المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : استفسار


أسيل
06-May-2007, 09:25 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

أرجو من الأخوة الكرام توضيح ما رأي أهل السنة في السخط والسخرية والاستهزاء هل يعتبروا صفات لله تعالى أم لا من خلال الآيات الآتية:-
قوله تعالى: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) محمد 28

( أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) آل عمران 162.

(تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ). المائدة 80

{ اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }
{ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ )

وجزاكم الله خيراً على ما تقدموا من خدمات في هذا الملتقى

عبدالله القحطاني
06-May-2007, 12:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

تضمن الاستفسار أمرين:
أحدهما:الصفات الاختيارية-وتسمى الفعلية-مثل السخط والكراهية والمحبة والرضا.
وهذه يؤمن بها أهل السنة والجماعة حقيقة على الوجه اللائق بالله-تعالى-.

الثاني:الصفات الاختيارية المقيدة،وهي:"كل صفة وردت في الكتاب أو السنة مضافةً إلى الله-تعالى-في سياق الجزاء والعقاب"،مثل "السخرية"و"الكيد"و"المكر"و"الاستهزاء"و"المحال"و"الخداع".
وهذه يؤمن بها أهل السنة والجماعة حقيقة على الوجه اللائق بالله-تعالى-،ولكن يجب إطلاقها مقيدة لا مطلقة لأمرين:

الأول:لفظي؛وهو أن هذه الصفات لم ترد في النصوص إلا مقيدة في جميع مواردها،قال –تعالى-:"الله يستهزئ بهم"،وقال-تعالى-:"ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"،وقال-تعالى-:"إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم"،وقال-تعالى-:"إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا"،وقال-تعالى-:"وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال"،وقال-تعالى-:"وأملي لهم إن كيدي متين".
قال ابن قيم الجوزية-رحمه الله-:"إن الله –سبحانه-لم يصف نفسه بالكيد والخداع والمكر إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق،وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق،فكيف من الخالق-سبحانه-"ا.هـ"مختصر الصواعق"2/35
وقال حافظ الحكمي-رحمه الله-:"واعلم أنه قد ورد في القرآن أفعال أطلقها الله-عزوجل- على نفسه على سبيل الجزاء والعدل والمقابلة،وهي فيما سيقت فيه مدح وكمال،ولكن لا يجوز أن يشتق له منها أسماء مطلقة،ولا تطلق عليه في غير ما سيقت فيه من الآيات"ثم ذكر جملة من النصوص."معارج القبول"1/72

الثاني:معنوي؛وهو كون هذه الصفات ينقسم جنسها إلى ما هو كمال،وإلى ما هو نقص،وإضافتها إلى الله-تعالى- بإطلاق يوهم النقص،والله-تعالى-أحق بكل كمال مطلق؛فوجب إطلاقها عليه في الحال التي تكون فيها كمالاً،وهي حال المقابلة والجزاء.
قال ابن قيم الجوزية-رحمه الله-:"إن المكر:إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي، وكذلك الكيد والمخادعة،ولكنه نوعان:
قبيح،وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه.
وحسن،وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له.
فالأول مذموم،والثاني ممدوح،والرب –تعالى- إنما يفعل من ذلك ما يحمد عليه عدلاً منه وحكمة،وهو –تعالى-يأخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب لا كما يفعل الظلمة بعباده"ا.هـ"إعلام الموقعين"1/218
وقال-أيضاً_:" وهو –سبحانه- ينسب إلى نفسه أحسن هذه المعاني وما هو منها حكمة وحق وصواب وجزاء للمسيء،وذلك غاية العدل والحق كقوله :"إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا"،وقوله :"ومكروا ومكر الله"،وقوله:"الله يستهزيء بهم"،وقوله:"إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم"،وقوله:"وأملي لهم إن كيدي متين"،
فهذا منه –سبحانه- في أعلى مراتب الحسن-وإن كان من العبد قبيحاً سيئاً ؛لأنه ظالم فيه،وموقعه بمن لا يستحقه-،والرب –تعالى- عادل فيه،موقعه بأهله ومن يستحقه"ا.هـ"إغاثة اللهفان"2/153
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-:" مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلماً له،وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلاً كما قال –تعالى-:"كذلك كدنا ليوسف"،فكاد له كما كادت إخوته لما قال له أبوه:"لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا"،وقال –تعالى-:"إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً"،وقال –تعالى-:"ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم"،وقال –تعالى-:"الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين فى الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم "،ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلاً يستحق هذا الاسم"ا.هـ"مجموع الفتاوى"7/111

