رياض العُمري
28-Sep-2006, 03:09 PM
رد ابن عقيل الظاهري على حسن فرحان في مسألة مصطلح العقيدة :
________________________________________
اطلعت على أوراق لشاب نشيط في طلب العلم، حاد الذكاء.. لا يعيبه إلا ثقة في النفس لا حدود لها بحيث استعلى بتحصيله المحدود في عمره العلمي القصير على مواهب العلماء وتحقيقهم وتدقيقهم خلال خمسة عشر قرناً، ولهذا يكثر في كلامه عبارات لا يجسر عليها إلا الأئمة .
كقوله: لا يوجد هذا الشيء لا في قول صاحب ولا قول تابع في أشياء غيرمحصورة، ليس عدم العلم بها علماً بعدمها كأنه ابن المنذر أو ابن جرير أو ابن حزم أو ابن عبدالبر من الحفاظ الكبار والخُلق في مثل هذا أن ينسب الاستقراء إلى جهده هو لا إلى كل الكتب كأن يقول: لم أجد هذه الكلمة مسندة إلى صاحب أو تابع في المتداول المطبوع من كتب اللغة أو لا أعلم أنها نسبت إلى صاحب أو تابع .. إلخ .
وله تقريرات تألم محباً مثلي يود أن يكون علم المذكور مؤصلاً بيد أن ما أصَّله عن البدعة يغيظ كل محب!. كل هذه المآخذ وأكثر منها تجدها في تعريفه للعقيدة وحكمه على التعريف، وهذا موجز رأيه :
1 – أن الاصطلاح المشهور بالعقيدة لا يوجد في كلام الله سبحانه، ولا في السنة، ولا في المؤلفات المشهورة في القرون الثلاثة الأولى.. أي ليس في أقوال الصحابة رضي الله عنهم، ولا التابعين وتابعيهم وتابعي تابعيهم رحمهم الله: لا بإسناد صحيح ولا حسن ولا ضعيف ولا موضوع.. لا لفظاً ولا معنى.
2 – العقيدة مصطلح بدعي مستحدث يجب هجره .
3 – هذا المصطلح كالمصطلحات التي ننكرها كالحيز والجوهر والقديم.. إلى آخر مصطلحات البدعيين .
4- العقيدة أهم شيء في حياة المسلم فهل يعقل خلو القرآن من ذكرها؟.. قال أبو عبدالرحمن: معنى هذا أن العقيدة إذن ليست أهم شيء في حياة المسلم .
5 – احتمل أن بعض المتأخرين أخذ مصطلح العقيدة من عقد القلب على أمر ديني أو دنيوي ، ثم قصر المعنى على بعض المعاني العلمية الدينية.
6 – هذا الأخذ خطير ،وهذا أمر خطير ، لأنهم حشروا في كتب العقائد مجموعة كبيرة من الآثار في تكفير المخالفين لهم..
7- أن هذا الأخذ مبتدع مستحدث غير منضبط.
8- أن الألفاظ الشرعية أولى بالاستعمال ...إلخ .
................................
قال أبو عبدالرحمن: هذا كل ما عنده عن بدعية الاصطلاح بالعقيدة تقصيته بإيجاز واستيعاب معاً ، وفيه من الخلط ، والأحكام غير المحققة ما أعزوه إلى قصور العلم ، ولا أعزوه إلى تعمد المغالطة ، لأنني أجل أي أخ مسلم عن تعمد المغالطة في دين الله، وإنني محصٍ عليه المؤاخذة ، كاشف وجه الحق حسب اجتهادي واجتهاد فحول العلماء قبلي بهذه الوقفات :
- الوقفة الأولى: من القصور في التأصيل العلمي التماس كل معنى عربي –ودعك من الاصطلاح الحاصل بعد التنزيل في كلام الله سبحانه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم- ورده لغة أو شرعاً إذا لم يوجد فيهما، لأن المعجم العربي المدون مليء بمئات المفردات والمعاني العربية التي لم ترد في الوحيين ، وما في ذلك من عجب ، لأن الوحيين ليسا معجماً لغوياً ، وإنما هما تعبير عما أذن الله بإبلاغه شرعاً بلغة عربية مبينة من مجموع لغة العرب.
