المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مصطلح العقيدة .... (شبهات وردود)


رياض العُمري
28-Sep-2006, 03:09 PM
رد ابن عقيل الظاهري على حسن فرحان في مسألة مصطلح العقيدة :
________________________________________
اطلعت على أوراق لشاب نشيط في طلب العلم، حاد الذكاء.. لا يعيبه إلا ثقة في النفس لا حدود لها بحيث استعلى بتحصيله المحدود في عمره العلمي القصير على مواهب العلماء وتحقيقهم وتدقيقهم خلال خمسة عشر قرناً، ولهذا يكثر في كلامه عبارات لا يجسر عليها إلا الأئمة .
كقوله: لا يوجد هذا الشيء لا في قول صاحب ولا قول تابع في أشياء غيرمحصورة، ليس عدم العلم بها علماً بعدمها كأنه ابن المنذر أو ابن جرير أو ابن حزم أو ابن عبدالبر من الحفاظ الكبار والخُلق في مثل هذا أن ينسب الاستقراء إلى جهده هو لا إلى كل الكتب كأن يقول: لم أجد هذه الكلمة مسندة إلى صاحب أو تابع في المتداول المطبوع من كتب اللغة أو لا أعلم أنها نسبت إلى صاحب أو تابع .. إلخ .
وله تقريرات تألم محباً مثلي يود أن يكون علم المذكور مؤصلاً بيد أن ما أصَّله عن البدعة يغيظ كل محب!. كل هذه المآخذ وأكثر منها تجدها في تعريفه للعقيدة وحكمه على التعريف، وهذا موجز رأيه :
1 – أن الاصطلاح المشهور بالعقيدة لا يوجد في كلام الله سبحانه، ولا في السنة، ولا في المؤلفات المشهورة في القرون الثلاثة الأولى.. أي ليس في أقوال الصحابة رضي الله عنهم، ولا التابعين وتابعيهم وتابعي تابعيهم رحمهم الله: لا بإسناد صحيح ولا حسن ولا ضعيف ولا موضوع.. لا لفظاً ولا معنى.
2 – العقيدة مصطلح بدعي مستحدث يجب هجره .
3 – هذا المصطلح كالمصطلحات التي ننكرها كالحيز والجوهر والقديم.. إلى آخر مصطلحات البدعيين .
4- العقيدة أهم شيء في حياة المسلم فهل يعقل خلو القرآن من ذكرها؟.. قال أبو عبدالرحمن: معنى هذا أن العقيدة إذن ليست أهم شيء في حياة المسلم .
5 – احتمل أن بعض المتأخرين أخذ مصطلح العقيدة من عقد القلب على أمر ديني أو دنيوي ، ثم قصر المعنى على بعض المعاني العلمية الدينية.
6 – هذا الأخذ خطير ،وهذا أمر خطير ، لأنهم حشروا في كتب العقائد مجموعة كبيرة من الآثار في تكفير المخالفين لهم..
7- أن هذا الأخذ مبتدع مستحدث غير منضبط.
8- أن الألفاظ الشرعية أولى بالاستعمال ...إلخ .
................................
قال أبو عبدالرحمن: هذا كل ما عنده عن بدعية الاصطلاح بالعقيدة تقصيته بإيجاز واستيعاب معاً ، وفيه من الخلط ، والأحكام غير المحققة ما أعزوه إلى قصور العلم ، ولا أعزوه إلى تعمد المغالطة ، لأنني أجل أي أخ مسلم عن تعمد المغالطة في دين الله، وإنني محصٍ عليه المؤاخذة ، كاشف وجه الحق حسب اجتهادي واجتهاد فحول العلماء قبلي بهذه الوقفات :
- الوقفة الأولى: من القصور في التأصيل العلمي التماس كل معنى عربي –ودعك من الاصطلاح الحاصل بعد التنزيل في كلام الله سبحانه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم- ورده لغة أو شرعاً إذا لم يوجد فيهما، لأن المعجم العربي المدون مليء بمئات المفردات والمعاني العربية التي لم ترد في الوحيين ، وما في ذلك من عجب ، لأن الوحيين ليسا معجماً لغوياً ، وإنما هما تعبير عما أذن الله بإبلاغه شرعاً بلغة عربية مبينة من مجموع لغة العرب.

