رياض العُمري
28-Mar-2007, 12:48 PM
فهذا جمع لأهم الشبهات التي يتعلق بها من يرى مشروعية (( المولد النبوي )) مع الإجابة عليها وبيان أقوال العلماء فيها ، أنقلها لكم للفائدة ...
.....................
1 ـ الأولى: قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) الأحزاب : 56.
قالوا: "إن المولد يبعث على الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم" .
الجواب :
أولاً : قال الشيخ التويجري في " الرد القوي " ص70–71 : يستحب الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل وقت لما رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: .. صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ..
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار من الصلاة عليه أوقات معينه كيوم الجمعة وبعد الأذان وعند ذكره صلى الله عليه وسلم إلى غير تلك الأوقات ومع ذلك لم يأمر أو يحث على الصلاة عليه في ليلة مولده فيعمل بما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرد ما لم يأمر به لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد انتهى بتصرف.
ــــــــــــ
2- الشبهة الثانية : يقولون ان الله كرم بعض الأماكن المرتبطة بالأنبياء مثل مقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم حيث قال الله تعالى: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وهذا فيه حث على الاهتمام بكل ما يتعلق بالأنبياء ومنها الاهتمام بيوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم.
الجواب: قال الشيخ التويجري رحمه الله في "الرد القوي" ص83: ان العبادات مبناها على التوقيف والإتباع لا على الرأي والابتداع . فما عظمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من زمان أو مكان فانه يستحق التعظيم وما لا فلا. والله تبارك وتعالى قد أمر عباده أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى و لم يأمرهم أن يتخذوا يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيداً ويبتدعوا فيه بدعاً لم يؤمروا بها انتهى بتصرف.
وأضيف إلى كلام الشيخ رحمه الله أنه قد صح عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما أنه كان يستلم أركان الكعبة الأربعة فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: إنه لا يستلم هذان الركنان.
فقال معاوية رضي الله عنه : ليس شيءٌ من البيت مهجوراً رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد.
وزاد أحمد : فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لَقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة فقال معاوية رضي الله عنه: صدقت.
ـــــ
3- الشبهة الثالثة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين فلما سئل عن ذلك قال : ذلك يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه.. رواه أحمد ومسلم وأبو داود. استدل به محمد المالكي في " حول الاحتفال بالمولد " ص10 .
فقد قال محمد المالكي : أنه صلى الله عليه وسلم كان يعظّم يوم مولده ، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه ، وتفضله عليه بالوجود لهذا الوجود ، إذ سعد به كل موجود ، وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال : " ذلك يوم ولدت
فيه وأنزل علي فيه رواه الإمام مسلم في الصحيح في كتاب الصيام. وهذا في معنى الاحتفال به إلا أن الصورة مختلفة ولكن المعنى موجود سواء كان ذلك بصيام أو إطعام طعام أو اجتماع على ذكر أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أو سماع شمائله الشريفة اهـ.
الجواب :
أولاً : قال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله في الإنصاف فيما قيل في المولد ص64–66:
إذا كان المراد من إقامة المولد هو شكر الله تعالى على نعمة ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم فيه فإن المعقول والمنقول يحتم أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرسول صلى الله عليه وسلم ربه وهو الصوم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يختار إلا ما هو أفضل، وعليه فلنصم كما صام ، وإذا سئلنا قلنا: إنه يوم ولد فيه نبينا فنحن نصومه شكرا لله تعالى.
ثانياً: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصم يوم ولادته وهو اليوم الثاني عشر من ربيع الأول إن صح أنه ذلك، وإنما صام يوم الاثنين الذي يتكرر مجيئه في كل شهر.
ثالثاً : هل النبي صلى الله عليه وسلم لما صام يوم الاثنين شكراً على نعمة الإيجاد والإمداد وهو تكريمه ببعثته إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً أضاف إلى الصيام احتفالاً كاحتفال أرباب الموالد من تجمعات ومدائح ؟
والجواب: لا، وإنما اكتفى بالصيام فقط إذاً ألا يكفي الأمة ما كفى نبيها ، ويسعها ما وسعه؟ وهل يقدر عاقل أن يقول: لا؟ وإذا فلم ألافتيات على الشارع والتقدم بالزيادة عليه، والله يقول: ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ويقول: يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عَلِيم ورسوله صلى الله عليه وسلم يقول : إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالَة انتهى كلام الشيخ الجزائري بتصرف .
وحال من قال بجواز إقامة المولد زيادة على صيام يوم الاثنين الثابت في السنة يشبه حال من صلى سنة المغرب مثلاً ثلاث أو أربع ركعات بحجة أنه أتى بالركعتين التي ثبتت بالسنة ثم أضاف إليها ركعتين زيادة في الخير.
رابعاً : قال الشيخ التويجري رحمه الله في الرد القوي 61–62:
ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخص اليوم الثاني عشر من ربيع الأول إن صح أن ذلك هو يوم مولده بالصيام ولا بشيء من الأعمال دون سائر الأام ولو كان يعظم يوم مولده ، كما يزعمون لكان يتخذ ذلك اليوم عيداً في كل سنة، أو كان يخصه بالصيام أو بشيء من الأعمال دون سائر الأيام. وفي عدم تخصيصه بشيء من الأعمال دون سائر الأيام دليل على أنه لم يكن يفضله على غيره وقد قال تعالى : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر انتهى كلام الشيخ التويجري بتصرف.
خامساً: قال الشيخ بن منيع حفظه الله في حوار مع المالكي 50 – 51
أما قول المالكي عن صيام الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين : وهذا في معنى الاحتفال به ، إلا أن الصورة مختلفة ، ولكن المعنى موجود فالجواب عنه يفهم من الجواب عن السؤال التالي :
هل يجوز لنا أن نقول : أن مشروعية الصلاة في الأوقات الخمسة تعني مشروعية الصلاة في الجملة، وأنه يجوز لنا أن نحدث وقتا أو وقتين زيادة على الصلوات الخمس المكتوبة؟ وأنه يجوز لنا أن نقو : أن مشروعية صيام رمضان ، تعني مشروعية الصيام في الجملة ، وأنه يجوز لنا أن نحدث صيام شهر آخر غير رمضان على سبيل الوجوب؟ هل يجوز لنا أن نقول: أن مشروعية الحج في زمان مخصوص ، تعني مشروعيته في الجملة ، وأنه يجوز لنا أن نقول : أن بتوسعة وقت الحج طوال العام كالعمرة تخفيفا على الأمة وتوسعة عليها ؟
إننا حينما نقول بذلك لا نقول بأن الصورة مختلفة ، بل الصلاة هي الصلاة ، والصوم هو الصوم ، والحج هو الحج ، إلا أن الجديد في ذلك الزيادة على المشروع فقط.
يلزم المالكي أن يقول : بجواز ذلك كما قال : بأن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مولده ، يدل على جواز إقامة الاحتفال بذكرى المولد انتهى كلام الشيخ ابن منيع بتصرف.
ــــــــــــــ
4- الشبهة الرابعة : ما ثبت في الصحيحين ان النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة رأى اليهود تصوم عاشوراء فقال : ما هذا ؟ قالوا : يوم صالح نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى فقال : أنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه.
ورد الاستدلال بهذا الحديث في جواب للحافظ ابن حجر العسقلاني عن سؤال وجه إليه عن عمل المولد حسبما ذكره السيوطي في "حسن المقصد في عمل المولد" ضمن" الحاوي للفتاوى" 1 / 196 حيث جاء فيه:
أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الح من القرون الثلاثة ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة وإلا فلا. وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين ثم ذكر الحديث ...
فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة. وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء. ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر بل توسع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه… إلى آخر كلامه.
وقد نقل محمد بن علوي المالكي كلام الإمام ابن حجر مختصرا في "البيان والتعريف" ص10–11 وقال في رسالته " حول الاحتفال بالمولد " ص11–12: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لتذكّرها وتعظيم يومها، لأجلها ولأنه ظرف لها. وقد أصّل صلى الله عليه وسلم هذه القاعة بنفسه كما صرح في الحديث ثم ذكر حديث صيام يوم عاشوراء اهـ.
والجواب :
أولاً : قال العلامة الأنصاري في القول الفصل ص78 – 79 :
أن المحاسن التي ورد في فتوى الحافظ أن من تحراها في عمل المولد وتجنب ضدها كان عمل المولد بدعة حسنة لا تعد هي بنفسها من البدع وإنما البدعة فيها جعل ذلك الاجتماع المخصوص بالهيئة المخصوصة في الوقت المخصوص واعتبار ذلك العمل من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص من كتاب أو سنة بحيث يظن العوام الجاهلون بالسنن أن عمل المولد من أعمال القرب المطلوبة شرعا . وعمل المولد بهذه القيود بدعة سيئة وجناية على دين الله وزيادة فيه تعد من شرع ما لم يأذن به الله ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم . ثم أن حديث صوم يوم عاشوراء لنجاة موسى عليه السلام فيه وإغراق فرعون فيه ليس فيه سوى أن النبي صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصومه دون زيادة على ذلك انتهى بتصرف.
ثانياً : أن الشرط الذي شرطه الحافظ ابن حجر للاحتفال بالمولد النبوي وهو تحري ذلك اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى عليه السلام لا يلتزمه كثير ممن تبعوه في الاستدلال بهذا الحديث على مشروعية الاحتفال بالمولد فقد قال محمد بن علوي المالكي في حول الاحتفال بالمولد ص6:
أننا لا نقول بسنية الاحتفال بالمولد المذكور في ليلة مخصوصة بل من اعتقد ذلك فقد ابتدع في الدين ، لأن ذكره صلى الله عليه وسلم والتعلق به يجب يكون في كل حين ، ويجب أن تمتلئ به النفوس … الخ .
وعلى كلامه فإن الإمام ابن حجر العسقلاني يكون قد وقع في الابتداع في الدين فإنه خصص الاحتفال بيوم واحد في العام كما هو واضح في كلامه السابق ! .
ثالثاً : قال الشيخ الجزائري في الإنصاف فيما قيل في المولد ص63:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد صام يوم عاشوراء وحث على صيامه فكان صيامه سنة وسكت عن يوم ولادته الذي هو الثاني عشر من ربيع الأول كما يقول به أكثر المحتفلين فلم يشرع فيه شيئاً فوجب أن نسكت كذلك، ولا نحاول أن نشرع فيه صياماً وا قياماً فضلاً عن احتفالا انتهى كلامه بتصرف.
ثم أقول للمالكي حيث أجاز الاحتفال بالمولد في أي يوم:
هل يجوز أن نصوم أو نعمل أي عمل صالح في أي يوم غير يوم عاشورا شكرا لله لأنه نجى موسى عليه السلام وقومه من فرعون ؟ !.
وأما بالنسبة لقول المالكي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لتذكرها وتعظيم يومها لاجلها ولأنه ظرف لها فقد أجاب عنه الشيخ التويجري رحمه الله في الرد القوي ص68 – 69:
ان من أعظم الأمور التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، مجيء الملك إليه بالنبوة وهو في غار حراء وتعليمه أول سورة اقرأ باسم ربك الذي خلق. ومن أعظم الأمور أيضاً الإسراء به إلى بيت المقدس والعروج به إلى السموات السبع وما فوقها وتكليم الرب تبارك وتعالى له وفرضه الصلوات الخمس، ومن أعظم الأمور أيضاً هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومن أعظم الأمور أيضاً وقعة بدر وفتح مكة، و لم يرد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يعمل الاجتماع لتذكر شيء من هذه الأمور العظيمة وتعظيم أيامها، ولو كانت قاعدة ابن علوي التي توهمها وابتكرها صحيحة لكان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بأوقات هذه الأمور العظيمة
ويعقد الاجتماعات لتذكرها وتعظيم أيامه. وفي تركه صلى الله عليه وسلم ذلك أبلغ رد على مزاعم ابن علوي وغيره وتقولهم على النبي صلى الله عليه وسلم انتهى بتصرف واختصار.
ــــــــــــ
5- الشبهة الخامسة : ما جاء عن عروة أنه قال في ثويبة مولاة أبي لهب: وكان أبولهب أعتقها فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة قال له : ماذا لقيت؟ قال أبو لهب : لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة ".
استدل محمد بن علوي المالكي بهذه القصة في رسالته حول الاحتفال بالمولد ص8 حيث قال :
أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صلى الله عليه وسلم وقد انتفع به الكافر.. فجاء في البخاري أنه يخفَف عن أبي لهب كل يوم اثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشرته بولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم ...
وهذه القصة رواها البخاري في الصحيح في كتاب النكاح ونقلها الحافظ ابن حجر في الفتح … وهي وإن كانت مرسلة إلا أنها مقبولة لأجل نقل البخاري لها واعتماد العلماء من الحفاظ لذلك ولكونها في المناقب والخصائص لا في الحلال والحرام وطلاب العلم يعرفون الفرق في الاستدلال بالحديث بين المناقبوالأحكام وأما انتفاع الكفار بأعمالهم ففيه كلام بين العلماء ليس هذا محل بسطه ، والأصل فيه ما جاء في الصحيح من التخفيف عن أبي طالب بطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى باختصار.
والجواب :
أولاًً : قال العلامة الأنصاري رحمه الله في القول الفصل ص84 – 87:
أن هذا الخبر لا يجوز الاستدلال به لأمور:
أولاً : أنه مرسل كما يتبين من سياقه عند البخاري في باب وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم " ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " من صحيحه فقد قال : حدثنا الحكم بن نافع أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة نت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله انكِحْ أختي بنت أبي سفيان، فقال: أو تحبين ذلك ؟ فقلت : نعم ، لست لك بمخليةٍ، وأحب من شاركني في خيرٍ أختي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن ذلك لا يحل لي .
قلت : فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة . قال : بنت أم سلمة ؟
قلت: نعم. فقال: لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ماحلت لي. إنها لاَبنة أخي من الرضاعة. أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن .
قال عروة : وثويبة مولاة لأبي لهبٍ وكان أبو لهبٍ أعتقها فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حِيبةٍ ، قال له : ماذا لقيت؟ قال أبو لهب : لم ألق بعدكم . غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة " انتهى.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر " فتح الباري " 9 / 49 : إن الخبر ـ أي المتعلق بتلك القضية ـ مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به...الخ .
وبه نعلم انه لا يجوز الاستدلال بهذا الخبر لأنه مرسل والمرسل من قسم الضعيف لأننا لا نعلم صدق من أخبر عروة بذلك الخبر ؛ والبخاري رحمه الله لم يشترط الصحة في كتابه إلا على الأحاديث المتصلة السند .
