاشا ويهود الهند، وهم اليهود الشرقيُّون الذين عاشوا في البلدان العربية بشكل أساسي؟ السبب أن العنصرية الصِّهيونية تأصَّلَت في الفكر اليهودي الرائج؛ لذا فالهويَّة اليهودية معاييرها صهيونية، فمَن ليس صهيونيًّا فهو مارق من اليهودية.

يهود السفارديم:كان أكثر من نصف يهود العالم في العصور الوسطى وحتى بدايات القرن الثامن عشر من السفارد ويهود العالم الإسلامي، ولهم اختلاط واندماج مع المجتمعات والحضارات التي كانوا تحت سُلطانها، كالأندلس والخِلافة العبَّاسية؛ لِذَا تميَّزوا بالمستوى الثقافي والعلمي والاجتماعي داخلَ الإمبراطوريَّات التي حوَتْهُم؛ حتى تسلَّقوا مناصب هامَّة داخل نظم الحُكْم، كما ملَكُوا ثروات، وأداروا مشاريع كبيرة، وكان اليهود السفارد في أوربا مختلفين عن الإشكناز، فرغم أنَّ كليهما كان جزءًا من جماعة وظيفيَّة، إلاَّ أن السفارد كانوا جزءًا من أرستقراطية مالية متقدِّمة مندمجة في المجتمع، مما أضعف هويتهم اليهودية تمامًا، إلى حدِّ الانصهار والاندماج، ومما له دلالة ظهور أول فيلسوف يهودي في العصر الحديث "إسبينوزا" من بين اليهود السفارد، المتمتِّعين بمستوى حضاري مرتفع؛ بسبب احتكاكهم بالحضارة الإسلامية، وقد كان "إسبينوزا" أيضًا من أوائل المفكِّرين العلمانيين الذين طرحوا انتماءهم اليهودي جانبًا، فلم يكن إبداعه وبروزه نتيجة انتمائه اليهودي، وإنما تم بسبب رفْضِه العلماني، مما جلب له سخط الحاخامات، وإن كان للتُّراث اليهودي القبالي دورًا مهمًّا في تحديد مَعالِم فِكْره، وجوهر نسقه الفلسفي.

يهود الإشكناز:أمَّا الإشكناز فعانَوْا من العُزْلة عن محيطهم، والتخلُّف في كل المجالات، فحصر عمَلَهم في الحِرَف البسيطة الوضيعة، والأشغال العامَّة كجماعات وظيفيَّة، تُعْطَى لهم الأعمال التي يَنْفِر منها مواطنو البلد الأصلي، كالفِلاَحة والنَّسيج والبناء، والمهامِّ التي يَقْتات منها الفقراء، ولا يَصِلون إلى المناصب العُلْيا والإداريَّة؛ لِفقْدانهِم للمؤهِّلات العِلميَّة، ومعظمهم كان من منطقة السلاف الفلاَّحية، والعزلة وصَلَتْ قِمَّتَها في أوكرانيا، حيث كان اليهود الإشكناز يشكِّلون جماعة وسيطة تمثِّل طبقة النُّبَلاء "شلاختا" الحاكمة في بولندا؛ وكانت عزلة اليهود على عدَّة مستويات[2]:
1 - طبقية: جماعة تجارية ماليَّة، تمثِّل النخبة الحاكمة في وسط زراعي فلاحي، وتساندها القُوَّة العسكرية البولندية.
2 - لُغَوية: جماعة تتحدَّث اليديشيَّة في وسط يتحدَّث الأوكرانية.
3 - ثقافية: جماعة ترتدي أزياءً، وتأكل طعامًا، يختلفان عن أزياءِ وطعام الفلاحين.
4 - دينية: جماعة يهودية تمثِّل النُّبَلاء الكاثوليك في وسط أرثوذكسي.

