محمد الغانم
04-Apr-2007, 01:00 AM
مناقشة حجج المجازيين :
إذا أردنا التفصيل حول شبهات المجازيين وردها فسيطول بنا الكلام ، ولا يتسع المقام في هذا الوقت الضيق ، والبحث المختصر، لعرض هذه الجولات والصولات ، فهي بحق ساحة معركة ، ولا يسعنا أن نزيد على ما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية ، وشمس الدين ابن القيم ، والعلامة الشنقيطي ، شيئا ً مما ذكروه ، إلا أن أتباع هذا الطاغوت (المجاز ) قد كروا وفروا وذروا الرماد على العيون وأعادوا صياغة شبهات المتكلمين بأساليب جديدة وإلزامات لهؤلاء الأئمة الذين كسروا طاغوتهم بأشياء لا تلزمهم أبدا ً ، حتى زعم بعضهم أن هؤلاء الأئمة أقصد شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشنقيطي زُعم أنهم وقعوا في التناقض، واستدلوا بكلام لهم وقالوا: نفوا المجاز ووقعوا فيه[1] ، فسبحان الله لا ندري أفعلوا هذا عن جهل أم انتصارا ً لهواهم؟
شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن اللغة واسعة تطلق على هذا وعلى هذا ،هذا على الأصل أو المشهور وهذا على نطاق ضيق ، ويؤصل في المسألة ، ويوضح أن أساليب اللغة كثيرة ، والتفنن في الكلام جائز ، ثم يأتي من يأتي ويتصيد لكل كلمة لأحد هؤلاء الأئمة قال فيها : هذا تجوزا ً ... أو ما شابهها أو في أحد أساليب العربية ويقول بملء فيه :
ابن تيمية وقع في التناقض ، أو يقول نفى المجاز ووقع المجاز في كلامه ثم يبدأ ويسرد أقولا ً عدة ... وقد أتعبوا أنفسهم المساكين ، لو وجدوا ما وجدوا من كلام شيخ الإسلام أو ابن القيم يقال له : مع ذلك فهذا ليس مجازا ً ، أما قوله تجوزاً فكيف يفهم منها أن معناها المجاز الاصطلاحي ؟
فقد تعبوا وأتعبوا غيرهم ، فأنا لا أقول بقولك فلماذا تحجني به!
وسيكون الكلام في هذا حول أمرين :
الأمر الأول : في أدلة إنكار المجاز .
الأمر الثاني : الكلام حول آيات من الكتاب العزيز زعم أنها مجازا ً .
ـ أدلة أنكار المجاز[2] :
1 ـ أن هذا التقسيم ليس تقسيما عقليا ولا شرعيا ولا لغويا.
فالعقل لا مدخل له في دلالة اللفظ وتخصيصه بالمعنى المدلول عليه.
و الشرع لم يرد بهذا التقسيم ولا دل عليه ولا أشار إليه.
وأهل اللغة لم يصرح أحد منهم بأن العرب قسمت لغاتها إلى حقيقة ومجاز ولا قال أحد من العرب قط هذا اللفظ حقيقة وهذا مجاز.
بل هو اصطلاح حادث بين القرون الثلاثة المفضلة.[3]
2 ـ أن العرب لم تستعمل ألفاظاً مطلقه، بل مقيدة بقيود وقرائن، وعليه فكل لفظ مع قيده ( قرينته ) يكون حقيقة في الدلالة على معناه في هذا السياق المعين.[4]
3 ـ أن المجاز يخل بالفهم إذ لم تقتر به قرينة وإن اقترنت به قرينه كان تطويلا بلا فائدة وعدولا عن الحقيقة القريبة المختصرة من غير حاجة وهذا يبعد عن أهل الحكمة والبلاغة[5].
ـ الآيات التي استدل بها القائلون بالمجاز ، والكلام حولها[6] :
استدل القائلون بالمجاز بآيات من القرآن الكريم وقالوا هذا من المجاز ، ونختار بعض الآيات التي قالوا عنها أنها من المجاز ويكون الكلام حولها بإذن الله :
1 ـ قوله تعالى : (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ)[7]
قال تعالى يحكي قصة موسى مع الخضر عليهما السلام:
(فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ)
قالوا : الجدار ليس له إرادة إنما الإرادة للإنسان ومثيله، واستعمال الإرادة في التعبير عن ميل الجدار مجاز , لتعذر الإرادة من الجدار.
وهذا الكلام مردود من وجوه:
1) إن لفظ الإرادة يستعمل في الدلالة على الميل الذي يكون معه شعور كميل الكائن الحي كما ويستعمل في الدلالة على الميل الذي لا شعور فيه كما ميل الجمادات ونحوها.
وهذا الأمر من مشهور اللغة ومما عرف من استعمالات أربابها.
فنحن نقول: هذا السقف يريد أن يقع وهذه الأرض تريد أن تحرث وهذا الزرع يريد أن يسقى ونحو ذلك كما ونقول فلان يريد الخير أو يريد العافية والسلامة.
والذي يميز إرادة أحد المعنيين دون الآخر القرينة المصاحبة أو القيد.
فالقرينة أو القيد هي التي تحدد فيما إذا أريد إرادة الحيوان أو إرادة الجماد.
ووجود القرينة في الآية حدد دلالة الفعل وهو استعمال لهذا الفعل على الحقيقة لا المجاز.
و في الآية سمى سبحانه مشارفة الجدار على الانقضاض إرادة على الحقيقة ووافق استعمالات العرب لهذا اللفظ دون نقل له عن ذلك الاستعمال.
2) ثم إن خلق الإرادة في الجدار ليس بالأمر المتعذر على الله سبحانه.
فلا مانع من حمل اللفظ على حقيقة الإرادة المعروفة فالله يعلم في الجمادات ما لا نعلم من وجود شعور وإرادة وميول فيها.
قال تعالى ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولا كن لا تفقهون تسبيحهم).
وقال عن داود عليه السلام ( وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير )
وقال ( إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي و الإشراق )
وقال تعالى ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها).
ففي هذه الآيات يذكر الله تعالى أن كل شيء في هذا الوجود يسبح بحمد خالقه وأن الجبال والطير كانت تسبح مع داود بالعشي والإشراق وأن الأمانة عرضت على السماوات والأرض والجبال وهي جمادات فأبت أن تحمل هذه الأمانة وأشفقت على نفسها من حملها لشعورها بعدم قدرتها على هذا الحمل فدل ذلك على وجود مناطق ومشاعر وإرادات عند هذه الجمادات لا نعلمها نحن إلا أن الله تعالى يعلمها وفي الأحاديث الثابتة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ما يفيد هذه الفكرة أيضا ويؤكدها.
فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن بمكة حجرا كان يسلم عليّ ليالي بعثت ،إني لأعرفه الآن)[8].
و عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى نخلة فقالت امرأة من الأنصار يا رسول الله ألا نجعل لك منبرا قال " إن شئتم " فجعلوا له منبرا فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصبي ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فضمه إليه يئن أنين الصبي الذي يسكن قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها.[9]
وعن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: سمعت أبي قال: سألت مسروقا من آذان النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن فقال: حدثني أبوك يعني عبد الله بن مسعود أنه أذنت بهم شجرة.[10]
وعن أبي هريرة رضي اله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجرو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فأقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود.[11]
فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الحجر كان يسلم عليه أول البعثة كما حن المنبر إليه عليه السلام وبكى كما يبكي الصبي وأعلمت الشجرة النبي صلى الله عليه وسلم بوجود الجن وسيتكلم الحجر والشجر يوم ملحمة المسلمين مع اليهود وتكون هذه الجمادات في صف المسلمين.
فهل يبقى بعد كل هذا لمسلم عذر في أن ينكر وجود الإرادة في الجدار وقد أعلمنا الله بها.
2 ـ قول الله تعالى :
(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)[12]
قالوا: المراد" وأسأل أهل القرية وأصحاب العير" لأن القرية والعير لا تسأل ولا تجيب فهو مجاز , من باب النقصان, إذا حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وهذا الادعاء باطل من وجوه:
ـ إن لفظ: القرية والمدينة والنهر والميزاب وأمثالها من الألفاظ , يدخل في مسماها الحال وهو السكان وقد يعود – أحيانا ً – على المحل وهو المكان فنحن حين نقول: حفرت النهر إنما نريد المحل , وإذا قلنا: جرى النهر أردنا الحال ونحن إذا قلنا وضعنا الميزاب فإنما نريد من وراء ذلك الحال وهو الماء ليس غير.
ـ وكذلك لفظ " القرية" يراد به أحيانا المحل وأحيانا أخرى الحال وكلاهما على الحقيقة.
وقد ورد الاستعمالان في كلام الله تعالى فمن الأول أعني إرادة المحل قوله تعالى ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ).
وقوله ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر )
وقوله ( ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها )
ففي هذه الآيات كان المراد بـ" القرية" المحل وما يشمله من بيوت وجدران وطرق وبناء.
ومن الاستعمال الثاني قوله تعالى ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون * فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ... )
وقوله ( وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ..)
وقوله ( وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا )
وهذا كثير في القرآن الكريم إذ يراد استعمال اللفظ :" القرية " بمعنى: سكانها والقاطنين فيها , ويرد بمعنى: المكان لا السكان , ولكن لا بد للمكان أن يكون آهلاً, إذ لا يسمى" قرية " إلا إذا عمر بالسكنى , مأخوذ من"القري" وهو الجمع ومنه: قريت الماء في الحوض: أي جمعته فيه.
3 ـ إن المراد بالقرية: مجتمع الناس , والمراد بالعير: القافلة ومن فيها من الناس ذلك أن لفظ القرية مأخوذ من الجمع , ومنه: قريت الماء في الحوض أي: جمعته وقرت الناقة لبنها في الضرع أي جمعته ويقال لمن صار معروفا بالضيافة لاجتماع الضيوف عنده كما وسمي القرآن قرآنا لاشتماله على مجموع السور والآيات.
ـ ثم إن المعلوم من لغة العرب أن المضاف في مثل هذا السياق كأنه مذكور لأنه مدلول عليه بالاقتضاء وما دل عليه بطريقة الاقتضاء هو على الحقيقية ولا يكون بحال مجازا.
ـ ولنفترض أن اسم القرية إنما هو للجدران، والعير إنما هو للبهائم كما يزعمون ويصرِّون أفليس الله قادرا على إنطاق حجارة هذه القرية وألسنة هذه البهائم وخاصة أن يعقوب عليه السلام نبي فهو لو سأل القرية نفسها والعير ذاتها لأجابته بإذن الله ،لأن إنطاقها ليس ببعيد على الله تكرمة لنبيه الكريم وزمن النبوة زمن خرق العوائد فلا يمتنع نطقها بسؤال النبي إياه.
هذا وإن في ظاهر اللفظ إحالة بالسؤال على من ليس من عادته الإجابة فكأنهم ظمنوا لأبيهم أنه إن سأل الجمادات أنبأته بصحة دعواهم وهذا تناه في تصحيح الخبر بمعنى: أنك لو سألتها وهي جماد لأنطقا الله بصدقنا فكيف لو سألت من كان من عادته الجواب ويطرد ما قلناه في هذه الآية على مثيلاتها من الآيات التي ادعوا فيها المجاز من هذا القبيل كقوله تعالى ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار).
إذ قالوا إن في الآية مجازا ذلك أن الأنهار لا تجري وإنما الذي يجري الماء الذي هو فيها ذلك أن النهر كالقرية والميزاب يراد به الحال ويراد به المحل.
فإذا قيل حفر النهر أريد من ذلك المحل وإذا قيل جرى النهر أريد به الحال ليس غير.
3 ـ قال تعالى ( الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم )[13]
قالوا: هذا مجاز ومعنى النور هنا أي منور السموات والأرض بالنور المخلوق ويتعين المجاز هنا لأن كل عاقل يعلم بالضرورة أن الله تعالى ليس هو هذا النور المنبسط على الجدران ولا هو النور الفائض من جرم الشمس والقمر والنار فإما أن يكون مجازه منور السماوات والأرض أو هادي أهل السموات و الأرض.
وهذا الكلام الذي قالوه مردود مغلوط والجواب عليه من وجوه:
ـ إن النور اسم من أسماء الله وصفة من صفاته لذلك وردت الأدلة من الكتاب والسنة واجتمعت الأمة على تلقيه بالقبول على مر عصورها.
ففي هذه الآية التي نحن بصددها سمى الله سبحانه نفسه نوراً ومحال أن يسمي نفسه نورا ولا تكون صفة النور ثابتة له، كما أن من المستحيل تماما أن يسمي نفسه عليما بصيرا حسيبا قديرا ولا تكون صفة العلم والبصر والحسب والقدرة ثابتة في حقه سبحانه في نفس الوقت، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوا من الليل " اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض لك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن لك الحمد أنت نور السموات والأرض قولك الحق ووعدك الحق ولقائك حق والجنة حق والنار حق والساعة حق...)[14]
فقد أثبتت هذه الآية وهذا الحديث لله صفة النور كما أثبتت له صفات العلم والربوبية والقيومية.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله " إن النور جاء في أسمائه تعالى وهذا الاسم مما تلقته الأمة بالقبول وأثبتوه في أسمائه الحسنى ولم ينكره أحد من السلف ولا أحد من أئمة أهل السنة"[15].
ـ إن الله تبارك وتعالى نور حقيقة، بذلك جاءت الآيات والأحاديث الصحيحة قال تعالى( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون * وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون )[16]
قال ابن كثير رحمه الله: بعد أن تحدث عن النفخة الثانية نفخة الصعق والثالثة البعث وقوله ( وأشرقت الأرض بنور ربها ) أي أضاءت يوم القيامة إذ تجلى الحق جل وعلا للخلائق لفصل القضاء.[17]
ويقول ابن القيم " إن الأرض ـ يوم القيامةـ تشرق بنوره، وهو نوره الذي هو نوره فإنه سبحانه يأتي لفصل القضاء بين عباده وينصب كرسيه بالأرض فإذا جاء الله تعالى أشرقت الأرض وحق لها أن تشرق بنوره، وعند المعطلة لا يأتي ولا يجيء ولا له نور تشرق به الأرض"[18]
كما ورد في الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يفيد أن الله نور على الحقيقة.
فعن عبد الله بن شقيق" قال: قلت لأبي ذر لو أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن كل شيء فقال : عن أي شيء كنت تسأله قال: كنت أسأله هل رأيت ربك قال: قد سألته فقال: رأيت نوراً"[19].
وعن أبي موسى الأشعري قال " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال " إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".[20]
و إن تفسير نور الله بهذا النور الواقع على الجدران المنبسط على الحيطان أو أنه هذا النور الفائض من جرم الشمس والقمر والنار إنما يدل على فهم فاسد وسقيم لمدلول هذه الآية وهذا النور ولم يفسره بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا فهمه عنه الصحابة رضوان الله عليهم ولا قال به أحد منهم أو أحد ممن جاء بعدهم ممن يعتد بعلمه أو يرجع إلى رأيه وفهمه.
فنور الرب القائم به والذي هو صفته غير هذا النور المخلوق المنفصل عنه كما أن سمع الله وبصره وعلمه وقدرته ومجيئه و نزوله واستوائه ووجهه ويده وساقه غير سمع المخلوقين وبصرهم وعلمهم وقدرتهم ومجيئهم ونزولهم واستوائهم ووجوههم وأيديهم وسوقهم سواء بسواء.
فمن فهم أن نور الشمس والقمر والنار وما إلى ذلك هو نور الله المقصود في الآية فإن أقل ما يقال فيه إنه كذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وافتراء بما ليس له به علم وشأن مثل هذا أن لا يقول وإن قال: أن لا يسمع له أبداً.
4 ـ وقال تعالى ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ).[21]
قالوا: هذا من المجاز فالسماوات والأرض والجبال جمادات لا تفهم ولا تجيب فكيف تعرض عليها الأمانة وتطالب بتكليف ثم هي كيف ترفض وتأبى وتشفق وهي مجرد جمادات.
قالوا: الأمانة هي ما أودعه الله في السموات والأرض والجبال وسائر المخلوقات من الدلائل على ربوبيته ليظهروها فأظهروها إلا الإنسان فإنه كتمها وجحدها فيكون على هذا معنى "عرضنا":أظهرنا.
وقالوا : العرض في الآية ضرب مثل أي إن السموات والأرض والجبال على كبر أجرامها لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع لما فيها من الثواب والعقاب أي أن التكليف أمر عظيم حقه أن تعجز عنه السموات والأرض والجبال وقد كلفه الإنسان.
وهذا كقوله "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ).
وقالوا: إنا عرضنا بمعنى عارضنا أي عارضنا الأمانة بالسموات والأرض والجبال فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة ورجحت الأمانة بثقلها عليها.
قال الشوكاني: بعد إن سرد أراهم هذه: كذا قال بعض المتكلمين مفسرا للقرآن برأيه الزائف وهذا تحريف لا تفسير...[22]
ولا نريد أن نخوض معهم في بيان فساد ما ذهبوا إليه ولا كن سنكتفي بإيراد ما كان يجمع عليه السلف ومن بعدهم في فهم هذه الآية بما يكشف فساد رأيهم
فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال:( الأمانة الفرائض عرضها الله على السموات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم ، وإن ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك وأشفقوا عليه من غير معصية، ولاكن تعظيما لدين الله إن لا يقوموا بها ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها ).
وهذا ما قاله أيضا مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن البصري وغير واحد من الأئمة أن الأمانة هي الفرائض.
وقال عبد الله بن مسعود هي أمانة الأموال كالودائع وغيره وفي رواية أخرى عنه ( إنها كل الفرائض وأشدها أمانة المال ). [23]
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ من هؤلاء د. عبد العظيم المطعني في كتابه المجاز في اللغة والقرآن ، وكذلك ابراهيم التركي في كتابه انكار المجاز عند ابن تيمية فقد زعم الأخير تناقض شيخ الإسلام ابن تيمية وأدعى الأنصاف وقوة جحته ، مع أنه تجاهل حجج شيخ الإسلام ولم يشر لها فضلا ً عن أن يجيب عنها.
[2] ـ موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة ( 1 / 452 – 453 ) .
[3] ـ الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ( 7 / 88 )
[4] ـ الحقيقة والمجاز لشيخ الإسلام ابن تيمية ، ضمن مجموع الفتاوى ( 20 / 494 )
[5] ـ المجاز في اللغة والقرآن د. المطعني ( 2 / 1094 ).
[6] ـ بطلان المجاز مصطفى الصياصنة ، ص 118 ـ 153 . وهذ المبحث نقل منه مع اختصار وتصرف يسير.
[7] ـ سورة الكهف ، آية رقم 78 .
[8] ـ رواه مسلم في الفضائل ، باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم ( 3677 )
[9] ـ رواه البخاري في المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام ( 3584 )
[10] ـ رواه البخاري في مناقب الأنصار ، باب ذكر الجن ( 3859 ) .
[11] ـ رواه البخاري في الجهاد ، باب قتال اليهود ( 2926 ) ، ومسلم في الفتن ، باب لا تقوم الساعة حتى .... ( 2922 )
[12] ـ سورة يوسف آية رقم 82 .
[13] ـ سورة النور آية رقم 35 .
[14] ـ رواه البخاري في التوحيد ، باب قول الله تعالى ( وهو الذي خلق السماوات والأرض ... ) ( 7385). ورواه مسلم في صلاة المسافرين ، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ( 769)
[15] ـ مختصر الصواعق المرسلة ( 2/189) .
[16] ـ سورة الزمر آية رقم 68 ، 69 .
[17] ـ تفسير ابن كثير ( 4/59) .
[18] ـ مختصر الصواعق المرسلة ( 2/192 ) .
[19] ـ رواه مسلم في الإيمان ، كتاب قوله عليه السلام : نور أني أراه ( 178)
[20] ـ أخرجه مسلم في الإيمان ، باب قوله عليه الصلاة والسلام : إن الله لا ينام ( 179)
[21] ـ سورة الأحزاب آية رقم 72 .
[22] ـ فتح القدير للشوكاني ( 4/309) .
[23] ـ انظر تفسير ابن كثير ( 3/445) ، وفتح القدير ( 4/308) .