ثانياً : أن ذلك الخبر لو كان موصولا لا حجة فيه لأنه رؤيا منام ورؤيا المنام لا يثبت بها حكم شرعي ذكر ذلك أيضا الحافظ ابن حجر. وقد قال علوي بن عباس المالكي والد محمد المالكي في " نفحات الإسلام من البلد الحرام" ص164–165 والذي جمع مواضيعه ورتبه محمد المالكي نفسه؛ أثناء إنكاره القصة المشهورة الباطلة عن الشيخ احمد خادم الحجرة النبوية : النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة ، وترك للناس شريعة واحدة لا تحتاج إلى تتميم برؤيا في المنام ، والرؤيا المنامة ليست طريقاً للتشريع ولا مستنداً لحكم شرعي أصلاً لأن النائم لا يضبط لغفلته بمنامه فكيف يعتمد على رؤياه...الخ.
ثالثاً: أن ما في مرسل عروة هذا من أن إعتاق أبي لهب ثويبة كان قبل إرضاعها النبي صلى الله عليه وسلم يخالف ما عند أهل السير من أن إعتاق أبى لهب إياها كان بعد ذلك الإرضاع بدهر طويل كما ذكر الحافظ ابن حجر في " الفتح" 9 / 48 وأوضحه في " الإصابة في تمييز الصحابة" 4 / 250 والحافظ ابن عبدالبر في "الاستيعاب في أسماء الأصحاب" 1 / 12 والحافظ ابن الجوزي في " الوفا بأحوال المصطفى" 1.
رابعاً: أن هذا الخبر مخالف لظاهر القرآن كما أوضحه الحافظ ابن حجر في " الفتح " حيث قال في كلامه عليه 9 / 49: وفي الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة ؛ لكنه مخالف لظاهر القرآن ، قال الله تعالى (وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثوراً) ثم نقل عن حاشية ابن المنير: أن ما في ذلك المرسل من اعتبار طاعة الكافر مع كفره محال لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح وذلك مفقود مع الكافر. فإعتاق أبى لهب لثويبة ما دام الأمر كذلك لم يكن قربة معتبرة فإن قيل إن قصة إعتاق أبى لهب ثويبة مخصوصة من ذلك كقصة أبى طالب قلنا: إن تخفيف العذاب عن أبى طالب ثبت بنص صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما وقع لأبى لهب في ذلك المرسل فمستنده مجرد كلام لأبى لهب في المنام فشتان ما بين الأمرين انتهى كلام الأنصاري بتصرف.
يضاف إلى ذلك ان تخفيف العذاب عن أبي طالب كان بسبب شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منها دماغه.
خامساً: قال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله في الإنصاف فيما قيل في المولد ص60:
ان الفرح الذي فرحه أبو لهب بمولود لأخيه فرح طبيعي لا تعبدي ، إذ كل إنسان يفرح بالمولود يولد له ، أو لأحد إخوانه أو أقاربه ، والفرح إن لم يكن لله لا يثاب عليه فاعله ، وهذا يضعف هذه الرواية و يبطلها اهـ.
سادساً: قال العلامة التويجري رحمه الله في الرد القوي ص56:
لم يجيء في هذه الرواية مع ضعفها أنه يخفف عن أبي لهب العذاب كل إثنين ولا أن أبا لهب أعتق ثويبة من أجل بشارتها إياه بولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فكل هذا من التقول على البخاري انتهى كلام العلامة التويجري بتصرف.
سابعاً: وقال العلامة التويجري رحمه الله أيضاً في المصدر السابق:
لم يثبت من طريق صحيح أن أبا لهب فرح بولادة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أن ثويبة بشرته بولادته ، فكل هذا لم يثبت ، ومن ادعى ثبوت شيء من ذك فعليه إقامة الدليل على ما ادعاه.ولن يجد إلى الدليل الصحيح سبيلاً انتهى بتصرف.
ثامناً: قول المالكي: وهذه القصة رواها البخاري في الصحيح في كتاب النكاح ونقلها الحافظ ابن حجر في الفتح إلى ان قال وهي وان كانت مرسلة الا أنها مقبولة لأجل نقل البخاري لها واعتماد العلماء من الحفاظ لذلك ولكونها في المناقب والخصائص لا في الحلال والحرام وطلاب العلم يعرفون الفرق في الاستدلال بالحديث بين المناقب والأحكام.
وأما انتفاع الكفار بأعمالهم ففيه كلام بين العلماء ليس هذا بسطه والأصل فيه ما جاء في الصحيح من التخفيف عن أبي طالب بطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يثير عندي بعض الأسئلة وهي: من أين نقل الحافظ ابن حجر هذه القصة في الفتح؟! ولماذا أورد المالكي هذه القصة؟!.
ان كتاب الحافظ ابن حجر فتح الباري إنما هو شرح للأحاديث والآثار الواردة في صحيح البخاري، فما معنى التفريق بين إخراج البخاري لهذه القصة في صحيحه وبين نقل ابن حجر لها في الفتح؟! أم ان المقصود تكثير المصادر ليوهم السذج؟ .
ثم ان المالكي إنما أورد هذه القصة ليستدل بها على جواز بل سنية الاحتفال بالمولد كما مر معنا سابقا، فما معنى قوله عن هذه القصة: أنها مقبولة لأجل نقل البخاري لها واعتماد العلماء من الحفاظ لذلك ولكونها في المناقب والخصائص لا في الحلال والحرام وطلاب العلم يعرفون الفرق في الاستدلال بالحديث بين المناقب والأحكام
هل يقصد انه لا يريد ذكر هذه القصة لبيان حلال أو حرام وإنما لبيان للمناقب والخصائص ؟ فما فائدة ذكرها كدليل على جواز الاحتفال بالمولد؟.
وأما بالنسبة إلى تخفيف العذاب عن الكافر فقد مر معنا قول ابن حجر في ذلك واستدلاله بالآية ، والأصل في ذلك تلك الآية بالإضافة إلى بعض الأحاديث الصحيحة ومنها ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت:
قلت: يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟
قال: لا ينفعه إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
فهذا هو الأصل وقد قال محمد بن علوي المالكي نفسه شرح منظومة الورقات ص28 في باب النهي:
الكفار داخلون في الخطاب بجميع فروع الشريعة فهم مخاطبون بها مع انتفاء شرطها وهو الإسلام فيعذبون حينئذ على أمرين : على ترك الفروع وعلى ترك الإسلام الذي بدونه فروع الشريعة ممنوعة لا تصح وكونهم مخاطبين بالفروع إلا أنها لا تصح منهم إذا فعلوها إلا بالإسلام اهـ.
أما تخفيف العذاب عن أبي طالب فإنه مستثنى من هذا الأصل وذلك بسبب شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم كما مر معنا وباعتراف المالكي!
ــــــــ
6ـ الشبهة السادسة : قول الرسول صلى الله عليه وسلم في فضل يوم الجمعة: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه قبض رواه أبو داود.
- استدل بهذا محمد المالكي في "حول الاحتفال " ص14 حيث قال : يؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم في ف يوم الجمعة ، وعدّ مزاياه : وفيه خلق آدم تشريف الزمان الذي ثبت أنه ميلاد لأي نبي كان من الأنبياء عليهم السلام فكيف باليوم الذي ولد فيه أفضل النبيين وأشرف المرسلين.
ولا يختص هذا التعظيم بذلك اليوم بعينه بل يكون له خصوصاً ولنوعه عموماً مهما تكرر كما هو الحال في يوم الجمعة ، شكراً للنعمة ، وإظهاراً لمزية النبوة وإحياءً للحوادث التاريخية…الخ.
الجواب :
أولاً : قال العلامة ابن منيع حفظه الله في " حوار مع المالكي" ص87:
قد جاءت النصوص الشرعية الصريحة لثابتة بفضل يوم الجمعة ، واعتباره أحد أعياد المسلمين ، واختصاصه بخصائص ليست لغيره ، فنحن نقف مع النصوص الشرعية حيث وقفت ، ونسير معها حيث اتجهت: ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ولا نبيح لأنفسنا أن نشرع تفضيل يوم بعينه، لم يرد النص بتفضيله، إذ لو كان خيرا لشرع لنا تفضيله ، كما شرع لنا تفضيل يوم الجمعة وما كان ربك نسياً.
ولو جاءت نصوص شرعية تنص على فضل يوم ذكرى ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنا بتوفيق الله وهدايته أسرع الناس إلى اعتبار ذلك والأخذ به ، امتثالا لقوله تعالى: ومآ آتاكم الرسول فخذوه اهـ.
ثانيا ً: قال العلامة التويجري رحمه الله في الرد القوي ص82:
ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخص يوم الجمعة بشيء من نوافل الأعمال وقد نهى عن تخصيصه بالصيام وعن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص يوم الجمعة بشيء من نوافل الأعمال من أجل آدم عليه السلام قد خلق فيه فأي متعلق لابن علوي وغيره في ذكر ذلك الاستدلال به على جواز الاحتفال بالمولد انتهى بتصرف.
ثالثاً : قال علي العيسى في العقلية الإسلامية وفكرة المولد ص64 – 65 : ثم لماذا نهى رسول اله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة تطوعاً وحده ؟ ولماذا لم يقل إثر إخباره أو فيما بعد : فأقيموا لأبيكم وأبي عيد وجود، أو حلقة ذكر بمناسبة الذكرى نتدارس فيها نعم الله على خلقه، ونذكر فيها العامة، وتكون سنة لمن بعدنا ؟ كما يقول بما يشبه هذا بعض المتأخرين.
وهل يمكن أن يجرؤ الشك على أن يوحى لنا بأن محمدا صلى الله عليه وسلم ذا الخلق العظيم محبته لأبيه آدم عليه السلام قاصرة أو معدومة ؟ انتهى بتصرف.
رابعاً: أما بالنسبة لقول المالكي : ولا يختص هذا التعظيم بذلك اليوم بعينه، بل يكون له خصوصا ولنوعه عموما.
فقد أجاب عنه الشيخ عبدالله بن منيع في حوار مع المالكي ص88 بقوله:
ان هذا القول يقتضي أن نقيس في العبادات، ولا يخفى ما عليه أهل العلم من علماء الأصول و فقهاء الأمة ، ممن يقولون بالقياس من أنهم يمنعون القياس في العبادات، لأن القياس مبني على اتحاد المقيس والمقيس عليه في العلة ، والعبادات مبناها على التوقيف والتعبد، سواء كانت علة التشريع ظاهرة أو خفية ، فلا يجوز أن نقيس على أصل مشروعية الصلاة بتشريع صلاة سادسة بين الفجر والظهر مثلا ، ولا بتشريع صيام آخر بعد رمضان أو قبله ، ولا بزيادة ركعة أو أكثر على ركعات صلاة من الصلوات الخمس ، بحجة أن التشريع في الصلوات أو في الصيام أو في غيرهما من أنواع العبادة لها خصوصا ولنوعها عموما.
إن الله حينما فضل يوم الجمعة على غيره من الأيام الأخرى على غيره من الأيام الأخرى، وتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدل على ذلك التفضيل و يؤكده قادر على تفضيل غيره من الأيام، كيوم مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بعثته أو هجرته، ويعطي عباده نصوصا صريحة من قوله تعالى، أو قول رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم، في تفضيل ذلك اليوم كما هو الحال في يوم الجمعة ، و في ليلة القدر انتهى كلامه باختصار.
ـــــــــ
7ـ الشبهة السابعة : ما أخرجه البيهقي عن انس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة خرجه السيوطي في حسن المقصد في عمل المولد عمل المولد عليه ولفظه: قلت قد ظهر لي تخريجه ـ أي عمل المولد ـ على أصل آخر وهو ما أخرجه البيهقي عن انس رضي الله عنه:
أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته ، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم اظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده... إلى آخر كلامه .
كما استدل بهذا الحديث محمد المالكي في البيان والتعريف ص11 .
الجواب :
أولاً : قال العلامة الأنصاري رحمه الله في القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل ص80 – 8:
ان تخريج السيوطي عمل المولد النبوي على هذا الحديث ساقط لعدم ثبوت ذلك الحديث عند أهل العلم.
فقد قال الحافظ ان حجر العسقلاني في كتاب العقيقة من تلخيص الحبير (4/147):
قوله ـ أي الرافعي ـ روى أنه صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة البيهقي من حديث قتادة عن انس وقال : منكر وفيه عبدالله ابن محرر وهو ضعيف جدا وقال عبد الرزاق إنما تكلموا فيه لأجل هذا الحديث قال البيهقي وروي من وجه آخر عن قتادة ومن وجه آخر عن انس وليس بشيء قلت ـ القائل ابن حجر العسقلاني ـ أما الوجه الآخر عن قتادة فلم أره مرفوعا وإنما ورد أنه كان يفتي به كما حكاه ابن عبد البر بل جزم البزار وغيره بتفرد عبدالله بن محرر به عن قتادة وأما الوجه الآخر عن انس فأخرجه أبو الشيخ في الأضاحي وابن أيمن في مصنفه والخلال من طريق عبدالله بن المثنى عن ثمامة بن عبدالله بن انس عن أبيه وقال النووي في "شرح المهذب" هذا حديث باطل اهـ. كما ضعفه في فتح الباري 9 / 509.
وقال النووي ـ رحمه الله ـ في المجموع شرح المهذب 8 / 412 في باب العقيقة:
أما الحديث الذي ذكره ـ أي الشيرازي ـ في عق النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه فرواه البيهقي بإسناده عن عبدالله بن محرر بالحاء المهملة والراء المكررة عن قتادة عن انس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عنه نفسه بعد النبوة وهذا حديث باطل قال البيهقي هو حديث منكر وروى البيهقي بإسناده عن عبد الرزاق قال: إنما تركوا عبدالله بن محرر بسبب هذا الحديث، قال البيهقي: وقد روى هذا الحديث من وجه آخر عن قتادة ، ومن وجه آخر عن انس وليس بشيء، فهو حديث باطل وعبدالله بن محرر ضعيف متفق على ضعفه قال الحفاظ هو ـ أي عبدالله بن محررـ متروك اهـ.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبدالله بن محرر من ميزان الاعتدال في نقد الرجال:
من بلاياه ـ أي عبدالله بن محررـ روى عن قتادة عن انس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعدما بعث رواه شيخان عنه اهـ.
وقال البزار: تفرد به عبدالله بن المحرر وهو ضعيف جدا إنما يكتب عنه ما لا يوجد عند غيره ورد هذا في باب قضاء العقيقة من كتاب كشف ستار عن زوائد البزار للحافظ الهيثمي.
وقال البيهقي في باب العقيقة سنة من السنن الكبرى 9 / 300 قال عبدالزاق إنما تركوا عبدالله ابن محرر لحال هذا الحديث وقد روى من وجه آخر عن قتادة ومن آخر عن انس وليس بشيء. انتهى كلام اليهقي الذي عزا إليه السيوطي ذلك الحديث الذي ادعى أنه ظهر له تخريج عمل المولد عليه وقد أساء السيوطي التصرف حيث لم يذكر كلام البيهقي في الحديث بل تركه ليوهم من يقرأ تخريجه أنه صالح للاستدلال به.