ولكن، بعد ذلك التاريخ، أخذ "الإشكناز" في التَّزايُد إلى أنْ حدَثَ الانفجار السُّكَّاني في صفوفهم في القرن التاسع عشر؛ وأصبحوا يشكِّلون نحو 90 % من يهود العالم، ولا تزال نسبتهم عالية، مع أنها قد هبطت قليلاً في الآونة الأخيرة؛ بسبب تَناقُص معدَّلات الإنجاب بينهم، فإن الأغلبية السَّاحقة من يهود العالم تظلُّ إشكنازية (بمعنى: غربية)، ونظرًا إلى وجودهم في المجتمع الغربي، فلهم بروز عالمي، ولذا معظم مشاهير اليهود الآن من الإشكناز، ابتداءً بأينشتاين، ومرورًا بكيسنجر، وانتهاءً براكيل ويلش.

ورَدَ في "سِفْر التَّكوين" وفي "سِفْر أحبار الأيام الأولى"، أنَّ إشكناز هو أحد أبناء جومر بن يافث، وورد أيضًا أنه أخو توجارما، وابن أخي مأجوج، كما ورد في "سفر أرميا"، الإصحاح 51 - 27 أنَّ النبي يدعو شعبه وحلفاءهم بأن يَهُبُّوا ويدمِّروا بابل "نادُوا عليها ممالك أراراط ومنى وإشكناز"[3]، وقد فسَّر هذه العبارةَ الزعيمُ الرُّوحي لليهود الشرقيِّين في القرن العاشر "سادية جاوون"؛ حيث قال: إنَّها نبوءة تخصُّ عصره، فبابل رمَزَت إلى الخلافة العباسية، وأن الإشكناز الذين فُرِض عليهم مهاجمتها، كانوا إمَّا الخزر أنفسهم أو قبيلة حليفة، وبناء على ذلك يقول المؤرِّخ بولياك: "إنَّ بعض المثقَّفين من اليهود الخزر الذين سمعوا حُجَج جاوون البارعة، أطلقوا على أنفسهم اسم الإشكناز حين هاجروا إلى بولندا"، وأصبح اسم "الإشكناز" هو الاسْمَ البديل عن "الخزر"، وعلى حدِّ قول المؤرِّخ كوستلر، فإنَّ لفظ يهودي مرادف لليهودي الإشكنازي، فهو يُقْصِي غيرهم.

لغة اليديشية:
تعلَّم الخزر اليهود في وطنهم الجديد اللُّغة الألمانية السائدة في بولندا، كما كان لزامًا عليهم أن يتعلَّموا لغة الشعوب السلافية التي كانوا يحتَكُّون بها، أضف إلى ذلك ما كانوا يتلقَّونه من دروس دينيَّة على أيدي الحاخامات واستماعهم إلى التوراة باللُّغة العبرية، فتشكَّلت من كلِّ هذا لغة هجين هي لغة "اليديش" التي تشكَّلت بطريقة فَوْضَوية غير قائمة على قواعد محدَّدة، وهي لغة ملْتَبِسة يعتقد الكثيرون بأصولها الألمانية، وهذا اعتقاد خاطئ لا أساس له، وتُكْتَب لغة اليديش بأحرف عِبْرية، وهي مزيج من السلافية والعبرية والكثير من المصطلحات التي كانت رائجة في المناطق الشرقية من ألمانيا الملاصقة للبلاد السلافية.

ولغة اليديش انتشرت في أوساط يهود الخزر الإشكناز، وهم أكبر القطاعات اليهوديَّة في العالَم، وكانوا متواجدين في أوكرانيا ومنطقة الاستيطان اليهودية في روسيا وبولندا، وشكَّلَت لغتهم الخاصة، باستثناء جزء من طائفة القرائين الذين استمرُّوا في التحدُّث بلغتهم الخزرية الأصلية، وذلك ما جاء في أول إحصاء روسي أُجْرِي سنة 1897.

يقول "آرثر كوستلر": "إنَّ تطوُّر لغة اليديش كان عمليَّة طويلة ومركَّبة، يُحتمَل أنَّها بدأَتْ في القرن الخامس عشر، إن لم يكن قبل ذلك، إلاَّ أنَّها بقيت لمدَّة طويلة لغةَ الكلام، أو قُلْ: نوعًا من اللُّغة المشتركة، ولم تَظْهر مطبوعة إلاَّ في القرن التاسع عشر".