- الوقفة الثانية: ليست كل صيغة من صيغ العربية ترد منقولة عن العرب قبل التنزيل، ثم عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم.. وإنما تنقل المادة ببضعٍ وبعشرات من الصيغ، وتبقى صيغ المادة الأخرى على محض العروبة، لأن معاني الصيغ معروفة في السليقة ، مؤصلة بعد التدوين.. وكل عربي يحول المادة إلى صيغةٍ ما حسب المعنى الذي يريده.. وقد يُعنى مدونو المعجم العربي بإيراد صيغ حول معناها وقياسها الصرفي خلاف ، وبهذا يحقق أمثال ما حكاه ابن خالويه في كتابه: "ليس من لغة العرب".. وعلى هذا فورود استعمال كل مادة في المعجم على صيغة لا اختلاف في صحتها صرفاً ومعنى ليس شرطاً في عربيتها، ونفي الاستعمال ليس علماً بالعدم، بل عدم علمٍ سببه إهمال اللغويين تقصي ما سمعوه للمادة من صيغ لا لبس في صحتها كما وردت في أمثالها من المواد.
- الوقفة الثالثة: صحة الصيغة التي لم ترد في المعجم لمادة دون مادة إذا صحت صرفاً ومعنى.. أريد معنى الصيغة المضاف إلى معنى المادة قاض بأنها من استعمال العرب قبل التنزيل وفي عهد الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، لأن العربي إنما يعبر عن مراده بلغته إن احتاج إلى التعبير عن المادة بمعنى صيغة معينة.
الوقفة الرابعة: لو لم يصح ما ذكرته بالوقفة الثالثة وهو صحيح بيقين لما كان ذلك مسوغاً لقول الشادي:«ليس في أقوال الصحابة، ولا التابعين.. إلخ.. إلخ»، لأن هذا وقف على الحفاظ، ولأن الشادي لم يستوعب كل مخطوط ، ولأن ما فقد من كتب المسلمين كثير جداً ، ولأنه لم يفتش في كل موجود من مطبوع ومخطوط من كتب اللغة والآثار والأحاديث والأدب والشعر وأخبار العلماء وتراجمهم وإنما استراح إلى بضعة كتب كالراغب وغفل عن مدلول إشارته النفيسة التي ستأتي، فالأحرى به أن يقول: لا أعلم ذلك وارداً.. فإن أراد الترقي في العلم قال: ويظهر من مطولات اللغة المطبوعة أو المخطوطة إن كان استقرأها : أن العقيدة معروفة المعنى مادة وصيغة ، ولكنها تورد الاصطلاح بها على المعنى المعروف الآن منسوباً إلى أهل السليقة.. هذا هو الورع والتواضع والبراءة من التمظهر .
- الوقفة الخامسة: أن العقيدة اسم لما يقر في القلب معرفته: عن علم محقق ، أو عن وهم ، أو عن عادة وتلقين وتقليد.. وهي بعض النية، لأن النية إضمار لإنشاء قولٍ أو فعل.. وقلت:«وهي بعض معنى النية» من أجل المعنى اللغوي، لا بالمعنى الشرعي الذي جعل عقيدة الإيمان عمل قلبٍ ولسانٍ وجوارح أخرى يسمى فعلها عملاً لا قولاً.. والحكم الشرعي يضاف إلى المعنى اللغوي، فيكون معنى شرعياً.. وقولي:«العقيدة اسم لما يقر في القلب.. إلخ» إنما هو معنى لغوي بنص أهل اللغة ، وبلازم نصهم ، وبيان ذلك: أن مادة العين والقاف والدال في لغة العرب تعني الشد والتوثيق .. وعمل القلب داخل في ذلك، لأنه يعقد :« بشد وتوثيق » على وجدانه المعرفي، وعلى نيته.. والعقد مصدر، والعقيدة اسم، ومن معاني الفعلية الاسمية .
