محمد الغانم
20-Mar-2007, 08:45 PM
· فضائل الصحابة في القرآن الكريم
الصحابة شأنهم عظيم ، فقد استفاضت النصوص في بيان فضلهم ومنزلتهم عند رب العالمين ، فأثنى عليهم ا لقرآن الكريم ، وامتدح صفاتهم ، وبين صدقهم ، ورفع منزلتهم ، فهم أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين .
فنجد القرآن تارة يصفهم بالصدق وذلك عند الإيمان ، وتارة يصفهم بالإخلاص وذلك عند العمل ، وتارة يصفهم بالمتابعة وذلك عند مؤازرتهم لخاتم المرسلين محمد
صلى الله عليه وسلم وعلى آلـه وصحبه أجمعين .
وضرب القرآن بهم الأمثال ، فقال الله سبحانه وتعالى : (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الأنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فأستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراغ ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما)[1]
وقد بين لنا القرآن حرصهم على كتاب الله ، فقال الله سبحانه : (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر فأولئك هم الخاسرون )[2]
ووصفهم الله بأحسن صفة ، ألا وهي حرصهم الشديد على اتباع هذا الدين والتقيد به، وهي الوسطية التي ذكرها الله فيهم في قوله :(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)[3]
هذا وقد وعدهم الله بالجنة والنعيم ، ووعدهم بالرحمة الإحسان ، ولاغرو فهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده ، ونصحوا غاية النصح لهذا الدين ، وبينوه وحملوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقلوه إلينا كما تحملوه ، قال تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله )[4].
فجدير بالمسلم أن يعادي من عاداهم ، ويوالي من والاهم ، فهم أولياء الله ، وقد جاء في الحديث القدسي : ( من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة )[5]
وقال الله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا)[6]وقال: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)[7] وقال الله تعالى:(إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . ومن يتول الله ورسوله فإن حزب الله هم الغالبون )[8]
وقد اشتهرت مقولة الإمام أبو جعفر الطحاوي في عقيدته المباركة المشهورة ، قال رحمه الله : ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نُفْرط في حب أحد منهم ، ولا نتبرأ من أحد منهم ، ونبغض من يبغظهم ، وبغير الحق يذكرهم . ولا نذكرهم إلا بخير ، وحبهم دين وإيمان وإحسان ، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان . [9]
وقد اخترت مجموعة من الآيات في فضائل الصحابة الكرام ، وسأفصل القول فيها بإذن الله تعالى .
قال الله سبحانه وتعالى : (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر فألئك هم الخاسرون ). [10]
قال الإمام ابن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ : قوله (الذين آتيناهم الكتاب)قال بعضهم: هم المؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به من أصحابه .
قال قتادة : هؤلاء أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم آمنوا بكتاب الله وصدقوا به .
وقوله :(يتلونه حق تلاوته): يتبعونه حق اتباعه ، قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ يتبعونه حق اتباعه . وروي عنه من وجه آخر ، قال: يحلون حلاله ، ويحرمون حرامه ، ولا يحرفونه .
قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله ، ولا يحرف الكلم عن مواضعه ، ولا يتأول منه شيئاً على غير تأويله . [11]
وعن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال : ( يتلونه حق تلاوته) قال : إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة ، وإذا مر بذكر النار تعوذ من النار . [12]
أما قوله ( حق تلاوته ) فمبالغة في صفة اتباعهم الكتاب ، ولزومهم العمل ، كما يقال: إن فلاناً لفاضل كل فاضل ، لعالم حق عالم .[13]
(أولئك يؤمنون به ) الإشارة إلى البعيد ، والهاء في ( به ) عائدة على :
إما الكتاب ، أو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . [14]
وقيل إن الآية نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وكانوا أربعين رجلا ً : اثنان وثلاثون من الحبشة ، وثمانية من رهبان الشام، منهم بحيرا .[15]
قال الله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) [16]
قال الإمام ابن جرير : يعني جل ثناؤه بقوله ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا) كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاءكم به من عند الله ، فخصصناكم بالتوفيق لقبلة ابراهم وملته ، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل ، كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان ، بأن جعلناكم أمة وسطا ... وقد بينا أن الأمة هي القرن من الناس ، والصنف منهم ، وغيرهم ، وأما الوسط فإنه في كلام العرب الخيار ... وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين ، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلو بالترهيب ، وقيلهم في عيسى ما قالوا ، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله ، وقتلوا أنبياءهم ، وكذبوا على ربهم ، وكفروا به ، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه ، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها . [17]
قوله : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) جاء تفسيرها : وكذلك جعلناكم أمة عدولا .جاء هذا عن جمع من السلف من الصحابة ، منهم : أبي سعيد الخدري ، وابن عباس .
وجاء عن جماعة من التابعين ، منهم : مجاهد ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، وعطاء ابن أبي رباح ، وعبدالله بن كثير. [18]
وجاء هذا التفسير أيضاً مرفوعا ، وهو العمدة .
روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( يجاء بنوح يوم القيامة ، فيقال له : هل بلغت ؟ فيقول : نعم يارب . فتسأل أمته : هل بلغكم ؟ فيقولون : ما جاءنا من نذير. فيقول : من شهودك ؟ فيقول : محمد وأمته . فيجاء بكم فتشهدون ) ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال : عدلاً ( لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) [19]
وقوله ( لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) قال ابن جرير :
وكذلك جعلناكم أمة وسطاً عدولا شهداً لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ أنها قد بلغت ما أمرت به وبما جاءكم به من عندي .
وعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال : شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة في بني سلمة ، وكنت إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم : والله يا سول الله لنعم المرء كان ، لقد كان عفيفا ً مسلما .. وأثنوا عليه خيراً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنت بما تقول) فقال الرجل : الله أعلم بالسرائر ، فأما الذي بدا لنا منه فذاك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( وجبت ) .