ومعظم العلمانين اليهود يتحدَّثون اللغة اليديشية، وقد حمَلُوها معهم إلى إنجلترا والولايات المتَّحدة وأمريكا اللاَّتينية وجنوب إفريقيا، ولكن كانت بينهم قطاعات تتحدَّث البولندية والأوكرانية والرُّوسية والألمانية، وقد اختَفَت الشخصية اليديشية مع التحوُّلات الاجتماعية الضَّخمة التي حدثت في مجتمعات شرق أوربا، ولم يُكتَب لها الاستمرار.

والمكوِّن الأساسي لهذه الشخصية مرتبط تمام الارتباط بالوظيفة الاجتماعية للجماعات اليهودية؛ كجماعات وظيفيَّة لا تنتمي إلى شخصيتها المستقلَّة؛ ليضمن المجتمعُ عزْلَتها؛ ومِن ثَم مقدرتها على أداء وظيفتها، وقد تحوَّل يهود اليديشية من جماعات شِبْه قومية متماسكة إلى جماعات مختلفة: يهود روسيا ويتحدَّثون الرُّوسية، ويهود بولندا ويتحدَّثون البولندية، ويهود أوكرانيا ويتحدثون الأوكرانية، أمَّا يهود اليديشية الذين استقرُّوا في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا والولايات المتَّحدة فقد اندمجوا في مجتمعاتهم، وتحدَّثوا لغاتها.

وقد مُنع يهود اليديشية في بداية الأمر من الانتقال من منطقة الاستيطان إلى القوقاز، ولكن الحظْرَ رُفع فيما بعد حتىَّ بلغ عددُ يهود القوقاز في عام 1897 نحو 56.773، منه 7.038 من يهود الجبال، و6.034 من يهود جورجيا، والباقي من يهود اليديشية، وقد زاد عدد اليهود في القوقاز، فبلغ عددهم في عام 1959 نحو 125 ألفًا؛ منهم 35 ألفًا من يهود جورجيا، و25 ألفًا من يهود الجبال، وقد انخفض عدد يهود القوقاز بسبب معدلات الاندماج المرتفعة، وهجرة أعداد كبيرة من يهود جورجيا إلى إسرائيل.

وقد بيَّن إحصاء عام 1989 - وهو أول إحصاء قسم يهود الاتِّحاد السوفيتي فيه إلى جماعات يهودية إثنية مختلفة - أنَّ عددهم لا يتجاوز 72.691، منه 16.123 في جورجيا، و20.000 من يهود الجبال، و36.568 من يهود بُخَارى[4].

وإحصاءات الرأي في الاتِّحاد السُّوفيتِّي تفيد أنَّ 17% من يهود الاتِّحاد السُّوفيتي يتحدَّثون اليديشية، ولكنَّهم - بعد مراجعة الأرقام - وجدوا أنَّ جزءًا كبيرًا منهم قد صرَّح بأن اليديشية لُغَته كجزء من تأكيد هويَّته، وكجزء من الاحتجاج على الدَّولة السُّوفيتية، وأن هؤلاء في واقع الأمر لا يتحدَّثون اليديشية، والأهم من هذا أنهم لا يُرْسِلون أولادهم لتعلُّم اليديشية، وبالتالي فاستطلاع رأي هؤلاء لا يُجْدِي كثيرًا؛ إذْ إن ولاءهم العقائدي وأحلامهم المثالية هي التي تحدِّد إجابتهم، وليس واقعهم الفعلي[5].

ولكونها لغةً غير عِلْمية وملتبسة، لم تتبَنَّ الصِّهيونيةُ اللغةَ اليديشية، رغم أنَّ الصهاينة جُلُّهم من اليديش الإشكناز، بل تَبَنَّى النِّظام الصِّهيوني العبريَّة لغة السفارد الذين عاشوا في الأندلس؛ لأنَّها لغة علم وفلسفة وأدب، ولها قواعد رسَّخَها علماء اللُّغة بها الذين درسوا بالمعاهد الأندلسية.