- الوقفة السادسة: أن هذا المعنى الصحيح لغة مراعى في تفسير كلام الله.. وللأسف أن الأخ الشادي سرد نصوص القرآن الكريم في المادة ، وعرج على قول الراغب ، وغفل عن دلالة إشارته ، ولم يكلف نفسه تدبر معاني الآيات الكريمات وأقوال المفسرين فيها ، فقد ورد النص عن عقد الأيمان وتعاقدها ، والمراد بالأيمان الوصف للأيدي ، فهذا لا دخل لعقد القلب فيه ، وذلك قوله تعالى:«ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيداً» النساء/33، فهذا معاقدة على حلف موالي الموالاة..
قال الزمخشري: (عاقدتهم أيديكم، وما سحتموهم ) ، فهذا من التعاقد بالأيمان من الأيادي ، بل بالغ الزجاج فلم يقبل غير قراءة :((عاقدت)) حمل قراءة «عقدت» على غموض من العربية.. ولم يشذ عن هذا المعنى إلا رواية غريبة رواها ابن إسحاق يفهم من سياقها أن الأيمان بمعنى الأقسام.
وورد النص بمعنى عقد اليمين وهو القسم ، وهذا للقلب دخل فيه ، وذلك قول الله تعالى:«لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان» المائدة/89، فقد أسند تعقيد الأيمان إلى القلب ، قال الحافظ ابن كثير : فقال:«أي بما صممتم عليه من الأيمان وقصدتموها »، وقال الشوكاني:«فاليمين المعقدة من عقد القلب ليفعلن أولا يفعلن في المستقبل.. أي ولكن يأخذكم بأيمانكم المعقدة الموثقة بالقصد والنية إذا حنثتم فيها)) .
قال أبو عبدالرحمن: يشهد لهذا المعنى آية كريمة يوافق سياقها سياق هذه الآية ، وهي قوله تعالى:«لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم»«سورة البقرة/ 225» .. وقبل ابن كثير قال الزمخشري :«بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها بالقصد والنية )) .
وقراءة «عاقدتم» هاهنا محمولة على معنى قراءة عقدتم» بخلاف الآية من سورة النساء ، لأن الآية من سورة النساء عن اليمين بمعنى القسم فتقتضي عقداً بالقلب، والآية من سورة النساء عن اليمين بمعنى صفة إحدى اليدين، وهي عن معاقدة من أطراف.
قال أبو عبدالرحمن: وقد أسلفت في مباحثي أن الأصل في فاعل متابعة الفعل من طرف واحد مثل سافر وعاقب، ومن طرف واحد فأكثر مثل ساير وقاتل، فقراءة عاقب هاهنا بمعنى متابعة العقد القلبي حتى يكثر ويتأصل، ويشهد لذلك قراءة التضعيف التي تعني التكثير ، فكل ذلك لا يعني تكرار الحلف، وإنما نعني تكثر مقويات الحلف في القلب من التصميم على مقتضاه في المستقبل، ويعني ما ذكره النحاس من توكيد القسم بالحلف على الشيء غير غالط ولا ناس .
والتفريق بين الآيتين من سورتي النساء والمائدة تنزيل لمراد المتكلم الخاص المتعيِّن على أحد المعاني الجائزة لغة، لأن مراد المتكلم أخص من معاني اللغة.. واليمين بمجردها وبدون ذكر العقد تفيد توكيد مقتضاها من المحلوف عليه، فاكتفاء المفسر بهذا المعنى إلغاء لفعل العقد والتعقيد والمعاقدة.. والمحلوف له يرضى ويقنع بهذا التوكيد القسمي، فتكون اليمين تعاقداً بين طرفين، إلا أن الذي يكتفي بهذا المعنى يلغي دلالة الفعل الذي أسلفته، إذ العقد معنى زائد على الغاية من القسم ، وهو عقد القلب على تنفيذ ما تعد به اليمين، وعلى مقتضاها دون غلط أو نسيان..