ثم شهد جنازة في بني حارثة وكنت إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : يارسول الله : بئس المرء كان ، إن كان لفظاً غليظاً ، فأثنوا عليه شراً . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وجبت ) . قال مصعب بن ثابت : فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قرأ ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم شهيدا ) [20]
أما في رواية البخاري : فقال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ : ما وجبت ؟ فقال : ( هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة ، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار ، أنتم شهداء الله في الأرض ) [21]
قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) [22]
قال الإمام ابن جرير الطبري: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله ( يا أيها الذين آمنوا ) أي : صدقوا الله ورسوله ، وأقروا بما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ( من يرتد منكم عن دينه ) يقول من يرجع منكم عن دينه الحق الذي هو عليه اليوم ، فيبدله ويغيره بدخوله في الكفر ، إما في اليهودية أو النصرانية ، أو غير ذلك من صنوف الكفر ، فلن يضر الله شيئاً ، وسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه . يقول : فسوف يجيء الله بدلا منهم المؤمنين الذين لم يبدلوا ولم يغيروا ولم يرتدوا ، بقوم خير من الذين ارتدوا وبدلوا دينهم ، يحبهم ويحبون الله ب، وكان هذا الوعيد لمن سبق في علمه أنه سيرتد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك وعده في هذه الآية لمن سبق له في علمه أنه لا يبدل ولا يغير دينه ، ولا يرتد ، فلما قضى الله بنبيه صلى الله عليه وسلم ، ارتد أقوام .. فأبدل الله المؤمنين بخير منهم ، كما قال تعالى ذكره ، ووفى المؤمنين بوعده ، وأنفذ فيمن ارتد منهم وعيده [23]
وفي المراد بقوله ( فسوف يأتي الله بقوم بحبهم ويحبونه ) أقوال ستة
1ـ أنها في أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة . وهذا قول : علي ، وقتادة ، والضحاك بن مزاحم .
2ـ أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ . وحكي هذا القول عن الحسن بن علي .
3ـ أنهم قوم أبي موسى الأشعري ، وروي هذا مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم .
4ـ أنهم أهل اليمن . رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد .
5ـ أنهم الأنصار . قاله السدي .
6ـ المهاجرون والأنصار . [24]
وعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) قال : هؤلاء قوم من أهل اليمن ، ثم من كنده ، ثم من السـكون ، ثم من تجيب ) [25]
قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب، واشرأب النفاق ، ونزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها .[26]
ولذا اشتهرت مقولة عن جماعة من السلف ، وهي : لقد نصر الله هذا الدين بأبي بكر يوم الردة ، وأحمد بن حنبل يوم المحنة ، وعمر بن عبد العزيز يوم المظالم . وقد أطال المفسرون تحت هذه الآية في الكلام عن الردة وأحداثها ، قد تركتها تجنباً للإطالة .
أما على قول من قال إنهم قوم أبي موسى الأشعري فلما روي عن عياض بن غنم الأشعري قال : لما نزلت هذه الآية (فسوف يأتي الله بقوم بحبهم ويحبونه ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هم قوم هذا ) وأشار إلى أبي موسى الأشعري . وكانوا من اليمن . [27]
ومن أهل اليمن فقد قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتاكم أهل اليمن ، هم أرق أفئدة ، وألين قلوباً ، الإيمان يمان ، والحكمة يمانية ) [28]
فهؤلاء الذين تحققنا من أنهم الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وصفهم الله عز وجل بأربع صفات :
1ـ ( أذلة على المؤمنين) .
2ـ ( أعزة على الكافرين ) .
3ـ ( يجاهدون في سبيل الله ) .
4ـ ( ولا يخافون لومة لائم ) .
ثم أخبر سبحانه أن هذه الصفات محض فضل من الله تبارك وتعالى ، فقال : ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) فالله سبحانه وتعالى جعل من أسباب حبه لعباده هذه الصفات الأربع ، فيجب على المؤمنين أن يسعوا في تحقيقها قدر
ما استطاعوا ، لينالوا رضى الله وحبه سبحانه وتعالى .
قال العلامة الشوكاني : والمراد بالقوم الذين وعد الله سبحانه وتعالى بالإتيان بهم : هم أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ وجيشه من الصحابة والتابعين الذين قاتل بهم أهل الردة ، ثم كل من جاء بعدهم من المقاتلين للمرتدين في جميع الزمن ، ثم وصف الله سبحانه وتعالى هؤلاء القوم بهذه الأوصاف العظيمة ، المشتملة على غاية المدح ونهاية الثناء ، مع كونهم يحبون الله ، وهو يحبهم ، ومن كونهم ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) .. أي يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين ، ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين ، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله ، وعدم خوف الملامة في الدين ، بل هم متصلون لا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان من الإزراء بأهل الدين، وقلب محاسنهم مساوئ ، ومناقبهم مثالب ، حسداً وبغضاً وكراهة للحق وأهله . [29]
يقول الله سبحانه وتعالى ( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ) [30]
يقول الإمام المبجل إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( قل) يامحمد ( الحمد لله ) على نعمه علينا ، وتوفيقه إيانا لما وفقنا من الهداية ( وسلام ) يقول : وأمنة منه من عقابه الذي عاقب به قوم لوط ، وقوم صالح ، على الذين اصطفاهم ، يقول: الذين اجتباهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، فجعلهم أصحابه ووزراءه على الدين الذي بعثه بالدعاء إليه ، دون المشركين به ، الجاحدين نبوة نبيه .
وروي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : ( وسلام على عباده الذين اصطفى ) أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اصطفاهم لنبيه . وبه قال سفيان الثوري . [31]
قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : إن الله تعالى نظر في قلوب العباد ، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد ، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد ـ بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم ـ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد ، فجعلهم وزراء نبيه ، يقاتلون على دينه ، فما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن ، وما رأوه سيئاً ، فهو عند الله سيئ . [32]
قال الله تعالى ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ) [33]
يقول الإمام ابن جرير : وتسكن قلوبهم وتستأنس بذكر الله ، وروي عن قتادة قوله : سكنت إلى ذكر الله واستأنست به . ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) : ألا بذكر الله تسكن وتستأنس قلوب المؤمنين ، وقيل : إنه عني بذلك قلوب المؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . [34]
( وتطمئن قلوبهم بذكر الله ) أي تطمئن قلوبهم على الدوام بذكر الله بألسنتهم ، كما قاله قتادة. وروي عن قتادة أيضاً ومجاهد : أي بالقرآن . وقال سفيان بن عيينة : بأمره . وقال مقاتل: بوعده. قال ابن عباس : الحلف باسمه .