إذا أردنا التفصيل حول شبهات المجازيين وردها فسيطول بنا الكلام ، ولا يتسع المقام في هذا الوقت الضيق ، والبحث المختصر، لعرض هذه الجولات والصولات ، فهي بحق ساحة معركة ، ولا يسعنا أن نزيد على ما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية ، وشمس الدين ابن القيم ، والعلامة الشنقيطي ، شيئا ً مما ذكروه ، إلا أن أتباع هذا الطاغوت (المجاز ) قد كروا وفروا وذروا الرماد على العيون وأعادوا صياغة شبهات المتكلمين بأساليب جديدة وإلزامات لهؤلاء الأئمة الذين كسروا طاغوتهم بأشياء لا تلزمهم أبدا ً ، حتى زعم بعضهم أن هؤلاء الأئمة أقصد شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشنقيطي زُعم أنهم وقعوا في التناقض، واستدلوا بكلام لهم وقالوا: نفوا المجاز ووقعوا فيه[1] ، فسبحان الله لا ندري أفعلوا هذا عن جهل أم انتصارا ً لهواهم؟
شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن اللغة واسعة تطلق على هذا وعلى هذا ،هذا على الأصل أو المشهور وهذا على نطاق ضيق ، ويؤصل في المسألة ، ويوضح أن أساليب اللغة كثيرة ، والتفنن في الكلام جائز ، ثم يأتي من يأتي ويتصيد لكل كلمة لأحد هؤلاء الأئمة قال فيها : هذا تجوزا ً ... أو ما شابهها أو في أحد أساليب العربية ويقول بملء فيه :
ابن تيمية وقع في التناقض ، أو يقول نفى المجاز ووقع المجاز في كلامه ثم يبدأ ويسرد أقولا ً عدة ... وقد أتعبوا أنفسهم المساكين ، لو وجدوا ما وجدوا من كلام شيخ الإسلام أو ابن القيم يقال له : مع ذلك فهذا ليس مجازا ً ، أما قوله تجوزاً فكيف يفهم منها أن معناها المجاز الاصطلاحي ؟
فقد تعبوا وأتعبوا غيرهم ، فأنا لا أقول بقولك فلماذا تحجني به!
وسيكون الكلام في هذا حول أمرين :
الأمر الأول : في أدلة إنكار المجاز .
الأمر الثاني : الكلام حول آيات من الكتاب العزيز زعم أنها مجازا ً .
ـ أدلة أنكار المجاز[2] :
1 ـ أن هذا التقسيم ليس تقسيما عقليا ولا شرعيا ولا لغويا.
فالعقل لا مدخل له في دلالة اللفظ وتخصيصه بالمعنى المدلول عليه.
و الشرع لم يرد بهذا التقسيم ولا دل عليه ولا أشار إليه.
وأهل اللغة لم يصرح أحد منهم بأن العرب قسمت لغاتها إلى حقيقة ومجاز ولا قال أحد من العرب قط هذا اللفظ حقيقة وهذا مجاز.
بل هو اصطلاح حادث بين القرون الثلاثة المفضلة.[3]
2 ـ أن العرب لم تستعمل ألفاظاً مطلقه، بل مقيدة بقيود وقرائن، وعليه فكل لفظ مع قيده ( قرينته ) يكون حقيقة في الدلالة على معناه في هذا السياق المعين.[4]
3 ـ أن المجاز يخل بالفهم إذ لم تقتر به قرينة وإن اقترنت به قرينه كان تطويلا بلا فائدة وعدولا عن الحقيقة القريبة المختصرة من غير حاجة وهذا يبعد عن أهل الحكمة والبلاغة[5].
ـ الآيات التي استدل بها القائلون بالمجاز ، والكلام حولها[6] :
استدل القائلون بالمجاز بآيات من القرآن الكريم وقالوا هذا من المجاز ، ونختار بعض الآيات التي قالوا عنها أنها من المجاز ويكون الكلام حولها بإذن الله :
1 ـ قوله تعالى : (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ)[7]
قال تعالى يحكي قصة موسى مع الخضر عليهما السلام:
(فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ)
قالوا : الجدار ليس له إرادة إنما الإرادة للإنسان ومثيله، واستعمال الإرادة في التعبير عن ميل الجدار مجاز , لتعذر الإرادة من الجدار.
وهذا الكلام مردود من وجوه:
1) إن لفظ الإرادة يستعمل في الدلالة على الميل الذي يكون معه شعور كميل الكائن الحي كما ويستعمل في الدلالة على الميل الذي لا شعور فيه كما ميل الجمادات ونحوها.
وهذا الأمر من مشهور اللغة ومما عرف من استعمالات أربابها.
فنحن نقول: هذا السقف يريد أن يقع وهذه الأرض تريد أن تحرث وهذا الزرع يريد أن يسقى ونحو ذلك كما ونقول فلان يريد الخير أو يريد العافية والسلامة.
والذي يميز إرادة أحد المعنيين دون الآخر القرينة المصاحبة أو القيد.
فالقرينة أو القيد هي التي تحدد فيما إذا أريد إرادة الحيوان أو إرادة الجماد.
ووجود القرينة في الآية حدد دلالة الفعل وهو استعمال لهذا الفعل على الحقيقة لا المجاز.
و في الآية سمى سبحانه مشارفة الجدار على الانقضاض إرادة على الحقيقة ووافق استعمالات العرب لهذا اللفظ دون نقل له عن ذلك الاستعمال.
2) ثم إن خلق الإرادة في الجدار ليس بالأمر المتعذر على الله سبحانه.
فلا مانع من حمل اللفظ على حقيقة الإرادة المعروفة فالله يعلم في الجمادات ما لا نعلم من وجود شعور وإرادة وميول فيها.
قال تعالى ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولا كن لا تفقهون تسبيحهم).
وقال عن داود عليه السلام ( وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير )
وقال ( إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي و الإشراق )
وقال تعالى ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها).
ففي هذه الآيات يذكر الله تعالى أن كل شيء في هذا الوجود يسبح بحمد خالقه وأن الجبال والطير كانت تسبح مع داود بالعشي والإشراق وأن الأمانة عرضت على السماوات والأرض والجبال وهي جمادات فأبت أن تحمل هذه الأمانة وأشفقت على نفسها من حملها لشعورها بعدم قدرتها على هذا الحمل فدل ذلك على وجود مناطق ومشاعر وإرادات عند هذه الجمادات لا نعلمها نحن إلا أن الله تعالى يعلمها وفي الأحاديث الثابتة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ما يفيد هذه الفكرة أيضا ويؤكدها.
فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن بمكة حجرا كان يسلم عليّ ليالي بعثت ،إني لأعرفه الآن)[8].
و عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى نخلة فقالت امرأة من الأنصار يا رسول الله ألا نجعل لك منبرا قال " إن شئتم " فجعلوا له منبرا فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصبي ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فضمه إليه يئن أنين الصبي الذي يسكن قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها.[9]
وعن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: سمعت أبي قال: سألت مسروقا من آذان النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن فقال: حدثني أبوك يعني عبد الله بن مسعود أنه أذنت بهم شجرة.[10]
وعن أبي هريرة رضي اله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجرو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فأقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود.[11]
فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الحجر كان يسلم عليه أول البعثة كما حن المنبر إليه عليه السلام وبكى كما يبكي الصبي وأعلمت الشجرة النبي صلى الله عليه وسلم بوجود الجن وسيتكلم الحجر والشجر يوم ملحمة المسلمين مع اليهود وتكون هذه الجمادات في صف المسلمين.
فهل يبقى بعد كل هذا لمسلم عذر في أن ينكر وجود الإرادة في الجدار وقد أعلمنا الله بها.
2 ـ قول الله تعالى :
(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)[12]
قالوا: المراد" وأسأل أهل القرية وأصحاب العير" لأن القرية والعير لا تسأل ولا تجيب فهو مجاز , من باب النقصان, إذا حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وهذا الادعاء باطل من وجوه:
ـ إن لفظ: القرية والمدينة والنهر والميزاب وأمثالها من الألفاظ , يدخل في مسماها الحال وهو السكان وقد يعود – أحيانا ً – على المحل وهو المكان فنحن حين نقول: حفرت النهر إنما نريد المحل , وإذا قلنا: جرى النهر أردنا الحال ونحن إذا قلنا وضعنا الميزاب فإنما نريد من وراء ذلك الحال وهو الماء ليس غير.
ـ وكذلك لفظ " القرية" يراد به أحيانا المحل وأحيانا أخرى الحال وكلاهما على الحقيقة.
وقد ورد الاستعمالان في كلام الله تعالى فمن الأول أعني إرادة المحل قوله تعالى ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ).
وقوله ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر )
وقوله ( ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها )
ففي هذه الآيات كان المراد بـ" القرية" المحل وما يشمله من بيوت وجدران وطرق وبناء.
ومن الاستعمال الثاني قوله تعالى ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون * فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ... )
وقوله ( وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ..)
وقوله ( وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا )
وهذا كثير في القرآن الكريم إذ يراد استعمال اللفظ :" القرية " بمعنى: سكانها والقاطنين فيها , ويرد بمعنى: المكان لا السكان , ولكن لا بد للمكان أن يكون آهلاً, إذ لا يسمى" قرية " إلا إذا عمر بالسكنى , مأخوذ من"القري" وهو الجمع ومنه: قريت الماء في الحوض: أي جمعته فيه.
3 ـ إن المراد بالقرية: مجتمع الناس , والمراد بالعير: القافلة ومن فيها من الناس ذلك أن لفظ القرية مأخوذ من الجمع , ومنه: قريت الماء في الحوض أي: جمعته وقرت الناقة لبنها في الضرع أي جمعته ويقال لمن صار معروفا بالضيافة لاجتماع الضيوف عنده كما وسمي القرآن قرآنا لاشتماله على مجموع السور والآيات.
ـ ثم إن المعلوم من لغة العرب أن المضاف في مثل هذا السياق كأنه مذكور لأنه مدلول عليه بالاقتضاء وما دل عليه بطريقة الاقتضاء هو على الحقيقية ولا يكون بحال مجازا.
