نور الهدى
31-May-2010, 08:38 AM
د . أحمد بن صالح الزهراني
بسم الله :
كلما خرج خارج على الشريعة واستعلن زنديق بزندقته ومنافق بنفاقه وقام له من فرسان الشريعة وحماة الدين من يرد عليه باللغة الّتي لا يفهم هؤلاء الزعانف سواها : انبرى بعض الإخوة الكرام منكرين ومتحفظين ، وبعضهم مولولين : وهم على أقسام : فبعضهم يعترض على اللغة أصلاً وأنّها بذاءة ، وبعضهم يرى أنّها تصد هؤلاء عن الهداية وأنّه تشوّه صورة الدعاة ونحو ذلك من الكلام .
والبعض الآخر حجته أنّ الرد على هؤلاء إنّما يكون بالعلم والحكمة لا بالسب والشتم .
فأقول وبالله التوفيق :
المخالفون للحق الذين نرد عليهم ونتحاور معهم أصناف :
فمنهم الكفرة بكل أديانهم ومذاهبهم .
ومنهم أهل البدع والأهواء كالمعتزلة والأشعرية ونحوهما .
ومنهم أصحاب المذاهب الفكرية العاصرة كالعلمانية والليبرالية ونحوها .
ومنهم أصحاب المخالفات السلوكية الذين ينافحون عن مخالفاتهم .
وكلّ من هذه الأصناف أصحابها إمّا جاهل لا يعرف الحق أو يعرفه بصورة غير صحيحة لبعده عن ديار الإسلام أو لتلقيه ذلك في التعليم .
وإمّا أن يكون عالما بالحق وصله عن طريق صحيح بأن يكون ناشئاً في بيئة يتوافر فيها العلم والدين ، أو يكون قد تلقاه وتعلمه على يد متخصصين .
فالجاهل والمغرر به ومن لم يصله دين أو علم صحيح حقه التعليم والرفق به .
أمّا المصرّ الذي وصله العلم والدين بصورته الصحيحة أو كان قادرا عليه بلا تكلف ثم هو يتولى الدعوة للباطل المتفق عليه وتزيينه والترغيب فيه ، والتنفير عن الحق المتفق عليه وتشويهه والسخرية منه ومن أهله فهؤلاء هم رؤوس أهل الأهواء الّذين كانت سنّة السّلف فيهم واحدة وهي الحزم معهم والشدة .
أمّا العلماء فبكلامهم وردودهم ، وأمّا الولاة فبتعزيرهم وإقامة الحدود عليهم ، وأمّا العامّة فبهجرهم ومقاطعتهم ، وفي الشريعة للآجري عن حكيم بن عمير قال : قيل لعمر بن عبد العزيز : إنّ قوماً ينكرون من القدر شيئاً ، فقال عمر : « بيّنوا لهم ، وارفقوا بهم ، حتى يرجعوا » ، فقال قائل : « هيهات هيهات ، يا أمير المؤمنين ، لقد اتخذوه ديناً يدعون إليه الناس » ، ففزع لها عمر ، فقال : « أولئك أهل أن تُسلّ ألسنتهم من أقفيتهم سلاً ، هل طار ذباب بين السماء والأرض إلا بمقدار؟».
ولو أنّ طالبا للحق من إخواننا الذين ينكرون علينا هذا المسلك اطلع على كتب أئمّة السلف لوجد ما يتبين به الحق .
ومحور كلامنا عن أفراد من المثقفين الذين عاشوا في بلاد المسلمين وسمعوا الحق ومع هذا جندوا أقلامهم وألسنتهم في مقالة السوء التي تثير الفتنة دائما في دائرة المتفق عليه أي مواطن الإجماع والمقطوع به من أمور الشريعة .
فهؤلاء الّذين لم يتركوا شريعة محكمة إلاّ طعنوا فيها ولم يدعو سنّة إلاّ سخروا منها ، دون استناد إلى نقاش علمي ولا منطق فكري بل يجعل الواحد منهم هدفه أحد الثوابت ثمّ ينهال عليه شطبا وإلغاء وسخرية ولمزاً بأصحابه والدعاة إليه ، ولهذا خُذ مقالا مما رددنا عليه وحاول أن تجد فيه ما يُمكن أن يُسمى حوارا أو نقاشا أو علما أو حتى شبهة قوية فلا تجد من ذلك شيئا ، بل بضاعتهم بضاعة أسلافهم الّذين حكى الله عنهم في القرآن : {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم}.
ولهذا قتل النّبيّ صلى الله عليه وسلّم كعب بن الأشرف دون غيره من اليهود لأنّ كعبا كان صاحب أذى لفظي لم يكن صاحب إشكالات ، فكم هي المرات الّتي سأل اليهود فيها النّبيّ صلى الله عليه وسلّم وامتحنوه وعارضوه فلم يكن منه أيّ قسوة معهم ، أمّا كعب فلم تكن بضاعته إلاّ الهجاء والسخرية وسب النّبيّ صلى الله عليه وسلّم فكان تعامل النّبيّ صلى الله عليه وسلّم معه مختلفاً .
ومن العبر كذلك أنّ الشريعة تفرق بين الكافر الأصلي فتقره على دينه بينما تقتل المرتدّ ولا تقبل منه إلاّ الإسلام ، لأنّ الثاني عرف الحق واستبانت له الحجة .
كذلك فإنّ الإسلام يقبل من الكتابي الجزية ويبقى على دينه بينما على قول الجمهور لا يقبل من الوثني إلاّ الإسلام ، لأنّ الكتابي لديه شبهة حق وهو على شيء من دين سابق وإن كان منسوخاً ، أمّا الوثني فهو خال الوفاض ليس معه حجة ولا شبهة تستحق عذره على البقاء على الوثنية فلم يُقبل منه إلاّ الإسلام .
فمثلهم كذلك أهل الأهواء الذين لا يليق بهم في رأيي إلاّ الإقذاع والقسوة الّتي هي من جنس الجهاد والغلظة الّتي أمر الله بها في قوله : {يا أيها النّبيّ جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} .
فسبّهم وتعييرهم بما فيهم أو ضرب الأمثال لهم كلّ ذلك جائز ما دام ليس بهتانا ولا تعييرا بما ليس من كسبهم .
فلا يجوز سبهم وتناولهم بانتماء قبلي أو غير قبلي ولا بجنسياتهم ولا عرقياتهم ولا بألوانهم ولا بغناهم وفقرهم لأنّ هذا ليس من كسبهم ولا لهم فيه فعل .
أمّا القول للسارق يا سارق وللزاني الذي ثبت عليه يا زاني وللمرتشي يا مرتشي فهذا لا مانع منه شرعا : ولهذا تأمّل قوله صلى الله عليه وسلّم : « من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه » تأمل قوله : «وليس كذلك» أي أنّ التكفير والسبّ لم يكن له من الرجل محل ، أمّا إن كان أهلا له فلا مانع .
ومن اعترض على ذلك فهو في الحقيقة يعترض على منهج وطريقة سار عليها السلف منذ الصحابة وتبعهم عليها الأئمة إلى يومنا هذا وسأورد نماذج لهذا فيما بعد .
فالله تعالى في القرآن ضرب للمجرمين مثل السوء كقوله : {مثل الّذين حمّلوا التّوراة ثمّ لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا بئس مثل القوم الّذين كذّبوا بآيات اللّه واللّه لا يهدي القوم الظّالمين}
وقوله : {ولو شئنا لرفعناه بها ولـكنّه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذّلك مثل القوم الّذين كذّبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلّهم يتفكّرون} وقوله : {ولقد ذرأنا لجهنّم كثيرًا مّن الجنّ والإنس لهم قلوبٌ لاّ يفقهون بها ولهم أعينٌ لاّ يبصرون بها ولهم آذانٌ لاّ يسمعون بها أولـئك كالأنعام بل هم أضلّ أولـئك هم الغافلون}
والنّبيّ صلى الله عليه وسلّم يقول: (لعن الله اليهود والنصارى) . و (لعن الله السارق) و(لعن الله المصورين) وغير ذلك من النصوص .
بطبيعة الحال هذه نصوص عامة وإنّما وجه الاستدلال أنّ استعمال هذه الألفاظ ليس بذاءة ولا يخالف الإيمان إذا كانت في محلها .
والقذارة جزء من مكونات الحياة وهي موجودة ، وإنّما تُعاب إذا كانت في غير محلها ، فأنت لا تشمئز إذا مررت بالقذارات وهي في حاوية النقايات لأنّها في محلها اللائق بها ، إنّما تثور ثائرتك إذا وجدتها على الأرض أو وجدتها موضوعة في مكان تقدسه كالمسجد مثلا أو في مجلس الأضياف . ومن هذا المنطلق استعمل السلف تلك الألفاظ القاسية في المعينين الّذين هم أهل لها وهم محلّ لها كما الحاوية محلّ للنفايات ، كما سيأتي .
وأمّا قول البعض إنّ هذا يصدّ المردود عليه عن الهداية فأقول : ومن قال لك إنّ المقال هدفه هداية هذا الشخص المردود عليه وأمثاله ، بل أقول كما قال موسى : {ربّنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتّى يروا العذاب الأليم}، فالهدف من هذه الردود القاسية بيان خطورة ما هم عليه وجعلهم عبرة لكل من يرى ما ووجهوا به من قسوة ليعلم عظم الجناية الّتي جنوها على الأمّة في دينها ودنياها .
فالحفاظ على هيبة الدين وبقائه عزيزاً في قلوب الناس أولى من استمالة ثلة من المنافقين السابين لله ولدينه .
ويذكرني هذا بكلمة عظيمة لشيخ الإسلام في كتابه الصارم المسلول لما احتج بعض الفقهاء لعدم قتل الذمي الساب لرسول الله صلى الله عليه وسلّم بأنّه إذا أسلم يُترك تأليفا له ولغيره فقال شيخ الإسلام : « فإن الكلمة الواحدة من سب رسول الله لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار ، ولأَنْ يظهرَ دين الله ظهورا يمنع أحداً أن ينطق فيه بطعنٍ أحب الى الله ورسوله من ان يدخل فيه اقوام وهو منتهك مستهان » .
فحين يكون هدف الكاتب استمالة المخالف ووعظه فإنه لن يعدم حيلة ليكلمه أو يرسل له بأسلوب هين لين ، لكن حين يكون هدف المقال النهي عن منكر عظيم وبيان خطورته وتجريم صاحبه فليس من المناسب تلطيف الخطاب .
وممّا يؤيّد ما نحن فيه أنّ هؤلاء يندر فيهم التوبة أصلاً، فالغالب أنّ أهل الأهواء – وهم خير من العلمانيين والليبراليين ونحوهم - لا يتوبون بل يزيدهم الحق ضلالاً وغياً ، كما قال تعالى : {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفراً} ، ولهذا جاء في أصول اللالكائي عن سلام بن أبي مطيع ، قال : قال رجل لأيوب:« يا أبا بكر إن عمرو بن عبيد – وهو رأس المعتزلة- قد رجع عن رأيه ».قال : «إنه لم يرجع» . قال : « بلى يا أبا بكر ، إنه قد رجع » . قال أيوب : « إنه لم يرجع » ، ثلاث مرات ، « أما إنه لم يرجع » ، أما سمعت إلى قوله صلى الله عليه وسلّم : « يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه حتى يرجع السهم إلى فُوقِه » فقد أخذ أيوب من الحديث أنّ صاحب الهوى لا يعود ولا يُوفق ، والواقع يؤيد هذا فمتى سمعت مبتدعا أو صاحب هوى تاب إلى الله ورجع عما هو عليه إلاّ ما ندر .
ثمّ إني أقول : ما الذي يمنع أن يقوم من يخالف في هذا بكتابة المقالات اللطيفة والعلمية المؤصلة يردّ فيها على المخالف فيكون هو حجة على المخالف ، إذا كان يرى أنّ القسوة مع هؤلاء غير مشروع ، ليقم هو إذاً بالمشروع ، فإنّ وجود من يقسو ويسلك مسلك الشدة والغلظة ليس حجة للمخالف لأن يصر على ضلاله ولو لم يجد إلاّ القسوة ، فكيف إذا وجد من يتلطف بالخطاب معه ويبين له خطأه بالحجة والبرهان ، فهذه الأساليب كما ترى تتكامل ولا تتعارض كما يظن البعض فينشغل بإخوانه عن مخالفة أعداء الرسالات .
وأنا أتعجب من هؤلاء الإخوة الّذين يخجلون من مثل هذا الخطاب ويرون فيه عاراً على الخطاب الإسلامي ، فإنّ كلّ حججهم وتعليلاتهم يدخل فيها النص القرآني : فوصف أتباع الأديان الأخرى بالحمير والبهائم بذاءة وهو في النص القرآني : فماذا يقول هؤلاء لو سألهم يهودي فقال لهم إنّ الخطاب القرآني خطاب منفّر فهو يصفني وقومي بأنّنا كالحمير ؟!
وماذا عساهم يجيبون كتابياً يقول لهم : إنّ الخطاب النبوي خطاب منفّر فكيف أتبع رسولاً يلعنني ويلعن قومي فيقول : (لعن الله اليهود والنصارى) ؟!
وقد قرأت للمنتكس الغنامي في جريدة الوطن انتقادا لاستعمال القسوة في الرد وزعم أنّ هذا من البذاءة والبذاءة ليست من الإيمان ، والحقيقة أنّه في كل كلامه لا يكاد يخرج عن استدلال إخواننا ، والحجة بيننا فعل السلف وتطبيقهم للنصوص فهم أعلم بكتاب الله وسنة رسول الله .
فالنصوص العامة هي زاد أهل الأهواء التي يتدثرون بها في زعمهم الصلاح والإصلاح ، أمّا أهل السنة فكل نص له منزل ومنزلة :
مثال ذلك : النصوص التي تأمر باللين والرفق هي حق في بابها وموضعها ، فلا تضرب بها النصوص الأخرى الّتي فيها قسوة ومن أشهرها تشريع الحدود الشرعية وأنواع التعزيرات .
والنّبيّ صلى الله عليه وسلّم الذي أمر بالرفق واللين هو نفسه الذي قنت على رعل وذكوان وأحياء من العرب شهراً في صلاة الصبح .
بل قبل ذلك ما شرعه الله تعالى في القرآن في قوله : {واللّذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إنّ اللّه كان توّابًا رّحيمًا} قال أكثر العلماء : أي بالسبّ والتقريع .
فالسب والتقريع لما كان في محله ليس بذاءة مذمومة بل هو نوع من العقاب والتعزير ..
وهو هنا في مسألتنا داخل في الجهاد والإغلاظ الّذي أمرنا به تجاه المنافقين وأشباههم من أهل البدع والأهواء .