قال مجاهد : هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . [35]
قال الله سبحانه وتعالى : ( محمد رسول الله والذين آمنوا معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الأنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما).[36]
يخبر تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسوله حقاً بلا شك ولا ريب ، فقال: (محمد رسول الله ) وهو مشتمل على كل وصف جميل ، ثم ثنى بالثناء على أصحابه فقال: ( والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) كما قال : ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) [37]. وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديداً عنيفاً في وجه الكافر ، ضحوكاً بشوشاً في وجه أخيه المؤمن ، كما قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة)[38] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الحسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).[39]
وقوله ( تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلاً من الله ورضوانا ) وصفهم بكثرة العمل ، وكثرة الصلاة ، وهي خير الأعمال ، ووصفهم بالإخلاص فيها لله عز وجل ، والاحتساب عند الله جزيل الثواب ، وهو الجنة المشتملة على فضل الله ، وهو سعة الرزق عليهم ، ورضاه تعالى عنهم ، وهو أكبر من الأول ، كما قال : ( ورضوان من الله أكبر) [40] . وقوله ( سيماهم في وجوههم ) قال ابن عباس : يعني السمت الحسن . وقال مجاهد : يعني الخشوع والتواضع . قال السدي : الصلاة تحسن وجوههم . قال بعض السلف : من كثرة صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار .
وهذه الأمة معظمة في الكتب السابقة ، وأعظمهم وأفضلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد نوه الله بذكرهم في الكتب المنزلة ، والأخبار المتداولة ، لذا قال: ( ذلك مثلهم في التوراة ) ثم قال ( ومثلهم في الأنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه ) وأخرج شطأه : أي فراخه . ( فآزره ) أي شده .
( فاستغلظ ) أي شب وطال . (فاستوى على سوقه يعجب الزراع ) أي فكذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم آزروه وأيدوه ونصروه ، فهم معه كالشطء مع الزرع . [41] يقول ابن جرير : محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله ، وأتباعه من أصحابه الذين هم معه على دينه ، أشداء على الكفار غليظة عليم قلوبهم ، قليلة بهم رحمتهم (رحماء بينهم ) رقيقة قلوب بعضهم لبعض ، لينة أنفسهم له ، هينة .
( تراهم ركعا سجدا) تراهم ركعا أحيانا لله في صلاتهم ، سُجدا ً أحيانا ً ( يبتغون فضلاً من الله ) أين يلتمسون بركوعهم وسجودهم وشدتهم على الكفار ورحمة بعضهم بعضاً فضلاً من الله ، وذلك رحمته إياهم ، بأن يتفضل عليهم ويدخلهم الجنة ويرضى عنهم . ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) أي علامتهم في وجوههم من أثر السجود في صلاتهم ( ذلك مثلهم في التوراة ) يقول : هذه الصفة التي وصفت لكم من صفة اتباع محمد صلى الله عليه وسلم الذين معه صفتهم في التوراة .
( ومثلهم في الأنجيل كزرع أخرج شطأه ) يقول : وصفتهم في انجيل عيسى صفة زرع أخرج شطأه : وهو فراخه ، وإنما مثلهم بالزرع المشطئ ، لأنهم ابتدءوا في الدخول في الإسلام ، وهم عدد قليلون ، ثم جعلوا يتزايدون ، ويدخل فيه الجماعة بعدهم ، ثم الجماعة بعد الجماعة ، حتى كثر عددهم ، كما يحدث في أصل الزرع الفرخ منه ، ثم الفرخ بعده ، حتى يكثر وينمى . ( فآزره ) يقول : فقواه : أي قوى الزرع شطؤه وأعانه ، وهو من المؤازرة التي بمعنى المعاونة . ( فاستغلظ ) يقول : فغلظ الزرع ( فاستوى على سوقه) والسوق جمع ساق ، وساق الزرع والشجر حاملته. ( يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ) يعجب الزراع الذي استغلظ فاستوى على سوقه في تمامه وحسن نباته وبلوغه وانتهائه الذين زرعوه ( ليغيظ بهم الكفار ) فدل ذلك على متروك من الكلام ، وهو أن الله تعالى فعل ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليغيظ بهم الكفار . [42]
وقوله ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) في وصفهم بالرحمة بعد وصفهم بالشدة تكميل واحتراس ، فإنه لو اكتفى بالوصف الأول لربما توهم أن مفهوم القيد غير معتبر ، فيتوهم الفضاضة والغلظة مطلقاً ، فدفع بارداف الوصف الثاني ، ومآل ذلك أنهم مع كونهم أشداء على الأعداء ، رحماء على الإخوان . [43]
قال العلامة عبد الرحمن السعدي : قوله تعالى ( ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ) كذلك الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ هم كالزرع في نفعهم للخلق واحتياج الناس إليهم ، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع وسوقه ، وكون الصغير والمتأخر إسلامه قد لحق الكبير السابق ووازره وعاونه على ما هو عليه ، من إقامة دين الله والدعوة إليه ، كالزرع الذي أخرج شطأه ، فآزره فاستغلظ ، ولهذا قال : ( ليغيظ بهم الكفار ) حين يرون اجتماعهم ، وشدتهم على دينهم ، وحين يتصادمون هم وهم في معارك النزال ، ومعامع القتال . فالصحابة ـ رضي الله عنهم ـ الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح ، وقد جمع الله لهم ما بين المغفرة التي من لوازمها وقاية شرور الدنيا والآخرة ، والأجر العظيم في الدنيا والآخرة . [44]
وهذه الآية قد اشتملت على مثلين عظيمين في الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ :
أما المثل الأول : فهو من قوله : ( محمد رسول الله والذين معه .. ) إلى قوله ( ذلك مثلهم في التوراة ) .
وأما المثل الثاني : فمن قوله : ( ومثلهم في الإنجيل كزرع .. ) إلى قوله ( ليغيظ بهم الكفار)
1ـ المثل الأول : فقد اشتمل على عدة أوصاف :
الوصف الأول : ( أشداء على الكفار ) .
الوصف الثاني : ( رحماء بينهم ) .
الوصف الثالث: ( تراهم ركعا سجدا ).
الوصف الرابع : ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) .
2ـ المثل الثاني : فقد برزت فيه أركان المثل دون خفاء ولا حذف:
أما المشبه به : الهيئة الحاصلة من زرع أخرج شطأه ونما وترعرع حتى اشتد واستحكمت قوته ، وبلغ نضجه وكماله وراق حسن منظره .