والحاصل أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بهذه الصفات وغيرها مما ورد في الكتاب أوالسنة،ويجعلونها باباً واحداً في ذلك؛وقد دل على ذلك النقل والعقل:
أَمَّا النَّقْلُ ؛ فَإِنَّ اللهَ – تَعَالَى – قَدْ أَوْجَبَ الإيْمَانَ بِهِ ، وَ بِرَسُوْلِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ - ، وَطَاعَتَهُ ، وَطَاعَةَ رَسُوْلِهِ ، وَالاسْتِجَابَةَ لَهُ ، وَ لِرَسُوْلِهِ إِيْجَابَاًً عَامَّـاً لِلْمُكَلَّفِيْنَ جَمِيْعَاً ، وَمُطْلَقَاً فِي الأَحْوَالِ كُلِّهَا :
قَالَ _ تَعَالَى _ : "يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا آمِنُوْا بِاللهِ وَ رَسُوْلِهِ وَ الكِتَابِ الذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُوْلِهِ وَ الكِتَابِ الذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ "[النساء:136] ، وَ قَالَ _ تَعَالَى _ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُوْلُ بِالحقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوْا خَيْرَاً لَكُمْ وَ إِنْ تَكْفُرُوْا فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ كَانَ اللهُ عَلِيْمَاً حَكِيْمَاً "[النساء:170] .
وَ قَالَ – تَعَالَى- : "قُلْ أَطِيْعُوْا اللهَ وَالرَّسُوْلَ فِإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الكَافِرِيْنَ "[آل عمران:32] ، وَ قَالَ – تَعَالَى - : "يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا أَطِيْعُوْا اللهَ وَ رَسُوْلَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُوْنَ"[الأنفال:20] ، وَ قَالَ – تَعَالَى - : "يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا أَطِيْعُوْا اللهَ وَ أَطِيْعُوْا الرَّسُوْلَ وَ لا تُبْطِلُوْا أَعْمَالَكُمْ"[محمد:33] ، وَ قَالَ – تَعَالَى - : "وَ أَطِيْعُوْا اللهَ وَ أَطِيْعُوْا الرَّسُوْلَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُوْلِنَا البَلاغُ المبِيْنُ"[التغابن:12].
وَ قَالَ – تَعَالَى - : "يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا اسْتَجِيْبُوْا للهِ وَ لِلرَّسُوْلِ إِذَا دَعَاكُمْ لما يُحْييْكُمْ وَاعْلَمُوْا أَنَّ اللهَ يَحُوْلُ بَيْن المرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُوْنَ"[الأنفال:32].
وَ أَمَّا العَقْلُ ؛ فَإِنَّ خَبَرَ اللهِ _ تَعَالَى _ صَادِرٌ عَنْ عِلْمٍ تَامٍّ ؛ فَهُو أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَ بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَ _ تَعَالَى _ : "قُلْ أَأَنْـتُمْ أَعْلَمُ أَم اللهُ"[البقرة:] ، وَ هُو أَصْدَقُ الأَخْبَارِ كَمَا قَالَ _ تَعَالَى _ : "وَ مَنْ أَصْدَقُ مِن اللهِ حَدِيْثَاً"[النساء:87] ، وَ قَالَ _ تَعَالَى _ "وَ مَنْ أَصْدَقُ مِن اللهِ قِيْلاً "[النساء:122] ، وَ هُو أَفْصَحُ الكَلامِ كَمَا قَالَ _ تَعَالَى _ : " وَ لا يَأْتُوْنَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالحَقِّ وَ أَحْسَنَ تَفْسِيْرَاً"[الفرقان:33] ، وَ قَالَ _ تَعَالَى _ : " اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحدِيْثِ كِتَابَاً مُتَشَابِهَاً مَثَانِيَ "[الزمر:23] ، وَ قَالَ _ تَعَالَى _ : " نَزَلَ بِهِ الرُّوْحُ الأَمِيْنُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُوْنَ مِن المنْذِرِيْنَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِيْنٍ "[الشعراء:193-195]، وَ هو _ تَعَالَى _ يُرِيْدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَى عِبَادِهِ مِن الوَحْي أَنْ يَهْتَدُوا ، وَ لا يَضِلُّوْا كَمَا قَالَ _ تَعَالَى _ : " يُرِيْدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ "[النساء:26] ، وَ قَالَ _ تَعَالَى _ : " يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوْا وَ اللهُ بِكُلِّ شَئٍ عَلِيْمٌ "[النساء:176] .
وَ هَكَذَا خَبَرُ الرَّسُوْلِ _ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ _ : هُو صَادِرٌ عَنْ عِلْمٍ ؛ فَهُو أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَسْمَاءِ اللهِ _ تَعَالَى _، وَ صِفَاتِهِ ، وَ أَحْكَامِهِ ، وَ هُو أَصْدَقُ أَخْبَارِ البَشَرِ ، وَ كَلامُهُ أَفْصَحُ كَلامِ البَشَرِ ، وَ قَصْدُهُ أَفْضَلُ قَصْدِ البَشَرِ ؛ فَهُو أَنْصَحُ الخَلْقِ لِلخَلقِ كَمَا قَالَ – تَعَالَى - : "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوْلٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيْزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيْصٌ عَلَيْكُمْ بِالمؤْمِنِيْنَ رَؤُوْفٌ رَحِيْمٌ"[التوبة:128] ، وَ قَالَ –تَعَالَى-: "إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ"[النحل:37].
فَقَد اجْتَمَعَ فِي خَبَرِ اللهِ _ تَعَالَى _ ، وَ خَبَرِ رَسُوْلِهِ _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ _ كَمَالُ العِلْمِ ، وَ كَمَالُ الصِّدْقِ ، وَ كَمَالُ الفَصَاحَةِ ، وَ كَمَالُ الإِرَادَةِ وَ القَصْدِ ، وَ هَذِهِ مُقَوِّمَاتُ قَبُوْلِ الخبَرِ ؛ وَ إِذَا كَانَتْ مُقَوِّمَاتُ قَبُوْلِ الخبَرِ تَامَّةً عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ فِي خَبَرِ اللهِ-تَعَالَى-،وَ رَسُوْلِهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَجَبَ الإِيْمَانُ بِهِ،وَ قَبُوْلُهُ سَوَاءً كَانَ نَفْيَاً أَمْ إِثْبَاتَاً،وَ لَمْ يَبْقََ عُذْرٌ لِمُعْتَذِرٍ فِي رَدِّهِ،أَوْ تَحْرِيْفِهِ،أَوْ الشَّكِّ فِي مَدْلُوْلِهِ،لا سِيَّمَا فِي أَسْمَاءِ اللهِ-تَعَالَى-وَ صِفَاتِه.[انظر:"تقريب التدمرية"ص55]
أسأل الله الهداية لما اختُلف فيه من الحق بإذنه،والثبات عليه،والله ولي التوفيق.