المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر


قلم الكاتب
06-Apr-2007, 03:40 PM
هل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر



السؤال
ما هي مراتب القدر؟ وهل الإنسان مسير أم مخير؟ وهل القدر عذر للإنسان؟




الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالقدر أربع مراتب، الأولى: علم الله سبحانه بكل شيء أزلي جملة وتفصيلاً، قال تعالى: "وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً" [الفتح:26].
والثانية: كتابته سبحانه وتعالى للمقادير، قال سبحانه عن العلم والكتابة: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [المجادلة:7].وقال سبحانه: "وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" [الأنعام:59].
والثالثة: مشيئته النافذة، كقوله تعالى: "قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ" [آل عمران:40]. وقوله سبحانه: "فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ" [البروج:16].
والرابعة: خلقه سبحانه لكل شيء، قال تعالى: "اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" [الرعد:16].
وقد تواترت النصوص على ذلك، وأجمع عليها أهل العلم.
والإنسان -وغيره من المخلوقات- لا يخرج عن قدر الله، إذ ذاك مقتضى قهره وربوبيته سبحانه، وهذا لا يعني أن الإنسان مسلوب الإرادة تماماً، إذ لو كان الأمر كذلك لكانت بعثة الرسل وإنزال الكتب وفرض الشرائع نوعاً من العبث، إذ إن المخاطب لا حول له ولا قوة. ولكانت عقوبة الإنسان على ذلك نوعاً من الظلم، إذ يلزم من ذلك أنه يحاسب على ما ليس من فعله، والله سبحانه منزه عن العبث والظلم.
الإنسان مسير أحياناً ومخير أحياناً، وكل عاقل يعلم من نفسه أموراً تحصل رغماً عنه، وأموراً تقع باختياره لا ينكر ذلك إلا مكابر، وهذا مقتضى الشرع، فقد أثبـت الله للإنسان إرادة: "مِنْكُم مَن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَن يُرِيدُ الْآخِرَةَ" [آل عمران:152]. فما كان مسيراً فيه فإن الله لا يؤاخذه عليه، بل إن الله يعذره بأقل من ذلك، كالإكراه والخطأ والنسيان والجهل "وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ" [فصلت:46]. "رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا" [البقرة: 286] وقال سبحانه: "رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ" [النساء:165]. وهذا أمر مستقر في الشريعة.
فلا يحاسب المولى سبحانه الإنسان إلا على أفعاله الاختيارية، وعلم الله سبحانه لها وقدرته عليها ومشيئته لها ليس عذراً للإنسان، بل عدم ذلك طعن في علم الله سبحانه وقدرته.
فليس لعاصٍ حجة بالقدر، فهو الذي عمل وأراد، ودخوله في علم الله وقدرته ومشيئته لا تنفي ذلك، فإن الله إن أراد للصائم في رمضان أن يأكل فإن ذلك سيحصل، فإن حصل بإرادة الإنسان فهو عاص آثم مستحق للعقوبة، ولا حجة له بالقدر.
وإن حصل بغير إرادته كالمخطئ والناسي فهو معذور، وهنا يصح أن ينسب الفعل إلى الله إذ هو خارج إرادة الإنسان، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: "من أكل وشرب ناسياً فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" [رواه البخاري، كتاب الصوم، باب الصائم إذا أكل وشرب ناسياً، برقم (1933). ومسلم كتاب الصيام، باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر برقم (1155)].
وقد أنكر سبحانه وتعالى على المشركين احتجاجهم بالقدر، وعدَّه تكذيباً، فقال تعالى: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ" [الأنعام:148].
وإنما يجوز الاحتجاج بالقدر في الأفعال التي لا يملكها الإنسان، وإنما هو مسير فيها، فهو هنا معذور، كما قال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "استعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل". [رواه مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، برقم (2664)]. فالاحتجاج بالقدر على الأفعال الإجبارية صائب جائز، و أما على الأفعال الاختيارية فإنه لا يجوز.
وقد قدر الله سبحانه وتعالى المقادير بحكمته البالغة، وعلمه وقدرته وفق الحق والعدل والإحسان، لا يشوبه أي نوع من الظلم، فكل نفس مستحقة للعذاب والشقاء قد يسر لها، وكذلك كل نفس راغبة في الخير هديت إليه، ويسرت له من غير قسر ولا جبر.
وقد سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القدر أهو أمر قد فرغ منه وانتهى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم، قالوا ففيم العمل؟ فقال صلى الله عليه وسلم "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" [رواه البخاري، كتاب التفسير، فسنيسره للعسرى، برقم (4949). ورواه مسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، برقم (2647)]. فأهل السعادة سيعملون، وميسرون لطريق السعادة، وكذلك أهل الشقاوة.