وأما الإشارة التي غفل الشادي عن دلالتها فهي قول الراغب عقب الآية من سورة المائدة:«ومنه قيل: لفلان عقيدة )) ،
لأن ضرورة اللغة وتصاريفها للدلالة على أنواع المراد تقضي التسمية بالعقيدة لما يفعله العقد ، وهو منسوب إلى عقد القلب بدلالة اللغة والسياق والآية من سورة البقرة.. وكل فعل منه فاعل ومفعول واسم للفعل ومفعوله .
- الوقفة السابعة: إذن عقيدة القلب معنى شرعي بضرورة الاستنباط من الآية من سورة المائدة ، وهي أعم من المعنى الاصطلاحي.. وعلى هذا المعنى أصَّل اللغويون صيغ المادة مما يثبت استعمال العقيدة في المعنى الأعم..
قال نشوان بن سعيد الحميري (شمس العلوم):«اعتقد الدين وغيره :أي عقد عليه قلبه »،
وقال الزبيدي«تاج العروس» مستدركاً:«اعتقد كذا بقلبه .. وما انعقد عليه الشيء فذلك الشيء في أثنائه، وقد جاء الاعتقاد الذي منه المعتقد والعقيدة في مجاز عربي بعيد..))
قال ابن فارس رحمه الله:«اعتقد الأرض حياسنتها.. وذلك إذا أمطرت حتى يحفر الحافر الثرى، فتذهب يده فيه حتى يمس الأرض بأذنه وهو يحفر والثرى جعد»، يريد أنها اكتفت في بطنها مطر سنتها.
قال أبو عبدالرحمن: لا نزال في ألف باء الوقفات ، فإلى لقاءٍ إن شاء الله .
( منقول باختصار )
________________________________________
اطلعت على أوراق لشاب نشيط في طلب العلم، حاد الذكاء.. لا يعيبه إلا ثقة في النفس لا حدود لها بحيث استعلى بتحصيله المحدود في عمره العلمي القصير على مواهب العلماء وتحقيقهم وتدقيقهم خلال خمسة عشر قرناً، ولهذا يكثر في كلامه عبارات لا يجسر عليها إلا الأئمة .
كقوله: لا يوجد هذا الشيء لا في قول صاحب ولا قول تابع في أشياء غيرمحصورة، ليس عدم العلم بها علماً بعدمها كأنه ابن المنذر أو ابن جرير أو ابن حزم أو ابن عبدالبر من الحفاظ الكبار والخُلق في مثل هذا أن ينسب الاستقراء إلى جهده هو لا إلى كل الكتب كأن يقول: لم أجد هذه الكلمة مسندة إلى صاحب أو تابع في المتداول المطبوع من كتب اللغة أو لا أعلم أنها نسبت إلى صاحب أو تابع .. إلخ .
وله تقريرات تألم محباً مثلي يود أن يكون علم المذكور مؤصلاً بيد أن ما أصَّله عن البدعة يغيظ كل محب!. كل هذه المآخذ وأكثر منها تجدها في تعريفه للعقيدة وحكمه على التعريف، وهذا موجز رأيه :
1 – أن الاصطلاح المشهور بالعقيدة لا يوجد في كلام الله سبحانه، ولا في السنة، ولا في المؤلفات المشهورة في القرون الثلاثة الأولى.. أي ليس في أقوال الصحابة رضي الله عنهم، ولا التابعين وتابعيهم وتابعي تابعيهم رحمهم الله: لا بإسناد صحيح ولا حسن ولا ضعيف ولا موضوع.. لا لفظاً ولا معنى.
