محمد الغانم
31-Mar-2007, 04:12 PM
الفرق بين التأويل والمجاز
يرتبط المجاز بالتأويل ارتباطا وثيقا حتى إنه قد يلتبس أحيانا تمييز كل منهما عن الآخر لوجود علاقة تربطهما ببعض، بل إن حقيقة التأويل وجوهره هو حمل النص على معناه المجازي دون الحقيقي ـ على القول ببدعة المجاز .
بل هناك من أرجع التأويل كله إلى المجاز كما قال الغزالي " ويشبه أن يكون كل تأويل صرفا للفظ عن الحقيقة إلى المجاز "[1]
وهذا المبحث الهدف منه الوصول إلى التميز بين التأويل والمجاز , وإظهار الفرق بينهما.
كل من التأويل والمجاز ينطلق من الدلالة اللغوية للفظ، ومع أنهما ينطلقان من قاعدة لغوية أو بمعنى آخر ينطلقان من الاستعمال اللغوي إلا أن التأويل يتوسع حتى تنقطع الصلة بينه وبين المجاز.
إن التاويل مبني على المجاز وأصل له.
والتأويل متولد عنه لذلك فإن المتكلمين يحملون ألفاظ نصوص الصفات على المعاني المجازية التي يفرون بها عن التشبيه ـ على حسب زعمهم ـ ويتركون المعاني الحقيقية الدالة عليها.
وتحرير المقال هو أن المجاز أخف دلالة من التأويل , بمعنى أن المجاز يضل استعمالا لغويا ، والتأويل يستعمل لغرض تحريف النص الظاهر المجازي في ظاهره لأن المتكلمين أدخلوا المجاز في التأويل.
فالتأويل والمجاز يندرجان تحت صرف اللفظ عما وضع له.
وليس كل تأويل يترتب عليه مجاز. أما كل مجاز فيترتب عليه تأويل.
والمجاز له ضابط، والتأويل لا ضابط له فضابط المجاز اللغة فقد اشترط اللغويون و القائلون بالمجاز أن يكون هناك رابط بين المعنى الحقيقي والمستعمل أولا وبين المعنى المجازي الذي ينقل إليه المعنى , كما اشترطوا لصحة ذلك وجود قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي.
فالقرينة في المجاز لابد منها إذ هي الصارف عن الحقيقة إلى المجاز إذ اللفظ يدل على المعنى المجازي بنفسه دون قرينة.
أما التأويل فلا ضابط له و فقد يؤول المؤول بدون وجود دليل يستدل به على المعنى الذي تأوله وبدون وجود قرينة تمنعه من إرادة المعنى الظاهر , هذا مع أنهم في بعض التعريفات للتأويل اشترطوا لصرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر ووجود دليل يقترن به , لكنهم لم يلتزموا هذا الشرط لتأويلاتهم فأولوا مع وجود الدليل وعدمه. و يمكن القول أن المجاز سلم للمتأول وأحد مبررات للتأويل.
أي أن المجاز كان أولاً ثم ترتب عليه التأويل , فباب المجاز كان أسبق وأوسع ثم التأويل بعد ذلك استعمل المجاز وركبه التعطيل.
فالتأويل باب أوسع من المجاز من ناحية أخرى ومعانيه أكثر من المجاز فالتأويل يشمل المجاز وغيره.
والمجاز وسيلة للمتأول والتأويل عبارة عن نفس فعل المتأول.
والتأويل والمجاز قد استعملا في باب اصطلاحي عقدي ففيهما فساد كثير لما يترتب عليهما من تعطيل للأحكام الشرعية التي يدل عليها النص.
ولو قارنا بين التأويل والمجاز عند المتكلمين والباطنية لوجد أن التأويل أوسع وأفسد من المجاز عند المتكلمين, أما المجاز عند الباطنية فهو أوسع وأفسد، لأن المتكلمين كان تعطيلهم ليس بهدف إفساد النصوص فالمتكلم المتأول المجازي مقصوده بالتأويل المجازي إزالة شبهة تعرض أمامه فيحاول أن يدل على معنى بين وواضح بزعمه.
أما المتأول المجازي الباطني فغرضه إفساد النصوص لا لهدف التبيين والإيضاح وأحيانا يكون قد عرض عليه شبهة ولا كن الأول آكد في حقه.
فباب المجاز من القضايا والمعالجات والأساليب الدخيلة على فقه اللغة في التعامل الشرعي, كما اتضح أن هناك صلة وثيقة بين المجاز والتأويل حيث كل منهما يندمجان أحيانا للوصول إلى تعطيل نصوص الصفات وإنكار حقائقها وتضعيف دلالاتها.