- الوقفة الثانية: ليست كل صيغة من صيغ العربية ترد منقولة عن العرب قبل التنزيل، ثم عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم.. وإنما تنقل المادة ببضعٍ وبعشرات من الصيغ، وتبقى صيغ المادة الأخرى على محض العروبة، لأن معاني الصيغ معروفة في السليقة ، مؤصلة بعد التدوين.. وكل عربي يحول المادة إلى صيغةٍ ما حسب المعنى الذي يريده.. وقد يُعنى مدونو المعجم العربي بإيراد صيغ حول معناها وقياسها الصرفي خلاف ، وبهذا يحقق أمثال ما حكاه ابن خالويه في كتابه: "ليس من لغة العرب".. وعلى هذا فورود استعمال كل مادة في المعجم على صيغة لا اختلاف في صحتها صرفاً ومعنى ليس شرطاً في عربيتها، ونفي الاستعمال ليس علماً بالعدم، بل عدم علمٍ سببه إهمال اللغويين تقصي ما سمعوه للمادة من صيغ لا لبس في صحتها كما وردت في أمثالها من المواد.

- الوقفة الثالثة: صحة الصيغة التي لم ترد في المعجم لمادة دون مادة إذا صحت صرفاً ومعنى.. أريد معنى الصيغة المضاف إلى معنى المادة قاض بأنها من استعمال العرب قبل التنزيل وفي عهد الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، لأن العربي إنما يعبر عن مراده بلغته إن احتاج إلى التعبير عن المادة بمعنى صيغة معينة.
الوقفة الرابعة: لو لم يصح ما ذكرته بالوقفة الثالثة وهو صحيح بيقين لما كان ذلك مسوغاً لقول الشادي:«ليس في أقوال الصحابة، ولا التابعين.. إلخ.. إلخ»، لأن هذا وقف على الحفاظ، ولأن الشادي لم يستوعب كل مخطوط ، ولأن ما فقد من كتب المسلمين كثير جداً ، ولأنه لم يفتش في كل موجود من مطبوع ومخطوط من كتب اللغة والآثار والأحاديث والأدب والشعر وأخبار العلماء وتراجمهم وإنما استراح إلى بضعة كتب كالراغب وغفل عن مدلول إشارته النفيسة التي ستأتي، فالأحرى به أن يقول: لا أعلم ذلك وارداً.. فإن أراد الترقي في العلم قال: ويظهر من مطولات اللغة المطبوعة أو المخطوطة إن كان استقرأها : أن العقيدة معروفة المعنى مادة وصيغة ، ولكنها تورد الاصطلاح بها على المعنى المعروف الآن منسوباً إلى أهل السليقة.. هذا هو الورع والتواضع والبراءة من التمظهر .

- الوقفة الخامسة: أن العقيدة اسم لما يقر في القلب معرفته: عن علم محقق ، أو عن وهم ، أو عن عادة وتلقين وتقليد.. وهي بعض النية، لأن النية إضمار لإنشاء قولٍ أو فعل.. وقلت:«وهي بعض معنى النية» من أجل المعنى اللغوي، لا بالمعنى الشرعي الذي جعل عقيدة الإيمان عمل قلبٍ ولسانٍ وجوارح أخرى يسمى فعلها عملاً لا قولاً.. والحكم الشرعي يضاف إلى المعنى اللغوي، فيكون معنى شرعياً.. وقولي:«العقيدة اسم لما يقر في القلب.. إلخ» إنما هو معنى لغوي بنص أهل اللغة ، وبلازم نصهم ، وبيان ذلك: أن مادة العين والقاف والدال في لغة العرب تعني الشد والتوثيق .. وعمل القلب داخل في ذلك، لأنه يعقد :« بشد وتوثيق » على وجدانه المعرفي، وعلى نيته.. والعقد مصدر، والعقيدة اسم، ومن معاني الفعلية الاسمية .

