المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فضائل الأنصار في القرآن الكريم


محمد الغانم
28-Mar-2007, 07:14 AM
فضائل الأنصار في القرآن الكريم



لما اشتد أذى كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل , ويدعو الحجيج في كل عام ، فكان مما صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم يهود المدينة أن نبياً يبعث في هذا الزمان ، فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد .

وكانت الأنصار تحج كغيرها من العرب ، دون اليهود ، فلما رأى الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الله ، وتأملوا أحواله : قال بعضهم لبعض : تعلمون والله ياقوم أن هذا الذي توعدكم به اليهود ، فلا يسبقونكم إليه .

ثم كانت بيعة العقبة الأولى ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة نفر من الأنصار كلهم من الخزرج ، منهم أسعد بن زرارة ، وجابر بن عبد الله ، فدعاهم إلى الإسلام ، فأسلموا ، ثم رجعوا إلى المدينة ، فدعوا إلى الإسلام حتى لم يبقى دار إلا دخلها ، فلما كان العام المقبل جاء منهم اثنا عشر رجلا وأخبروه بما هم عليه من العداوة والتفرق ، ووعدوه بأنم سيدعون إخوانهم من الأوس ، وكان الأوس والخزرج أخوين لأم وأب ، وأصلهم من اليمن من سبأ ، وكانت العداوة بينهم والحروب طيلة مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأها الله بالإسلام ، وألف بينهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك قول الله تعالى ( واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ) [1]

فلما جاء العام المقبل جاء الاثنا عشر ومنهم اثنان من الأوس ، فلما كان من العام المقبل ، وجاء موسم الحج واعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية ، من أواسط أيام التشريق للبيعة ، بعد ما انقضى حجهم . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أبايعكم على أن تمنعوني ـ إذ قدمت عليكم ـ مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ، ولكم الجنة ) [2] ثم بايعوه على النصرة والمنعة ، فقام منهم اثني عشر نقيبا كفلاء على قومهم .

ثم استمر الحال حتى أذن الله للمسلمين بالهجرة ، وقامت أول دولة للمسلمين .[3]

ويتضح مما سبق أن الأنصار هم الأوس والخزرج .

ووجه تسميتهم بالأنصار : لأنهم ناصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه .

واسم الأنصار ، وكذلك المهاجرين ، تسمية شرعية . قال غيلان بن جرير: قلت لأنس : أرأيت اسم الأنصار كنتم تسمون به ، أم سماكم الله ؟ قال : بل سمانا الله ) [4]

وقد امتدح الله الأنصار في كتابه العزيز ، ورفع شأنهم ، وزكاهم وأعد لهم جنات النعيم .

قال الله تعالى : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ) [5]

وقال الله تعالى : ( إن الذين آمنوا وها جروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ) . [6]

وقال الله تعالى : ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) [7]

قوله تعالى ( الذين آووا ونصروا ) أي آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه ، وجعلوا لهم مأوى يأووا إليه ، إذ أخرجهم قومهم من منازلهم ، ونصروهم على أعدائهم وأعداء الله من المشركين بالقتال معهم . ( أولئك بعضهم أولياء بعض ) أي المهاجرين والأنصار أحق كل منهم بالآخر من كل أحد . [8]

وأي فضل يوازي فضل الأنصار ، أي نصر مثل نصرهم ، فهم حماة الدين حقا ، وهم الذين حموا بيضة الإسلام في مهده . فلا غرو بأن يعد الله لهم الجنة .

قوله ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ) حكى الله سبحانه وتعالى أن الأنصار من أول الناس سبقا بالإيمان بالله ، سواء أهل بيعة العقبة أم لا . ومما يدل على العموم دخول المهاجرين . ففي هذه الآية أخبر الله سبحانه بأسبقيت الأنصار والمهاجرون إلى الإيمان ،وأخبر سبحانه بالرضى عنهم ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) ثم بعد هذا وعدهم جنات النعيم مجازاة لهذا الإيمان الصادق .

في قوله ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) ما موقف المسلم فيمن قال الله فيهم هذا ؟ يقول الإمام ابن كثير : فيا ويل من أبغضهم أو سبهم ، أو أبغض أو سب بعضهم ... فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ، ويبغضونهم ويسبونهم عياذا بالله من ذلك . . . فأين هؤلاء من القرآن ؟ اهـ . [9]

وقوله سبحانه : ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم .. ) الآية .

مدح الله فيها الأنصار ، مبينا فضلهم وكرمهم وشرفهم ، وعدم حسدهم ، وإيثارهم مع الحاجة ، فقال : ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ) أي سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين ، وآمنوا قبل كثير منهم .

( يحبون من هاجر إليهم ) وهذا من كرمهم

( ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ) أي ولا يجدون في أنفسهم حسدا للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة .

( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) أي يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم . وفي التعبير بـ ( لا يجدون ) ولم يقل : لا يجد من شاهدهم . ولذلك لكمال تحقق صفاء نفوسهم على إخوانهم المهاجرين ، وأن هذا حقيقة لا تظاهرا . ومثل هذا بل ما هو أقل منه بكثير ما نحتاجه اليوم بين المسلمين .
والله أعلم




--------------------------------------------------------------------------------

[1] ـ آل عمران 103

[2] ـ أخرجه الإمام أحمد في المسند 3/ 322

[3] ـ انظر السيرة لابن هشام 197- 209، والبداية والنهاية لابن كثير( 3/150- 182) ، والسيرة النبوية لمهدي رزق الله أحمد 241- 254، ومختصر السيرة لمحمد بن عبد الوهاب 85- 92، والرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري 153- 175

[4] ـ رواه البخاري ، كتاب مناقب الأنصار ، باب مناقب الأنصار ( 307/3776)

[5] ـ التوبة 100

[6] ـ الأنفال 72

[7] ـ الحشر 9

[8] ـ ابن جرير ( 10/51) وابن كثير ( 4/95)

[9] ـ التفسير ( 4/203)