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في تحفة المودود بأحكام المولود ص57 :
قال أحمد : عبدالله بن المحرر عن قتادة عن أنس " أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نفسه ، منكر، وضعف عبدالله بن محرر. وفي مصنف عبدالرزاق أنبأنا عبدالله بن محرر عن قتادة عن أنس ، انَّ النبي
صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نفسه بعد النبوة ، قال عبدالرزاق : إنما تركوا ابن محرر لهذا الحديث انتهى كلام ابن القيم باختصار.
وقال الزرقاني في شرح المواهب اللدنية 1 /140 تعليقا على قول السيوطي السابق :
تعقبه النجم بأنه حديث منكر كما قاله الحافظ بل قال ـ أي النووي ـفي شرح المهذب انه حديث باطل فالتخريج عليه ساقط انتهى كلام الزرقاني. كما ضعف هذا الحديث الإمام مالك كما في كتاب العقيقة من المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام لابن رشد 2 / 15 كما ضعف راويه عبدالله بمحرر ابن حبان في "كتاب المجروحي " 2 / 29 انتهى كلام العلامة الأنصاري رحمه الله بتصرف.
ثانياً : قال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله في الإنصاف فيما قيل في المولد ص61 –62:
هل ثبت أن العقيقة كانت مشروعة لأهل الجاهلية وهم يعملون بها حتى نقول إن عبدالمطلب قد عق عن ابن ولده؟ وهل أعمال أهل الجاهلية يعتد بها في الإسلام؟ حتى نقول إذا عق النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه شكراً لا قياماً بسنة العقيقة، إذا قد عق عنه ؟
سبحان الله ما أعجب هذا الاستدلال وما أغربه ، وهل إذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح شاة شكراً لله تعالى على نعمة إيجاده وإمداده يلزم من ذلك اتخاذ يوم ولادته صلى الله عليه وسلم عيداً للناس؟
و لم لم يدعُ إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبين للناس ماذا يجب عليهم فيه من أقوال وأعمال؟ كما بين ذلك في عيدي الفطر والأضحى . أنسي ذلك أم كتمه ، وهو المأمور بالبلاغ؟ سبحانك اللهم إن رسولك صلى الله عليه وسلم ما نسي ولا كتم ولكن الإنسان كان أكثر شيء جدلاً اهـ.
ــــــــــ
8 ـ الشبهة الثامنة : ان جبريل عليه السلام طلب ليلة الإسراء والمعراج من النبي صلى الله عليه وسلم ، بصلاة ركعتين ببيت لحم ، ثم قال: أتدري أين صليت ؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام. استدل به محمد علوي المالكي في "حول الاحتفال" ص14ـ15.
الجواب :
قال العلامة الأنصاري رحمه الله في القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل ص 138 – 145:
ان أمر جبريل عليه السلام الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ورد من رواية شداد ابن أوس وانس بن مالك وأبي هريرة رضي الله عنهم لقصة السراء لكنه مستنكر كما يتبين فيما يلي:
أ – أما رواية شداد بن أوس رضي الله عنه فقد قال الإمام الترمذي : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك الزبيدي حدثنا عمرو بن الحارث عن عبدالله بن سالم الأشعري عن محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي حدثنا أبو الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير حدثنا شداد بن أوس قال : قلنا : يا رسول الله كيف أسري بك قال: … فذكر فيه ثم بلغنا أرضا بدت لنا قصور فقال أي جبريل عليه السلام:
انزل فنزلت فقال صل . فصليت ثم ركبنا فقال أتدري أين صليت ؟ قلت : الله أعلم . قال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى بن مريم … الخ .
ومن طريق الترمذي هذا بسنده ومتنه روى البيهقي هذه الرواية كما بينه ابن كثير في تفسيره و هذه الرواية تكلم فيها الحافظان الذهبي وابن كثير متعقبين بكلامهما قول البيهقي في إسنادها هذا إسناد صحيح.
فقد قال الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام 1 / 142 بعد إيراد كلام البيهقي هذا في إسنادها :
قلت: ابن زبريق ـ أي إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي ـ تكلم فيه النسائي اهـ.
وقال في ترجمته من ميزان الاعتدال 1 / 181 ان ا قال ليس بثقة ثم قال أبو داود ليس بشيء وكذبه محدث حمص محمد ابن عوف الطائي. تعقب الذهبي بهذا قول أبي حاتم في ابن زبريق: لا باس به سمعت ابن معين يثني عليه.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره لسورة الإسراء بعد إيراده حديث شداد بن أوس هذا من طريق الترمذي :
رواه البيهقي من طريقين عن أبي إسماعيل الترمذي به ثم قال بعد تمامه: هذا إسناد صحيح قال وقد روى هذا الحديث عن شداد بن أوس بطوله الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي به ذكر بن كثير هذا كله ثم قال: ولا شك أن هذا الحديث أعني الحديث المروي عن شداد بن أوس مشتمل على أشياء منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقي ومنها ما هو منكر كالصلاة في بيت لحم وسؤال الصديق عن نعت بيت المقدس وغير ذلك والله أعلماهـ.
وأما رواية أنس رضي الله عنه لهذا الحديث فعند النسائي في كتاب الصلاة تحت عنوان فرض الصلاة في1 /221 من المجتبى قال: اخبرنا عمرو ابن هشام قال حدثنا مخلد هو ابن الحسين عن سعيد بن عبدالعزيز قال حدثنا يزيد ابن أبي مالك قال حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى اه عليه وسلم قال: ثم ذكر الحديث وفيه: ثم قال: نزل فصل فنزلت فصليت فقال أتدري أين صليت ؟ صليت ببت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام … الخ.
ومن طريق المجتبى للنسائي هذا أورد ابن كثير هذه الرواية في تفسيره 3 / 6 ضمن أحاديث الإسراء قال في ص5: فيها غرابة ونكارة جدا. وقال في الفصول في اختصار سيرة الرسول في حديث انس هذا الذي رواه النسائي في المجتبى:
غريب منكر جدا وإسناده مقارب وفي الأحاديث الصحيحة ما يدل على نكارته والله أعلم اهـ.
وأما رواية أبييرة رضي الله عنه لهذا الحديث فعند ابن حبان في المجروحين 1/187-188 في ترجمة بكر بن زياد الباهلي قال أبو حاتم بن حبان بعد أن ذكر أنه شيخ دجال يضع الحديث على الثقات لا يحل ذكره في الكتب الا على سبيل القدح فيه قال روى ـ أي بكر بن زياد الباهلـ بكر بن زياد عن عبدالله بن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة ثم ذكر الحديث وهذا شيء لا يشك عوام أصحاب الحديث أنه موضوع فكيف البزل في هذا الشأن انتهى كلام ابن حبان.
وقد تلقى كلام ابن حبان في بكر بن زياد الاهلي هذا ابن الجوزي في الموضوعات 1 / 113 –114، والسبكي في شفاء السقام ص133، والذهبي في ميزان الاعتدال 1 / 345، والشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص 441.
وقال ابن كثير في الفصول في اختصار سيرة الرسول ص122 بعد ان ذكر حديث انس المتقدم و ذكر انه غريب منكر جدا قال: وكذلك الحديث الذي تفرد به بكر بن زياد الباهلي المتروك عن عبدالله بن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الل عليه وسلم قال: ليلة أسري بي قال جبريل هذا قبر أبيك إبراهيم انزل فصل فيه لا يثبت أيضا لحال بكر بن زياد المذكور اهـ.
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية في تفسير سورة الإخلاص ص 169: الذي يرويه بعضهم في حديث الإسراء أنه قيل للنبي صلى اله عليه وسلم هذه طيبة انزل فصل فنزل فصلى هذا مكان أبيك انزل فصل كذب موضوع لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة الا في المسجد الأقصى خاصة كما ثبت ذلك في الصحيح ولا نزل إلا فيه اهـ.
وقال ابن القيم في زاد المعاد: قد قيل انه ـ أي النبي صلى الله عليه وسلم ـ نزل ببيت لحم و صلى فيه ولم يصح ذلك عنه ألبته اهـ .
هذا كلام أولئك العلماء في روايات أمر جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم به يتضح بطلان دعوى الحافظ ابن حجر في لسان الميزان :
ان الموضمن حديث بكر بن زياد هو من قوله ثم أتى الصخرة وأما باقية فقد جاء في طريق أخرى فيها الصلاة ببيت لحم وردت من حديث شداد بن أوس اهـ انتهى كلام العلامة الأنصاري رحمه الله بتصرف.
وقال الشيخ حمود التويجري رحمه الله عن رواية انس رضي الله عنه لهذا الحديث
ا لرد القوي ص 86:
رواه النسائي في سننه عن عمرو بن هشام عن مخلد ـ وهو ابن يزيد القرشي ـ عن سعيد بن عبدالعزيز عن يزيد بن أبي مالك عن انس بن مالك رضي الله عنه ، وقد قال الحافظ ابن حجر في كل من يزيد ومخلد أنه صدوق له أوهام.وقال الذهبي في الميزان يزيد بن أبي مالك صاحب تدليس وإرسال عمن لم يدرك، وقال يعقوب الفسوي يزيد بن أبي مالك فيه لين، وقال الذهبي أيضا في ترجمة مخلد بن يزيد القرشي صدوق مشهور روى حديثا في الصلاة مرسلا فوصله قال أبو داود مخلد شيخ إنما رواه الناس مرسلا وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة مخلد بن يزيد القرشي من "تهذيب التهذيب" قال الأثرم عن احمد لا باس به وكان يهم وقال الساجي: كان يهم ثم ذكر ابن حجر من أوهامه حديثا وصله وهو مرسل.
وهذا مما يدعو إلى التوقف في قبول الحديث لأنه يحتمل أن يكون قد وقع فيه وهم من أحد الرجلين . ولهذا قال الحافظ ابن كثير ان فيه غرابة ونكارة جدا اه.
ثانياً : قال العلامة التويجري رحمه الله في الرد القوي ص87 ـ 88:
روى الإمام احمد وأبو داود الطيالسي بإسناد صحيح عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى انتهينا إلى بيت المقدس.. الحديث وقد رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضا ابن حبان والحاكم والذهبي، وفي قوله صلى الله عليه وسلم : فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى انتهينا إلى بيت المقدس أبلغ رد على ما جاء في حديث انس وشداد بن أوس وأبي هريرة رضي الله عنهم ، ولو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ليلة الإسراء وهو ذاهب إلى بيت المقدس في بيت لحم لم يكن في ذلك ما ييد بدعة المولد ولا غيرها من البدع ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أمته بتعظيم بيت لحم و لم يأمرهم بالصلاة فيه ولم يكن أحد من الصحابة رضي الله عنهم يعظم بيت لحم ويصلي فيه.والخير كل الخير في اتباع ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ، والشر كل الشر في مخالفتهم والأخذ بالبدع
وتعظيمها وتعظيم أهلها وإطراح الأحاديث الصحيحة في ذم المحدثات والتحذير منها اهــ
ـــــــــ
9ـ الشبهة التاسعة : ان شعراء الصحابة كانوا يقولون قصائد المدح في الرسول صلى الله عليه وسلم مثل كعب بن زهير وحسان بن ثابت فكان يرضى عملهم ويكافئهم على ذلك بالصلات والطيبات.
استدل بهذا هاشم الرفاعي في مقاله كما في "الرد القوي" ص 78 للتويجري والحميري في " بلوغ المأمول" ص 49 –
قال العلامة التويجري رحمه الله في " الرد القوي" ص 79 :
لم يذكر عن أحد من شعراء الصحابة رضي الله عنهم ، أنه كان يتقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإنشاد القصائد في ليلة مولده وإنما كان إنشادهم في الغالب عند وقوع الفتوح والظفر بالأعداء ، على هذا فليس إنشاد كعب بن زهير وحسان بن ثابت وغيرهما من شعراء الصحابة رضي الله عنهم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ما يتعلق به الرفاعي وغيره في تأييد بدعة المولد انتهى كلامه باختصار.
ـــــــــــ
10-الشبهة الحادية عشر: أن الموالد اجتماع ذكر وصدقة ومدح وتعظيم للجناب النبوي وهذه أمور مطلوبة شرعا وممدوحة وجاءت الآثار الصحيحة بها وبالحث عليها.
الجواب : الجواب عن هذه الشبهة بأمور:
أحدها: ما أوضحه السيد رشيد رضا في الجزء لخامس من " الفتاوى" وهو أن الإنكار على إقامة المولد وان كان يحتوي على بعض الأمور المشروعة يرجع إلى ذلك الاجتماع المخصوص بتلك الهيئة المخصوصة في الوقت المخصوص وإلى اعتبار ذلك العمل من شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص الشارع بحيث يظن العوام والجاهلون بالسنن أن عمل المولد من أعمال القرب المطلوبة شرعا. وعمل المولد بهذه القيود بدعة سيئة وجناية على دين الله وزيادة فيه تعد من شرع ما لم يأذن به الله ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم . قال العلامة ابن الحاج ـ رحمه الله ـ في المدخل 2 / 312 :
فإن خلا ـ أي عمل المولد ـ منه ـ أي من السماع ـ وعمل طعاما فقط ، ونوى به المولد ودعا إليه الاخوان ، وسلم من كل ما تقدم ذكره ـ أي من المفاسد ـ فهو بدعة بنفس نيته فقط ، إذ إن ذلك زيادة في الدين ليس من عمل السلف الماضين ، وإتباع السلف أولى بل أوجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه ، لأنهم أشد الناس اتباعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتعظيما له ولسنته صلى الله عليه وسلم، ولهم قدم السبق في المبادرة إلى ذلك ، ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد، ونحن لهم تبع ، فيسعنا ما وسعهم ، وقد علم ان إتباعهم في المصادر والموارد...الخ.
وقال أيضاً فيمن اقتصر في عمل المولد على إطعام الاخوان ليس إلا ونوى بذلك المولد: هذا ـ أي قراءة البخاري عوضا عن تلك الأعمال بنية المولد ـ وإن كانت قراءة الحديث في نفسها من أكبر القرب والعبادات وفيها البركة العظيمة والخير الكثير لكن إذا فعل ذلك بشرطه اللائق به على الوجه الشرعي كما ينبغي لا بنية المولد ألا ترىأن الصلاة من أعظم القرب إلى الله تعالى ومع ذلك فلو فعلها إنسان في غير الوقت المشروع لها لكان مذموماً مخالفا فإذا كانت الصلاة بهذه المثابة فما بالك بغيرها اهـ.
فالأعمال الصالحة لا تقبل إلا بشرطين كما قال أهل العلم : الإخلاص ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ..
ــــــــــ
11ـ الشبهة الحادية عشر: أن الاحتفال بالمولد النبوي أمر استحسنه العلماء وجرى به العمل في كل صقع فهو مطلوب شرعا للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود الموقوف: ما رآه المسلمون حنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح.