وأما المشبه: الهيئة الحاصلة من صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث ابتدءوا الدخول في الإسلام ، وهم عدد قليلون ، ثم جعلوا يتزايدون ويكثرون بسبب نماء الإيمان في قلوبهم .
أما وجه الشبه : الهيئة المنتزعة من شيء صغير في أوله ، فنما ونما حتى بلغ غاية كماله ، وأعجب أصحابه بحسنه وتمامه ، وغاظ أعداءه من قوته .
أما الفائدة من المثلين :
1ـ التنويه بشأن الصحابة .
2ـ الحث على الاقتداء بهم .
3ـ أن الصحابة نصروا دين الله وعزوه وقاموا به . [45] [46].
قال الله سبحانه وتعالى : ( كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة )[47]
( كلا إنها تذكرة ) إي القرآن . ( بأيدي سفرة ) قال وهب بن منبه: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال قتادة : هم القراء .
( كرام بررة) أي : خُلـُقُهم كريم حسن شريف ، وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة. ومن ها هنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد.[48]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرؤه وهو شاق عليه فله أجران ). [49]
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ الفتح 29
[2] ـ البقرة 121.
[3] ـ البقرة 143.
[4] ـ آل عمران 110
[5] ـ أخرجه البخاري ، كتاب الرقاق ، باب التواضع ، (545/6501)
[6] ـ البقرة 257
[7] ـ التوبة 71.
[8] ـ المائدة 56
[9] ـ العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز الحنفي الدمشقي (2/689).
[10] ـ البقرة 121
[11] ـ تفسير ابن جرير جامع البيان (1/519).
[12] ـ أورده ابن كثير في التفسير (1/407) وعزاه إلى ابن أبي حاتم .
[13] ـ ابن جرير(1/521).
[14] ـ المرجع السابق ، والجزء ذاته ، والصفحة ذاتها . وانظر زاد المسير لابن الجوزي (1/121).
[15] ـ تفسير البغوي معالم التنزيل (1/99).
[16] ـ البقرة 143
[17] ـ تفسير ابن جرير ( 2/6).
[18] ـ رواها ابن جرير في تفسيره (2/7)
[19] ـ أخرجه البخاري ، باب قوله ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة وهم أهل العلم ( 611/7349) وأخرجه الترمذي في التفسير ( 1949/2961)وابن ماجه في سننه ، كتاب الزهد ، باب صفة محمد وأمته (2737/4284)
[20] ـ أخرجه الحاكم في المستدرك ( 2/268).
[21] ـ أخرجه البخاري في الجنائز ، باب ثناء الناس على الميت ، (170/1367) ورواه الترمذي في الجنائز، باب ما جاء في الثناء الحسن على الميت (1753/1059).
[22] ـ المائدة : 54
[23] ـ تفسير ابن جرير( 6/282).
[24] ـ حكى هذه الأقوال ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير ( 2/226),
[25] ـ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط برقم ( 3312) وقال الحافظ ابن كثير عن هذا الحديث في تفسيره ( 3/136) : وهذا حديث غريب جدا ً . وقال أبوحاتم عن هذا الحديث : هذا حديث باطل .العلل لابنه عبد الرحمن ( 2/95).
[26] ـ أورده البغوي في تفسيره عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ ( 1/689).
[27] ـ أخرجه الحاكم في المستدرك (2/313).وصححه على شرط مسلم , وأخرجه ابن أبي شيبة ( 12/123)
[28] ـ أخرجه البخاري ، كتاب المغازي ، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن ( 359/4388) وأخرجه مسلم في الإيمان ( 689/52) مثله سواء ، وزاد فيه ( والفقه يمان ) بعد قوله ( والإيمان يمان ) .
[29] ـ فتح القدير للشوكاني ( 2/72).
[30] ـ النمل 59.
[31] ـ تفسير ابن جرير جامع البيان ( 20/2).
[32] ـ أخرجه الإمام أحمد في المسند ( 1/379).، وأخرجه في فضائل الصحابة برقم ( 541) وأخرجه الحاكم وصححه ( 3/78).
[33] ـ الرعد 28.
[34] ـ تفسير ابن جرير ( 13/145).
[35] ـ تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن ( 19/375).
[36] ـ الفتح 29.
[37] ـ المائدة 54
[38] ـ التوبة 123
[39] ـ أخرجه البخاري ، كتاب الأدب ، باب رحمة الناس والبهائم (509/1011) ، وأخرجه مسلم ، كتاب البر، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (1130/2586) كلاهما من حيث النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ .
[40] ـ التوبة 72
[41] ـ انظر تفسير ابن كثير ( 7/360-362) مع تصرف.
[42] ـ تفسير ابن جرير الطبري ( 26/109- 115).
[43] ـ تفسير الألوسي روح المعاني والسبع المثاني ( 26/123).
[44] ـ تفسير السعدي تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ( 795- 796).
[45] ـ الأمثال في القرآن الكريم للشريف منصور العبدلي 153- 162
[46] ـ قال ابن كثير : وقد انتزع الإمام مالك في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ، قال : لأنهم يغيظونهم ، ومن غاظ الصحابة فهو كافر ،فهو كافر لهذه الآية . ووافقه طائفة من العلماء على ذلك . انظر التفسير(7/362) وقال القرطبي في فوائد هذه الآية: فالصحابة كلهم عدول ، أولياء الله تعالى وأصفياؤه ، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله ، هذا مذهب أهل السنة , والذي عليه الجماعة ، وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم . تفسير القرطبي ( 16/299).
[47] ـ عبس 11ـ 16.
[48] ـ تفسير ابن كثير( 8/321)، وزاد المسير لابن الجوزي ( 8/202) وقد ألف النووي رسالة عظيمة في هذا الباب اسمها : التبيان في آداب حملة القرآن .
[49] ـ أخرجه البخاري ، كتاب التفسير ، باب سورة عبس ( 425/4937) وأخرجه مسلم ، كتاب فضائل القرآن ومايتعلق به ، باب فضل الماهر بالقرآن والذي يتعتع به ( 803/798) ، وأخرجه أبو داود ، كتاب الوتر ، باب ثواب قراءة القرآن (1331/1454) ، وأخرجه الترمذي ، كتاب فضائل القرآن ، باب فضل قارئ القرآن (1943/2904)، وأخرجه أحمد في المسند (6/48).