2 – العقيدة مصطلح بدعي مستحدث يجب هجره .
3 – هذا المصطلح كالمصطلحات التي ننكرها كالحيز والجوهر والقديم.. إلى آخر مصطلحات البدعيين .
4- العقيدة أهم شيء في حياة المسلم فهل يعقل خلو القرآن من ذكرها؟.. قال أبو عبدالرحمن: معنى هذا أن العقيدة إذن ليست أهم شيء في حياة المسلم .
5 – احتمل أن بعض المتأخرين أخذ مصطلح العقيدة من عقد القلب على أمر ديني أو دنيوي ، ثم قصر المعنى على بعض المعاني العلمية الدينية.
6 – هذا الأخذ خطير ،وهذا أمر خطير ، لأنهم حشروا في كتب العقائد مجموعة كبيرة من الآثار في تكفير المخالفين لهم..
7- أن هذا الأخذ مبتدع مستحدث غير منضبط.
8- أن الألفاظ الشرعية أولى بالاستعمال ...إلخ .
................................
قال أبو عبدالرحمن: هذا كل ما عنده عن بدعية الاصطلاح بالعقيدة تقصيته بإيجاز واستيعاب معاً ، وفيه من الخلط ، والأحكام غير المحققة ما أعزوه إلى قصور العلم ، ولا أعزوه إلى تعمد المغالطة ، لأنني أجل أي أخ مسلم عن تعمد المغالطة في دين الله، وإنني محصٍ عليه المؤاخذة ، كاشف وجه الحق حسب اجتهادي واجتهاد فحول العلماء قبلي بهذه الوقفات :
- الوقفة الأولى: من القصور في التأصيل العلمي التماس كل معنى عربي –ودعك من الاصطلاح الحاصل بعد التنزيل في كلام الله سبحانه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم- ورده لغة أو شرعاً إذا لم يوجد فيهما، لأن المعجم العربي المدون مليء بمئات المفردات والمعاني العربية التي لم ترد في الوحيين ، وما في ذلك من عجب ، لأن الوحيين ليسا معجماً لغوياً ، وإنما هما تعبير عما أذن الله بإبلاغه شرعاً بلغة عربية مبينة من مجموع لغة العرب.
- الوقفة الثانية: ليست كل صيغة من صيغ العربية ترد منقولة عن العرب قبل التنزيل، ثم عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم.. وإنما تنقل المادة ببضعٍ وبعشرات من الصيغ، وتبقى صيغ المادة الأخرى على محض العروبة، لأن معاني الصيغ معروفة في السليقة ، مؤصلة بعد التدوين.. وكل عربي يحول المادة إلى صيغةٍ ما حسب المعنى الذي يريده.. وقد يُعنى مدونو المعجم العربي بإيراد صيغ حول معناها وقياسها الصرفي خلاف ، وبهذا يحقق أمثال ما حكاه ابن خالويه في كتابه: "ليس من لغة العرب".. وعلى هذا فورود استعمال كل مادة في المعجم على صيغة لا اختلاف في صحتها صرفاً ومعنى ليس شرطاً في عربيتها، ونفي الاستعمال ليس علماً بالعدم، بل عدم علمٍ سببه إهمال اللغويين تقصي ما سمعوه للمادة من صيغ لا لبس في صحتها كما وردت في أمثالها من المواد.
- الوقفة الثالثة: صحة الصيغة التي لم ترد في المعجم لمادة دون مادة إذا صحت صرفاً ومعنى.. أريد معنى الصيغة المضاف إلى معنى المادة قاض بأنها من استعمال العرب قبل التنزيل وفي عهد الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، لأن العربي إنما يعبر عن مراده بلغته إن احتاج إلى التعبير عن المادة بمعنى صيغة معينة.