ورد الاستدلال بهذا في رسالة محمد بن علوي المالكي " حول الاحتفال " ص15 .
الجواب:
أولاً: ان المقصود بقول ابن مسعود رضي الله عنه الصحابة لأنه قال هذا القول استدلالا على إجماع الصحابة على اختيار أبوبكر الصديق رضي الله عنه للخلافة. ومن توسع في الاستدلال بهذا الأثر قصد به الإجماع كما بينت ذلك بشيء من التفصيل في الموضوع الذي كتبته سابقاُ وهو بعنوان " البراهين على ألا بدعة حسنة في الدين".
ثانيا: قال الإمام ابن تيمية في " اقتضاء لصراط المستقيم " 2 / 613ـ 614 في كلامه على المواسم المبتدعة من موالد وغيرها: إذا فعلها قوم ذوو فضل ودين فقد تركها في زمان هؤلاء، معتقداً لكراهتها، وأنكرها قوم إن لم يكونوا أفضل ممن فعلها؛ فليسوا دونهم. ولو كانوا دونهم في الفضل فقد تنازع فيا أولو الأمر، فترد إلى الله والرسول.وكتاب الله وسنة رسوله مع من كرهها، لا مع من رخص فيه. ثم عامة المتقدمين ، الذين هم أفضل من المتأخرين ؛ مع هؤلاء اهـ.
ثالثا: قال العلامة ابن منيع حفظه الله في " حوار مع المالكي" ص90 :
نقول للمالكي وأمثاله أول من استحسن المولد من العلماء، هل هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قطعا لا .. هل هم التابعون؟
قطعا لا.. هل هم تابعو التابعين؟
قطعا لا... هل هم قادة القرامطة والفاطميين والرافضة بمختلف طوائفهم ونحلهم؟
اللهم نعم .. هل هم أهل الطرق الصوفية ؟ اللهم نعم انتهى كلامه بتصرف.
فهل نقبل أمرا أتى به شر من وطأ الحصا، القرامطة والفاطميون وغيرهم ، ممن شهد التاريخ الإسلامي بتدنيسهم محيا الإسلام ، ونترك ما عليه أصحاب القرون الثلاثة المفضلة ، من صحابة وتابعين وعلماء إجلاء، لهم أقداحهم المعلاة ي العلم والتقى ، والصلاح والاستقامة وسلامة المعتقد، ودقة النظر وصدق الاتباع والاقتداء بمن أمرنا الله تعالى أن نجعله أسوة لنا وقدوة لمسالكنا وهو رسولنا وحبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم انتهى نقلاً من " حوار مع المالكي " ص57 .
ـــــــــ
12 ـ الشبهة الثانية عشر : يستدل البعض بأقوال لبعض أهل العلم الذين قالوا بجواز الاحتفال بالمولد النبوي.
والجواب :
ان هذه المسألة قد أختلف فيها منذ القديم وليست أقوال أولئك العلماء وغيرهم حجة وانما الحجة في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول فالواجب علينا إذاً ان نرجع إلى كتاب ربنا وسنة نبينا بفهم سلفنا الصالح رضي الله عنهم أجمعين .
وعندما رجعنا إلى الكتاب والسنة بفهم سلفنا الصالح لم نجد ما يدل على جواز إقامة المولد كما مر معنا فيما سبق. وأختم الجواب عن هذه الشبهة بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 613 ـ 614 أثناء كلامه عن الموالد وغيرها من البدع:
إذا فعلها قوم ذوو فضل ودين فقد تركها في زمان هؤلاء، معتقداً لكراهتها، وأنكرها قوم إن لم يكونو أفضل ممن فعلها، فليسوا دونهم. ولو كانوا دونهم في الفضل فقد تنازع فيها أولو الأمر، فترد إلى الله والرسول وكتاب الله وسنة رسوله مع من كرهها، لا مع من رخص فيها.ثم عامة المتقدمين ، الذين هم أفضل من المتأخرين ، مع هؤلاء اهـ.
ــــــــــ
13ـ الشبهة الثالثة عشر : دعوى تلقي الأوامر النبوية بالاحتفال بذلك اليوم في المنام فقد ورد في مقدمة مولد محمد عثمان الميرغني المسمى " الأسرار الربانية" ص7 :
رأيت في تلك الليلة النبي صلى الله عليه وسلم رؤية مناميه ، ورؤيته حق كما أورد عنه ثقات الرة بطرق الإحصان ، فأمرني أن أصنف مولداً وأجعل إحدى قافيتيه هآءً بهية ، والأخرى نوناً كما فعلت لأنها نصف دائرة الأكوان وبشرني أنه يحضر في قراءته إذا قرىء فسطرت ليتشرف به كلما تلي حكاية نوميه وأنه يستجاب الدعاء عند ذكر الولادة وعند الفراغ منه فنسأل الله الغفران اهـ .
الجواب :
قال العلامة الأنصاري رحمه الله في " القول الفصل":
ان الاعتماد على دعوى تلقي أوامر نبوية في المنام بالاحتفال بالمولد النبوي فلا يعتبر لأن الرؤيا في المنام لا تثبت بها سنة لم تثبت ولا تبطل بها سنة ثبتت كما بينه أهل العلم.
فقد قال الإمام النووي في شرح قول مسلم في " الكشف عن معايب رواة الحديث " من " صحيحه " 1 / 11:
لا يجوز إثبات حكم شرعي به ـ أي بالرؤيا المناميه ـ لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته أن يكون متيقظا لا مغفلا ولا سيئ الحفظ ولا كثير الخطأ ولا مختل الضبط والنائم ليس بهذه الصفة فلم تقبل روايته لاختلال ضبطه. هذا كله في منام يتعلق بإثبات حكم على خلاف مايحكم به الولاة . أما إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بفعل ما هو مندوب إليه أو ينهاه عن منهي عنه أو يرشده إلى فعل مصلحة فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه لأن ذلك ليس حكما بمجرد المنام بل بما تقرر من أصل ذلك الشيء والله أعلم اهـ.
وقال ابن الحاج في " المدخل " 4 / 302 – 304:
ليحذر مما يقع لبعض الناس في هذا الزمان وهو أن من يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فيأمره بشيء أو ينهاه عن شيء ينتبه من نومه فيقدم على فعله أو تركه بمجرد المنام دون أن يعرضه على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى قواعد السلف رضي الله عنهم قال تعالى في كتابه العزيز: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ومعنى قوله فردوه إلى الله أي إلى كتاب الله تعالى ومعنى قوله والرسول أي إلى الرسول في حياته وإلى سنته بعد وفاته على ما قاله العلماء رحمة الله عليهم وإن كانت رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم حقا لا شك فيها لقوله صلى الله عليه وسلم: ومن رآني في المنام فد رآني ، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي على اختلاف الروايات لكن لم يكلف الله تعالى عباده بشيء مما يقع لهم في منامهم قال صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثة وعد منهم النائم حتى يستيقظ لأنه إذا كان نائما فليس من أهل التكليف فلا يعمل بشيء يراه في نومه.
هذا وجه ووجه ثان وهو أن العلم والرواية لا يوخذان إلا من متيقظ حاضر العقل والنائم ليس كذلك.
ووجه ثالث: وهو أن العمل بالمنام مخالف لقول صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه حيث قال: تركت فيكم الثقلين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله و سنتي فجعل صلى الله عليه وسلم النجاة من الضلالة في التمسك بهذين الثقلين فقط لا ثالث لهما.ومن اعتمد على ما يراه في نومه فقد زاد لهما ثالث فعلى هذا من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه وأمره بشيء أو نهاه عن شيء فيتعين عليه عرض ذلك على الكتاب والسنة إذ إنه صلى الله عليه وسلم إنما كلف أمته باتباعهما وقد قال صلى الله عليه وسلم: فيبلغ الشاهد الغائب إلى ان قال: فإذا عرضها على شريعته صلى الله عليه وسلم فإن وافقتها علم أن الرؤيا حق وأن الكلام حق وتبقى الرؤيا تأنيساً له وإن خالفتها علم ان الرؤيا حق وأن الكلام الذي وقع له فيها ألقاه الشيطان له في ذهنه والنفس الأمارة لأنهما يوسوسان له في حال يقظته فكيف في حال نومه … الخ.
وقال الإمام الشاطبي في الاعتصام 1 / 209: الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعا على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية فإن سوغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعراض عنها وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة وأما استفادة الأحكام فلا اهـ.
وقال الإمام ابن كثير في " البداية والنهاية" 1/94 تعليقاً على ما ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة احمد بن كثير أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبابكر وعمر وهابيل واستحلف هابيل أن هذا ـ أي الدم الموجود بالمكان الذي يقال ـ بأنه هو الذي قتل فيه قابيل أخاه هابيل المسمى بمغارة الدم بدمشق ـ دمه ـ أي هابيل ـ فحلف له وذكر أنه سأل الله تعالى أن يجعل هذا المكان يستجاب عنده الدعاء فأجابه إلى ذلك وصدقه في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إنه وأبا بكر وعمر يزورون هذا المكان في كل يوم خميس قال ابن كثير تعليقاً على ذلك ما نصه:
هذا منام لو صح عن احمد بن كثير هذا لم يترتب عله حكم شرعي اهـ انتهى كلام العلامة الأنصاري باختصار.
وقد نقلت فيما سبق أثناء الرد على من استدل بقصة تخفيف العذاب عن أبي لهب الضعيفة كلاما لعلوي بن عباس المالكي والد محمد المالكي في نفحات الإسلام من البلد الحرام والذي جمع مواضيعه ورتبه محمد بن علوي المالكي نفسه ص164– 165 حول عدم شرعية اخذ الأحكام من المنامات.
ــــــــــ
14- الشبهة الرابعة عشر : قول السخاوي رحمه الله في التبر المسبوك ص14:
إذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيداً أكبر فأهل الإسلام أولى بالتكريم جدر.
استدل بهذا القول هاشم الرفاعي في مقاله كما في الرد القوي للتويجري رحمه الله ص 25.
الجواب :
قال العلامة التويجري رحمه الله في الرد القوي ص 25 – 26:
لا شك أن الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً مبني على التشبه بالنصارى في اتخاذهم مولد المسيح عيداً . وهذا مصداق ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله ، اليهود والنصارى؟ قال: فمن ؟ رواه البخاري ومسلم واحمد.وإذا علم أن عيد المولد مبني على التشبه بالنصارى فليعلم أيضاً أن التشبه بالنصارى وغيرهم من المشركين حرام شديد التحريم لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
من تشبه بقوم فهو منهم رواه احمد وأبو داود انتهى كلامه باختصار.
وقد تعقب هذا القول الملا علي القارئ في المورد الروي في المولد النبوي ص16 بقوله:
قلت لكن يرد عليه أنا مأمورون بمخالفة أهل الكتاب.
ــــــــــ
15ـ الشبهة الخامسة عشر: ان الاحتفال بالمولد يعتبر إحياء لذكرى الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا مشروع في الإسلام.
استدل بذلك محمد بن علوي المالكي في حول الاحتفال بالمولد ص20 حيث قال: أن الاحتفال بالمولد إحياء لذكرى المصطفى صلى الله عليه وسلم وذلك مشروع عندنا في الإسلام ، فأنت ترى أن أكثر أعمال الحج إنما هي إحياء لذكريات مشهودة ومواقف محمود. الخ.
الجواب:
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله في رسالته حكم الاحتفال بالمولد النبوي والرد على من أجازه ص29 ـ 30:
النبي صلى الله عليه وسلم قد قال الله في حقه ورفعنا لك ذكرك فذكره مرفوع في الأذان والإقامة والخطب والصلوات وفي التشهد والصلاة عليه وفي قراءة الحديث واتباع ما جاء به ، فهو أجل من أن تكون ذكراه سنوية فقط ، ولكن الأمر كما قال السيد رشيد رضا في كتابه ذكرى المولد النبوي قال – أي السيد رشيد رضا ـ: إن من طباع البشر أن يبالغوا في مظاهر تعظيم أئمة الدين أو الدنيا في طور ضعفهم ـ أي البشر ـ في أمر الدين أو الدنيا ؛ لأن هذا التعظيم لا مشقة فيه على النفس ، فيجعلونه بدلاً مما يجب عليهم من الأعمال الشاقة التي يقوم بها أمر الدين أو الدنيا، و إنما التعظيم الحقيقي بطاعة المعظم ، والنصح له ، والقيام بالأعمال التي يقوم بها أمره ويعتز دينه إن كان رسولاً، وملكه إن كان ملكاً. وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيما للنبي صلى الله عليه وسلم ثم للخلفاء ، وناهيك ببذل أموالهم وأنفسهم في هذا السبيل ، ولكنهم دون أهل هذه القرون التي ضاع فيها الدين في مظاهر التعظيم اللساني، و لا شك أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أحق الخلق بكل تعظيم، وليس من التعظيم الحق له أن نبتدع في دينه بزيادة أو نقص أو تبديل أو تغيير لأجل تعظيمه به ، وحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين فقد كان جل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية ، ومازالوا يبتدعون بقصد التعظيم وحسن النية حتى صارت أديانهم غير ما جاءت به رسلهم ، ولو تساهل سلفنا الصالح كما تساهلوا ، وكما تساهل الخلف الذين اتبعوا سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع لضاع أصل ديننا أيضا ، ولكن السلف الصالح حفظوا لنا الأصل فالواجب علينا أن نرجع إليه ، ونعض عليه بالنواجذ اهـ.
هذا مع أن الاحتفال بالمولد النبوي إذا كان بطريق القياس على الاحتفالات بالرؤساء صار النبي صلى الله عليه وسلم ملحقا بغيره وهذا ما لا يرضاه عاقل انتهى كلام الشيخ محمد ب إبراهيم رحمه الله .
ثانيا: قال الشيخ التويجري رحمه الله في الرد القوي ص101:
ما زعمه المالكي وغيره من أن الاجتماع في المولد لإحياء ذكرى المصطفى صلى الله عليه وسلم، أمر مشروع في الإسلام فهو من التقوّل على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى لم يشرع الاجتماع لإحياء ذكرى المصطفى صلى الله عليه وسلم لا في يوم المولد ولا في غيره من الأيام، و لم يشرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بقوله ولا بفعله اهـ.
ثالثا: قال الشيخ التويجري رحمه الله في المصدر السابق ص103:
من أكبر الخطأ أيضاً زعم ابن علوي وغيره أن أعمال الحج هي إحياء لذكريات مشهودة إلى آخر كلامه الذي تقدم ذكره.وهذا الخطأ مردود بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الحجار لإقامة ذكر الله رواه أبو داودو الترمذي و قال الترمذي حديث حسن صحيح اهـ .
(منقول باختصار) ..