الصحابة شأنهم عظيم ، فقد استفاضت النصوص في بيان فضلهم ومنزلتهم عند رب العالمين ، فأثنى عليهم ا لقرآن الكريم ، وامتدح صفاتهم ، وبين صدقهم ، ورفع منزلتهم ، فهم أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين .
فنجد القرآن تارة يصفهم بالصدق وذلك عند الإيمان ، وتارة يصفهم بالإخلاص وذلك عند العمل ، وتارة يصفهم بالمتابعة وذلك عند مؤازرتهم لخاتم المرسلين محمد
صلى الله عليه وسلم وعلى آلـه وصحبه أجمعين .
وضرب القرآن بهم الأمثال ، فقال الله سبحانه وتعالى : (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الأنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فأستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراغ ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما)[1]
وقد بين لنا القرآن حرصهم على كتاب الله ، فقال الله سبحانه : (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر فأولئك هم الخاسرون )[2]
ووصفهم الله بأحسن صفة ، ألا وهي حرصهم الشديد على اتباع هذا الدين والتقيد به، وهي الوسطية التي ذكرها الله فيهم في قوله :(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)[3]
هذا وقد وعدهم الله بالجنة والنعيم ، ووعدهم بالرحمة الإحسان ، ولاغرو فهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده ، ونصحوا غاية النصح لهذا الدين ، وبينوه وحملوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقلوه إلينا كما تحملوه ، قال تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله )[4].
فجدير بالمسلم أن يعادي من عاداهم ، ويوالي من والاهم ، فهم أولياء الله ، وقد جاء في الحديث القدسي : ( من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة )[5]
وقال الله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا)[6]وقال: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)[7] وقال الله تعالى:(إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . ومن يتول الله ورسوله فإن حزب الله هم الغالبون )[8]
وقد اشتهرت مقولة الإمام أبو جعفر الطحاوي في عقيدته المباركة المشهورة ، قال رحمه الله : ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نُفْرط في حب أحد منهم ، ولا نتبرأ من أحد منهم ، ونبغض من يبغظهم ، وبغير الحق يذكرهم . ولا نذكرهم إلا بخير ، وحبهم دين وإيمان وإحسان ، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان . [9]
وقد اخترت مجموعة من الآيات في فضائل الصحابة الكرام ، وسأفصل القول فيها بإذن الله تعالى .
قال الله سبحانه وتعالى : (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر فألئك هم الخاسرون ). [10]
قال الإمام ابن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ : قوله (الذين آتيناهم الكتاب)قال بعضهم: هم المؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به من أصحابه .
قال قتادة : هؤلاء أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم آمنوا بكتاب الله وصدقوا به .
وقوله :(يتلونه حق تلاوته): يتبعونه حق اتباعه ، قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ يتبعونه حق اتباعه . وروي عنه من وجه آخر ، قال: يحلون حلاله ، ويحرمون حرامه ، ولا يحرفونه .
قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله ، ولا يحرف الكلم عن مواضعه ، ولا يتأول منه شيئاً على غير تأويله . [11]
وعن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال : ( يتلونه حق تلاوته) قال : إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة ، وإذا مر بذكر النار تعوذ من النار . [12]
أما قوله ( حق تلاوته ) فمبالغة في صفة اتباعهم الكتاب ، ولزومهم العمل ، كما يقال: إن فلاناً لفاضل كل فاضل ، لعالم حق عالم .[13]
(أولئك يؤمنون به ) الإشارة إلى البعيد ، والهاء في ( به ) عائدة على :
إما الكتاب ، أو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . [14]
وقيل إن الآية نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وكانوا أربعين رجلا ً : اثنان وثلاثون من الحبشة ، وثمانية من رهبان الشام، منهم بحيرا .[15]
قال الله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) [16]
قال الإمام ابن جرير : يعني جل ثناؤه بقوله ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا) كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاءكم به من عند الله ، فخصصناكم بالتوفيق لقبلة ابراهم وملته ، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل ، كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان ، بأن جعلناكم أمة وسطا ... وقد بينا أن الأمة هي القرن من الناس ، والصنف منهم ، وغيرهم ، وأما الوسط فإنه في كلام العرب الخيار ... وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين ، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلو بالترهيب ، وقيلهم في عيسى ما قالوا ، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله ، وقتلوا أنبياءهم ، وكذبوا على ربهم ، وكفروا به ، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه ، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها . [17]
قوله : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) جاء تفسيرها : وكذلك جعلناكم أمة عدولا .جاء هذا عن جمع من السلف من الصحابة ، منهم : أبي سعيد الخدري ، وابن عباس .
وجاء عن جماعة من التابعين ، منهم : مجاهد ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، وعطاء ابن أبي رباح ، وعبدالله بن كثير. [18]
وجاء هذا التفسير أيضاً مرفوعا ، وهو العمدة .
روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( يجاء بنوح يوم القيامة ، فيقال له : هل بلغت ؟ فيقول : نعم يارب . فتسأل أمته : هل بلغكم ؟ فيقولون : ما جاءنا من نذير. فيقول : من شهودك ؟ فيقول : محمد وأمته . فيجاء بكم فتشهدون ) ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال : عدلاً ( لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) [19]
وقوله ( لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) قال ابن جرير :
وكذلك جعلناكم أمة وسطاً عدولا شهداً لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ أنها قد بلغت ما أمرت به وبما جاءكم به من عندي .
وعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال : شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة في بني سلمة ، وكنت إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم : والله يا سول الله لنعم المرء كان ، لقد كان عفيفا ً مسلما .. وأثنوا عليه خيراً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنت بما تقول) فقال الرجل : الله أعلم بالسرائر ، فأما الذي بدا لنا منه فذاك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( وجبت ) .