المجيب د. خالد بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
المصدر http://www.islamtoday.net/questions/show_question_.cfm?id=124231

عبدالله القحطاني
09-Apr-2007, 02:15 AM
جزى الله الشيخ الدكتور خيراً على هذا الجواب،وكذا ناقله،ولكن لي وقفات معه؛أجملها فيما يلي:
1-استعماله لفظ "الجبر"،وهذا غير سديد؛لكونه مجملاً يحتمل حقاً يليق بالله،وباطلاً لا يليق به،ولكونه لفظاً لم يرد إطلاقه لا نفياً ولا إثباتاً،وقد حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية،وتلميذه ابن يم الجوزية-رحمهما الله-في مواضع عديدة؛أكتفي منها بما يلي:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-:"كره السلف أن يقال:"جبر" وأن يقال:"ما جبر"؛ فروى الخلال فى كتاب السنة عن أبى اسحاق الفزاري الإمام قال: قال الأوزاعى:"أتانى رجلان فسألانى عن القدر؛ فأحببت ان آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما"،قلت:"رحمك الله ،أنت أولى بالجواب"،قال:"فأتانى الأوزاعي ومعه الرجلان،فقال:"تكلما" فقالا:"قدم علينا ناس من أهل القدر فنازعونا فى القدر،ونازعناهم حتى بلغ بنا وبهم الجواب إلى أن قلنا إن الله قد جبرنا على ما نهانا عنه وحال بيننا وبين ما أمرنا به ورزقنا ما حرم علينا"؛فقال:"أجبهما يا أبا إسحاق"،قلت:"رحمك الله،أنت أولى بالجواب"،فقال:"أجبهما"، فكرهت أن أخالفه فقلت:"يا هؤلاء إن الذين أتوكم بما أتوكم به قد ابتدعوا بدعة وأحدثوا حدثاً،وإنى أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه"،فقال :"أجبت وأحسنت يا أبا إسحاق"، وروى أيضا عن بقية بن الوليد قال:"سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر فقال الزبيدي:"أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل،ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب"،وقال الأوزاعي:"ما أعرف للجبر أصلاً من القرآن والسنة؛فأهاب أن أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل؛فهذا يعرف فى القرآن والحديث عن رسول الله،وإنما وضعت هذا مخافة أن يرتاب رجل من أهل الجماعة والتصديق"، وروي عن أبى بكر المروذى قال:"قلت لأبى عبد الله :"تقول:إن الله أجبر العباد؟ فقال هكذا لا تقول ،وأنكر هذا ،وقال:"يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء"، وقال المروذى كتب إلي عبدالوهاب فى أمر حسين بن خلف العكبرى وقال:"إنه تنزه عن ميراث أبيه، فقال رجل قدرى:"إن الله لم يجبر العباد على المعاصي"؛فرد عليه أحمد بن رجاء فقال:"إن الله جبر العباد"؛أراد بذلك إثبات القدر فوضع احمد بن على كتابا يحتج فيه فأدخلته على أبي عبد الله وأخبرته بالقصة،قال:"ويضع كتاباً"،وأنكر عليهما جميعا :على ابن رجاء حين قال:"جبر العباد"،وعلى القدري-الذي قال:" لم يجبر"-،وأنكر على أحمد بن على وضعه الكتاب واحتجاجه وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب،وقال لى :"يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال جبر العباد"؛فقلت لأبي عبد الله:"فما الجواب فى هذه المسألة؟؛فقال:"يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء"،قال الخلال:"وأخبرنا المروذي فى هذه المسألة أنه سمع أبا عبد الله لما أنكر على الذي قال:"لم يجبر"،وعلى من رد عليه:"جبر" فقال أبو عبد الله:"كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا فى جوابها"،وقال:"يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة"،وأنكر على من رد شيئاً من جنس الكلام إذا لم يكن له فيه إمام تقدم"،قال المروذي:"فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن علي من عكبرا ومعه نسخة وكتاب من أهل عكبرا فأدخلت أحمد بن علي على أبي عبدالله فقال:"يا أبا عبد الله هذا الكتاب أدفعه إلى أبي بكر حتى يقطعه وأنا أقوم على منبر عكبرا وأستغفر الله"،فقال أبوعبد الله لى:" ينبغي أن تقبلوا منه وارجعوا إليه"،قال المروزي:"سمعت بعض المشيخة يقول:"سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول:"أنكر سفيان الثوري "جبر"،وقال:"الله تعالى جبل العباد"،قال المروذي:"أظنه أراد قول النبي لأشج عبد القيس"ا.هـ["مجموع الفتاوى"5/430]
وقال أيضاً:"الجبر" فيه إجمال:يراد به إكراه الفاعل على الفعل بدون رضاه كما يقال:"إن الأب يجبر المرأة على النكاح"،والله تعالى أجل وأعظم من أن يكون مجبرا بهذا التفسير؛فإنه يخلق للعبد الرضا والاختيار بما يفعله،وليس ذلك جبرا بهذا الاعتبار.
ويراد بالجبر خلق مافي النفوس من الاعتقادات والإرادت كقول محمد بن كعب القرظي:"الجبار الذى جبر العباد على ما أراد"،وكما في الدعاء المأثور عن علي رضى الله عنه:"جبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها"، والجبر ثابت بهذا التفسير.
فلما كان لفظ "الجبر" مجملاً نهى الأئمة الأعلام عن إطلاق إثباته أو نفيه"ا.هـ["مجموع الفتاوى"8/131]
وقال ابن قيم الجوزية-رحمه الله-:"ونظير هذا تسمية خلقه سبحانه لأفعال عباده وقضائه السابق جبرا،ولذلك أنكر أئمة ألسنة كالأوزاعي وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد وغيرهم هذا اللفظ :
قال الأوزاعي والزبيدي:"ليس في الكتاب والسنة لفظ "جبر"،وإنما جاءت ألسنة بلفظ "الجبل" كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس:"إن فيك خلقين يحبهما الله: الحلم والأناة"،فقال:"أخلقين تخلقت بهما أم جبلت عليهما؟ فقال:" بل جبلت عليهما"، فقال:" الحمد لله الذي جبلني على ما يحب"؛ فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله جبله على الحلم والأناة وهما من الأفعال الاختيارية وإن كانا خلقين قائمين بالعبد فإن من الأخلاق ما هو كسبي ومنها ما لا يدخل تحت الكسب ،والنوعان قد جبل الله العبد عليهما ،وهو سبحانه يحب ما جبل عبده عليه من محاسن الأخلاق ،ويكره ما جبله عليه من مساويها فكلاهما بجبلة ،وهذا محبوب له ،وهذا مكروه كما أن جبريل صلوات الله عليه مخلوق له ،وإبليس عليه لعائن الله مخلوق له، وجبريل محبوب له مصطفى عنده ،وإبليس أبغض خلقه إليه.
ومما يوضح ذلك أن لفظ "الجبر" لفظ مجمل؛فإنه يقال:"أجبر الأب ابنته على النكاح"، و"جبر الحاكم الرجل على البيع"،ومعنى هذا الجبر إكراهه عليه ،ليس معناه أنه جعله محبا لذلك راضيا به مختارا له ،والله تعالى إذا خلق فعل العبد جعله محبا له مختارا لإيقاعه راضيا به كارها لعدمه، فإطلاق لفظ "الجبر" على ذلك فاسد لفظا ومعنى،فإن الله سبحانه أجل وأعز من أن يجبر عبده بذلك المعنى، وإنما يجبر العاجز عن أن يجعل غيره فاعلا بإرادته ومحبته ورضاه ،وأما من جعل العبد مريدا محبا مؤثرا لما يفعله فكيف يقال أنه جبره عليه فهو سبحانه أجل وأعظم وأقدر من أن يجبر عبده ويكرهه على فعل يشاؤه منه بل إذا شاء من عبده أن يفعل فعلا جعله قادرا عليه مريدا له محبا مختارا لإيقاعه ،وهو أيضا قادر على أن يجعله فاعلا له باختياره مع كراهته له وبغضه ونفرته عنه فكل ما يقع من العباد بإرادتهم ومشيئاتهم فهو سبحانه الذي جعلهم فاعلين له سواء أحبوه أو أبغضوه وكرهوه ،وهو سبحانه لم يجبرهم في النوعين كما يجبر غيره من لا يقدر على جعله فاعلا بإرادته ومشيئته.
نعم نحن لا ننكر استعمال لفظ "الجبر" فيما هو أعم من ذلك بحيث يتناول من قهر غيره وقدر على جعله فاعلا لما يشاء فعله وتاركا لما لا يشاء فعله ؛فإنه سبحانه المحدث لإرادته له وقدرته عليه ،قال محمد بن كعب القرطبي في اسم الجبار :"إنه سبحانه هو الذي جبر العباد على ما أراد"،وفي الدعاء المعروف عن علي رضي الله عنه:"اللهم داحي المدحوات وبارئ المسموكات جبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها"، فالجبر بهذا المعنى معناه القهر والقدرة وأنه سبحانه قادر على أن يفعل بعبده ما شاء وإذا شاء منه شيئا وقع ولا بد وأن لم يشأ لم يكن ليس كالعاجز الذي يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء.
والفرق بين هذا الجبر وجبر المخلوق لغيره من وجوه:
أحدها:أن المخلوق لا قدرة له على جعل الغير مريدا للفعل محبا له ،والرب تعالى قادر على جعل عبده كذلك.
الثاني:أن المخلوق قد يجبر غيره إجبارا يكون به ظالما معتديا عليه،والرب أعدل من ذلك فإنه لا يظلم أحدا من خلقه بل مشيئته نافذة فيهم بالعدل والإحسان بل عدله فيهم من إحسانه إليهم كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
الثالث:أن المخلوق يكون في جبره لغيره سفيها أو عائبا أو جاهلا ،والرب تعالى إذا جبر عبده على أمر من الأمور كان له في ذلك من الحكمة والعدل والإحسان والرحمة ما هو محمود عليه بجميع وجوه الحمد.
الرابع:أن المخلوق يجبر غيره لحاجته إلى ما جبره عليه ولانتفاعه بذلك وهذا لأنه فقير بالذات،وأما الرب تعالى فهو الغني بذاته الذي كل ما سواه محتاج إليه وليس به حاجة إلى أحد.
الخامس:أن المخلوق يجبر غيره لنقصه فيجبره ليحصل له الكمال بما أجبره عليه،والرب له الكمال المطلق من جميع الوجوه وكماله من لوازم ذاته لم يستفده من خلقه بل هو الذي أعطاهم من الكمال ما يليق بهم فالمخلوق يجبر غيره ليتكمل والرب تعالى منزه عن كل نقص فكماله المقدس ينفي الجبر.
السادس:أن المخلوق يجبر غيره على فعل يعينه به على غرضه لعجزه عن التوصل إليه إلا بمعاونته له فصار الفعل من هذا والقهر والإكراه من هذا محصلا لغرض المكره كما أن المعين لغيره باختياره شريك له في الفعل،والرب تعالى غني عما سواه بكل وجه فيستحيل في حقه الجبر.
السابع:أن المجبور على ما لا يريد فعله يجد من نفسه فرقا ضروريا بينه وبين ما يريد فعله باختياره ومحبته فالتسوية بين الأمرين تسوية بين ما علم بالحس والاضطرار الفرق بينهما وهو كالتسوية بين حركة المرتعش وحركة الكاتب وهذا من أبطل الباطل.
الثامن:أن الله سبحانه قد فطر العباد على أن المجبور المكره على الفعل معذور لا يستحق الذم والعقوبة ويقولون قد أكره على كذا وجبره السلطان عليه وكما أنهم مفطورون على هذا فهم مفطورون أيضا على ذم من فعل القبائح باختياره وشريعته سبحانه موافقة لفطرته في ذلك فمن سوى بين الأمرين فقد خرج عن موجب الشرع والعقل والفطرة.
التاسع:أن من أمر غيره بمصلحة المأمور وما هو محتاج إليه ولا سعادة له ولا فلاح إلا به لا يقال جبره على ذلك وإنما يقال نصحه وأرشده ونفعه وهداه ونحو ذلك وقد لا يختار المأمور المنهي ذلك فيجبره الناصح له على ذلك من له ولاية الإجبار وهذا جبر الحق وهو جائز بل واقع في شرع الرب وقدره وحكمته ورحمته وإحسانه لا نمنع هذا الجبر.
العاشر:أن الرب ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فجعله العبد فاعلا لقدرته ومشيئته واختياره أمر يختص به تبارك وتعالى ،والمخلوق لا يقدر أن يجعل غيره فاعلا إلا بإكراهه له على ذلك فإن لم يكرهه لم يقدر على غير الدعاء والأمر بالفعل وذلك لا يصير العبد فاعلا فالمخلوق هو يجبر غيره على الفعل ويكرهه عليه فنسبه ذلك إلى الرب تشبيه له في أفعاله بالمخلوق الذي لا يجعل غيره فاعلا إلا بجبره له وإكراهه فكمال قدرته تعالى وكمال علمه وكمال مشيئته وكمال عدله واحسانه وكمال غناه وكمال ملكه وكمال حجته على عبده تنفي الجبر"ا.هـ["شفاء العليل"ص129]
2-قوله:"وإنما يجوز الاحتجاج بالقدر في الأفعال التي لا يملكها الإنسان، وإنما هو مسير فيها، فهو هنا معذور، كما قال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "استعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل". [رواه مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، برقم (2664)]. فالاحتجاج بالقدر على الأفعال الإجبارية صائب جائز و أما على الأفعال الاختيارية فإنه لا يجوز"ا.هـ فجعل مورد القسمة الأفعال القائمة بالعبد فقط؛والصواب أن موردها المعائب والمصائب؛فالتعبير بلفظ"المعائب"وهي المعاصي أصح؛لأنها لا تكون كذلك إلا إذا كانت باختياره،والتعبير بلفظ"المصائب"أصح؛لشمولها ما كان قائما بالعبد كالمرض،وما ليس قائماً به كالجدب والقحط ،ومنها إخراج آدم من الجنة-الذي احتج آدم عليه بالقدر؛فحج موسى عليهما الصلاة والسلام-على أحد التأويلين في الحديث.