يهود اليديشية والصهيونية:
الصِّهيونية هي حركة نشأت أساسًا في صفوف يهود اليديشية، والتَّجربة الاستيطانية الصِّهيونية اللاَّحقة أكَّدَت أهمِّية تجربة يهود الأرندا في أوكرانيا كمُمَثِّلين لطبقة الشلاختا "النبلاء البولنديين"، في إطار الإقطاع الاستيطاني في أوكرانيا وثورة "شميلنكي" ضِدَّ هذا الإقطاع[6]، وهم رأس الفِكْر الصِّهيوني، بل البيئة والظروف الاجتماعية من عزلة فكرية واجتماعية داخل الدُّول بعد سنين؛ ركبت في ذهن الإشكناز القومية اليديشية، التي صاغها الصهاينة الألمان الإشكناز، لكن دون النخبة السفارد وباقي اليهود؛ لا يمكن تركيب دولة؛ لذا عَمَّموا الفكرة القوميَّة على كلِّ اليهود ظاهرًا، لكن في الواقع الذي يجهرون به من حين لآخر، وتؤيِّده الإجراءات الميدانية؛ اليهودي عندهم هو الصِّهيوني الإشكنازي، والباقي هم خدم له.

ويهود اليديشية الإشكناز هم المتنفِّذون في الكيان الصِّهيوني، فنظرة إلى أعضاء الكنيست (البرلمان) أو أعضاء الحكومة، أو حتىَّ رؤسائها تجد هذا الأمر واضحًا:
حكومات العدو حتى 1984م قد ضمَّت 6 وزراء شرقيين من بين 58 وزيرًا، حيث شغلوا وزارتي البوليس والبريد غالبًا[7].
لم يرأس الحكومة قطُّ يهودي من السفارديم.
أما رؤساء الدولة فكانوا كلُّهم إشكناز، ما عدا واحدًا من السفارديم، مع العلم أنَّ منصب رئيس الدولة شرفي.
لا يمثِّل السفارد سِوَى 9 % فقط من الوظائف القياديَّة في المجال الاقتِصادي[8].

وعلى الرَّغم من أنَّ اليهود الشرقيين يشكِّلون غالبية السُّكَّان، إلاَّ أنَّ اليهود الإشكناز يحاولون منذ زمن بعيد المحافظة على الوجه الغربي الحضاري للدولة، يقول "إسحاق دويتشر": يوجد نوع من العداوة بين اليهود الشرقيين والغربيين، إلاَّ أنَّني أعتقد شخصيًّا أن اليهود الغربيين سوف يَصْهرون في النهاية الشرقيِّين؛ لأنَّهم يمثلون الحضارة الأرقى التي تنتصر في العادة على الحضارة الأدنى"[9].

يهود اليديشية والأخلاقيات اليهودية:
ارتسمت في أذهان الأوربيين صورة نمَطِية عن اليهودي القبيح النَّتِن اللَّئيم، وصِيغَت تلك الأفكار في قَصَصٍ ومسرحيات، وهذه الصُّورة العامَّة ترَسَّمت عن أعضاء الجماعات اليهودية، وهي ترجع للرُّؤى الإنجيلية الخاصَّة بالشَّعب المختار، المتديِّن في جميع أفعاله، ولا يملك القدرة على تغيير النَّمط المعيشي والثقافي له؛ لكونه مِن صلب دينه، خاصَّة بعد الهجرة والانتشار الذي حَوَّله إلى تكتُّلات بشرية تُسَخَّر لخدمة مواطني الإمبراطورية التي تضمُّهم؛ ليؤدُّوا دور الجماعة الوظيفية الوسيطة، التي لا ولاء لها للوطن، بل هي عاملٌ أجير مسترزق، لا احترام عنده للدَّولة التي تستضيفه، ولا لشعبها أو قيمه؛ لكونه يوالي تجمُّعَه البسيط فيها، كعائلة واحدة لها كلُّ الولاء والتقديس، أمَّا أعضاء الأغلبية غير اليهودية فهم مباحون، لا قداسة ولا حرمة لهم.