ثم شهد جنازة في بني حارثة وكنت إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : يارسول الله : بئس المرء كان ، إن كان لفظاً غليظاً ، فأثنوا عليه شراً . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وجبت ) . قال مصعب بن ثابت : فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قرأ ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم شهيدا ) [20]
أما في رواية البخاري : فقال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ : ما وجبت ؟ فقال : ( هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة ، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار ، أنتم شهداء الله في الأرض ) [21]
قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) [22]
قال الإمام ابن جرير الطبري: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله ( يا أيها الذين آمنوا ) أي : صدقوا الله ورسوله ، وأقروا بما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ( من يرتد منكم عن دينه ) يقول من يرجع منكم عن دينه الحق الذي هو عليه اليوم ، فيبدله ويغيره بدخوله في الكفر ، إما في اليهودية أو النصرانية ، أو غير ذلك من صنوف الكفر ، فلن يضر الله شيئاً ، وسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه . يقول : فسوف يجيء الله بدلا منهم المؤمنين الذين لم يبدلوا ولم يغيروا ولم يرتدوا ، بقوم خير من الذين ارتدوا وبدلوا دينهم ، يحبهم ويحبون الله ب، وكان هذا الوعيد لمن سبق في علمه أنه سيرتد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك وعده في هذه الآية لمن سبق له في علمه أنه لا يبدل ولا يغير دينه ، ولا يرتد ، فلما قضى الله بنبيه صلى الله عليه وسلم ، ارتد أقوام .. فأبدل الله المؤمنين بخير منهم ، كما قال تعالى ذكره ، ووفى المؤمنين بوعده ، وأنفذ فيمن ارتد منهم وعيده [23]
وفي المراد بقوله ( فسوف يأتي الله بقوم بحبهم ويحبونه ) أقوال ستة
1ـ أنها في أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة . وهذا قول : علي ، وقتادة ، والضحاك بن مزاحم .
2ـ أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ . وحكي هذا القول عن الحسن بن علي .
3ـ أنهم قوم أبي موسى الأشعري ، وروي هذا مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم .
4ـ أنهم أهل اليمن . رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد .
5ـ أنهم الأنصار . قاله السدي .
6ـ المهاجرون والأنصار . [24]
وعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) قال : هؤلاء قوم من أهل اليمن ، ثم من كنده ، ثم من السـكون ، ثم من تجيب ) [25]
قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب، واشرأب النفاق ، ونزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها .[26]
ولذا اشتهرت مقولة عن جماعة من السلف ، وهي : لقد نصر الله هذا الدين بأبي بكر يوم الردة ، وأحمد بن حنبل يوم المحنة ، وعمر بن عبد العزيز يوم المظالم . وقد أطال المفسرون تحت هذه الآية في الكلام عن الردة وأحداثها ، قد تركتها تجنباً للإطالة .
أما على قول من قال إنهم قوم أبي موسى الأشعري فلما روي عن عياض بن غنم الأشعري قال : لما نزلت هذه الآية (فسوف يأتي الله بقوم بحبهم ويحبونه ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هم قوم هذا ) وأشار إلى أبي موسى الأشعري . وكانوا من اليمن . [27]
ومن أهل اليمن فقد قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتاكم أهل اليمن ، هم أرق أفئدة ، وألين قلوباً ، الإيمان يمان ، والحكمة يمانية ) [28]
فهؤلاء الذين تحققنا من أنهم الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وصفهم الله عز وجل بأربع صفات :
1ـ ( أذلة على المؤمنين) .
2ـ ( أعزة على الكافرين ) .
3ـ ( يجاهدون في سبيل الله ) .
4ـ ( ولا يخافون لومة لائم ) .
ثم أخبر سبحانه أن هذه الصفات محض فضل من الله تبارك وتعالى ، فقال : ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) فالله سبحانه وتعالى جعل من أسباب حبه لعباده هذه الصفات الأربع ، فيجب على المؤمنين أن يسعوا في تحقيقها قدر
ما استطاعوا ، لينالوا رضى الله وحبه سبحانه وتعالى .
قال العلامة الشوكاني : والمراد بالقوم الذين وعد الله سبحانه وتعالى بالإتيان بهم : هم أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ وجيشه من الصحابة والتابعين الذين قاتل بهم أهل الردة ، ثم كل من جاء بعدهم من المقاتلين للمرتدين في جميع الزمن ، ثم وصف الله سبحانه وتعالى هؤلاء القوم بهذه الأوصاف العظيمة ، المشتملة على غاية المدح ونهاية الثناء ، مع كونهم يحبون الله ، وهو يحبهم ، ومن كونهم ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) .. أي يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين ، ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين ، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله ، وعدم خوف الملامة في الدين ، بل هم متصلون لا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان من الإزراء بأهل الدين، وقلب محاسنهم مساوئ ، ومناقبهم مثالب ، حسداً وبغضاً وكراهة للحق وأهله . [29]
يقول الله سبحانه وتعالى ( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ) [30]
يقول الإمام المبجل إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( قل) يامحمد ( الحمد لله ) على نعمه علينا ، وتوفيقه إيانا لما وفقنا من الهداية ( وسلام ) يقول : وأمنة منه من عقابه الذي عاقب به قوم لوط ، وقوم صالح ، على الذين اصطفاهم ، يقول: الذين اجتباهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، فجعلهم أصحابه ووزراءه على الدين الذي بعثه بالدعاء إليه ، دون المشركين به ، الجاحدين نبوة نبيه .
وروي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : ( وسلام على عباده الذين اصطفى ) أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اصطفاهم لنبيه . وبه قال سفيان الثوري . [31]
قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : إن الله تعالى نظر في قلوب العباد ، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد ، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد ـ بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم ـ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد ، فجعلهم وزراء نبيه ، يقاتلون على دينه ، فما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن ، وما رأوه سيئاً ، فهو عند الله سيئ . [32]
قال الله تعالى ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ) [33]
يقول الإمام ابن جرير : وتسكن قلوبهم وتستأنس بذكر الله ، وروي عن قتادة قوله : سكنت إلى ذكر الله واستأنست به . ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) : ألا بذكر الله تسكن وتستأنس قلوب المؤمنين ، وقيل : إنه عني بذلك قلوب المؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . [34]
( وتطمئن قلوبهم بذكر الله ) أي تطمئن قلوبهم على الدوام بذكر الله بألسنتهم ، كما قاله قتادة. وروي عن قتادة أيضاً ومجاهد : أي بالقرآن . وقال سفيان بن عيينة : بأمره . وقال مقاتل: بوعده. قال ابن عباس : الحلف باسمه .