- الوقفة السادسة: أن هذا المعنى الصحيح لغة مراعى في تفسير كلام الله.. وللأسف أن الأخ الشادي سرد نصوص القرآن الكريم في المادة ، وعرج على قول الراغب ، وغفل عن دلالة إشارته ، ولم يكلف نفسه تدبر معاني الآيات الكريمات وأقوال المفسرين فيها ، فقد ورد النص عن عقد الأيمان وتعاقدها ، والمراد بالأيمان الوصف للأيدي ، فهذا لا دخل لعقد القلب فيه ، وذلك قوله تعالى:«ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيداً» النساء/33، فهذا معاقدة على حلف موالي الموالاة..
قال الزمخشري: (عاقدتهم أيديكم، وما سحتموهم ) ، فهذا من التعاقد بالأيمان من الأيادي ، بل بالغ الزجاج فلم يقبل غير قراءة :((عاقدت)) حمل قراءة «عقدت» على غموض من العربية.. ولم يشذ عن هذا المعنى إلا رواية غريبة رواها ابن إسحاق يفهم من سياقها أن الأيمان بمعنى الأقسام.
وورد النص بمعنى عقد اليمين وهو القسم ، وهذا للقلب دخل فيه ، وذلك قول الله تعالى:«لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان» المائدة/89، فقد أسند تعقيد الأيمان إلى القلب ، قال الحافظ ابن كثير : فقال:«أي بما صممتم عليه من الأيمان وقصدتموها »، وقال الشوكاني:«فاليمين المعقدة من عقد القلب ليفعلن أولا يفعلن في المستقبل.. أي ولكن يأخذكم بأيمانكم المعقدة الموثقة بالقصد والنية إذا حنثتم فيها)) .
قال أبو عبدالرحمن: يشهد لهذا المعنى آية كريمة يوافق سياقها سياق هذه الآية ، وهي قوله تعالى:«لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم»«سورة البقرة/ 225» .. وقبل ابن كثير قال الزمخشري :«بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها بالقصد والنية )) .
وقراءة «عاقدتم» هاهنا محمولة على معنى قراءة عقدتم» بخلاف الآية من سورة النساء ، لأن الآية من سورة النساء عن اليمين بمعنى القسم فتقتضي عقداً بالقلب، والآية من سورة النساء عن اليمين بمعنى صفة إحدى اليدين، وهي عن معاقدة من أطراف.
قال أبو عبدالرحمن: وقد أسلفت في مباحثي أن الأصل في فاعل متابعة الفعل من طرف واحد مثل سافر وعاقب، ومن طرف واحد فأكثر مثل ساير وقاتل، فقراءة عاقب هاهنا بمعنى متابعة العقد القلبي حتى يكثر ويتأصل، ويشهد لذلك قراءة التضعيف التي تعني التكثير ، فكل ذلك لا يعني تكرار الحلف، وإنما نعني تكثر مقويات الحلف في القلب من التصميم على مقتضاه في المستقبل، ويعني ما ذكره النحاس من توكيد القسم بالحلف على الشيء غير غالط ولا ناس .
والتفريق بين الآيتين من سورتي النساء والمائدة تنزيل لمراد المتكلم الخاص المتعيِّن على أحد المعاني الجائزة لغة، لأن مراد المتكلم أخص من معاني اللغة.. واليمين بمجردها وبدون ذكر العقد تفيد توكيد مقتضاها من المحلوف عليه، فاكتفاء المفسر بهذا المعنى إلغاء لفعل العقد والتعقيد والمعاقدة.. والمحلوف له يرضى ويقنع بهذا التوكيد القسمي، فتكون اليمين تعاقداً بين طرفين، إلا أن الذي يكتفي بهذا المعنى يلغي دلالة الفعل الذي أسلفته، إذ العقد معنى زائد على الغاية من القسم ، وهو عقد القلب على تنفيذ ما تعد به اليمين، وعلى مقتضاها دون غلط أو نسيان..
وأما الإشارة التي غفل الشادي عن دلالتها فهي قول الراغب عقب الآية من سورة المائدة:«ومنه قيل: لفلان عقيدة )) ،
لأن ضرورة اللغة وتصاريفها للدلالة على أنواع المراد تقضي التسمية بالعقيدة لما يفعله العقد ، وهو منسوب إلى عقد القلب بدلالة اللغة والسياق والآية من سورة البقرة.. وكل فعل منه فاعل ومفعول واسم للفعل ومفعوله .