و"الجماعات الوظيفية" مصطلح لوصف مجموعات بشريَّة تستجلبها المجتمعات الإنسانية من خارجها، أو تُجنِّدها من بين أعضاء المجتمع أنفسهم، من بين الأقلِّيات الإثنية أو الدِّينية، أو حتىَّ مِن بعض القُرى أو العائلات، ثم يُوكَل إلى أعضاء هذه المجموعات البشرية أو الجماعات الوظيفية وظائف شتىَّ لا يمكن لغالبية أعضاء المجتمع الاضطلاعُ بها؛ لأسباب مختلفة، من بينها: رغبةُ المجتمع في الحفاظ على تراحُمِه وقداسته؛ ولذا يوكَل إلى أعضاء الجماعات الوظيفية بعضُ الوظائف المُشِينة (الرِّبا - البِغاء)، أو المتميِّزة (القضاء - التَّرجمة - الطِّب) التي تتطلَّب الحياد والتعاقدية، (ولذا يمكن تَسْمية أعضاء الجماعات الوظيفية "المتعاقدين الغرباء").

وقد يلجأ المجتمع إلى استخدام العنصر البشري الوظيفي؛ لِمَلء فجوة أو ثغرة تنشأ بين رغبات المجتمع وحاجاته من ناحية، ومَقْدرته على إشباع هذه الرَّغبات والوفاء بها من ناحية أخرى، كالحاجة إلى مستوطنين جُدُد لِتَوْطِينِهم في المناطق النائية، وهي جماعات بشرية تُوطِّنها الإمبراطوريات في مناطق نائية، أو إستراتيجية بهدف تعميرها، أو التحكُّم فيها أو قَمْع سُكَّانها، مثل بعض سكَّان كريت واليونان الذين وُطِّنوا في الشَّرق في العصر الهيليني، ويمكن أن نضيف إلى هذا العناصرَ البشريَّة "الرُّوسية" التي وُطِّنت في الخانات الإسلامية التُّركية، بعد ضَمِّها لروسيا القيصرية (ثم للاتِّحاد السوفيتي)، وكان من بين هذه العناصر عددٌ كبير من يهود اليديشيَّة، ويمكن القول بأنَّ الاستعمار الاستيطاني الغربي هو تعبير عن نَفْس الظَّاهرة، فهو استعمار قام بتحويل الفائض البشري الغربي إلى جماعات وظيفيَّة قتالية استيطانية، يتمُّ توطينها في بعض الأماكن ذات الأهمِّية الإستراتيجيَّة في آسيا وإفريقيا؛ لتقومَ بالدِّفاع عن المصالح الغربية.

كما أنه قد يُوكل إلى أعضاء الجماعات الوظيفيَّة الوظائفُ ذات الحساسية الخاصَّة وذات الطَّابع الأمني (حرَس الملك - طبيبُه - السُّفراء - الجواسيس)، ويمكن أن تكون الوظيفة مشينة ومتميِّزة حسَّاسة في آن واحد (مثل الخِصْيان، والوظائف الأمنيَّة على وجه العموم)، كما أنَّ المهاجرين عادةً ما يتحوَّلون إلى جماعات وظيفية في المراحل الأولى من استقرارهم في وطنهم الجديد؛ ذلك أنَّ الوظائف الأساسية في وطنهم الجديد عادةً ما يكون قد تمَّ شغْلُها من قِبَل أعضاء الأغلبية[10].

والمَصْدر المباشر لهذه الصُّورة السَّلبية؛ للأخلاقيات اليهودية هو يهود اليديشية، في مرحلة ضَعْفهم وتَفسُّخهم في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، حتى ثلاثينيات القرن العشرين، فالجماعة الوظيفية الوسيطة لا يمكنها أن تقوم بدورها إلاَّ في حالة عزلة؛ إذْ إنَّها تضطلع بوظائف مشينة، أو بوظائف تتطلَّب الحياد والموضوعية؛ مثل: البِغاء أو التِّجارة.