ـ ولنفترض أن اسم القرية إنما هو للجدران، والعير إنما هو للبهائم كما يزعمون ويصرِّون أفليس الله قادرا على إنطاق حجارة هذه القرية وألسنة هذه البهائم وخاصة أن يعقوب عليه السلام نبي فهو لو سأل القرية نفسها والعير ذاتها لأجابته بإذن الله ،لأن إنطاقها ليس ببعيد على الله تكرمة لنبيه الكريم وزمن النبوة زمن خرق العوائد فلا يمتنع نطقها بسؤال النبي إياه.
هذا وإن في ظاهر اللفظ إحالة بالسؤال على من ليس من عادته الإجابة فكأنهم ظمنوا لأبيهم أنه إن سأل الجمادات أنبأته بصحة دعواهم وهذا تناه في تصحيح الخبر بمعنى: أنك لو سألتها وهي جماد لأنطقا الله بصدقنا فكيف لو سألت من كان من عادته الجواب ويطرد ما قلناه في هذه الآية على مثيلاتها من الآيات التي ادعوا فيها المجاز من هذا القبيل كقوله تعالى ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار).
إذ قالوا إن في الآية مجازا ذلك أن الأنهار لا تجري وإنما الذي يجري الماء الذي هو فيها ذلك أن النهر كالقرية والميزاب يراد به الحال ويراد به المحل.
فإذا قيل حفر النهر أريد من ذلك المحل وإذا قيل جرى النهر أريد به الحال ليس غير.
3 ـ قال تعالى ( الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم )[13]
قالوا: هذا مجاز ومعنى النور هنا أي منور السموات والأرض بالنور المخلوق ويتعين المجاز هنا لأن كل عاقل يعلم بالضرورة أن الله تعالى ليس هو هذا النور المنبسط على الجدران ولا هو النور الفائض من جرم الشمس والقمر والنار فإما أن يكون مجازه منور السماوات والأرض أو هادي أهل السموات و الأرض.
وهذا الكلام الذي قالوه مردود مغلوط والجواب عليه من وجوه:
ـ إن النور اسم من أسماء الله وصفة من صفاته لذلك وردت الأدلة من الكتاب والسنة واجتمعت الأمة على تلقيه بالقبول على مر عصورها.
ففي هذه الآية التي نحن بصددها سمى الله سبحانه نفسه نوراً ومحال أن يسمي نفسه نورا ولا تكون صفة النور ثابتة له، كما أن من المستحيل تماما أن يسمي نفسه عليما بصيرا حسيبا قديرا ولا تكون صفة العلم والبصر والحسب والقدرة ثابتة في حقه سبحانه في نفس الوقت، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوا من الليل " اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض لك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن لك الحمد أنت نور السموات والأرض قولك الحق ووعدك الحق ولقائك حق والجنة حق والنار حق والساعة حق...)[14]
فقد أثبتت هذه الآية وهذا الحديث لله صفة النور كما أثبتت له صفات العلم والربوبية والقيومية.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله " إن النور جاء في أسمائه تعالى وهذا الاسم مما تلقته الأمة بالقبول وأثبتوه في أسمائه الحسنى ولم ينكره أحد من السلف ولا أحد من أئمة أهل السنة"[15].
ـ إن الله تبارك وتعالى نور حقيقة، بذلك جاءت الآيات والأحاديث الصحيحة قال تعالى( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون * وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون )[16]
قال ابن كثير رحمه الله: بعد أن تحدث عن النفخة الثانية نفخة الصعق والثالثة البعث وقوله ( وأشرقت الأرض بنور ربها ) أي أضاءت يوم القيامة إذ تجلى الحق جل وعلا للخلائق لفصل القضاء.[17]
ويقول ابن القيم " إن الأرض ـ يوم القيامةـ تشرق بنوره، وهو نوره الذي هو نوره فإنه سبحانه يأتي لفصل القضاء بين عباده وينصب كرسيه بالأرض فإذا جاء الله تعالى أشرقت الأرض وحق لها أن تشرق بنوره، وعند المعطلة لا يأتي ولا يجيء ولا له نور تشرق به الأرض"[18]
كما ورد في الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يفيد أن الله نور على الحقيقة.
فعن عبد الله بن شقيق" قال: قلت لأبي ذر لو أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن كل شيء فقال : عن أي شيء كنت تسأله قال: كنت أسأله هل رأيت ربك قال: قد سألته فقال: رأيت نوراً"[19].
وعن أبي موسى الأشعري قال " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال " إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".[20]
و إن تفسير نور الله بهذا النور الواقع على الجدران المنبسط على الحيطان أو أنه هذا النور الفائض من جرم الشمس والقمر والنار إنما يدل على فهم فاسد وسقيم لمدلول هذه الآية وهذا النور ولم يفسره بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا فهمه عنه الصحابة رضوان الله عليهم ولا قال به أحد منهم أو أحد ممن جاء بعدهم ممن يعتد بعلمه أو يرجع إلى رأيه وفهمه.