- الوقفة السابعة: إذن عقيدة القلب معنى شرعي بضرورة الاستنباط من الآية من سورة المائدة ، وهي أعم من المعنى الاصطلاحي.. وعلى هذا المعنى أصَّل اللغويون صيغ المادة مما يثبت استعمال العقيدة في المعنى الأعم..
قال نشوان بن سعيد الحميري (شمس العلوم):«اعتقد الدين وغيره :أي عقد عليه قلبه »،
وقال الزبيدي«تاج العروس» مستدركاً:«اعتقد كذا بقلبه .. وما انعقد عليه الشيء فذلك الشيء في أثنائه، وقد جاء الاعتقاد الذي منه المعتقد والعقيدة في مجاز عربي بعيد..))
قال ابن فارس رحمه الله:«اعتقد الأرض حياسنتها.. وذلك إذا أمطرت حتى يحفر الحافر الثرى، فتذهب يده فيه حتى يمس الأرض بأذنه وهو يحفر والثرى جعد»، يريد أنها اكتفت في بطنها مطر سنتها.
قال أبو عبدالرحمن: لا نزال في ألف باء الوقفات ، فإلى لقاءٍ إن شاء الله .
( منقول باختصار )

زين العابدين
30-Oct-2008, 04:15 PM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

توفيق بن إبراهيم
01-Nov-2008, 10:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
جزى الله فضيلة الكاتب وفضيلة الناقل
وفضيلة الرافع خير الجزاء .

حقيقة أول أطلاعي على الموضوع كان هذا اليوم عندما ثبّت ، وهذه من فوائد التثبيت ، فقرأته ، وقلت في نفسي لعلي أتسلى عليه قليلا .

فلا أقصد الرد المفصل لكنه تعليق سريع يسير أمهد له بتلخيص لما قرره أبو عبدالرحمن ابن عقيل ثم أعلق عليه .

أولاً التلخيص :
والقصد منه التسهيل ، فقد دخل ابن عقيل في مسائل لغوية دقيقة قد يعزف بعضهم عن قراءتها ، فأحببت تقريبها في أسطر وكلمات معدودة .
ملخص الوقفات :
1- ليس كل ما في العربية موجود في القرآن والسنة .
2- ليست كل صيغة عربية لابد أن تكون منقولة عن العرب ، فالعربي يعبر بالصيغة التي يريد معناها ، وقد تبقى صيغ لا يعبر بها .

3- صحة الصياغة - التي لم ترد في المعجم - تتوقف على صحة الصرف والمعنى .

4- لا يصح إطلاق القول ( ليس في أقوال الصحابة ...)إلخ وهو مجازفة لأن ما فقد من كتب المسلمين كثير ، وما لم أيضا يطبع كثير ، والقائل لم يستقرئ ذلك كله .

5- أن معنى كلمة عقيدة ( بمعنى اسم لما يقر في القلب معرفته ...) إلخ وارد عن أهل اللغة نصا ولازما للنص .

6- أن معنى كلمة عقيدة ( بمعنى اسم لما يقر في القلب معرفته ...) وارد في كتاب الله كما في آية المائدة(ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) ، والتعقيد يكون بالقلب يشهد لهذا آية البقرة بنفس السياق (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) .