الوقفة الرابعة: لو لم يصح ما ذكرته بالوقفة الثالثة وهو صحيح بيقين لما كان ذلك مسوغاً لقول الشادي:«ليس في أقوال الصحابة، ولا التابعين.. إلخ.. إلخ»، لأن هذا وقف على الحفاظ، ولأن الشادي لم يستوعب كل مخطوط ، ولأن ما فقد من كتب المسلمين كثير جداً ، ولأنه لم يفتش في كل موجود من مطبوع ومخطوط من كتب اللغة والآثار والأحاديث والأدب والشعر وأخبار العلماء وتراجمهم وإنما استراح إلى بضعة كتب كالراغب وغفل عن مدلول إشارته النفيسة التي ستأتي، فالأحرى به أن يقول: لا أعلم ذلك وارداً.. فإن أراد الترقي في العلم قال: ويظهر من مطولات اللغة المطبوعة أو المخطوطة إن كان استقرأها : أن العقيدة معروفة المعنى مادة وصيغة ، ولكنها تورد الاصطلاح بها على المعنى المعروف الآن منسوباً إلى أهل السليقة.. هذا هو الورع والتواضع والبراءة من التمظهر .
- الوقفة الخامسة: أن العقيدة اسم لما يقر في القلب معرفته: عن علم محقق ، أو عن وهم ، أو عن عادة وتلقين وتقليد.. وهي بعض النية، لأن النية إضمار لإنشاء قولٍ أو فعل.. وقلت:«وهي بعض معنى النية» من أجل المعنى اللغوي، لا بالمعنى الشرعي الذي جعل عقيدة الإيمان عمل قلبٍ ولسانٍ وجوارح أخرى يسمى فعلها عملاً لا قولاً.. والحكم الشرعي يضاف إلى المعنى اللغوي، فيكون معنى شرعياً.. وقولي:«العقيدة اسم لما يقر في القلب.. إلخ» إنما هو معنى لغوي بنص أهل اللغة ، وبلازم نصهم ، وبيان ذلك: أن مادة العين والقاف والدال في لغة العرب تعني الشد والتوثيق .. وعمل القلب داخل في ذلك، لأنه يعقد :« بشد وتوثيق » على وجدانه المعرفي، وعلى نيته.. والعقد مصدر، والعقيدة اسم، ومن معاني الفعلية الاسمية .
- الوقفة السادسة: أن هذا المعنى الصحيح لغة مراعى في تفسير كلام الله.. وللأسف أن الأخ الشادي سرد نصوص القرآن الكريم في المادة ، وعرج على قول الراغب ، وغفل عن دلالة إشارته ، ولم يكلف نفسه تدبر معاني الآيات الكريمات وأقوال المفسرين فيها ، فقد ورد النص عن عقد الأيمان وتعاقدها ، والمراد بالأيمان الوصف للأيدي ، فهذا لا دخل لعقد القلب فيه ، وذلك قوله تعالى:«ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيداً» النساء/33، فهذا معاقدة على حلف موالي الموالاة..
قال الزمخشري: (عاقدتهم أيديكم، وما سحتموهم ) ، فهذا من التعاقد بالأيمان من الأيادي ، بل بالغ الزجاج فلم يقبل غير قراءة :((عاقدت)) حمل قراءة «عقدت» على غموض من العربية.. ولم يشذ عن هذا المعنى إلا رواية غريبة رواها ابن إسحاق يفهم من سياقها أن الأيمان بمعنى الأقسام.
وورد النص بمعنى عقد اليمين وهو القسم ، وهذا للقلب دخل فيه ، وذلك قول الله تعالى:«لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان» المائدة/89، فقد أسند تعقيد الأيمان إلى القلب ، قال الحافظ ابن كثير : فقال:«أي بما صممتم عليه من الأيمان وقصدتموها »، وقال الشوكاني:«فاليمين المعقدة من عقد القلب ليفعلن أولا يفعلن في المستقبل.. أي ولكن يأخذكم بأيمانكم المعقدة الموثقة بالقصد والنية إذا حنثتم فيها)) .