فقد تركَّزت نسبة كبيرة منهم في تجارة البِغاء، حتى أصبحت شخصيَّة القَوَّاد اليهودي والبغِيِّ اليهودية أمرًا شائعًا، وصار مِن النشاطات الاقتصادية المتعارَفِ عليها بينهم، بل سُمِّيت أكبرُ مدُنهِم "جاليشيا": بـ"فرج أوربا"!!

كما امتازوا بالمعاملات التِّجارية المشبوهة، وثقافتهم المتخلِّفة التي جلبوها من الدُّول الزِّراعية بشرق أوربا، وعقلية الغيتوهات السائدة بينهم، وأصبحوا يدًا عاملة رخيصة تسبَّبَت في زيادة البطالة بين أهل البلد، وتدَهْوُر الأجور، مما استدعى استصدار وعد "بلفور"؛ لتغيير مسار الهجرة من شرق أوربا، إلى غربها، إلى فلسطين، فالهجرة حوَّلَت اليهوديَّ إلى شخصية غير منتمية، لا ولاء لها، ومع ضعف دور الحاخامات وانهيار سُلْطتهم الرُّوحية، زادت معدَّلات العلمنة بين المهاجرين.

فالصُّورة العنصرية النَّمطية السَّائدة عن الأخلاقيات اليهودية لها أساس واقعي، ولكنَّها تنتمي إلى زمان ومكان محدَّدَيْن، كما أنَّها فقدت كثيرًا من فعاليتها؛ إذِ اختفى يهود اليديشيَّة تقريبًا، وظهرت أنماطٌ سلوكيَّة جديدة بين أعضاء الجماعات.

وتنتشر فكرة "الأخلاقيات اليهودية" بين المُعادين لليهود، الَّذين يؤجِّجون العنصرية ضِدَّهم في أوربا؛ لكي يَكْتسبوا التأييد في تهجيرهم من أوربا أو قَتْلهم، فاليهودي عندهم مُزْدَوَج الولاء، خائنٌ للوطن الذي يُؤْوِيه، يمتاز بالفسق والقذارة.

ولكن النَّظرية تلك شائعةٌ أيضًا بين الصَّهاينة الذين يعطونها مضمونًا إيجابيًّا، فالأخلاقيات اليهودية تعبير عن العبقرية اليهودية، التي تجعل من اليهودي مُبْدِعًا، قادرًا على التَّماسك الاجتماعي، مُحبًّا لقومه وقوميته اليهودية وأرضه... إلخ.

[1] "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"، عبدالوهَّاب المسيري، ج3، ص321.

[2] "موسوعة اليهود واليهودية والصِّهيونية"، عبدالوهَّاب المسيري، ج 3، ص161.

[3] أرشيف ملتقى أهل الحديث، [3 - 89]، ص277.

[4] "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"، عبدالوهَّاب المسيري، ج3، ص394.

[5] "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"، عبدالوهَّاب المسيري، ج1، ص382.

[6] "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"، عبدالوهَّاب المسيري، ج1، ص 47.

[7] "حكم الإشكنازيين"، نقلاً عن "إسرائيل من الداخل"، ص 57.

[8] "الأيديولوجية الصِّهيونية"، ج2 ص32 - 36.

[9] "اليهودي واللايهودي"، ص 77.
- انظر كتاب "التمييز ضد اليهود الشرقيِّين في إسرائيل"، والذي يُشكِّل فضحًا للمساواة المزعومة عندهم، وأنه لا أمل في حلِّ هذه المشكلة.

[10] "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"، عبدالوهَّاب المسيري، ج 2، ج323.

صالح التميمي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-Dec-2010, 06:08 AM   #2
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
رقم العضوية: 6470
الدولة: السعودية
المشاركات: 172
الدولة : saudi arabia
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 6470
عدد المشاركات : 172
بمعدل : 0.05 يوميا
عدد المواضيع : 36
عدد الردود : 136
الجنس : ذكر

افتراضي رد: يهود اليديشية

تسجيل مروري

هبوب غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


flagcounter


الساعة الآن 12:56 PM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir