المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفاسد القول بالمجاز


محمد الغانم
05-Apr-2007, 07:13 AM
مفاسد القول بالمجاز[1] :







1 ـ القول بالمجاز بدعة ضلالة:



فالقول بالمجاز بدعة محدثة واصطلاح حادث، ما عرف إلا بعد القرون الثلاثة الأولى، المشهود لها بالخيرية. فما نقل عن أحد من الصحابة - رضي الله عليهم أجمعين- ولا من التابعين، ولا من تابعيهم بإحسان أنه قال به، أو أشار إليه، كما لم يتكلم به أحد من الأئمة المشهورين في العلم، كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، أو الليث بن سعد، بل ولا تكلم به أو التفت إليه أحد من أئمة اللغة كالخليل بن أحمد، وسيبويه، وأبي عمرو بن العلاء، والكسائي، والفراء، وأبي زيد الأنصاري، والأصمعي، وأبي عمرو الشيباني.

وأول من تكلم بلفظ (المجاز) أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمي، المتوفى سنة 210هـ، صنف كتاباً بعنوان: (مجاز القرآن)، إلا أنه لم يعن به قسيم الحقيقة، وإنما عني بمجاز الآية: معناها وتفسيرها، على عادة غيره، ممن سمى كتابه في فهم دلالات الكتاب العزيز: (معاني القرآن) ليس غير.[2]



و أول من تكلم بالمجاز - بمعناه الاصطلاحي، الذي هو نقض الحقيقة- المعتزلة والجهمية ومن تبعهم من أهل الكلام، اشتهر القول به عنهم بعد المائة الرابعة للهجرة، وليس من بين من قال به منهم علم من أعلام الإسلام الذين يوثق بهم في فن من فنون الإسلام المختلفة، كالتفسير، أو الحديث، أو الفقه، أو علم أصول الفقه، أو اللغة العربية.

فدل هذا كله: على أن القول بالمجاز، إنما هو بدعة اعتزالية محضة، وصنعة كلامية صرفة، اجتهد في نشرها، والتبشير بها وتدعيم أصولها ووضع قواعدها، بعد المائة الرابعة، لتحقيق أغراض مستورة، تلقي في نهائتها، للعمل على زعزعة أصول هذا الدين، والنيل من ثوابته، وصرف الناس عن فهم هذه الأصول وتلكم الثوابت الفهم السليم السديد، مواكبة في ذلك كله لبدعة أخرى ظهرت هي الأخرى متزامنة معها، موافقة لها، في المصدر والنشأة، والمنهج والغرض ألا وهي: بدعة التأويل.

هذا.. علماً بأنه لو كان في القول بالمجاز والتأويل، أدنى ذرة خير، أو أدق شعرة فضل، لكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بعدهم من أهل القرون المفضلة أسبق الناس إليه، باعتبارهم السباقين أبداً إلى كل خير وفضل، لا أن يكون سباقاً إليه أعلاج علم الكلام، وصيارفة البدع، ومتنطعوا مذهب الاعتزال.







2 ـ تعطيل الصفات:



ثم إن القول بالمجاز قاد إلى القول بتعطيل صفات الخالق سبحانه إذ ركبه المعطلون للوصول إلى نفي صفاته جل وعلا الواردة في الكتابة والسنة. فقد جعلوا يد الله ووجهه وساقه واستواءه ونزوله وعلوه وكلامه ونوره ومجيئه.. مجازات، لا تراد بها حقائقها، ثم انطلقوا إلى نفيها، قائلين: إنه لا يد له سبحانه ولا ساق، ولا وجه، ولا استواء، ولا نزول، ولا علو. قالوا: ويدا الله في قوله: (ما منعك ن تسجد لما خلقت بيدي) وقوله: (بل يداه مبسوطتان) مجاز، هي بمعنى: النعمة أو القدرة. ووجهه جلّ جلاله حيث ورد في الكتاب والسنة مجاز: إما على تقدير أنه لفظ زائد، أو أنه بمعنى الذات، ففي قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)، وقوله: (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى) يكون التقدير: ويبقى ربك، إلا ابتغاء ربه، أو: ويبقى ذات ربك، وابتغاء ذاته.

والرحمن الذي هو اسم من أسماء الله سبحانه قالوا عنه: إنه مجاز، لأن الرأفة والشفقة والرحمة، إنما هي رقة تعتري القلب، وهي من الكيفيات النفسية، والله منزه عن ذلك، يقولون هذا، والله تعالى يقول: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في اسمائه)، وهل هناك إلحاد في أسماء الله أعظم من إنكار حقائقها، والتصريح بأنها مجازات؟ قالوا: والمجيء الوارد في قوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفا صفا)، وقوله: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضى الأمر وإلى الله ترجع الأمور)، إنما هو من مجاز الحذف وتقديره: وجاء أمر ربك.

والاستواء الوارد في قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)، مجاز، بمعنى: استولى، أو بمعنى: قصد وأقبل على خلقه، وليس هو الاستواء الذي بمعنى: استقر، لأن الاستواء- بهذا المعنى- لا يكون إلا للمخلوقين.

وأنكروا أن يكون الله نوراً، في قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض)، وقالوا: هذا مجاز، معناه: منور السموات والأرض بالنور المخلوق، أو بمعنى: هادي أهل السماوات والأرض مع العلم أن (النور) اسم من أسماء الله، فهو نور، وحجابه النور، وهذا ما تدل عليه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الصحيحة الثابتة.

كما أنكروا صفة الفوقية والعلو للخالق سبحانه في قوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده)، وقوله: (يخافون ربهم من فوقهم)، قائلين: هي مجاز: بمعنى: فوقية الرتبة والقهر، لا بمعنى: الفوقية التي هي علو ذات الشيء. وفي قوله تعالى: (وكلم الله موسى تكليماً)، وقوله: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون). أنكروا أن يكون (كلام الله) بصوت وحرف على الحققة، وقالوا: بل هو مجاز، إذ أن الله لا يتكلم بصوت وحرف، وإلا أشبه المخلوقين بل هو خلق كلاماً أسمعه موسى، أما في قوله صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، حيث يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ فقد قالوا: إن النزول المراد هنا: إنما هو نزول أمره سبحانه، لا نزوله هو، لأن لفظ (ينزل) هنا مجاز، لا حقيقة، وهكذا مضوا في نفي الصفات الثابتة للخالق سبحانه بالوحي، عن طريق القول بالمجاز. وحجتهم في ذلك كله: أن الألفاظ التي تطلق على الخالق والمخلوق، إنما تكون هي وأفعالها ومصادرها وأسماء الفاعلين والصفات المشتقة منها، حقيقة في حق المخلوق، مجازاً في حق الخالق. ولو أنا طردنا هذا القياس فإن رب العالمين لا يكون موجوداً حقيقة، ولا حياً حقيقة، ولا مريداً حقيقة، أو قادراً أو مالكاً على الحقيقة، لأن الوجود والحياة والإرادة والقدرة والملك، هي حقائق في حق المخلوقين، فلا تكون إلا مجازات في حق خالق هؤلاء المخلوقين. وهذا هو عينه المذهب الذي صار إليه جهم بن صفوان، ودرج عليه أصحابه من بعده.

وفي الحق أن كل من يمعن النظر في حقيقة المجاز ومآله، يجد أن هذا القول لازم لكل من ادعى المجاز في شيء من أسماء الله وأفعاله لزوماً لا محيص له عنه بحال.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله - تعليقاً على هذا الذي ذهبوا إليه-: (فإذا كان كلام الله وتكليمه وخطابه ونداؤه وقوله وأمره ونهيه ووصيته وعهده وحكمه وإنباؤه وإخباره وشهادته كل أولئك مجاز، لا حقيقة له، بطلت الحقائق كلها، فإن الحقائق إنما حقت بكلمات تكوينه: (ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون) فما حقت الحقائق إلا بقوله وفعله سباحنه.[3]







3 ـ تحطيم مدلول كلمة التوحيد:



كما وإن القول بالمجاز يؤدي إلى: المساس بمفهوم كلمة التوحيد، والتشكيك في دلالتها، وزعزعة ما ترمي إليه من حقائق ودلالات ومعاني. قالوا: إن كل عام إذا خص صار مجازاً ولو كان التخصيص بطريق الاستثناء. وعليه فإن (لا إله إلا الله) مجاز، باعتبارها عموماً قد خص بطريق الاستثناء، فهي ليست على حقيقة منطوقها ودلالة لفظها.

وهم بذلك فاقوا - في هذه المسألة- ما ذهب إليه أهل الجاهلية، فإن أولئك قد اعترفوا بالله رباً وخالقاً، إلا أنهم رفضوا الإذعان لمدلول: ( لا إله) فأقروا بوجود آلهة أخرى مع الله، في حين أن هؤلاء جعلوا كلمة التوحيد برمتها محمولة على المجاز. ومن المعلوم أن من علامات المجاز: صحة نفيه، ونقص درجة دلالته عن درجة دلالة الحقيقة.

ثم إن بعضهم ذهب إلى: أن (محمد رسول الله) مجاز أيضاً، كيف؟ ذلك أن لفظ (رسول) قيد بطريق الإضافة، وكل مقيد - عندهم - مجاز، لأن اللفظ إنما وضع - أصلاً- مطلقاً لا مقيداً واستعماله مقيداً استعمال له في غير ما وضع له، كاللفظ العام إذا خص سواء بسواء،

فهذا صار بتخصيصه مجازاً كما صار هذا بتقييده مجازاً أيضاً، وبذا توصلوا إلى تحطيم مدلول كلمة التوحيد والاتباع بشقيها: (لا إله إلا الله) و(محمد رسول الله).

وكفى بالمجاز فساداً إيصاله أصحابه والقائلين به إلى هذه الدرجة من التنطع والغلو والانحراف.





4 ـ قصر (الإيمان) على التصديق:





ثم إنهم - عن طريق قولهم بالمجاز- قصروا مفهوم (الإيمان) على التصديق، وأخرجوا من مسماه العمل.

قالوا: فلفظ (الإيمان) يدل على: التصديق حقيقة، وما دلالته على الأعمال إلا بطريق المجاز، وبذلك فرغوا (الإيمان) من محتواه، وخالفوا ما دلت عليه النصوص الصريحة الصحيحة من الكتاب والسنة، وحجتهم في ذلك أن لفظ (الإيمان) لغة: الصديق، وهو العلم، ومحله القلب، ويؤيده قوله تعالى: (وما أنت بمؤمن لنا) أي: بمصدق لنا، فوجب أن يكون الإيمان في الشرع هو الإيمان المعروف في اللغة. وهذا هو مذهب الجهمية وسائر المعتزلة.

والجواب على هذا: إننا لم نسمع عن أحد من أهل اللغة السابقين أنه نقل عن العرب إجماعهم على أن الإيمان إنما هو بمعنى التصديق، بل إن هؤلاء العلماء من أهل اللغة، إنما ينقلون الكلام المسموع من العرب في زمانهم، وما سمعوه من دواوين أشعارهم لا أنهم ينقلون عنهم أنهم قالوا: هذا اللفظ ليس معناه إلا كذا وكذا، ولو قدر - جدلاً- أنهم نقلوا عنهم ما يفهم منه، أن الإيمان معناه: التصديق، فإن نقل المسلمين كافة- وبالخبر المتواتر- للقرآن الكريم وكلام المصطفى صلى الله عليه وسلم، لا شك أبلغ من جميع نقولهم وقد دلت آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة على أن مدلول الإيمان متضمن للعمل:

أ- قال تعالى: (قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فعالون، والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزوجهم أو ما ملكت إيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم على صلواتهم يحافظون، أولئك هم الوراثون، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون)[4]

فقد ساق سبحانه مجوعة من الأعمال، وجعلها عمدة إيمان المؤمن، ودليل فلاحه في الدارين.

ب- وقال: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون)[5] فنفى الإيمان عن غير هؤلاء، ممن كان إذا ذكر بالقرآن لا يفعل ما فرضه الله عليه، من السجود والتسبيح، واتصافهم بعدم الاستكبار وهذه كلها أعمال داخلة في صميم مسمى: (الإيمان).

ج- وقال: (إنما المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجهادوا بأموالهم وأنفسهم)[6] فجعل الجهاد بالمال والنفس من الإيمان.

د- وقال: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله)[7] فجعل من (الإيمان) عدم موادة أهل الكفر والركون إليهم.

هـ- وعن البراء بن عازب قال: (إنه مات على القبلة - قبل أن تحول- رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم)[8] فقد جعل سبحانه الصلاة من الإيمان، لأن معنى الآية: وما كان الله ليضيع صلاتكم التي كنتم تتوجهون فيها إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة إلى مكة المكرمة.

وقد ضرب القائلون بالمجاز بكل هذه الأدلة عرض الحائط، وذهبوا يعتمدون على معاظلات ذهنية ، للتدليل على أن الإيمان إنما هو التصديق فقط، وأن العمل لا يدخل في مسماه إلا بطريق المجاز







5 ـ صرف ألفاظ الوحي عن دلالاتها الحقيقية:


والقول بالمجاز يؤدي إلى صرف ألفاظ الوحي بشقيه: الإلهي والنبوي، عن دلالاتها الحقيقية التي ما جيء بها إلا لتأدية معانيها عن طريقها. فقولهم: إن أكثر ألفاظ اللغة مجاز، وكذلك عامة أفعالهم: كقام وقعد وانطلق وجاء، لأن الفعل يستفاد منه الدلالة على استغراق الجنس، في حين أن الفاعل لا يكون منه تأدية ما يستغرق الفعل. فمثلاً فعل (قام) يدل على: استغراق جنس القيام، والجنس يطلق على: جميع الماضي، وجميع الحاضر، وجميع الأمور الكائنات من كل من وجد منه القيام، ومعلوم أنه لا يجتمع إنسان واحد - في وقت واحد، ولا في مائة ألف سنة- جميع القيام، الداخل تحت مضمون دلالة الفعل (قام). وإذا كان الأمر كذلك علمت أن (قام زيد) مجاز، لأن زيداً هذا - عندما قام- لم يستطع أداء القيام بصورته الاستغراقية المثلى، ولن يستطيع مهما حاول وأجلب، فكان قولنا عنه بأنه (قام) مجازاً.

وعليه يكون قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق)، وقوله: (فعبث الله النبيين مبشرين ومنذرين)، وقوله :( خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لأية للمؤمنين)، وقوله: (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء)، وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر فعله سبحانه، إنما تكون كلها بحسب مفهومهم مجازاً.

قالوا: (وكذلك أفعال الله سبحانه نحو: (خلق السماوات والأرض) وما كان مثله، ألا ترى أنه عز اسمه، لم يكن بذلك خلق أفعالنا، ولو كان خالقاً حقيقة لا محالة، لكن خالق الكفر والعدوان وغيرهما من أفعالنا، ألا ترى أن قولك: (ضربت عمراً) مجاز، لأنك إنما فعلت بعض الضرب، لا جميعه، ألا تراك تقول ذلك ولعلك إنما ضربت يده، أو أصبعه أو ناحية من نواحي جسده، ولهذا إذا احتاط الإنسان جاء ببدل البعض، وقال: ضربت زيداً رأسه).[9]

وبذلك تصبح جميع ألفاظ الكتاب العزيز وكلام المصطفى عليه الصلاة والسلام مجازات، لا تدل على حقائقها بحال، فتصير كلمات الله وكلام نبيه ليس أكثر من تتمات لا مرادات لها، فنتخلص بالتالي من تكاليفها، ونطلق العنان لأنفسنا نفعل ما نشاء، ونقول ما نشاء، ما دام أنه ليس أمامنا ما يلزمنا بفعل أو قول معينين، أو يصرفنا عن شيء من الأفعال والأقوال، فكل الألفاظ مجازا لا دلالة لها، ولا مضمون، ولا محتوى، وبذا نصل إلي تفريغ القرآن والسنة من محتواهما ونصير منهما مجرد تراتيل وتلاوات، تتلى لمجرد التبرك ليس غير.

قالوا: والتوكيد علامة من علامات المجاز، وعليه فإن قوله تعالى : (وكلم الله موسى تكليماً) مجاز، بدليل توكيده، ومثله قوله تعالى عن بلقيس ملكة سبأ: (وأوتيت من كل شييء)، فهو مجاز، بدليل استخدام التوكيد بـ (كل)، وهي لم تؤت لحية رجل ولا ذكره.

ومثله قوله أيضاً: (خلق كل شيء) فمجاز، فهو سبحانه شيء، وهو مما يستثنيه العقل ببديهته ولا يحوج إلى التشاغل باستثنائه فإن الشيء - كائنا ما كان - لا يخلق نفسه.

وقد بلغ بهم الحد في التمحل، أن قالوا: قولك: (قطع الأمير اللص) مجاز، لأن القطع قد يكون بأمره لا بيده، فإذا قلت: (قطع الأمير نفسه اللص) رفعت المجاز من جهة الفاعل، وصرت إلى الحقيقة، ولكن بقي عليك التجويز في مكان آخر، وهو جهة اللص فإنما قطع منه يده أو رجله لا كله، فإذا احتطت قلت: (قطع الأمير نفسه يد اللص)، وهذا أيضاً مجاز، ولكن من جهة أخرى وهي أن اليد اسم للعضو إلى المنكب، والأمير لم يقطعها كلها، وإنما قطع بعضها، فإذا احطت قلت: (قطع الأمير نفسه يد اللص ما بين الكوع والأصابع)، وهذا أيضاً مجاز، من جهة أنك سميته: لصاً، وذلك يقتضي استغراق جميع أفراد اللصوصية وهو محال باعتبارك أوقعت البعض على الكل، فإن احتطت قلت: (قطع الأمير نفسه يد من وجد منه بعض اللصوصية ما بين الكوع إلى الأصابع). وهذا مجاز أيضاً، من جهة أن الفعل (قطع) دال على جميع أفراد الجنس، وذلك محال أن يقع القطع على جميع أفراد الجنس قاطبة، من لدن آدم عليه السلام إلى آخر فرد من أفراد البشرية، إذ هو - في الحقيقة- واقع على فرد واحد من أفراده، لا عليهم كلهم، فإذا أردت الاحتياط لهذه المسألة فعليك أن تقول تحديداً: (أوقع الأمير نفسه فرداً من أفراد القطع، على يد واحد ممن وجد منه بعض اللصوصية،ما بين الكوع إلى الأصابع).. وبذا فقط تتحول العبارة من حيز المجاز إلى حيز الحقيقة.