7- أن عقيدة القلب معنى شرعي بضرورة الاستنباط من الآية من سورة المائدة ، وهي أعم من المعنى الاصطلاحي ، وعلى هذا المعنى أصل اللغويون صيغ المادة ، وهذا يثبت استعمال العقيدة في المعنى الأعم . اهـ

ثانيا : تعليق سريع على الدعاوى التي ذكرها المتعقب (باسم المفعول).

1- الدعوى كلها مبنية على المقدمة الأولى ، وما بعدها إنما هو بناء عليها ، ولهذا عندما رد عليها ابن عقيل كان يستهدف أصلها ، فإذا انتقض انتقض سائر البنيان .

ولهذا أثبت في وقفاته أن أصل المادة بهذا المعنى موجود في اللغة بل وفي القرآن الكريم ، فوجودها ثابت أصلا ومعنى .

2- إضافة لغوية تؤيد ما ذكره ابن عقيل ، ولم يقف عليها الراد والمردود عليه (فيما أعلم) - ربما لأنها ذكرت في غير موضعها المتوقع - ويبدو أن المردود عليه بحث عن كلمة عقيدة فيما يظنه من مواضعها فلما لم يجدها تجرأ على الجزم بعدم وجودها ، وهذا يعطينا فائدة أن لا نجزم بما لا نعلم .

جاء في : تهذيب اللغة للأزهري ، ولسان العرب ، والقاموس المحيط ، وتاج العروس في مادة (ب ص ر) ما يلي :

وبَصرُ القلب نَظَرَهُ وخاطره ، والبَصِيرَةُ عَقِيدَةُ القلب

قال الليث: البَصيرة اسم لما اعتقد في القلب من الدين وتحقيق الأَمر .

وقيل: البصيرة الفطنة ، تقول العرب: أَعمى الله بصائره أَي فِطَنَه ، عن ابن الأَعرابي وفي حديث ابن عباس أَن معاوية لما قال لهم: يا بني هاشم تُصابون في أَبصاركم ، قالوا له: وأَنتم يا بني أُمية تصابون في بصائركم .

وفَعَلَ ذلك على بصيرةٍ أَي على عَمْدٍ ، وعلى غير بَصيرة أَي على غير يقين ، وفي حديث عثمان ولتَخْتَلِفُنَّ على بَصِيرَةٍ أَي: على معرفة من أَمركم ويقين .

أقول : هذا نص من القواميس اللغوية على أن البصيرة عقيدة القلب ، فلفظ عقيدة ورد وفي قواميس معتبرة لغة ، ونص الليث على معنى العقيدة بدقة (تحت كلمة بصيرة ) وهو أحد قدماء اللغويين ، فهو ابن المظفر بن نصر بن سيار ، وهو تلميذ الخليل(ت175) وراوي كتابه (العين) أقدم قاموس لغوي ، وينقل عن الليث جماعة من أئمة اللغة منهم الأزهري ت(370)، وصاحب اللسان وغيرهما ، ويتعقبونه فيما أخطأ ولم يتعقبوه هنا .

3- مما سبق يتبين لنا أن الوقفة الثانية والثالثة لابن عقيل وإن كانتا صحيحتين إلا أننا لسنا بحاجة إليها ، لأنه ثبتت صياغة كلمة عقيدة عن العرب بنصها وفي قواميس معتبرة .
أما الوقفة الخامسة فقد حاول ابن عقيل أن أن يثبت أن معنى كلمة (عقيدة) موجود عند أهل اللغة بالرجوع إلى أصل المادة لغة وإلى لوازمها ، وهذا أيضا لا يحتاج إليه مادامت قد وُجدت نصا ، ونص على معناها تحت كلمة بصيرة ، ونص على بصيرة بعقيدة .

هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

أرحب بكل نقد أو تعليق أو إضافة أو تعقيب .
المراجع :
إضافة إلى ما سبق :
1- العين للخليل / رواية الليث للكتاب في مقدمته .
2- الفهرست للنديم / ترجمة الليث عند كتاب العين للخليل (ص 48) وفيها كان من الفقهاء الزهاد ، جهد به المأمون أن يوليه القضاء فلم يفعل ، وروى عنه أبو الهندام (الهيذام) كلاب بن حمزة العقيلي (ت207) . وقيل: إن الليث متمم كتاب الخليل .
وكلاب بفتح الكاف وتشديد الللام . (إكمال الكمال)
3- بغية الوعاة وفيه ترجمة لليث . 2/270
4- والوافي بالوفيات . ترجمة الليث .
5- معجم الأدباء . ترجمة الليث .
6- مجلة جامعة أم القرى (9/205) وفيها أن وفات الليث (180) هـ

روضة الناظر
02-Nov-2008, 09:42 AM
بسم الله .. والصلاة والسلام على رسول الله ..

لا أحب أن أُقدم بين يدي شيخنا : توفيق ... إلا أنني أنقل كلاما من بحث كتبه الأستاذ عبد الصبور شاهين بعنوان : " حول كلمة عقيدة " في مجلة مجمع اللغة العربية بمصر ... ( 22 / 68-74 ) عام ( 1387 ) ...

حيث استقرأ فيه عدم وجود هذه اللفظة في الكتاب أو السنة ، ولا في أمهات معاجم اللغة ، وأن أول من تم الوقوف على ذكره لجمعها ( عقائد ) هو القشيري ( ت 437 ) في الرسالة كما في أولها ، ومن بعده أبو حامد الغزالي ( ت 505 ) جاء بمفردها ( عقيدة ) ، وهي على وزن فعيلة، جمعها : فعائل ، مثل : صحيفة وصحائف قياسا ، وأما من حيث معناها فهي مولدة ؛ إذ لم تكن في الصدر الأول ، والذي يسبقها في الاستعمال لفظ : اعتقاد وهي تدل على إيمان القلب ، ويسبقها أيضا كلمة : معتقد ، وكان ابن جرير الطبري-رحمه الله- ( ت310 ) يذكر كلمتي : معتقد واعتقاد ، وكما في مقدمة الشيخ أحمد شاكر لتفسيره ... والله أعلم .
( انظر : معجم المناهي اللفظية ، للشيخ : بكر أبو زيد - رحمه الله - / ص 666 ) ،،

قلتُ : والدليل على أن عدم استعمالهم لها في الصدر الأول - على فرض ثبوت هذه الدعوى - لا يدل على بطلان استعمالها مطلقا او تبديع من استعملها ممن جاء بعدهم وكأنه جاء بمنكر من القول وزورا ؛ ما جاء عن شيخ الإسلام - رحمه الله - على سبيل المثال حينما سأله أحد قضاة واسط أن يكتب له عقيدة تكون عمدة له واهل بيته .. قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه : " أما بعد : فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة - أهل السنة والجماعة - وهو : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره ... " ثم شرع بد ذلك كما لا يخفى عليكم بتفصيل هذا الاعتقاد .. دونما تثريب على السائل في استعماله لهذا المصطلح !!!!

* و قد تابع ابن تيمية - رحمه الله - على هذا المعنى والاستعمال للاعتقاد الدكتور : ناصر العقل في ( بحوث في عقيدة أهل السنة والجماعة ، ص11-21 ) حيث يقول بأنه : " الإيمان الجازم بالله وما يجب لمعاني الوهيته وربوبيته وأسماءه وصفاته والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر وبالقدر خيره وشره وبكل ماجاءت به النصوص الصحيحة من أصول الدين وأمور الغيب وأخباره " .

.. والله تعالى اعلم ..