عن أبي بن كعب –رضي الله عنه- قال : ( وإنّ اقتصاداً في سبيل وسنة خيراً من اجتهاد في خلاف سبيلٍ وسنة ).
.....................
1 ـ الأولى: قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) الأحزاب : 56.
قالوا: "إن المولد يبعث على الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم" .
الجواب :
أولاً : قال الشيخ التويجري في " الرد القوي " ص70–71 : يستحب الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل وقت لما رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: .. صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ..
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار من الصلاة عليه أوقات معينه كيوم الجمعة وبعد الأذان وعند ذكره صلى الله عليه وسلم إلى غير تلك الأوقات ومع ذلك لم يأمر أو يحث على الصلاة عليه في ليلة مولده فيعمل بما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرد ما لم يأمر به لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد انتهى بتصرف.
ــــــــــــ
2- الشبهة الثانية : يقولون ان الله كرم بعض الأماكن المرتبطة بالأنبياء مثل مقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم حيث قال الله تعالى: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وهذا فيه حث على الاهتمام بكل ما يتعلق بالأنبياء ومنها الاهتمام بيوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم.
الجواب: قال الشيخ التويجري رحمه الله في "الرد القوي" ص83: ان العبادات مبناها على التوقيف والإتباع لا على الرأي والابتداع . فما عظمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من زمان أو مكان فانه يستحق التعظيم وما لا فلا. والله تبارك وتعالى قد أمر عباده أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى و لم يأمرهم أن يتخذوا يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيداً ويبتدعوا فيه بدعاً لم يؤمروا بها انتهى بتصرف.
وأضيف إلى كلام الشيخ رحمه الله أنه قد صح عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما أنه كان يستلم أركان الكعبة الأربعة فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: إنه لا يستلم هذان الركنان.
فقال معاوية رضي الله عنه : ليس شيءٌ من البيت مهجوراً رواه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد.
وزاد أحمد : فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لَقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة فقال معاوية رضي الله عنه: صدقت.
ـــــ
3- الشبهة الثالثة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين فلما سئل عن ذلك قال : ذلك يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه.. رواه أحمد ومسلم وأبو داود. استدل به محمد المالكي في " حول الاحتفال بالمولد " ص10 .
فقد قال محمد المالكي : أنه صلى الله عليه وسلم كان يعظّم يوم مولده ، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه ، وتفضله عليه بالوجود لهذا الوجود ، إذ سعد به كل موجود ، وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال : " ذلك يوم ولدت
فيه وأنزل علي فيه رواه الإمام مسلم في الصحيح في كتاب الصيام. وهذا في معنى الاحتفال به إلا أن الصورة مختلفة ولكن المعنى موجود سواء كان ذلك بصيام أو إطعام طعام أو اجتماع على ذكر أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أو سماع شمائله الشريفة اهـ.
الجواب :
أولاً : قال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله في الإنصاف فيما قيل في المولد ص64–66:
إذا كان المراد من إقامة المولد هو شكر الله تعالى على نعمة ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم فيه فإن المعقول والمنقول يحتم أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرسول صلى الله عليه وسلم ربه وهو الصوم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يختار إلا ما هو أفضل، وعليه فلنصم كما صام ، وإذا سئلنا قلنا: إنه يوم ولد فيه نبينا فنحن نصومه شكرا لله تعالى.
ثانياً: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصم يوم ولادته وهو اليوم الثاني عشر من ربيع الأول إن صح أنه ذلك، وإنما صام يوم الاثنين الذي يتكرر مجيئه في كل شهر.
ثالثاً : هل النبي صلى الله عليه وسلم لما صام يوم الاثنين شكراً على نعمة الإيجاد والإمداد وهو تكريمه ببعثته إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً أضاف إلى الصيام احتفالاً كاحتفال أرباب الموالد من تجمعات ومدائح ؟
والجواب: لا، وإنما اكتفى بالصيام فقط إذاً ألا يكفي الأمة ما كفى نبيها ، ويسعها ما وسعه؟ وهل يقدر عاقل أن يقول: لا؟ وإذا فلم ألافتيات على الشارع والتقدم بالزيادة عليه، والله يقول: ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ويقول: يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عَلِيم ورسوله صلى الله عليه وسلم يقول : إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثةٍ بدعة ، وكل بدعةٍ ضلالَة انتهى كلام الشيخ الجزائري بتصرف .
وحال من قال بجواز إقامة المولد زيادة على صيام يوم الاثنين الثابت في السنة يشبه حال من صلى سنة المغرب مثلاً ثلاث أو أربع ركعات بحجة أنه أتى بالركعتين التي ثبتت بالسنة ثم أضاف إليها ركعتين زيادة في الخير.
رابعاً : قال الشيخ التويجري رحمه الله في الرد القوي 61–62:
ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخص اليوم الثاني عشر من ربيع الأول إن صح أن ذلك هو يوم مولده بالصيام ولا بشيء من الأعمال دون سائر الأام ولو كان يعظم يوم مولده ، كما يزعمون لكان يتخذ ذلك اليوم عيداً في كل سنة، أو كان يخصه بالصيام أو بشيء من الأعمال دون سائر الأيام. وفي عدم تخصيصه بشيء من الأعمال دون سائر الأيام دليل على أنه لم يكن يفضله على غيره وقد قال تعالى : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر انتهى كلام الشيخ التويجري بتصرف.
خامساً: قال الشيخ بن منيع حفظه الله في حوار مع المالكي 50 – 51
أما قول المالكي عن صيام الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين : وهذا في معنى الاحتفال به ، إلا أن الصورة مختلفة ، ولكن المعنى موجود فالجواب عنه يفهم من الجواب عن السؤال التالي :
هل يجوز لنا أن نقول : أن مشروعية الصلاة في الأوقات الخمسة تعني مشروعية الصلاة في الجملة، وأنه يجوز لنا أن نحدث وقتا أو وقتين زيادة على الصلوات الخمس المكتوبة؟ وأنه يجوز لنا أن نقو : أن مشروعية صيام رمضان ، تعني مشروعية الصيام في الجملة ، وأنه يجوز لنا أن نحدث صيام شهر آخر غير رمضان على سبيل الوجوب؟ هل يجوز لنا أن نقول: أن مشروعية الحج في زمان مخصوص ، تعني مشروعيته في الجملة ، وأنه يجوز لنا أن نقول : أن بتوسعة وقت الحج طوال العام كالعمرة تخفيفا على الأمة وتوسعة عليها ؟
إننا حينما نقول بذلك لا نقول بأن الصورة مختلفة ، بل الصلاة هي الصلاة ، والصوم هو الصوم ، والحج هو الحج ، إلا أن الجديد في ذلك الزيادة على المشروع فقط.
يلزم المالكي أن يقول : بجواز ذلك كما قال : بأن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مولده ، يدل على جواز إقامة الاحتفال بذكرى المولد انتهى كلام الشيخ ابن منيع بتصرف.
ــــــــــــــ
4- الشبهة الرابعة : ما ثبت في الصحيحين ان النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة رأى اليهود تصوم عاشوراء فقال : ما هذا ؟ قالوا : يوم صالح نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى فقال : أنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه.
ورد الاستدلال بهذا الحديث في جواب للحافظ ابن حجر العسقلاني عن سؤال وجه إليه عن عمل المولد حسبما ذكره السيوطي في "حسن المقصد في عمل المولد" ضمن" الحاوي للفتاوى" 1 / 196 حيث جاء فيه:
أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الح من القرون الثلاثة ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة وإلا فلا. وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين ثم ذكر الحديث ...
فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة. وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء. ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر بل توسع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه… إلى آخر كلامه.
وقد نقل محمد بن علوي المالكي كلام الإمام ابن حجر مختصرا في "البيان والتعريف" ص10–11 وقال في رسالته " حول الاحتفال بالمولد " ص11–12: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لتذكّرها وتعظيم يومها، لأجلها ولأنه ظرف لها. وقد أصّل صلى الله عليه وسلم هذه القاعة بنفسه كما صرح في الحديث ثم ذكر حديث صيام يوم عاشوراء اهـ.
والجواب :
أولاً : قال العلامة الأنصاري في القول الفصل ص78 – 79 :
أن المحاسن التي ورد في فتوى الحافظ أن من تحراها في عمل المولد وتجنب ضدها كان عمل المولد بدعة حسنة لا تعد هي بنفسها من البدع وإنما البدعة فيها جعل ذلك الاجتماع المخصوص بالهيئة المخصوصة في الوقت المخصوص واعتبار ذلك العمل من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص من كتاب أو سنة بحيث يظن العوام الجاهلون بالسنن أن عمل المولد من أعمال القرب المطلوبة شرعا . وعمل المولد بهذه القيود بدعة سيئة وجناية على دين الله وزيادة فيه تعد من شرع ما لم يأذن به الله ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم . ثم أن حديث صوم يوم عاشوراء لنجاة موسى عليه السلام فيه وإغراق فرعون فيه ليس فيه سوى أن النبي صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصومه دون زيادة على ذلك انتهى بتصرف.
ثانياً : أن الشرط الذي شرطه الحافظ ابن حجر للاحتفال بالمولد النبوي وهو تحري ذلك اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى عليه السلام لا يلتزمه كثير ممن تبعوه في الاستدلال بهذا الحديث على مشروعية الاحتفال بالمولد فقد قال محمد بن علوي المالكي في حول الاحتفال بالمولد ص6:
أننا لا نقول بسنية الاحتفال بالمولد المذكور في ليلة مخصوصة بل من اعتقد ذلك فقد ابتدع في الدين ، لأن ذكره صلى الله عليه وسلم والتعلق به يجب يكون في كل حين ، ويجب أن تمتلئ به النفوس … الخ .
وعلى كلامه فإن الإمام ابن حجر العسقلاني يكون قد وقع في الابتداع في الدين فإنه خصص الاحتفال بيوم واحد في العام كما هو واضح في كلامه السابق ! .
ثالثاً : قال الشيخ الجزائري في الإنصاف فيما قيل في المولد ص63:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد صام يوم عاشوراء وحث على صيامه فكان صيامه سنة وسكت عن يوم ولادته الذي هو الثاني عشر من ربيع الأول كما يقول به أكثر المحتفلين فلم يشرع فيه شيئاً فوجب أن نسكت كذلك، ولا نحاول أن نشرع فيه صياماً وا قياماً فضلاً عن احتفالا انتهى كلامه بتصرف.
ثم أقول للمالكي حيث أجاز الاحتفال بالمولد في أي يوم:
هل يجوز أن نصوم أو نعمل أي عمل صالح في أي يوم غير يوم عاشورا شكرا لله لأنه نجى موسى عليه السلام وقومه من فرعون ؟ !.
وأما بالنسبة لقول المالكي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لتذكرها وتعظيم يومها لاجلها ولأنه ظرف لها فقد أجاب عنه الشيخ التويجري رحمه الله في الرد القوي ص68 – 69:
ان من أعظم الأمور التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، مجيء الملك إليه بالنبوة وهو في غار حراء وتعليمه أول سورة اقرأ باسم ربك الذي خلق. ومن أعظم الأمور أيضاً الإسراء به إلى بيت المقدس والعروج به إلى السموات السبع وما فوقها وتكليم الرب تبارك وتعالى له وفرضه الصلوات الخمس، ومن أعظم الأمور أيضاً هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومن أعظم الأمور أيضاً وقعة بدر وفتح مكة، و لم يرد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يعمل الاجتماع لتذكر شيء من هذه الأمور العظيمة وتعظيم أيامها، ولو كانت قاعدة ابن علوي التي توهمها وابتكرها صحيحة لكان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بأوقات هذه الأمور العظيمة
ويعقد الاجتماعات لتذكرها وتعظيم أيامه. وفي تركه صلى الله عليه وسلم ذلك أبلغ رد على مزاعم ابن علوي وغيره وتقولهم على النبي صلى الله عليه وسلم انتهى بتصرف واختصار.
ــــــــــــ
5- الشبهة الخامسة : ما جاء عن عروة أنه قال في ثويبة مولاة أبي لهب: وكان أبولهب أعتقها فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة قال له : ماذا لقيت؟ قال أبو لهب : لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة ".
استدل محمد بن علوي المالكي بهذه القصة في رسالته حول الاحتفال بالمولد ص8 حيث قال :
أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صلى الله عليه وسلم وقد انتفع به الكافر.. فجاء في البخاري أنه يخفَف عن أبي لهب كل يوم اثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشرته بولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم ...
وهذه القصة رواها البخاري في الصحيح في كتاب النكاح ونقلها الحافظ ابن حجر في الفتح … وهي وإن كانت مرسلة إلا أنها مقبولة لأجل نقل البخاري لها واعتماد العلماء من الحفاظ لذلك ولكونها في المناقب والخصائص لا في الحلال والحرام وطلاب العلم يعرفون الفرق في الاستدلال بالحديث بين المناقبوالأحكام وأما انتفاع الكفار بأعمالهم ففيه كلام بين العلماء ليس هذا محل بسطه ، والأصل فيه ما جاء في الصحيح من التخفيف عن أبي طالب بطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى باختصار.
والجواب :
أولاًً : قال العلامة الأنصاري رحمه الله في القول الفصل ص84 – 87:
أن هذا الخبر لا يجوز الاستدلال به لأمور:
أولاً : أنه مرسل كما يتبين من سياقه عند البخاري في باب وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم " ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " من صحيحه فقد قال : حدثنا الحكم بن نافع أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة نت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله انكِحْ أختي بنت أبي سفيان، فقال: أو تحبين ذلك ؟ فقلت : نعم ، لست لك بمخليةٍ، وأحب من شاركني في خيرٍ أختي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن ذلك لا يحل لي .
قلت : فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة . قال : بنت أم سلمة ؟
قلت: نعم. فقال: لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ماحلت لي. إنها لاَبنة أخي من الرضاعة. أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن .
قال عروة : وثويبة مولاة لأبي لهبٍ وكان أبو لهبٍ أعتقها فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حِيبةٍ ، قال له : ماذا لقيت؟ قال أبو لهب : لم ألق بعدكم . غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة " انتهى.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر " فتح الباري " 9 / 49 : إن الخبر ـ أي المتعلق بتلك القضية ـ مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به...الخ .
وبه نعلم انه لا يجوز الاستدلال بهذا الخبر لأنه مرسل والمرسل من قسم الضعيف لأننا لا نعلم صدق من أخبر عروة بذلك الخبر ؛ والبخاري رحمه الله لم يشترط الصحة في كتابه إلا على الأحاديث المتصلة السند .
