المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نشأة القول بالمجاز


محمد الغانم
29-Mar-2007, 03:11 PM
نشأة القول بالمجاز :



لم يعرف عن العرب تقسيمهم الكلام إلى حقيقة ومجاز، ولم يتكلموا بلفظ المجاز الذي هو قسيم الحقيقة عند أهل البيان والأصول، وإنما هذا التقسيم اصطلاح حادث ركبه ودعمه واستغله المبتدعة من أهل الكلام لتحريف ما لم تستسغه عقولهم من نصوص الشرع.[1]

يقول شيخ الإسلام رحمه : فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين فيس العلم كمالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم... ولم يقل ذلك أحد من أهل اللغة ولا من سلف الأمة وعلمائها وإنما هذا اصطلاح حادث والغالب أنه من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين... فإن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز إنما اشتهر في المائة الرابعة وظهرت أوائله في المائة الثالثة وما علمته موجودا في المائة الثانية اللهم إلا أن يكون فيه أواخرها[2].


وقال الإمام ابن القيم بعد أن ذكر أن هذا التقسيم لم يرد به الشرع ولم يصرح أحد من أهل اللغة بأن العرب قسمت كلامها إلى حقيقة ومجاز، قال: وإذا علم أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز ليس تقسيما شرعيا، ولا عقليا، ولا لغويا، فهو اصطلاح محض، وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص، وكان منشؤه من جهة المعتزلة و الجهمية ،ومن سلك طريقهم من المتكلمين[3].



وبمراجعة المصادر الإسلامية من كتب التفسير والأصول والبلاغة وغيرها يظهر أن ليس هناك من سبق أبا عبيدة معمر بن المثنى إلى إطلاق كلمة مجاز وهذا موضع اتفاق بين الباحثين حيث سمي كتابه مجاز القرآن وأكثر من استخدم هذا اللفظ في ذلك الكتاب إلا أن أبا عبيدة لم يستخدم المجاز بمعناه المعروف

لاحقاً، بل قصد معناه اللغوي لا غير، حيث يورده بمعنى ما يجوز في اللغة أو بمعنى التفسير، وقد تنبه لهذا كثير من العلماء والباحثين .[4]

ونضرب أمثلة لتأكيد ذلك الأمر ، يقول عند تفسير قوله تعالى (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ)[5] مجازه: تأليف بعضه إلى بعض ثم قال: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ)[6] مجازه: فإذا ألفنا منه شيئا فضممناه إليك فخذ به واعمل به وضمه إليك[7] .

وعند قوله تعالى (أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ)[8] قال: ومجاز طائرهم : حضهم ونصيبهم .

وعن قوله تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)[9] قال مجازه: ظهر على العرش وعلا عليه ويقال: استويت على ظهر العرس وعلى ظهر البيت[10] .



وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على الآمدي في أحكامه في المسألة الثانية حيث قال: (اختلف الأصوليين في اشتمال اللغة على الأسماء المجازية فنفاه الأستاذ أبو اسحق ومن تابعه - يعني أبا إسحاق الاسفراييني- وأثبته الباقون وهو الحق) فرد ابن تيمية عليه كلامه وناقشه من ناحيتين:

أحدهما: في تحرير هذا النقل.

والثاني: في النظر في أدلة القولين.