توفيق بن إبراهيم
02-Nov-2008, 07:16 PM
أختي الأستاذة الفاضلة روضة حفظك الله ورعاك وشكر الله لك مشاركتك القيمة حقيقة سررت بها جدا خصوصا وأنها تضمنت كلام الأستاذ عبدالصبور شاهين ، وكنت أتمنى بالأمس وأنا أنظر في المسألة أن أقف على كلامه ، فقد وقفت على إشارات تحيل إليه ، ولم أستطع الوصول إليه ، وكان لدي شك أن المنتقد (باسم المفعول) أخذ هذه المعلومة منه ، وفعلا صدق حدسي بما نقلته من كلام الشيخ بكر بوزيد رحمه الله . فسلمك الله على هذا النقل الموفق .

لنعيد تأمل المسألة :

الباحث قاضي
الآن لدينا دعوى : مضمونها كما قرره الأستاذ عبدالصبور شاهين أن كلمة عقيدة لا جود لها لا في كلام الصحابة ولا التابعين ولا في معاجم اللغة المشهور ، وإنما وجدت في كتاب المصباح المنير وبعض المعاجم المعاصرة .

دليل الدعوى : الاستقراء ، فقد تم البحث في معاجم اللغة وكتب المسانيد والآثار ، ولم نجد لها ذكرا إلا عند صاحب المصباح المنير وبعض المعاجم الحديثة .
إلى هنا انتهى عبدالصبور شاهين .
ليأتي بعده المنتقد (باسم المفعول) ليبني عليها ما قرره من نتائج .

فحص الدعوى :
للوهلة الأولى عند مراجعة كتب اللغة فعلا لا نجد في مادة ع ق د أي ذكر للعقيدة في أي معجم لغوي مشهور ، وهذا يؤيد ما ذكر .
لو اكتفينا هنا تصبح الدعوى صحيحة نسبيا ، لكن يرد عليها وقفات الأستاذ أبي عبدالرحمن بن عقيل فهو انطلق من عدم وجود هذه الكلمة في معاجم اللغة .

لكن ماذا تقولون لو أثبتنا وجود هذه الكلمة في معاجم اللغة المشهورة ، ألا تصبح الدعوى باطلة ، وإن قالها من قالها .

لدي البرهان : (البصيرة : عقيدة القلب ) هذه الجملة وردت في المعاجم المشهورة في مادة: ب ص ر ، وجودها في هذه المادة هو الذي جعل الأستاذ عبدالصبور ومن تبعه يغفل عنه ؛ لأنها في غير مظنتها ، فحكموا عليها بأنها لم ترد عن العرب أو في معاجم اللغة المشهورة .

والمعاجم التي وردت فيها في مادة ب ص ر :
1- لسان العرب لابن منظور .
2- القاموس المحيط للفيروزأبادي .
3- المخصص لابن سيدة (4/49) .
4- المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده (8/316) .
5- تاج العروس للزبيدي .

ولم أستوعب جميع المعاجم إنما هي نماذج ، ومن هنا نصل إلى نتيجة أن كلمة عقيدة بصيغتها على وزن فعيله وردت في معاجم اللغة وإن كانت لم توضع في مظنتها ، ودعوى عدم وجودها دعوى باطلة ، يكذبها الحس عند النظر في الكتب المحال إليها .

والله أعلم

توفيق بن إبراهيم
02-Nov-2008, 10:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

بعدما كتبت ما سبق بدا لي أن أنظر في كتب الأدب ودواوين الشعراء لعلي أجد فيها ذكر كلمة عقيدة
وأقدم ما وجدت في ذلك :

1- أبو منصور الثعالبي (350-429) وهو من أئمة اللغة والأدب ذكرها في كتابه (خاص الخاص) حيث قال : نقلا عن محمد بن يزداد (ت230) ( ما استحالت لي فيك نية ، ولا تغيرت عقيدة، فكيف أخلف وعدك) .
ومحمد بن يزداد بن سويد المروزي أبو عبدالله ، أحد كتاب المأمون ووزرائه ، وكان بليغا مترسلا شاعرا ، له من الكتب كتاب الرسائل وكتاب ديوان شعره توفي 230 هـ . [الفهرست ، النجوم الزاهرة 2/275] .
الشاهد : ذكره لكلمة عقيدة ، وهو يعكر على قول من قال إنها لم تعرف في القرون الثلاثة الأولى .