فنور الرب القائم به والذي هو صفته غير هذا النور المخلوق المنفصل عنه كما أن سمع الله وبصره وعلمه وقدرته ومجيئه و نزوله واستوائه ووجهه ويده وساقه غير سمع المخلوقين وبصرهم وعلمهم وقدرتهم ومجيئهم ونزولهم واستوائهم ووجوههم وأيديهم وسوقهم سواء بسواء.
فمن فهم أن نور الشمس والقمر والنار وما إلى ذلك هو نور الله المقصود في الآية فإن أقل ما يقال فيه إنه كذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وافتراء بما ليس له به علم وشأن مثل هذا أن لا يقول وإن قال: أن لا يسمع له أبداً.
4 ـ وقال تعالى ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ).[21]
قالوا: هذا من المجاز فالسماوات والأرض والجبال جمادات لا تفهم ولا تجيب فكيف تعرض عليها الأمانة وتطالب بتكليف ثم هي كيف ترفض وتأبى وتشفق وهي مجرد جمادات.
قالوا: الأمانة هي ما أودعه الله في السموات والأرض والجبال وسائر المخلوقات من الدلائل على ربوبيته ليظهروها فأظهروها إلا الإنسان فإنه كتمها وجحدها فيكون على هذا معنى "عرضنا":أظهرنا.
وقالوا : العرض في الآية ضرب مثل أي إن السموات والأرض والجبال على كبر أجرامها لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع لما فيها من الثواب والعقاب أي أن التكليف أمر عظيم حقه أن تعجز عنه السموات والأرض والجبال وقد كلفه الإنسان.
وهذا كقوله "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ).
وقالوا: إنا عرضنا بمعنى عارضنا أي عارضنا الأمانة بالسموات والأرض والجبال فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة ورجحت الأمانة بثقلها عليها.
قال الشوكاني: بعد إن سرد أراهم هذه: كذا قال بعض المتكلمين مفسرا للقرآن برأيه الزائف وهذا تحريف لا تفسير...[22]
ولا نريد أن نخوض معهم في بيان فساد ما ذهبوا إليه ولا كن سنكتفي بإيراد ما كان يجمع عليه السلف ومن بعدهم في فهم هذه الآية بما يكشف فساد رأيهم
فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال:( الأمانة الفرائض عرضها الله على السموات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم ، وإن ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك وأشفقوا عليه من غير معصية، ولاكن تعظيما لدين الله إن لا يقوموا بها ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها ).
وهذا ما قاله أيضا مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن البصري وغير واحد من الأئمة أن الأمانة هي الفرائض.
وقال عبد الله بن مسعود هي أمانة الأموال كالودائع وغيره وفي رواية أخرى عنه ( إنها كل الفرائض وأشدها أمانة المال ). [23]
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ من هؤلاء د. عبد العظيم المطعني في كتابه المجاز في اللغة والقرآن ، وكذلك ابراهيم التركي في كتابه انكار المجاز عند ابن تيمية فقد زعم الأخير تناقض شيخ الإسلام ابن تيمية وأدعى الأنصاف وقوة جحته ، مع أنه تجاهل حجج شيخ الإسلام ولم يشر لها فضلا ً عن أن يجيب عنها.
[2] ـ موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة ( 1 / 452 – 453 ) .
[3] ـ الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ( 7 / 88 )
[4] ـ الحقيقة والمجاز لشيخ الإسلام ابن تيمية ، ضمن مجموع الفتاوى ( 20 / 494 )
[5] ـ المجاز في اللغة والقرآن د. المطعني ( 2 / 1094 ).
[6] ـ بطلان المجاز مصطفى الصياصنة ، ص 118 ـ 153 . وهذ المبحث نقل منه مع اختصار وتصرف يسير.
[7] ـ سورة الكهف ، آية رقم 78 .
[8] ـ رواه مسلم في الفضائل ، باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم ( 3677 )
[9] ـ رواه البخاري في المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام ( 3584 )
[10] ـ رواه البخاري في مناقب الأنصار ، باب ذكر الجن ( 3859 ) .
[11] ـ رواه البخاري في الجهاد ، باب قتال اليهود ( 2926 ) ، ومسلم في الفتن ، باب لا تقوم الساعة حتى .... ( 2922 )
[12] ـ سورة يوسف آية رقم 82 .
[13] ـ سورة النور آية رقم 35 .
[14] ـ رواه البخاري في التوحيد ، باب قول الله تعالى ( وهو الذي خلق السماوات والأرض ... ) ( 7385). ورواه مسلم في صلاة المسافرين ، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ( 769)
[15] ـ مختصر الصواعق المرسلة ( 2/189) .
[16] ـ سورة الزمر آية رقم 68 ، 69 .
[17] ـ تفسير ابن كثير ( 4/59) .
[18] ـ مختصر الصواعق المرسلة ( 2/192 ) .
[19] ـ رواه مسلم في الإيمان ، كتاب قوله عليه السلام : نور أني أراه ( 178)
[20] ـ أخرجه مسلم في الإيمان ، باب قوله عليه الصلاة والسلام : إن الله لا ينام ( 179)
[21] ـ سورة الأحزاب آية رقم 72 .
[22] ـ فتح القدير للشوكاني ( 4/309) .
[23] ـ انظر تفسير ابن كثير ( 3/445) ، وفتح القدير ( 4/308) .