ثانياً : أن ذلك الخبر لو كان موصولا لا حجة فيه لأنه رؤيا منام ورؤيا المنام لا يثبت بها حكم شرعي ذكر ذلك أيضا الحافظ ابن حجر. وقد قال علوي بن عباس المالكي والد محمد المالكي في " نفحات الإسلام من البلد الحرام" ص164–165 والذي جمع مواضيعه ورتبه محمد المالكي نفسه؛ أثناء إنكاره القصة المشهورة الباطلة عن الشيخ احمد خادم الحجرة النبوية : النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة ، وترك للناس شريعة واحدة لا تحتاج إلى تتميم برؤيا في المنام ، والرؤيا المنامة ليست طريقاً للتشريع ولا مستنداً لحكم شرعي أصلاً لأن النائم لا يضبط لغفلته بمنامه فكيف يعتمد على رؤياه...الخ.
ثالثاً: أن ما في مرسل عروة هذا من أن إعتاق أبي لهب ثويبة كان قبل إرضاعها النبي صلى الله عليه وسلم يخالف ما عند أهل السير من أن إعتاق أبى لهب إياها كان بعد ذلك الإرضاع بدهر طويل كما ذكر الحافظ ابن حجر في " الفتح" 9 / 48 وأوضحه في " الإصابة في تمييز الصحابة" 4 / 250 والحافظ ابن عبدالبر في "الاستيعاب في أسماء الأصحاب" 1 / 12 والحافظ ابن الجوزي في " الوفا بأحوال المصطفى" 1.
رابعاً: أن هذا الخبر مخالف لظاهر القرآن كما أوضحه الحافظ ابن حجر في " الفتح " حيث قال في كلامه عليه 9 / 49: وفي الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة ؛ لكنه مخالف لظاهر القرآن ، قال الله تعالى (وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثوراً) ثم نقل عن حاشية ابن المنير: أن ما في ذلك المرسل من اعتبار طاعة الكافر مع كفره محال لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح وذلك مفقود مع الكافر. فإعتاق أبى لهب لثويبة ما دام الأمر كذلك لم يكن قربة معتبرة فإن قيل إن قصة إعتاق أبى لهب ثويبة مخصوصة من ذلك كقصة أبى طالب قلنا: إن تخفيف العذاب عن أبى طالب ثبت بنص صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما وقع لأبى لهب في ذلك المرسل فمستنده مجرد كلام لأبى لهب في المنام فشتان ما بين الأمرين انتهى كلام الأنصاري بتصرف.
يضاف إلى ذلك ان تخفيف العذاب عن أبي طالب كان بسبب شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منها دماغه.
خامساً: قال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله في الإنصاف فيما قيل في المولد ص60:
ان الفرح الذي فرحه أبو لهب بمولود لأخيه فرح طبيعي لا تعبدي ، إذ كل إنسان يفرح بالمولود يولد له ، أو لأحد إخوانه أو أقاربه ، والفرح إن لم يكن لله لا يثاب عليه فاعله ، وهذا يضعف هذه الرواية و يبطلها اهـ.
سادساً: قال العلامة التويجري رحمه الله في الرد القوي ص56:
لم يجيء في هذه الرواية مع ضعفها أنه يخفف عن أبي لهب العذاب كل إثنين ولا أن أبا لهب أعتق ثويبة من أجل بشارتها إياه بولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فكل هذا من التقول على البخاري انتهى كلام العلامة التويجري بتصرف.
سابعاً: وقال العلامة التويجري رحمه الله أيضاً في المصدر السابق:
لم يثبت من طريق صحيح أن أبا لهب فرح بولادة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أن ثويبة بشرته بولادته ، فكل هذا لم يثبت ، ومن ادعى ثبوت شيء من ذك فعليه إقامة الدليل على ما ادعاه.ولن يجد إلى الدليل الصحيح سبيلاً انتهى بتصرف.
ثامناً: قول المالكي: وهذه القصة رواها البخاري في الصحيح في كتاب النكاح ونقلها الحافظ ابن حجر في الفتح إلى ان قال وهي وان كانت مرسلة الا أنها مقبولة لأجل نقل البخاري لها واعتماد العلماء من الحفاظ لذلك ولكونها في المناقب والخصائص لا في الحلال والحرام وطلاب العلم يعرفون الفرق في الاستدلال بالحديث بين المناقب والأحكام.
وأما انتفاع الكفار بأعمالهم ففيه كلام بين العلماء ليس هذا بسطه والأصل فيه ما جاء في الصحيح من التخفيف عن أبي طالب بطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يثير عندي بعض الأسئلة وهي: من أين نقل الحافظ ابن حجر هذه القصة في الفتح؟! ولماذا أورد المالكي هذه القصة؟!.
ان كتاب الحافظ ابن حجر فتح الباري إنما هو شرح للأحاديث والآثار الواردة في صحيح البخاري، فما معنى التفريق بين إخراج البخاري لهذه القصة في صحيحه وبين نقل ابن حجر لها في الفتح؟! أم ان المقصود تكثير المصادر ليوهم السذج؟ .
ثم ان المالكي إنما أورد هذه القصة ليستدل بها على جواز بل سنية الاحتفال بالمولد كما مر معنا سابقا، فما معنى قوله عن هذه القصة: أنها مقبولة لأجل نقل البخاري لها واعتماد العلماء من الحفاظ لذلك ولكونها في المناقب والخصائص لا في الحلال والحرام وطلاب العلم يعرفون الفرق في الاستدلال بالحديث بين المناقب والأحكام
هل يقصد انه لا يريد ذكر هذه القصة لبيان حلال أو حرام وإنما لبيان للمناقب والخصائص ؟ فما فائدة ذكرها كدليل على جواز الاحتفال بالمولد؟.
وأما بالنسبة إلى تخفيف العذاب عن الكافر فقد مر معنا قول ابن حجر في ذلك واستدلاله بالآية ، والأصل في ذلك تلك الآية بالإضافة إلى بعض الأحاديث الصحيحة ومنها ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت:
قلت: يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟
قال: لا ينفعه إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
فهذا هو الأصل وقد قال محمد بن علوي المالكي نفسه شرح منظومة الورقات ص28 في باب النهي:
الكفار داخلون في الخطاب بجميع فروع الشريعة فهم مخاطبون بها مع انتفاء شرطها وهو الإسلام فيعذبون حينئذ على أمرين : على ترك الفروع وعلى ترك الإسلام الذي بدونه فروع الشريعة ممنوعة لا تصح وكونهم مخاطبين بالفروع إلا أنها لا تصح منهم إذا فعلوها إلا بالإسلام اهـ.
أما تخفيف العذاب عن أبي طالب فإنه مستثنى من هذا الأصل وذلك بسبب شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم كما مر معنا وباعتراف المالكي!
ــــــــ
6ـ الشبهة السادسة : قول الرسول صلى الله عليه وسلم في فضل يوم الجمعة: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه قبض رواه أبو داود.
- استدل بهذا محمد المالكي في "حول الاحتفال " ص14 حيث قال : يؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم في ف يوم الجمعة ، وعدّ مزاياه : وفيه خلق آدم تشريف الزمان الذي ثبت أنه ميلاد لأي نبي كان من الأنبياء عليهم السلام فكيف باليوم الذي ولد فيه أفضل النبيين وأشرف المرسلين.
ولا يختص هذا التعظيم بذلك اليوم بعينه بل يكون له خصوصاً ولنوعه عموماً مهما تكرر كما هو الحال في يوم الجمعة ، شكراً للنعمة ، وإظهاراً لمزية النبوة وإحياءً للحوادث التاريخية…الخ.
الجواب :
أولاً : قال العلامة ابن منيع حفظه الله في " حوار مع المالكي" ص87:
قد جاءت النصوص الشرعية الصريحة لثابتة بفضل يوم الجمعة ، واعتباره أحد أعياد المسلمين ، واختصاصه بخصائص ليست لغيره ، فنحن نقف مع النصوص الشرعية حيث وقفت ، ونسير معها حيث اتجهت: ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ولا نبيح لأنفسنا أن نشرع تفضيل يوم بعينه، لم يرد النص بتفضيله، إذ لو كان خيرا لشرع لنا تفضيله ، كما شرع لنا تفضيل يوم الجمعة وما كان ربك نسياً.
ولو جاءت نصوص شرعية تنص على فضل يوم ذكرى ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنا بتوفيق الله وهدايته أسرع الناس إلى اعتبار ذلك والأخذ به ، امتثالا لقوله تعالى: ومآ آتاكم الرسول فخذوه اهـ.
ثانيا ً: قال العلامة التويجري رحمه الله في الرد القوي ص82:
ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخص يوم الجمعة بشيء من نوافل الأعمال وقد نهى عن تخصيصه بالصيام وعن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص يوم الجمعة بشيء من نوافل الأعمال من أجل آدم عليه السلام قد خلق فيه فأي متعلق لابن علوي وغيره في ذكر ذلك الاستدلال به على جواز الاحتفال بالمولد انتهى بتصرف.
ثالثاً : قال علي العيسى في العقلية الإسلامية وفكرة المولد ص64 – 65 : ثم لماذا نهى رسول اله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة تطوعاً وحده ؟ ولماذا لم يقل إثر إخباره أو فيما بعد : فأقيموا لأبيكم وأبي عيد وجود، أو حلقة ذكر بمناسبة الذكرى نتدارس فيها نعم الله على خلقه، ونذكر فيها العامة، وتكون سنة لمن بعدنا ؟ كما يقول بما يشبه هذا بعض المتأخرين.
وهل يمكن أن يجرؤ الشك على أن يوحى لنا بأن محمدا صلى الله عليه وسلم ذا الخلق العظيم محبته لأبيه آدم عليه السلام قاصرة أو معدومة ؟ انتهى بتصرف.
رابعاً: أما بالنسبة لقول المالكي : ولا يختص هذا التعظيم بذلك اليوم بعينه، بل يكون له خصوصا ولنوعه عموما.
فقد أجاب عنه الشيخ عبدالله بن منيع في حوار مع المالكي ص88 بقوله:
ان هذا القول يقتضي أن نقيس في العبادات، ولا يخفى ما عليه أهل العلم من علماء الأصول و فقهاء الأمة ، ممن يقولون بالقياس من أنهم يمنعون القياس في العبادات، لأن القياس مبني على اتحاد المقيس والمقيس عليه في العلة ، والعبادات مبناها على التوقيف والتعبد، سواء كانت علة التشريع ظاهرة أو خفية ، فلا يجوز أن نقيس على أصل مشروعية الصلاة بتشريع صلاة سادسة بين الفجر والظهر مثلا ، ولا بتشريع صيام آخر بعد رمضان أو قبله ، ولا بزيادة ركعة أو أكثر على ركعات صلاة من الصلوات الخمس ، بحجة أن التشريع في الصلوات أو في الصيام أو في غيرهما من أنواع العبادة لها خصوصا ولنوعها عموما.
إن الله حينما فضل يوم الجمعة على غيره من الأيام الأخرى على غيره من الأيام الأخرى، وتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدل على ذلك التفضيل و يؤكده قادر على تفضيل غيره من الأيام، كيوم مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بعثته أو هجرته، ويعطي عباده نصوصا صريحة من قوله تعالى، أو قول رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم، في تفضيل ذلك اليوم كما هو الحال في يوم الجمعة ، و في ليلة القدر انتهى كلامه باختصار.
ـــــــــ
7ـ الشبهة السابعة : ما أخرجه البيهقي عن انس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة خرجه السيوطي في حسن المقصد في عمل المولد عمل المولد عليه ولفظه: قلت قد ظهر لي تخريجه ـ أي عمل المولد ـ على أصل آخر وهو ما أخرجه البيهقي عن انس رضي الله عنه:
أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته ، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم اظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده... إلى آخر كلامه .
كما استدل بهذا الحديث محمد المالكي في البيان والتعريف ص11 .
الجواب :
أولاً : قال العلامة الأنصاري رحمه الله في القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل ص80 – 8:
ان تخريج السيوطي عمل المولد النبوي على هذا الحديث ساقط لعدم ثبوت ذلك الحديث عند أهل العلم.
فقد قال الحافظ ان حجر العسقلاني في كتاب العقيقة من تلخيص الحبير (4/147):
قوله ـ أي الرافعي ـ روى أنه صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة البيهقي من حديث قتادة عن انس وقال : منكر وفيه عبدالله ابن محرر وهو ضعيف جدا وقال عبد الرزاق إنما تكلموا فيه لأجل هذا الحديث قال البيهقي وروي من وجه آخر عن قتادة ومن وجه آخر عن انس وليس بشيء قلت ـ القائل ابن حجر العسقلاني ـ أما الوجه الآخر عن قتادة فلم أره مرفوعا وإنما ورد أنه كان يفتي به كما حكاه ابن عبد البر بل جزم البزار وغيره بتفرد عبدالله بن محرر به عن قتادة وأما الوجه الآخر عن انس فأخرجه أبو الشيخ في الأضاحي وابن أيمن في مصنفه والخلال من طريق عبدالله بن المثنى عن ثمامة بن عبدالله بن انس عن أبيه وقال النووي في "شرح المهذب" هذا حديث باطل اهـ. كما ضعفه في فتح الباري 9 / 509.
وقال النووي ـ رحمه الله ـ في المجموع شرح المهذب 8 / 412 في باب العقيقة:
أما الحديث الذي ذكره ـ أي الشيرازي ـ في عق النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه فرواه البيهقي بإسناده عن عبدالله بن محرر بالحاء المهملة والراء المكررة عن قتادة عن انس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عنه نفسه بعد النبوة وهذا حديث باطل قال البيهقي هو حديث منكر وروى البيهقي بإسناده عن عبد الرزاق قال: إنما تركوا عبدالله بن محرر بسبب هذا الحديث، قال البيهقي: وقد روى هذا الحديث من وجه آخر عن قتادة ، ومن وجه آخر عن انس وليس بشيء، فهو حديث باطل وعبدالله بن محرر ضعيف متفق على ضعفه قال الحفاظ هو ـ أي عبدالله بن محررـ متروك اهـ.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبدالله بن محرر من ميزان الاعتدال في نقد الرجال:
من بلاياه ـ أي عبدالله بن محررـ روى عن قتادة عن انس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعدما بعث رواه شيخان عنه اهـ.
وقال البزار: تفرد به عبدالله بن المحرر وهو ضعيف جدا إنما يكتب عنه ما لا يوجد عند غيره ورد هذا في باب قضاء العقيقة من كتاب كشف ستار عن زوائد البزار للحافظ الهيثمي.
وقال البيهقي في باب العقيقة سنة من السنن الكبرى 9 / 300 قال عبدالزاق إنما تركوا عبدالله ابن محرر لحال هذا الحديث وقد روى من وجه آخر عن قتادة ومن آخر عن انس وليس بشيء. انتهى كلام اليهقي الذي عزا إليه السيوطي ذلك الحديث الذي ادعى أنه ظهر له تخريج عمل المولد عليه وقد أساء السيوطي التصرف حيث لم يذكر كلام البيهقي في الحديث بل تركه ليوهم من يقرأ تخريجه أنه صالح للاستدلال به.