والقول بالمجاز مهما سيق له من حجج دفاعا عنه فيه خروج على النصوص وإخلال بما تضمنته من حقائق , وإلا فماذا بعد صرف الألفاظ عن وجهتها إلا القضاء على معناها بالمعنى الذي يقدره المتأول وهو يعلم أنه مغاير لما في الكلام.
وبعد النظر والتأمل في كل من المجاز والتأويل وجد أن ظهور المجاز في النصوص الشرعية جاء نتيجة لنظر المتكلمين وتعاملهم مع هذه النصوص بعدم قبول ظواهرها ومعانيها التي يرون أنها توقع في التشبيه والتجسيم.
فحملوا ظواهرها على التأويل المجازي فهم يرون أن هذا الطريق هو طريق السلامة , يقول الجرجاني" ولو لم يجب البحث عن حقيقية المجاز , والعناية به , حتى تحصل ضروبه , وتضبط أقسامه إلا للسلامة من هذه المقالة , والخلاص مما نحى نحو هذه الشبهة ,( أ ي إبقاء النصوص على ظواهرها ) لكن من حق القائل أن يتوفر عليه ويصرف العناية إليه ... و الدين بحاجة ماسة إليه من جهات يطول عدها , وللشيطان من جانب الجهل مداخل خفية يأتيهم منها . فيسرق دينهم من حيث لا يشعرون ويلقيهم في الضلالة من حيث ظنوا أنهم مهتدون"[2].
هذه هي نظرتهم للمجاز وأنه الملاذ المنجي من الوقوع في الشبهة كما يزعمون , وما علموا أنهم بذلك يقعون في أمر أدهى وأمر كالمستجير من الرمضاء بالنار , حيث تركوا الظاهر الذي نطق به الشارع وحملوه على ما يضنون أنه المراد فوقعوا في التعطيل، ودخلوا في متاهة تحكيم العقل ،وعلى هذا سار المتكلمون وتوالوا على ذلك .[3]
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ المستصفى في علم الأصول للغزالي ( 1/387) .
[2] ـ أسرار البلاغة للجرجاني ص 391 .
[3] ـ انظر المجاز في الإلهيات ، ص 95 – 97 .
يرتبط المجاز بالتأويل ارتباطا وثيقا حتى إنه قد يلتبس أحيانا تمييز كل منهما عن الآخر لوجود علاقة تربطهما ببعض، بل إن حقيقة التأويل وجوهره هو حمل النص على معناه المجازي دون الحقيقي ـ على القول ببدعة المجاز .
بل هناك من أرجع التأويل كله إلى المجاز كما قال الغزالي " ويشبه أن يكون كل تأويل صرفا للفظ عن الحقيقة إلى المجاز "[1]
وهذا المبحث الهدف منه الوصول إلى التميز بين التأويل والمجاز , وإظهار الفرق بينهما.
كل من التأويل والمجاز ينطلق من الدلالة اللغوية للفظ، ومع أنهما ينطلقان من قاعدة لغوية أو بمعنى آخر ينطلقان من الاستعمال اللغوي إلا أن التأويل يتوسع حتى تنقطع الصلة بينه وبين المجاز.
إن التاويل مبني على المجاز وأصل له.
والتأويل متولد عنه لذلك فإن المتكلمين يحملون ألفاظ نصوص الصفات على المعاني المجازية التي يفرون بها عن التشبيه ـ على حسب زعمهم ـ ويتركون المعاني الحقيقية الدالة عليها.
وتحرير المقال هو أن المجاز أخف دلالة من التأويل , بمعنى أن المجاز يضل استعمالا لغويا ، والتأويل يستعمل لغرض تحريف النص الظاهر المجازي في ظاهره لأن المتكلمين أدخلوا المجاز في التأويل.
فالتأويل والمجاز يندرجان تحت صرف اللفظ عما وضع له.
وليس كل تأويل يترتب عليه مجاز. أما كل مجاز فيترتب عليه تأويل.
والمجاز له ضابط، والتأويل لا ضابط له فضابط المجاز اللغة فقد اشترط اللغويون و القائلون بالمجاز أن يكون هناك رابط بين المعنى الحقيقي والمستعمل أولا وبين المعنى المجازي الذي ينقل إليه المعنى , كما اشترطوا لصحة ذلك وجود قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي.