قال أبو عبدالرحمن: يشهد لهذا المعنى آية كريمة يوافق سياقها سياق هذه الآية ، وهي قوله تعالى:«لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم»«سورة البقرة/ 225» .. وقبل ابن كثير قال الزمخشري :«بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها بالقصد والنية )) .
وقراءة «عاقدتم» هاهنا محمولة على معنى قراءة عقدتم» بخلاف الآية من سورة النساء ، لأن الآية من سورة النساء عن اليمين بمعنى القسم فتقتضي عقداً بالقلب، والآية من سورة النساء عن اليمين بمعنى صفة إحدى اليدين، وهي عن معاقدة من أطراف.
قال أبو عبدالرحمن: وقد أسلفت في مباحثي أن الأصل في فاعل متابعة الفعل من طرف واحد مثل سافر وعاقب، ومن طرف واحد فأكثر مثل ساير وقاتل، فقراءة عاقب هاهنا بمعنى متابعة العقد القلبي حتى يكثر ويتأصل، ويشهد لذلك قراءة التضعيف التي تعني التكثير ، فكل ذلك لا يعني تكرار الحلف، وإنما نعني تكثر مقويات الحلف في القلب من التصميم على مقتضاه في المستقبل، ويعني ما ذكره النحاس من توكيد القسم بالحلف على الشيء غير غالط ولا ناس .
والتفريق بين الآيتين من سورتي النساء والمائدة تنزيل لمراد المتكلم الخاص المتعيِّن على أحد المعاني الجائزة لغة، لأن مراد المتكلم أخص من معاني اللغة.. واليمين بمجردها وبدون ذكر العقد تفيد توكيد مقتضاها من المحلوف عليه، فاكتفاء المفسر بهذا المعنى إلغاء لفعل العقد والتعقيد والمعاقدة.. والمحلوف له يرضى ويقنع بهذا التوكيد القسمي، فتكون اليمين تعاقداً بين طرفين، إلا أن الذي يكتفي بهذا المعنى يلغي دلالة الفعل الذي أسلفته، إذ العقد معنى زائد على الغاية من القسم ، وهو عقد القلب على تنفيذ ما تعد به اليمين، وعلى مقتضاها دون غلط أو نسيان..
وأما الإشارة التي غفل الشادي عن دلالتها فهي قول الراغب عقب الآية من سورة المائدة:«ومنه قيل: لفلان عقيدة )) ،
لأن ضرورة اللغة وتصاريفها للدلالة على أنواع المراد تقضي التسمية بالعقيدة لما يفعله العقد ، وهو منسوب إلى عقد القلب بدلالة اللغة والسياق والآية من سورة البقرة.. وكل فعل منه فاعل ومفعول واسم للفعل ومفعوله .
- الوقفة السابعة: إذن عقيدة القلب معنى شرعي بضرورة الاستنباط من الآية من سورة المائدة ، وهي أعم من المعنى الاصطلاحي.. وعلى هذا المعنى أصَّل اللغويون صيغ المادة مما يثبت استعمال العقيدة في المعنى الأعم..
قال نشوان بن سعيد الحميري (شمس العلوم):«اعتقد الدين وغيره :أي عقد عليه قلبه »،
وقال الزبيدي«تاج العروس» مستدركاً:«اعتقد كذا بقلبه .. وما انعقد عليه الشيء فذلك الشيء في أثنائه، وقد جاء الاعتقاد الذي منه المعتقد والعقيدة في مجاز عربي بعيد..))
قال ابن فارس رحمه الله:«اعتقد الأرض حياسنتها.. وذلك إذا أمطرت حتى يحفر الحافر الثرى، فتذهب يده فيه حتى يمس الأرض بأذنه وهو يحفر والثرى جعد»، يريد أنها اكتفت في بطنها مطر سنتها.
قال أبو عبدالرحمن: لا نزال في ألف باء الوقفات ، فإلى لقاءٍ إن شاء الله .
( منقول باختصار )