أما تحرير النقل: فبين مراد الآمدي بالأصوليين ثم قال: (وإذا كان اسم الأصوليين يتناول المجتهدين المشهورين المتبوعين كالأئمة الأربعة والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه وغيرهم، وإن كان المقصود بالأصوليين من جرد الكلام في أصول الفقه من الأدلة المعينة كما فعله الشافعي وأحمد بن حنبل ومن بعدهما وكما فعله عيسى ابن إبان ونحوه، وكما فعله المصنفون في أصول الفقه من الفقهاء والمتكلمين، فمعلوم أن أول من عرف أنه جرد الكلام في أصول الفقه هو الشافعي، وهو لم يقسم الكلام إلى حقيقة ومجاز، بل لا يعرف في كلامه مع كثرة استدلاله وتوسعه ومعرفته الأدلة الشرعية أنه سمى شيئاً منه مجازاً، ولا ذكر في شيء من كتبه ذلك، لا في الرسالة ولا في غيرها. وحينئذ فمن اعتقد أن المجتهدين المشهورين وغيرهم من أئمة الإسلام وعلماء السلف قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز كما فعله طائفة من المتأخرين كان ذلك من جهله وقلة معرفته بكلام أئمة الدين وسلف المسلمين كما يظن طائفة أخرى أن هذا مما أخذ من الكلام العربي توقيفاً، وأنهم قالوا: هذه حقيقة وهذا مجاز، كما ظن ذلك طائفة من المتكلمين في أصول الفقه، وكان هذا من جهلهم بالكلام العربي... وكما يظن بعضهم أن ما يوجد في كلام بعض المتأخرين كالرازي والآمدي.. هو مذهب الأئمة المشهورين واتباعهم، ولا يعرف ما ذكره أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم من أصول الفقه الموافق لطريق أئمتهم، فهذا أيضا من جهله وقلة علمه. وإن قال الناقل عن كثير من الأصوليين: مرادي بذلك أكثر المصنفين في أصول الفقه من أهل الكلام والرأي كالمعتزلة والأشعرية وأصحاب الأئمة الأربعة، فأكثر هؤلاء قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز قيل له: لا ريب أن هذا التقسيم موجود في كتب المعتزلة ومن أخذ عنهم وشابههم وأكثر هؤلاء ذكروا هذا التقسيم، وأما من لم يكن كذلك فليس الأمر في حقه كذلك، ثم يقال: ليس من هؤلاء إمام من أئمة المسلمين الذين اشتغلوا بتلقي الأحكام من أدلة الشرع، ولهذا لا يذكر أحد من هؤلاء في الكتب التي يحكى فيها أقوال المجتهدين فمن صنف كتاباً وذكر فيه اختلاف المجتهدين المشتغلين بتلقي الأحكام عن الأدلة الشرعية وهم أكمل الناس معرفة بأصول الفقه أو أحق الناس بالمعنى الممدوح من اسم الأصولي. فليس من هؤلاء من قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز. وإن أراد من عرف بهذا التقسيم من المتأخرين المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام. ومن سلك طريقهم ذلك من الفقهاء، قيل له لا ريب أن أكثر هؤلاء قسموا هذا التقسيم، لكن ليس فيهم إمام في فن من فنون الإسلام لا التفسير ولا الحديث ولا الفقه ولا اللغة ولا النحو بل أئمة النحاة أهل اللغة كالخليل وسيبويه والكسائي والفراء، وأمثالهم وأبي عمرو بن العلاء وأبي زيد الأنصاري والأصمعي، وأبي عمرو الشيباني وغيرهم: لم يقسموا تقسيم هؤلاء.[11]

وكذلك الإمام ابن القيم ذكر أن هذا التقسيم إنما هو اصطلاح حادث وليس بشرعي ولا لغوي، ولا عقلي، وإنما هو تقسيم اصطلاحي وقد رد على من قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز فقال:

فنقول تقسيم الألفاظ ومعانيها إلى حقيقة ومجاز، إما أن يكون عقلياً أو شرعياً أو لغوياً أو اصطلاحياً والأقسام الأولى باطلة، فإن العقل لا مدخل له في دلالة اللفظ وتخصيصه بالمعنى المدلول عليه حقيقة كان أو مجاز فإن دلالة اللفظ على معناه، ليس كدلالة الانكسار على الكسر والانفعال على الفعل.

ولو كانت عقلية لما اختلفت باختلاف الأمم، ولما جهل أحد معنى لفظ. والشرع لم يرد بهذا التقسيم ولا دل عليه ولا أشار إليه.

وأهل اللغة لم يصرح أحدهم بأن العرب قسمت لغاتها إلى حقيقة ومجاز ولا قال أحد من العرب قط: هذا اللفظ حقيقة وهذا مجاز، ولا وجد في كلام من نقل لغتهم عنهم مشافهة ولا بواسطة ذلك، ولهذا لا يوجد في كلام الخليل وسيبويه والفراء وأبي عمرو بن العلاء والأصمعي وأمثالهم، كما لم يوجد في كلام رجل واحد من الصحابة ولا من التابعين ولا تابع التابعين ولا في كلام أحد من الأئمة الأربعة ....وإذا علم أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز ليس تقسيماً شرعياً ولا عقلياً ولا لغوياً فهو اصطلاح محض وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص. وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية ومن سلك طريقهم من المتكلمين[12] .