3-قوله:"وأما على الأفعال الاختيارية فإنه لا يجوز"عليه ملحظان:
الأول:إطلاق الأفعال الاختيارية،والصواب تقييدها بـ:"المخالفة للشرع"-أي:المعاصي-،وهو مراده.
الثاني:أنه يرد عليه الاحتجاج بالقدر على المعاصي التي تيب منها؛فيسوغ الاحتجاج به حينئذ على أحد التأويلين في حديث احتجاج آدم وموسى-عليهما الصلاة والسلام-.
3-قوله:"الإنسان مسير أحياناً ومخير أحياناً"ا.هـ فهذان اللفظان"مسير"و"مخير"مجملان؛يحتملان حقاً وباطلاً،ومما أملاه علي شيخي العلامة/عبدالرحمن البراك-حفظه الله-في22/4/1414قوله:"الحمد لله، وبعد:
الملائكة والشياطين والإنس والجن، وجميع ما في هذا الوجود، كله خلق الله، وكله واقع بتقدير الله وقضائه ومشيئته وبقدرته، فالشياطين وأعمالهم، والكفرة وأعمالهم، لا خروج لأحد منهم عن مشيئته سبحانه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والله تعالى خلَق الخير والشر، وخلق هذه الأضداد لحكم بالغة، منها ما يظهر للعباد، ومنها ما يخفى عليهم، وهو الأكثر، فإن عقول العباد لا تحيط بما لله من الحِكم البالغة في شرعه وقدره، وقد جعل الله الملائكة والشياطين ضدين، فالملائكة عباد مكرمون مطيعون عابدون لربهم، يحبون ما يحبه الله، ويبغضون ما يبغضه، ويدعون إلى مراضيه، يحبون المؤمنين ويستغفرون لهم، والشياطين أشرار يحبون ما يبغضه الله، ويدعون إلى معاصيه والكفر به، ويحبون الكافرين ويؤذون المؤمنين، ولهذا فكل إنسان قد ابتلي بقرين من الجن يوسوس له ويزين له القبيح، وبقرين من الملائكة يزين له الخير ويدعوه إليه، ولهذا يُروى في الحديث: "إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ اللَّهِ فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثُمَّ قَرَأَ: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) الْآيَةَ". أخرجه الترمذي (2988) من حديث ابن مسعود –رضي الله عنه- ورُوي موقوفا عليه.
وأما هل الإنسان مخير أم مسير؟ فهذا اللفظ لم يرد في الكتاب ولا في السنة، بل الذي دلاَّ عليه أن الإنسان له مشيئة ويتصرف بها، وله قدرة على أفعاله، ولكن مشيئته محكومة بمشيئة الله كما قال تعالى: (لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)[التكوير:28، 29]. فليست مشيئته مستقلة عن مشيئة الله، ولفظ: مخير ومسير. لا يصح إطلاقهما، فلا يقال: الإنسان مسير. ولا يقال: إنه مخير. بل لابد من التفصيل، فإن أريد أنه مسير بمعنى أنه مجبور ولا مشيئة له، ولا اختيار، فهذا باطل، وإن أريد أنه مسير بمعنى أنه ميسر لما خلق له، وأنه يفعل ما يفعل بمشيئة الله وتقديره، فهذا حق، وكذلك إذا قيل إنه مخير وأريد أنه يتصرف بمحض مشيئته دون مشيئة الله، فهذا باطل، وإن أريد أنه مخير بمعنى أن له مشيئة واختيارًا وليس بمجبر، فهذا حق، وأوسع كتاب تضمن الكلام عن القدر ومراتبه وعن أفعال العباد كتاب (القضاء والقدر والحكمة والتعليل) للإمام ابن القيم- رحمه الله. والله أعلم."ا.هـ،وقد نشر في موقعه-حفظه الله-،والله الموفق.