قال مجاهد : هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . [35]
قال الله سبحانه وتعالى : ( محمد رسول الله والذين آمنوا معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الأنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما).[36]
يخبر تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسوله حقاً بلا شك ولا ريب ، فقال: (محمد رسول الله ) وهو مشتمل على كل وصف جميل ، ثم ثنى بالثناء على أصحابه فقال: ( والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) كما قال : ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) [37]. وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديداً عنيفاً في وجه الكافر ، ضحوكاً بشوشاً في وجه أخيه المؤمن ، كما قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة)[38] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الحسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).[39]
وقوله ( تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلاً من الله ورضوانا ) وصفهم بكثرة العمل ، وكثرة الصلاة ، وهي خير الأعمال ، ووصفهم بالإخلاص فيها لله عز وجل ، والاحتساب عند الله جزيل الثواب ، وهو الجنة المشتملة على فضل الله ، وهو سعة الرزق عليهم ، ورضاه تعالى عنهم ، وهو أكبر من الأول ، كما قال : ( ورضوان من الله أكبر) [40] . وقوله ( سيماهم في وجوههم ) قال ابن عباس : يعني السمت الحسن . وقال مجاهد : يعني الخشوع والتواضع . قال السدي : الصلاة تحسن وجوههم . قال بعض السلف : من كثرة صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار .
وهذه الأمة معظمة في الكتب السابقة ، وأعظمهم وأفضلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد نوه الله بذكرهم في الكتب المنزلة ، والأخبار المتداولة ، لذا قال: ( ذلك مثلهم في التوراة ) ثم قال ( ومثلهم في الأنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه ) وأخرج شطأه : أي فراخه . ( فآزره ) أي شده .
( فاستغلظ ) أي شب وطال . (فاستوى على سوقه يعجب الزراع ) أي فكذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم آزروه وأيدوه ونصروه ، فهم معه كالشطء مع الزرع . [41] يقول ابن جرير : محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله ، وأتباعه من أصحابه الذين هم معه على دينه ، أشداء على الكفار غليظة عليم قلوبهم ، قليلة بهم رحمتهم (رحماء بينهم ) رقيقة قلوب بعضهم لبعض ، لينة أنفسهم له ، هينة .
( تراهم ركعا سجدا) تراهم ركعا أحيانا لله في صلاتهم ، سُجدا ً أحيانا ً ( يبتغون فضلاً من الله ) أين يلتمسون بركوعهم وسجودهم وشدتهم على الكفار ورحمة بعضهم بعضاً فضلاً من الله ، وذلك رحمته إياهم ، بأن يتفضل عليهم ويدخلهم الجنة ويرضى عنهم . ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) أي علامتهم في وجوههم من أثر السجود في صلاتهم ( ذلك مثلهم في التوراة ) يقول : هذه الصفة التي وصفت لكم من صفة اتباع محمد صلى الله عليه وسلم الذين معه صفتهم في التوراة .
( ومثلهم في الأنجيل كزرع أخرج شطأه ) يقول : وصفتهم في انجيل عيسى صفة زرع أخرج شطأه : وهو فراخه ، وإنما مثلهم بالزرع المشطئ ، لأنهم ابتدءوا في الدخول في الإسلام ، وهم عدد قليلون ، ثم جعلوا يتزايدون ، ويدخل فيه الجماعة بعدهم ، ثم الجماعة بعد الجماعة ، حتى كثر عددهم ، كما يحدث في أصل الزرع الفرخ منه ، ثم الفرخ بعده ، حتى يكثر وينمى . ( فآزره ) يقول : فقواه : أي قوى الزرع شطؤه وأعانه ، وهو من المؤازرة التي بمعنى المعاونة . ( فاستغلظ ) يقول : فغلظ الزرع ( فاستوى على سوقه) والسوق جمع ساق ، وساق الزرع والشجر حاملته. ( يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ) يعجب الزراع الذي استغلظ فاستوى على سوقه في تمامه وحسن نباته وبلوغه وانتهائه الذين زرعوه ( ليغيظ بهم الكفار ) فدل ذلك على متروك من الكلام ، وهو أن الله تعالى فعل ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليغيظ بهم الكفار . [42]
وقوله ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) في وصفهم بالرحمة بعد وصفهم بالشدة تكميل واحتراس ، فإنه لو اكتفى بالوصف الأول لربما توهم أن مفهوم القيد غير معتبر ، فيتوهم الفضاضة والغلظة مطلقاً ، فدفع بارداف الوصف الثاني ، ومآل ذلك أنهم مع كونهم أشداء على الأعداء ، رحماء على الإخوان . [43]
قال العلامة عبد الرحمن السعدي : قوله تعالى ( ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ) كذلك الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ هم كالزرع في نفعهم للخلق واحتياج الناس إليهم ، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع وسوقه ، وكون الصغير والمتأخر إسلامه قد لحق الكبير السابق ووازره وعاونه على ما هو عليه ، من إقامة دين الله والدعوة إليه ، كالزرع الذي أخرج شطأه ، فآزره فاستغلظ ، ولهذا قال : ( ليغيظ بهم الكفار ) حين يرون اجتماعهم ، وشدتهم على دينهم ، وحين يتصادمون هم وهم في معارك النزال ، ومعامع القتال . فالصحابة ـ رضي الله عنهم ـ الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح ، وقد جمع الله لهم ما بين المغفرة التي من لوازمها وقاية شرور الدنيا والآخرة ، والأجر العظيم في الدنيا والآخرة . [44]
وهذه الآية قد اشتملت على مثلين عظيمين في الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ :
أما المثل الأول : فهو من قوله : ( محمد رسول الله والذين معه .. ) إلى قوله ( ذلك مثلهم في التوراة ) .
وأما المثل الثاني : فمن قوله : ( ومثلهم في الإنجيل كزرع .. ) إلى قوله ( ليغيظ بهم الكفار)
1ـ المثل الأول : فقد اشتمل على عدة أوصاف :
الوصف الأول : ( أشداء على الكفار ) .
الوصف الثاني : ( رحماء بينهم ) .
الوصف الثالث: ( تراهم ركعا سجدا ).
الوصف الرابع : ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) .
2ـ المثل الثاني : فقد برزت فيه أركان المثل دون خفاء ولا حذف:
أما المشبه به : الهيئة الحاصلة من زرع أخرج شطأه ونما وترعرع حتى اشتد واستحكمت قوته ، وبلغ نضجه وكماله وراق حسن منظره .