ولعل الجاحظ المعتزلي هو أول من استعمل المجاز في القرآن بالمعنى المقابلة للحقيقة.

وهو ذلك المعنى القريب كل القرب مما استعمله البيانيون المتأخرون، وبهذا كان الجاحظ هو أول مصنف استعمل لفظي المجاز والاستعارة على نحو ما قصده البلاغيون.

فهو لا يريد بكلمة المجاز ذلك المعنى الذي قصده أبو عبيدة بالتفسير ولكنه يريد ذلك الشيء المقابل للحقيقة.

ثم جاء بعد الجاحظ ابن جني ،وكان هو الآخر معتزلياً.

وكان للمجاز على يديه شأن في التوسع حتى عد أن أكثر اللغة مجاز حيث قال في كتابه الخصائص: (اعلم أن أكثر اللغة مع تأمله مجاز لا حقيقة)[13].



وبعد ابن جني وفي المنتصف الخامس الهجري جاء عبدالقاهر الجرجاني حيث بلغ المجاز قمته على يده، وثبت قواعده وبين علاماته وما يتعلق به أشد البيان. فكانت جهوده هي الأساس الذي بني عليه من أتى بعده من البلاغيين مفاهيمهم وتقسيماتهم وقواعدهم في هذا المجال، لكنهم لم يستطيعوا إضافة شيء ذي بال.

وبعد ذلك توالت جهود المجازيين في ذلك وتبنى القول بالمجاز الكثير من المصنفين على شتى المذاهب من معتزلة وأشاعرة، وما تريدية وغيرهم سواء في أصول الفقه أو التفسير ونحو ذلك.[14]



--------------------------------------------------------------------------------

[1] ـ موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة د. سليمان الغصن ( 1429) .

[2] ـ الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ، ضمن مجموع الفتاوى ( 7/88-89) باختصار .

[3] ـ مختصر الصواعق المرسلة ( 2/5)

[4] ـ جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية د. محمد أحمد لوح ص 75 .

[5] ـ سورة القيامة آية رقم 17 .

[6] ـ سورة القيامة آية رقم 18 .

[7] ـ مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى (2/278) .

[8] ـ سورة الأعراف آية رقم 131 .

[9] ـ سورة الأعراف آية رقم 54 .

[10] ـ مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى (1/216)

[11] ـ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ( 2/402-405) .

[12] ـ مختصر الصواعق المرسلة ( 2/371-372) .

[13] ـ الخصائص ( 2/447) .

[14] ـ المجاز في الإلهيات عند المتكلمين ، ص 64 -66 .

أبو المنذر المنياوي
29-Mar-2007, 09:52 PM
ما شاء الله
جزاكم الله خيرا
وعلى هذا الرابط ملخص لرسالتي : منع جواز المجاز ببيان الأساليب والاطلاقات العربية .
http://forum.turath.com/showthread.php?t=71
فأخبرني رأيك فيها أخي الكريم .

محمد الغانم
31-Mar-2007, 01:20 AM
بارك الله فيك أبا المنذر ، تصفحت بشكل سريع ، وقرأت مواطن منها بشكل عشوائي . لاكن التبس علي هل هي إختصار لرسالة الشنقيطي رحمه الله منع جواز المجاز ، أم هذا مستخرج من كلامه في أضواء البيان .


الأمر الآخر لا بد أنك تعرف أن مسألة المجاز مسألة عظيمة وليس بالسهل الخوض فيها ، وطبعا ً لا بد أن تتطلع على ما أثير وكتب من جدل في مسألة المجاز .

وهذه بعض المراجع التي لا بد للباحث في المجاز النظر فيها :

1 ـ ما كتبه شيخ الإسلام ، وخاصة في :
ـ الإيمان ، الرسالة المدنية ، المجاز .
2 ـ مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم ، فلن تر أنفس من كلامه فيه .
3 ـ منع جواز المجاز للشنقيطي .
4 ـ بطلان المجاز لمصطفى الصياصنة .
5 ـ المجاز في اللغة والقرآن بين الإجازة والمنع للمطعني .
6 ـ المجاز عند ابن تيمية لمنصور التركي .
7 ـ موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة للغصن المجلد الأول .
8 ـ جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية لمحمد لوح .
وغيرها كثير لكن هذه هي التي تحضرني الآن .