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في تحفة المودود بأحكام المولود ص57 :
قال أحمد : عبدالله بن المحرر عن قتادة عن أنس " أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نفسه ، منكر، وضعف عبدالله بن محرر. وفي مصنف عبدالرزاق أنبأنا عبدالله بن محرر عن قتادة عن أنس ، انَّ النبي
صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نفسه بعد النبوة ، قال عبدالرزاق : إنما تركوا ابن محرر لهذا الحديث انتهى كلام ابن القيم باختصار.
وقال الزرقاني في شرح المواهب اللدنية 1 /140 تعليقا على قول السيوطي السابق :
تعقبه النجم بأنه حديث منكر كما قاله الحافظ بل قال ـ أي النووي ـفي شرح المهذب انه حديث باطل فالتخريج عليه ساقط انتهى كلام الزرقاني. كما ضعف هذا الحديث الإمام مالك كما في كتاب العقيقة من المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام لابن رشد 2 / 15 كما ضعف راويه عبدالله بمحرر ابن حبان في "كتاب المجروحي " 2 / 29 انتهى كلام العلامة الأنصاري رحمه الله بتصرف.
ثانياً : قال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله في الإنصاف فيما قيل في المولد ص61 –62:
هل ثبت أن العقيقة كانت مشروعة لأهل الجاهلية وهم يعملون بها حتى نقول إن عبدالمطلب قد عق عن ابن ولده؟ وهل أعمال أهل الجاهلية يعتد بها في الإسلام؟ حتى نقول إذا عق النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه شكراً لا قياماً بسنة العقيقة، إذا قد عق عنه ؟
سبحان الله ما أعجب هذا الاستدلال وما أغربه ، وهل إذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح شاة شكراً لله تعالى على نعمة إيجاده وإمداده يلزم من ذلك اتخاذ يوم ولادته صلى الله عليه وسلم عيداً للناس؟
و لم لم يدعُ إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبين للناس ماذا يجب عليهم فيه من أقوال وأعمال؟ كما بين ذلك في عيدي الفطر والأضحى . أنسي ذلك أم كتمه ، وهو المأمور بالبلاغ؟ سبحانك اللهم إن رسولك صلى الله عليه وسلم ما نسي ولا كتم ولكن الإنسان كان أكثر شيء جدلاً اهـ.
ــــــــــ
8 ـ الشبهة الثامنة : ان جبريل عليه السلام طلب ليلة الإسراء والمعراج من النبي صلى الله عليه وسلم ، بصلاة ركعتين ببيت لحم ، ثم قال: أتدري أين صليت ؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام. استدل به محمد علوي المالكي في "حول الاحتفال" ص14ـ15.
الجواب :
قال العلامة الأنصاري رحمه الله في القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل ص 138 – 145:
ان أمر جبريل عليه السلام الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ورد من رواية شداد ابن أوس وانس بن مالك وأبي هريرة رضي الله عنهم لقصة السراء لكنه مستنكر كما يتبين فيما يلي:
أ – أما رواية شداد بن أوس رضي الله عنه فقد قال الإمام الترمذي : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك الزبيدي حدثنا عمرو بن الحارث عن عبدالله بن سالم الأشعري عن محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي حدثنا أبو الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير حدثنا شداد بن أوس قال : قلنا : يا رسول الله كيف أسري بك قال: … فذكر فيه ثم بلغنا أرضا بدت لنا قصور فقال أي جبريل عليه السلام:
انزل فنزلت فقال صل . فصليت ثم ركبنا فقال أتدري أين صليت ؟ قلت : الله أعلم . قال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى بن مريم … الخ .
ومن طريق الترمذي هذا بسنده ومتنه روى البيهقي هذه الرواية كما بينه ابن كثير في تفسيره و هذه الرواية تكلم فيها الحافظان الذهبي وابن كثير متعقبين بكلامهما قول البيهقي في إسنادها هذا إسناد صحيح.
فقد قال الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام 1 / 142 بعد إيراد كلام البيهقي هذا في إسنادها :
قلت: ابن زبريق ـ أي إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي ـ تكلم فيه النسائي اهـ.
وقال في ترجمته من ميزان الاعتدال 1 / 181 ان ا قال ليس بثقة ثم قال أبو داود ليس بشيء وكذبه محدث حمص محمد ابن عوف الطائي. تعقب الذهبي بهذا قول أبي حاتم في ابن زبريق: لا باس به سمعت ابن معين يثني عليه.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره لسورة الإسراء بعد إيراده حديث شداد بن أوس هذا من طريق الترمذي :
رواه البيهقي من طريقين عن أبي إسماعيل الترمذي به ثم قال بعد تمامه: هذا إسناد صحيح قال وقد روى هذا الحديث عن شداد بن أوس بطوله الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي به ذكر بن كثير هذا كله ثم قال: ولا شك أن هذا الحديث أعني الحديث المروي عن شداد بن أوس مشتمل على أشياء منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقي ومنها ما هو منكر كالصلاة في بيت لحم وسؤال الصديق عن نعت بيت المقدس وغير ذلك والله أعلماهـ.
وأما رواية أنس رضي الله عنه لهذا الحديث فعند النسائي في كتاب الصلاة تحت عنوان فرض الصلاة في1 /221 من المجتبى قال: اخبرنا عمرو ابن هشام قال حدثنا مخلد هو ابن الحسين عن سعيد بن عبدالعزيز قال حدثنا يزيد ابن أبي مالك قال حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى اه عليه وسلم قال: ثم ذكر الحديث وفيه: ثم قال: نزل فصل فنزلت فصليت فقال أتدري أين صليت ؟ صليت ببت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام … الخ.
ومن طريق المجتبى للنسائي هذا أورد ابن كثير هذه الرواية في تفسيره 3 / 6 ضمن أحاديث الإسراء قال في ص5: فيها غرابة ونكارة جدا. وقال في الفصول في اختصار سيرة الرسول في حديث انس هذا الذي رواه النسائي في المجتبى:
غريب منكر جدا وإسناده مقارب وفي الأحاديث الصحيحة ما يدل على نكارته والله أعلم اهـ.
وأما رواية أبييرة رضي الله عنه لهذا الحديث فعند ابن حبان في المجروحين 1/187-188 في ترجمة بكر بن زياد الباهلي قال أبو حاتم بن حبان بعد أن ذكر أنه شيخ دجال يضع الحديث على الثقات لا يحل ذكره في الكتب الا على سبيل القدح فيه قال روى ـ أي بكر بن زياد الباهلـ بكر بن زياد عن عبدالله بن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة ثم ذكر الحديث وهذا شيء لا يشك عوام أصحاب الحديث أنه موضوع فكيف البزل في هذا الشأن انتهى كلام ابن حبان.
وقد تلقى كلام ابن حبان في بكر بن زياد الاهلي هذا ابن الجوزي في الموضوعات 1 / 113 –114، والسبكي في شفاء السقام ص133، والذهبي في ميزان الاعتدال 1 / 345، والشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص 441.
وقال ابن كثير في الفصول في اختصار سيرة الرسول ص122 بعد ان ذكر حديث انس المتقدم و ذكر انه غريب منكر جدا قال: وكذلك الحديث الذي تفرد به بكر بن زياد الباهلي المتروك عن عبدالله بن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الل عليه وسلم قال: ليلة أسري بي قال جبريل هذا قبر أبيك إبراهيم انزل فصل فيه لا يثبت أيضا لحال بكر بن زياد المذكور اهـ.
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية في تفسير سورة الإخلاص ص 169: الذي يرويه بعضهم في حديث الإسراء أنه قيل للنبي صلى اله عليه وسلم هذه طيبة انزل فصل فنزل فصلى هذا مكان أبيك انزل فصل كذب موضوع لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة الا في المسجد الأقصى خاصة كما ثبت ذلك في الصحيح ولا نزل إلا فيه اهـ.
وقال ابن القيم في زاد المعاد: قد قيل انه ـ أي النبي صلى الله عليه وسلم ـ نزل ببيت لحم و صلى فيه ولم يصح ذلك عنه ألبته اهـ .
هذا كلام أولئك العلماء في روايات أمر جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم به يتضح بطلان دعوى الحافظ ابن حجر في لسان الميزان :
ان الموضمن حديث بكر بن زياد هو من قوله ثم أتى الصخرة وأما باقية فقد جاء في طريق أخرى فيها الصلاة ببيت لحم وردت من حديث شداد بن أوس اهـ انتهى كلام العلامة الأنصاري رحمه الله بتصرف.
وقال الشيخ حمود التويجري رحمه الله عن رواية انس رضي الله عنه لهذا الحديث
ا لرد القوي ص 86:
رواه النسائي في سننه عن عمرو بن هشام عن مخلد ـ وهو ابن يزيد القرشي ـ عن سعيد بن عبدالعزيز عن يزيد بن أبي مالك عن انس بن مالك رضي الله عنه ، وقد قال الحافظ ابن حجر في كل من يزيد ومخلد أنه صدوق له أوهام.وقال الذهبي في الميزان يزيد بن أبي مالك صاحب تدليس وإرسال عمن لم يدرك، وقال يعقوب الفسوي يزيد بن أبي مالك فيه لين، وقال الذهبي أيضا في ترجمة مخلد بن يزيد القرشي صدوق مشهور روى حديثا في الصلاة مرسلا فوصله قال أبو داود مخلد شيخ إنما رواه الناس مرسلا وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة مخلد بن يزيد القرشي من "تهذيب التهذيب" قال الأثرم عن احمد لا باس به وكان يهم وقال الساجي: كان يهم ثم ذكر ابن حجر من أوهامه حديثا وصله وهو مرسل.
وهذا مما يدعو إلى التوقف في قبول الحديث لأنه يحتمل أن يكون قد وقع فيه وهم من أحد الرجلين . ولهذا قال الحافظ ابن كثير ان فيه غرابة ونكارة جدا اه.
ثانياً : قال العلامة التويجري رحمه الله في الرد القوي ص87 ـ 88:
روى الإمام احمد وأبو داود الطيالسي بإسناد صحيح عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى انتهينا إلى بيت المقدس.. الحديث وقد رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضا ابن حبان والحاكم والذهبي، وفي قوله صلى الله عليه وسلم : فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى انتهينا إلى بيت المقدس أبلغ رد على ما جاء في حديث انس وشداد بن أوس وأبي هريرة رضي الله عنهم ، ولو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ليلة الإسراء وهو ذاهب إلى بيت المقدس في بيت لحم لم يكن في ذلك ما ييد بدعة المولد ولا غيرها من البدع ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أمته بتعظيم بيت لحم و لم يأمرهم بالصلاة فيه ولم يكن أحد من الصحابة رضي الله عنهم يعظم بيت لحم ويصلي فيه.والخير كل الخير في اتباع ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ، والشر كل الشر في مخالفتهم والأخذ بالبدع
وتعظيمها وتعظيم أهلها وإطراح الأحاديث الصحيحة في ذم المحدثات والتحذير منها اهــ
ـــــــــ
9ـ الشبهة التاسعة : ان شعراء الصحابة كانوا يقولون قصائد المدح في الرسول صلى الله عليه وسلم مثل كعب بن زهير وحسان بن ثابت فكان يرضى عملهم ويكافئهم على ذلك بالصلات والطيبات.
استدل بهذا هاشم الرفاعي في مقاله كما في "الرد القوي" ص 78 للتويجري والحميري في " بلوغ المأمول" ص 49 –
قال العلامة التويجري رحمه الله في " الرد القوي" ص 79 :
لم يذكر عن أحد من شعراء الصحابة رضي الله عنهم ، أنه كان يتقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإنشاد القصائد في ليلة مولده وإنما كان إنشادهم في الغالب عند وقوع الفتوح والظفر بالأعداء ، على هذا فليس إنشاد كعب بن زهير وحسان بن ثابت وغيرهما من شعراء الصحابة رضي الله عنهم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ما يتعلق به الرفاعي وغيره في تأييد بدعة المولد انتهى كلامه باختصار.
ـــــــــــ
10-الشبهة الحادية عشر: أن الموالد اجتماع ذكر وصدقة ومدح وتعظيم للجناب النبوي وهذه أمور مطلوبة شرعا وممدوحة وجاءت الآثار الصحيحة بها وبالحث عليها.
الجواب : الجواب عن هذه الشبهة بأمور:
أحدها: ما أوضحه السيد رشيد رضا في الجزء لخامس من " الفتاوى" وهو أن الإنكار على إقامة المولد وان كان يحتوي على بعض الأمور المشروعة يرجع إلى ذلك الاجتماع المخصوص بتلك الهيئة المخصوصة في الوقت المخصوص وإلى اعتبار ذلك العمل من شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص الشارع بحيث يظن العوام والجاهلون بالسنن أن عمل المولد من أعمال القرب المطلوبة شرعا. وعمل المولد بهذه القيود بدعة سيئة وجناية على دين الله وزيادة فيه تعد من شرع ما لم يأذن به الله ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم . قال العلامة ابن الحاج ـ رحمه الله ـ في المدخل 2 / 312 :
فإن خلا ـ أي عمل المولد ـ منه ـ أي من السماع ـ وعمل طعاما فقط ، ونوى به المولد ودعا إليه الاخوان ، وسلم من كل ما تقدم ذكره ـ أي من المفاسد ـ فهو بدعة بنفس نيته فقط ، إذ إن ذلك زيادة في الدين ليس من عمل السلف الماضين ، وإتباع السلف أولى بل أوجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه ، لأنهم أشد الناس اتباعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتعظيما له ولسنته صلى الله عليه وسلم، ولهم قدم السبق في المبادرة إلى ذلك ، ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد، ونحن لهم تبع ، فيسعنا ما وسعهم ، وقد علم ان إتباعهم في المصادر والموارد...الخ.
وقال أيضاً فيمن اقتصر في عمل المولد على إطعام الاخوان ليس إلا ونوى بذلك المولد: هذا ـ أي قراءة البخاري عوضا عن تلك الأعمال بنية المولد ـ وإن كانت قراءة الحديث في نفسها من أكبر القرب والعبادات وفيها البركة العظيمة والخير الكثير لكن إذا فعل ذلك بشرطه اللائق به على الوجه الشرعي كما ينبغي لا بنية المولد ألا ترىأن الصلاة من أعظم القرب إلى الله تعالى ومع ذلك فلو فعلها إنسان في غير الوقت المشروع لها لكان مذموماً مخالفا فإذا كانت الصلاة بهذه المثابة فما بالك بغيرها اهـ.
فالأعمال الصالحة لا تقبل إلا بشرطين كما قال أهل العلم : الإخلاص ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ..
ــــــــــ
11ـ الشبهة الحادية عشر: أن الاحتفال بالمولد النبوي أمر استحسنه العلماء وجرى به العمل في كل صقع فهو مطلوب شرعا للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود الموقوف: ما رآه المسلمون حنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح.