وأما المشبه: الهيئة الحاصلة من صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث ابتدءوا الدخول في الإسلام ، وهم عدد قليلون ، ثم جعلوا يتزايدون ويكثرون بسبب نماء الإيمان في قلوبهم .
أما وجه الشبه : الهيئة المنتزعة من شيء صغير في أوله ، فنما ونما حتى بلغ غاية كماله ، وأعجب أصحابه بحسنه وتمامه ، وغاظ أعداءه من قوته .
أما الفائدة من المثلين :
1ـ التنويه بشأن الصحابة .
2ـ الحث على الاقتداء بهم .
3ـ أن الصحابة نصروا دين الله وعزوه وقاموا به . [45] [46].
قال الله سبحانه وتعالى : ( كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة )[47]
( كلا إنها تذكرة ) إي القرآن . ( بأيدي سفرة ) قال وهب بن منبه: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال قتادة : هم القراء .
( كرام بررة) أي : خُلـُقُهم كريم حسن شريف ، وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة. ومن ها هنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد.[48]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرؤه وهو شاق عليه فله أجران ). [49]
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ الفتح 29
[2] ـ البقرة 121.
[3] ـ البقرة 143.
[4] ـ آل عمران 110
[5] ـ أخرجه البخاري ، كتاب الرقاق ، باب التواضع ، (545/6501)
[6] ـ البقرة 257
[7] ـ التوبة 71.
[8] ـ المائدة 56
[9] ـ العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز الحنفي الدمشقي (2/689).
[10] ـ البقرة 121
[11] ـ تفسير ابن جرير جامع البيان (1/519).
[12] ـ أورده ابن كثير في التفسير (1/407) وعزاه إلى ابن أبي حاتم .
[13] ـ ابن جرير(1/521).
[14] ـ المرجع السابق ، والجزء ذاته ، والصفحة ذاتها . وانظر زاد المسير لابن الجوزي (1/121).
[15] ـ تفسير البغوي معالم التنزيل (1/99).
[16] ـ البقرة 143
[17] ـ تفسير ابن جرير ( 2/6).
[18] ـ رواها ابن جرير في تفسيره (2/7)
[19] ـ أخرجه البخاري ، باب قوله ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة وهم أهل العلم ( 611/7349) وأخرجه الترمذي في التفسير ( 1949/2961)وابن ماجه في سننه ، كتاب الزهد ، باب صفة محمد وأمته (2737/4284)
[20] ـ أخرجه الحاكم في المستدرك ( 2/268).
[21] ـ أخرجه البخاري في الجنائز ، باب ثناء الناس على الميت ، (170/1367) ورواه الترمذي في الجنائز، باب ما جاء في الثناء الحسن على الميت (1753/1059).
[22] ـ المائدة : 54
[23] ـ تفسير ابن جرير( 6/282).
[24] ـ حكى هذه الأقوال ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير ( 2/226),
[25] ـ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط برقم ( 3312) وقال الحافظ ابن كثير عن هذا الحديث في تفسيره ( 3/136) : وهذا حديث غريب جدا ً . وقال أبوحاتم عن هذا الحديث : هذا حديث باطل .العلل لابنه عبد الرحمن ( 2/95).
[26] ـ أورده البغوي في تفسيره عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ ( 1/689).
[27] ـ أخرجه الحاكم في المستدرك (2/313).وصححه على شرط مسلم , وأخرجه ابن أبي شيبة ( 12/123)
[28] ـ أخرجه البخاري ، كتاب المغازي ، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن ( 359/4388) وأخرجه مسلم في الإيمان ( 689/52) مثله سواء ، وزاد فيه ( والفقه يمان ) بعد قوله ( والإيمان يمان ) .
[29] ـ فتح القدير للشوكاني ( 2/72).
[30] ـ النمل 59.
[31] ـ تفسير ابن جرير جامع البيان ( 20/2).
[32] ـ أخرجه الإمام أحمد في المسند ( 1/379).، وأخرجه في فضائل الصحابة برقم ( 541) وأخرجه الحاكم وصححه ( 3/78).
[33] ـ الرعد 28.
[34] ـ تفسير ابن جرير ( 13/145).
[35] ـ تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن ( 19/375).
[36] ـ الفتح 29.
[37] ـ المائدة 54
[38] ـ التوبة 123
[39] ـ أخرجه البخاري ، كتاب الأدب ، باب رحمة الناس والبهائم (509/1011) ، وأخرجه مسلم ، كتاب البر، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (1130/2586) كلاهما من حيث النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ .
[40] ـ التوبة 72
[41] ـ انظر تفسير ابن كثير ( 7/360-362) مع تصرف.
[42] ـ تفسير ابن جرير الطبري ( 26/109- 115).
[43] ـ تفسير الألوسي روح المعاني والسبع المثاني ( 26/123).
[44] ـ تفسير السعدي تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ( 795- 796).
[45] ـ الأمثال في القرآن الكريم للشريف منصور العبدلي 153- 162
[46] ـ قال ابن كثير : وقد انتزع الإمام مالك في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ، قال : لأنهم يغيظونهم ، ومن غاظ الصحابة فهو كافر ،فهو كافر لهذه الآية . ووافقه طائفة من العلماء على ذلك . انظر التفسير(7/362) وقال القرطبي في فوائد هذه الآية: فالصحابة كلهم عدول ، أولياء الله تعالى وأصفياؤه ، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله ، هذا مذهب أهل السنة , والذي عليه الجماعة ، وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم . تفسير القرطبي ( 16/299).
[47] ـ عبس 11ـ 16.
[48] ـ تفسير ابن كثير( 8/321)، وزاد المسير لابن الجوزي ( 8/202) وقد ألف النووي رسالة عظيمة في هذا الباب اسمها : التبيان في آداب حملة القرآن .
[49] ـ أخرجه البخاري ، كتاب التفسير ، باب سورة عبس ( 425/4937) وأخرجه مسلم ، كتاب فضائل القرآن ومايتعلق به ، باب فضل الماهر بالقرآن والذي يتعتع به ( 803/798) ، وأخرجه أبو داود ، كتاب الوتر ، باب ثواب قراءة القرآن (1331/1454) ، وأخرجه الترمذي ، كتاب فضائل القرآن ، باب فضل قارئ القرآن (1943/2904)، وأخرجه أحمد في المسند (6/48).