2- في كتاب الرسائل للجاحظ (163هـ -255هـ) : طبعت بتحقيق عبدالسلام هارون وفيها ما نصه : ( وليس حسنك – أبقاك الله – الحسن الذي تبقى معه توبة أو تصح معه عقيدة )
الشاهدة : ذكره لكلمة عقيدة ، وهو من اللغوين القدماء ، وهذا يعكر على ما قيل إن القشيري أو الغزالي أول من ذكراها .

3- في ديوان الصاحب بن عباد (326هـ -385هـ) حيث يقول في قصيدة مطلعها :
ما بال علوى لا ترد جوابي ...... هذا وما ودعت شرخ شبابي
وهي قصيدة طويلة ، يقول في أحد أبياتها :
كم سامع هذا سليم عقيدة ........ صدق التشيع من ذوي الألباب
الشاهد : ذكره لكلمة عقيدة ، وهو قبل القشيري والغزالي ، وكلامه يعكر الدعوى بأن الغزالي أو القشيري أول من ذكر هذه الكلمة .

4- في الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي (ت400هـ) : ما نصه : ( وأما الإخلاص والنفاق فهما يلحقان بالخلق ، ولكنهما يصدران عن عقيدة القلب وضمير النفس ) .
وفي كتاب البصائر والذخائر للتوحيدي ذكر هذه الكلمة مرتين .
أ- قوله : ( وأشرف نية ، وأفضل طوية ، وأظهر عقيدة ) .
ب- قوله: (ولكني يدركني أسف على دين الله عز وجل كيف يتلعب به قوم لا خلاق لهم ، ومن لا عقيدة معهم ) .
وفي كتابه الصديق والصداقة قال: ( وملله عن غير عقيدة ) .
الشاهد : ذكره لكلمة عقيدة ، وهو قبل القشيري والغزالي ، وكلامه يعكر الدعوى بأن الغزالي أو القشيري أول من ذكر هذه الكلمة .

الخلاصة : لا شك أن كلمة عقيدة عرفت بيقين في زمن المأمون (ت218) ، كما يدل عليه نص وزير المأمون محمد بن يزداد المروزي ، وتم تداولها من قبل أدباء وشعراء ، وإن كان ذلك ليس على نطاق واسع كما حصل فيما بعد ، فدعوى أنها لم تعرف أو كلمة مولدة لاتوجد في قواميس اللغة ولم يتم تدولها إلا في زمن القشيري والغزالي وما بعده دعوى غير صحيحة يكذبها ماذكرته من مصادر لغوية وأدبية متقدمة .
والله أعلم .

عبدالله القحطاني
14-Nov-2008, 07:50 PM
احتمل أن بعض المتأخرين أخذ مصطلح العقيدة من عقد القلب على أمر ديني أو دنيوي ، ثم قصر المعنى على بعض المعاني العلمية الدينية.
هذا الأخذ خطير ،وهذا أمر خطير ، لأنهم حشروا في كتب العقائد مجموعة كبيرة من الآثار في تكفير المخالفين لهم..

من المهم في الرد على شخص ما معرفة هدفه مما يطرحه،ويشكك فيه،ولعل كلام المردود عليه هذا يشير إلى أنه ليس هدفه مجرد المصطلح،وإنما مسائل هذا المصطلح التي لا يسع فيه خلاف؛فتأمل...

المُوَقِّع
14-Nov-2008, 11:35 PM
من المهم في الرد على شخص ما معرفة هدفه مما يطرحه،ويشكك فيه،ولعل كلام المردود عليه هذا يشير إلى أنه ليس هدفه مجرد المصطلح،وإنما مسائل هذا المصطلح التي لا يسع فيه خلاف؛فتأمل...

أحسنت، بارك الله فيك !