فهل بقي سخف أبعد شأواً من هذا السخف؟! وهل هناك تمحل أبلغ سماجة من مثل هذا التمحل؟!



6 ـ المجاز سلم الباطنية:



ثم إن المجاز - ورديفه التأويل- هو السلم الذي اعتلته الفرق الباطنية، من أجل بلوغ أغراضها، والتكأة التي اعتمدت عليها، لزخرفة أفكارها، وعرضها على الناس بصورة جميلة مستحسنة، بغية التدليس عليهم، وبالتالي إيقاعهم في شرك حبائلها الجهنمية الضالة.

قالوا: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) مجاز، لا يدل على ظاهر لفظه، وإنما هو دليل على الأئمة السبعة و(لا إله إلا الله) اثنا عشر حرفاً دليل على الحجج الاثني عشر.

وكذا (بسم الله الرحمن الرحيم) تسعة عشر حرفاً، وهي دليلى على سبعة الأئمة، واثني عشر حجة، قالوا: والقرآن الكريم هو تعبير محمد صلى الله عليه وسلم عن المعارف التي فاضت عليه، ومركب من جهته وقد سمي (كلام الله) مجازاً، وقالوا: بإبطال القول بالمعاد والعقاب، وأنكروا الجنة والنار، وما الجنة إلا نعيم الدنيا، وما العذاب إلا اشتغال أصحاب الشرائع بالصلاة والصوم والحج والجهاد. ثم انتقلوا إلى التكاليف والمصطلحات الشرعية واليقينية، فأعملوا فيها معاول المجاز والتأويل فغدت رموزاً إلى بواطن لا أكثر:

فالجنابة مثلاً هي مبادرة المستجيب بإفشاء ما ألقي إليه من أسرار.

والغسل: تجديد العهد على فعل ذلك.

والصيام: الإمساك عن كشف الأسرار.

والجهاد: صب اللعنات على الخصوم.

والبعث: الاهتداء إلى مذهبهم الباطن.

والزكاة: بث العلوم لأهل مذهبهم ودينهم، يتزكون بها.

أما ألفاظ القرآن فجميعها مجازات تخضع لتأولات عقولهم ووجهات أهوائهم

وغنيٌّ عن القول أن كل هذه الانحرافات والتجاوزات ما كانت لتكون، لو لا انفتاح مجال القول بالمجاز والتأويل والتحاكم إلى الهوى، مشرعة أبوابه على مصراعيها، أمام أصحاب المذاهب الساقطة.. فولجوها من كل جهة وصوب، تملكهم فرحة الاقتدار - بذلك- على ليِّ أعناق النصوص، وتحويلها عن مراداتها الفعلية، وتغمرهم نشوة الوصول إلى التفلت من طوق الأحكام الربانية وهو الهدف الذي ما برحوا يسعون إليه، بمختلف الوسائل وشتى الطرق والأساليب.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] ـ مفاسد القول بالمجاز ، مصطفى بن عيد الصياصنة ، بحث منشور في مجلة البحوث الإسلامية العدد: 47 . وكل هذه الحلقة منقول من هذا البحث بإختصار يسير ، ونقلت هذا لإتمام حلقات البحث والكلام في المجاز .

[2] ـ وكل هذا سبق بيانه في حلقة نشأة المجاز في نفس هذا المنتدى .

[3] ـ مختصر الصواعق ( 2/ 286) .

[4] ـ سورة المؤمنون آية 1- 11

[5] ـ سورة السجدة آية رقم 15

[6] ـ سورة الحجرات آية رقم 15

[7] ـ سورة المجادلة آية رقم 22

[8] ـ سورة البقرة آية رقم 143

[9] ـ انظر مختصر الصواعق المرسلة ( 2/76 – 77 )

سعد الماجد
05-Apr-2007, 02:16 PM
جزاك الله خيرا ، على هذا العطاء والتميز واصل حفظك الله...

خالد حافظ
11-Apr-2007, 04:41 PM
أحسن الله إليكم أشاركك في التدليل ولكن بعض المواقف تأخذ بالقياس بمعاني الإستدلال