فالقرينة في المجاز لابد منها إذ هي الصارف عن الحقيقة إلى المجاز إذ اللفظ يدل على المعنى المجازي بنفسه دون قرينة.
أما التأويل فلا ضابط له و فقد يؤول المؤول بدون وجود دليل يستدل به على المعنى الذي تأوله وبدون وجود قرينة تمنعه من إرادة المعنى الظاهر , هذا مع أنهم في بعض التعريفات للتأويل اشترطوا لصرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر ووجود دليل يقترن به , لكنهم لم يلتزموا هذا الشرط لتأويلاتهم فأولوا مع وجود الدليل وعدمه. و يمكن القول أن المجاز سلم للمتأول وأحد مبررات للتأويل.
أي أن المجاز كان أولاً ثم ترتب عليه التأويل , فباب المجاز كان أسبق وأوسع ثم التأويل بعد ذلك استعمل المجاز وركبه التعطيل.
فالتأويل باب أوسع من المجاز من ناحية أخرى ومعانيه أكثر من المجاز فالتأويل يشمل المجاز وغيره.
والمجاز وسيلة للمتأول والتأويل عبارة عن نفس فعل المتأول.
والتأويل والمجاز قد استعملا في باب اصطلاحي عقدي ففيهما فساد كثير لما يترتب عليهما من تعطيل للأحكام الشرعية التي يدل عليها النص.
ولو قارنا بين التأويل والمجاز عند المتكلمين والباطنية لوجد أن التأويل أوسع وأفسد من المجاز عند المتكلمين, أما المجاز عند الباطنية فهو أوسع وأفسد، لأن المتكلمين كان تعطيلهم ليس بهدف إفساد النصوص فالمتكلم المتأول المجازي مقصوده بالتأويل المجازي إزالة شبهة تعرض أمامه فيحاول أن يدل على معنى بين وواضح بزعمه.
أما المتأول المجازي الباطني فغرضه إفساد النصوص لا لهدف التبيين والإيضاح وأحيانا يكون قد عرض عليه شبهة ولا كن الأول آكد في حقه.
فباب المجاز من القضايا والمعالجات والأساليب الدخيلة على فقه اللغة في التعامل الشرعي, كما اتضح أن هناك صلة وثيقة بين المجاز والتأويل حيث كل منهما يندمجان أحيانا للوصول إلى تعطيل نصوص الصفات وإنكار حقائقها وتضعيف دلالاتها.
والقول بالمجاز مهما سيق له من حجج دفاعا عنه فيه خروج على النصوص وإخلال بما تضمنته من حقائق , وإلا فماذا بعد صرف الألفاظ عن وجهتها إلا القضاء على معناها بالمعنى الذي يقدره المتأول وهو يعلم أنه مغاير لما في الكلام.
وبعد النظر والتأمل في كل من المجاز والتأويل وجد أن ظهور المجاز في النصوص الشرعية جاء نتيجة لنظر المتكلمين وتعاملهم مع هذه النصوص بعدم قبول ظواهرها ومعانيها التي يرون أنها توقع في التشبيه والتجسيم.
فحملوا ظواهرها على التأويل المجازي فهم يرون أن هذا الطريق هو طريق السلامة , يقول الجرجاني" ولو لم يجب البحث عن حقيقية المجاز , والعناية به , حتى تحصل ضروبه , وتضبط أقسامه إلا للسلامة من هذه المقالة , والخلاص مما نحى نحو هذه الشبهة ,( أ ي إبقاء النصوص على ظواهرها ) لكن من حق القائل أن يتوفر عليه ويصرف العناية إليه ... و الدين بحاجة ماسة إليه من جهات يطول عدها , وللشيطان من جانب الجهل مداخل خفية يأتيهم منها . فيسرق دينهم من حيث لا يشعرون ويلقيهم في الضلالة من حيث ظنوا أنهم مهتدون"[2].
هذه هي نظرتهم للمجاز وأنه الملاذ المنجي من الوقوع في الشبهة كما يزعمون , وما علموا أنهم بذلك يقعون في أمر أدهى وأمر كالمستجير من الرمضاء بالنار , حيث تركوا الظاهر الذي نطق به الشارع وحملوه على ما يضنون أنه المراد فوقعوا في التعطيل، ودخلوا في متاهة تحكيم العقل ،وعلى هذا سار المتكلمون وتوالوا على ذلك .[3]
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ المستصفى في علم الأصول للغزالي ( 1/387) .
[2] ـ أسرار البلاغة للجرجاني ص 391 .
[3] ـ انظر المجاز في الإلهيات ، ص 95 – 97 .