ورد الاستدلال بهذا في رسالة محمد بن علوي المالكي " حول الاحتفال " ص15 .
الجواب:
أولاً: ان المقصود بقول ابن مسعود رضي الله عنه الصحابة لأنه قال هذا القول استدلالا على إجماع الصحابة على اختيار أبوبكر الصديق رضي الله عنه للخلافة. ومن توسع في الاستدلال بهذا الأثر قصد به الإجماع كما بينت ذلك بشيء من التفصيل في الموضوع الذي كتبته سابقاُ وهو بعنوان " البراهين على ألا بدعة حسنة في الدين".
ثانيا: قال الإمام ابن تيمية في " اقتضاء لصراط المستقيم " 2 / 613ـ 614 في كلامه على المواسم المبتدعة من موالد وغيرها: إذا فعلها قوم ذوو فضل ودين فقد تركها في زمان هؤلاء، معتقداً لكراهتها، وأنكرها قوم إن لم يكونوا أفضل ممن فعلها؛ فليسوا دونهم. ولو كانوا دونهم في الفضل فقد تنازع فيا أولو الأمر، فترد إلى الله والرسول.وكتاب الله وسنة رسوله مع من كرهها، لا مع من رخص فيه. ثم عامة المتقدمين ، الذين هم أفضل من المتأخرين ؛ مع هؤلاء اهـ.
ثالثا: قال العلامة ابن منيع حفظه الله في " حوار مع المالكي" ص90 :
نقول للمالكي وأمثاله أول من استحسن المولد من العلماء، هل هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قطعا لا .. هل هم التابعون؟
قطعا لا.. هل هم تابعو التابعين؟
قطعا لا... هل هم قادة القرامطة والفاطميين والرافضة بمختلف طوائفهم ونحلهم؟
اللهم نعم .. هل هم أهل الطرق الصوفية ؟ اللهم نعم انتهى كلامه بتصرف.
فهل نقبل أمرا أتى به شر من وطأ الحصا، القرامطة والفاطميون وغيرهم ، ممن شهد التاريخ الإسلامي بتدنيسهم محيا الإسلام ، ونترك ما عليه أصحاب القرون الثلاثة المفضلة ، من صحابة وتابعين وعلماء إجلاء، لهم أقداحهم المعلاة ي العلم والتقى ، والصلاح والاستقامة وسلامة المعتقد، ودقة النظر وصدق الاتباع والاقتداء بمن أمرنا الله تعالى أن نجعله أسوة لنا وقدوة لمسالكنا وهو رسولنا وحبيبنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم انتهى نقلاً من " حوار مع المالكي " ص57 .
ـــــــــ
12 ـ الشبهة الثانية عشر : يستدل البعض بأقوال لبعض أهل العلم الذين قالوا بجواز الاحتفال بالمولد النبوي.
والجواب :
ان هذه المسألة قد أختلف فيها منذ القديم وليست أقوال أولئك العلماء وغيرهم حجة وانما الحجة في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول فالواجب علينا إذاً ان نرجع إلى كتاب ربنا وسنة نبينا بفهم سلفنا الصالح رضي الله عنهم أجمعين .
وعندما رجعنا إلى الكتاب والسنة بفهم سلفنا الصالح لم نجد ما يدل على جواز إقامة المولد كما مر معنا فيما سبق. وأختم الجواب عن هذه الشبهة بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 613 ـ 614 أثناء كلامه عن الموالد وغيرها من البدع:
إذا فعلها قوم ذوو فضل ودين فقد تركها في زمان هؤلاء، معتقداً لكراهتها، وأنكرها قوم إن لم يكونو أفضل ممن فعلها، فليسوا دونهم. ولو كانوا دونهم في الفضل فقد تنازع فيها أولو الأمر، فترد إلى الله والرسول وكتاب الله وسنة رسوله مع من كرهها، لا مع من رخص فيها.ثم عامة المتقدمين ، الذين هم أفضل من المتأخرين ، مع هؤلاء اهـ.
ــــــــــ
13ـ الشبهة الثالثة عشر : دعوى تلقي الأوامر النبوية بالاحتفال بذلك اليوم في المنام فقد ورد في مقدمة مولد محمد عثمان الميرغني المسمى " الأسرار الربانية" ص7 :
رأيت في تلك الليلة النبي صلى الله عليه وسلم رؤية مناميه ، ورؤيته حق كما أورد عنه ثقات الرة بطرق الإحصان ، فأمرني أن أصنف مولداً وأجعل إحدى قافيتيه هآءً بهية ، والأخرى نوناً كما فعلت لأنها نصف دائرة الأكوان وبشرني أنه يحضر في قراءته إذا قرىء فسطرت ليتشرف به كلما تلي حكاية نوميه وأنه يستجاب الدعاء عند ذكر الولادة وعند الفراغ منه فنسأل الله الغفران اهـ .
الجواب :
قال العلامة الأنصاري رحمه الله في " القول الفصل":
ان الاعتماد على دعوى تلقي أوامر نبوية في المنام بالاحتفال بالمولد النبوي فلا يعتبر لأن الرؤيا في المنام لا تثبت بها سنة لم تثبت ولا تبطل بها سنة ثبتت كما بينه أهل العلم.
فقد قال الإمام النووي في شرح قول مسلم في " الكشف عن معايب رواة الحديث " من " صحيحه " 1 / 11:
لا يجوز إثبات حكم شرعي به ـ أي بالرؤيا المناميه ـ لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته أن يكون متيقظا لا مغفلا ولا سيئ الحفظ ولا كثير الخطأ ولا مختل الضبط والنائم ليس بهذه الصفة فلم تقبل روايته لاختلال ضبطه. هذا كله في منام يتعلق بإثبات حكم على خلاف مايحكم به الولاة . أما إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بفعل ما هو مندوب إليه أو ينهاه عن منهي عنه أو يرشده إلى فعل مصلحة فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه لأن ذلك ليس حكما بمجرد المنام بل بما تقرر من أصل ذلك الشيء والله أعلم اهـ.
وقال ابن الحاج في " المدخل " 4 / 302 – 304:
ليحذر مما يقع لبعض الناس في هذا الزمان وهو أن من يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فيأمره بشيء أو ينهاه عن شيء ينتبه من نومه فيقدم على فعله أو تركه بمجرد المنام دون أن يعرضه على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى قواعد السلف رضي الله عنهم قال تعالى في كتابه العزيز: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ومعنى قوله فردوه إلى الله أي إلى كتاب الله تعالى ومعنى قوله والرسول أي إلى الرسول في حياته وإلى سنته بعد وفاته على ما قاله العلماء رحمة الله عليهم وإن كانت رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم حقا لا شك فيها لقوله صلى الله عليه وسلم: ومن رآني في المنام فد رآني ، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي على اختلاف الروايات لكن لم يكلف الله تعالى عباده بشيء مما يقع لهم في منامهم قال صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثة وعد منهم النائم حتى يستيقظ لأنه إذا كان نائما فليس من أهل التكليف فلا يعمل بشيء يراه في نومه.
هذا وجه ووجه ثان وهو أن العلم والرواية لا يوخذان إلا من متيقظ حاضر العقل والنائم ليس كذلك.
ووجه ثالث: وهو أن العمل بالمنام مخالف لقول صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه حيث قال: تركت فيكم الثقلين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله و سنتي فجعل صلى الله عليه وسلم النجاة من الضلالة في التمسك بهذين الثقلين فقط لا ثالث لهما.ومن اعتمد على ما يراه في نومه فقد زاد لهما ثالث فعلى هذا من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه وأمره بشيء أو نهاه عن شيء فيتعين عليه عرض ذلك على الكتاب والسنة إذ إنه صلى الله عليه وسلم إنما كلف أمته باتباعهما وقد قال صلى الله عليه وسلم: فيبلغ الشاهد الغائب إلى ان قال: فإذا عرضها على شريعته صلى الله عليه وسلم فإن وافقتها علم أن الرؤيا حق وأن الكلام حق وتبقى الرؤيا تأنيساً له وإن خالفتها علم ان الرؤيا حق وأن الكلام الذي وقع له فيها ألقاه الشيطان له في ذهنه والنفس الأمارة لأنهما يوسوسان له في حال يقظته فكيف في حال نومه … الخ.
وقال الإمام الشاطبي في الاعتصام 1 / 209: الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعا على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية فإن سوغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعراض عنها وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة وأما استفادة الأحكام فلا اهـ.
وقال الإمام ابن كثير في " البداية والنهاية" 1/94 تعليقاً على ما ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة احمد بن كثير أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبابكر وعمر وهابيل واستحلف هابيل أن هذا ـ أي الدم الموجود بالمكان الذي يقال ـ بأنه هو الذي قتل فيه قابيل أخاه هابيل المسمى بمغارة الدم بدمشق ـ دمه ـ أي هابيل ـ فحلف له وذكر أنه سأل الله تعالى أن يجعل هذا المكان يستجاب عنده الدعاء فأجابه إلى ذلك وصدقه في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إنه وأبا بكر وعمر يزورون هذا المكان في كل يوم خميس قال ابن كثير تعليقاً على ذلك ما نصه:
هذا منام لو صح عن احمد بن كثير هذا لم يترتب عله حكم شرعي اهـ انتهى كلام العلامة الأنصاري باختصار.
وقد نقلت فيما سبق أثناء الرد على من استدل بقصة تخفيف العذاب عن أبي لهب الضعيفة كلاما لعلوي بن عباس المالكي والد محمد المالكي في نفحات الإسلام من البلد الحرام والذي جمع مواضيعه ورتبه محمد بن علوي المالكي نفسه ص164– 165 حول عدم شرعية اخذ الأحكام من المنامات.
ــــــــــ
14- الشبهة الرابعة عشر : قول السخاوي رحمه الله في التبر المسبوك ص14:
إذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيداً أكبر فأهل الإسلام أولى بالتكريم جدر.
استدل بهذا القول هاشم الرفاعي في مقاله كما في الرد القوي للتويجري رحمه الله ص 25.
الجواب :
قال العلامة التويجري رحمه الله في الرد القوي ص 25 – 26:
لا شك أن الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً مبني على التشبه بالنصارى في اتخاذهم مولد المسيح عيداً . وهذا مصداق ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله ، اليهود والنصارى؟ قال: فمن ؟ رواه البخاري ومسلم واحمد.وإذا علم أن عيد المولد مبني على التشبه بالنصارى فليعلم أيضاً أن التشبه بالنصارى وغيرهم من المشركين حرام شديد التحريم لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
من تشبه بقوم فهو منهم رواه احمد وأبو داود انتهى كلامه باختصار.
وقد تعقب هذا القول الملا علي القارئ في المورد الروي في المولد النبوي ص16 بقوله:
قلت لكن يرد عليه أنا مأمورون بمخالفة أهل الكتاب.
ــــــــــ
15ـ الشبهة الخامسة عشر: ان الاحتفال بالمولد يعتبر إحياء لذكرى الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا مشروع في الإسلام.
استدل بذلك محمد بن علوي المالكي في حول الاحتفال بالمولد ص20 حيث قال: أن الاحتفال بالمولد إحياء لذكرى المصطفى صلى الله عليه وسلم وذلك مشروع عندنا في الإسلام ، فأنت ترى أن أكثر أعمال الحج إنما هي إحياء لذكريات مشهودة ومواقف محمود. الخ.
الجواب:
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله في رسالته حكم الاحتفال بالمولد النبوي والرد على من أجازه ص29 ـ 30:
النبي صلى الله عليه وسلم قد قال الله في حقه ورفعنا لك ذكرك فذكره مرفوع في الأذان والإقامة والخطب والصلوات وفي التشهد والصلاة عليه وفي قراءة الحديث واتباع ما جاء به ، فهو أجل من أن تكون ذكراه سنوية فقط ، ولكن الأمر كما قال السيد رشيد رضا في كتابه ذكرى المولد النبوي قال – أي السيد رشيد رضا ـ: إن من طباع البشر أن يبالغوا في مظاهر تعظيم أئمة الدين أو الدنيا في طور ضعفهم ـ أي البشر ـ في أمر الدين أو الدنيا ؛ لأن هذا التعظيم لا مشقة فيه على النفس ، فيجعلونه بدلاً مما يجب عليهم من الأعمال الشاقة التي يقوم بها أمر الدين أو الدنيا، و إنما التعظيم الحقيقي بطاعة المعظم ، والنصح له ، والقيام بالأعمال التي يقوم بها أمره ويعتز دينه إن كان رسولاً، وملكه إن كان ملكاً. وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيما للنبي صلى الله عليه وسلم ثم للخلفاء ، وناهيك ببذل أموالهم وأنفسهم في هذا السبيل ، ولكنهم دون أهل هذه القرون التي ضاع فيها الدين في مظاهر التعظيم اللساني، و لا شك أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أحق الخلق بكل تعظيم، وليس من التعظيم الحق له أن نبتدع في دينه بزيادة أو نقص أو تبديل أو تغيير لأجل تعظيمه به ، وحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين فقد كان جل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية ، ومازالوا يبتدعون بقصد التعظيم وحسن النية حتى صارت أديانهم غير ما جاءت به رسلهم ، ولو تساهل سلفنا الصالح كما تساهلوا ، وكما تساهل الخلف الذين اتبعوا سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع لضاع أصل ديننا أيضا ، ولكن السلف الصالح حفظوا لنا الأصل فالواجب علينا أن نرجع إليه ، ونعض عليه بالنواجذ اهـ.
هذا مع أن الاحتفال بالمولد النبوي إذا كان بطريق القياس على الاحتفالات بالرؤساء صار النبي صلى الله عليه وسلم ملحقا بغيره وهذا ما لا يرضاه عاقل انتهى كلام الشيخ محمد ب إبراهيم رحمه الله .
ثانيا: قال الشيخ التويجري رحمه الله في الرد القوي ص101:
ما زعمه المالكي وغيره من أن الاجتماع في المولد لإحياء ذكرى المصطفى صلى الله عليه وسلم، أمر مشروع في الإسلام فهو من التقوّل على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى لم يشرع الاجتماع لإحياء ذكرى المصطفى صلى الله عليه وسلم لا في يوم المولد ولا في غيره من الأيام، و لم يشرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بقوله ولا بفعله اهـ.
ثالثا: قال الشيخ التويجري رحمه الله في المصدر السابق ص103:
من أكبر الخطأ أيضاً زعم ابن علوي وغيره أن أعمال الحج هي إحياء لذكريات مشهودة إلى آخر كلامه الذي تقدم ذكره.وهذا الخطأ مردود بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الحجار لإقامة ذكر الله رواه أبو داودو الترمذي و قال الترمذي حديث حسن صحيح اهـ .
(منقول باختصار) ..
عن أبي بن كعب –رضي الله عنه- قال : ( وإنّ اقتصاداً في سبيل وسنة خيراً من اجتهاد في خلاف سبيلٍ وسنة ).