وهذا عمر بن الخطاب ماذا فعل بصبيغ العراقي ، فعن السائب بن يزيد وسليمان بن يسار : أنّ رجلاً من بني تميم يقال له : صبيغ ابن عسل ، قدم المدينة ، وكانت عنده كتب ، فجعل يسأل عن متشابه القرآن ، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فبعث إليه وقد أعد له عراجين النخل ، فقال : اللهم أمكِنّي منه ، فبينا عمر ذات يوم يغدّي الناس ، إذ جاءه رجل عليه ثياب وعمامة ، فتغدى حتى إذا فرغ قال : يا أمير المؤمنين ، {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا}، فقال عمر: أنت هو ؟ ، فقام إليه فحسَر عن ذِرَاعيه ، فلم يزل يجلِده حتّى سقطت عمامته ، فقال : حسبك يا أمير المؤمنين ، فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسي ، فقال : والّذي نفس عمر بيده ، لو وجدتك محلوقاَ ، لضربت رأسك ، ألبِسوه ثيابَه ، واحتَمِلوه على قتَب ، ثمّ أخرِجوه حتّى تقدُموا بهِ بِلاده ، ثم ليقُم : خطيباً ، ثم ليقُل : إنّ صبيغاً طلبَ العلمَ فأخطأه« ، فلم يزل وَضِيعاً في قومِه حتّى هلَك ، وكان سيّد قومه« ، والقصة مشهورة ولا أعلم ما هو رأي إخواننا في تصرف عمر هل كان منافياً لأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلّم بالرفق واللين ؟! وهل فعل عمر هنا من صدّ الناس عن الهداية ؟ ولماذا لم يناقشه عمر بالرفق واللين ويبين له الأدلة كما يطالبنا بعض الأصحاب مع من صبيغ بالنسبة لهم صِدّيق ؟
جاء في السنة للخلال (1/228) على لسان بعض أئمة السلف : »وليس ينبغي لأهل العلم والمعرفة بالله أن يكونوا كلما تكلم جاهل بجهله أن يجيبوه ويحاجوه ويناظروه فيشركوه في مأثمة ويخوضوا معه في بحر خطاياه ولو شاء عمربن الخطاب أن يناظر صبيغ ويجمع له أصحاب رسول الله حتى يناظروه ويحاجوه ويبينوا عليه لفعل ولكنه قمع جهله وأوجع ضربه ونفاه في جلده وتركه يتغصص بريقه وينقطع قلبه حسرة مطروداً منفياً مشرداً لا يكلم ولا يجالس ولا يشفا بالحجة والنظر بل تركه يختنق على حرته ولم يبلعه ريقه ومنع الناس من كلامه ومجالسته فهكذا حكم كل من شرع في دين الله بما لم يأذن به الله أن يخبر انه على بدعة وضلالة فيحذر منه وينهي عن كلامه ومجالسته«.
أمّا الإخوة الّذين يرون في هذا قسوة وبذاءة ومخالفة للشرع فإني أسوق لهم بعض ما جاء عن الأئمّة وهو كثير جداً وكلها مرويات في كتب العقيدة المسندة:
ففي صحيح مسلم عن سالم بن عبدالله أن عبدالله بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول « لا تمنعوا نسائكم المساجد إذا استأذنكم إليها » قال فقال بلال بن عبدالله « والله لنمنعهن » قال فأقبل عليه عبدالله فسبه سبا سيئاً ما سمعته سبّه مثله قط وقال : « أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وتقول والله لنمنعهن » فيالله العجب ماذا سيقول عبدالله بن عمر لو قرأ بعض مقالات بغال الليبرالية !
عن خالد ، قال : حدثني رجل ، قال : « رآني أبو قلابة ، وأنا مع عبد الكريم ، فقال : ما لك ولهذا الهزء الهزء ».
محمد بن واسع ، قال : رأيت صفوان بن محرز المازني ، قوماً يتجادلون قريباً منه في المسجد الجامع ، فقام ينفض ثيابه ويقول : « إنما أنتم جُرُب ، إنما أنتم جرُب ».
وعن يونس ، قال : قال لي الشعبي : « ما مجلس أجلسه أحب إلي من المسجد إذ كنا نجلس فيه إلى أبيك ، ثم نتحول إلى الربيع ابن خثيم ، فيقرينا القرآن ، حتى نشأ هؤلاء الصعافقة ، والله لأن أجلس على كناسة أحب إليّ من أن أجلس معهم فيه ».
أبو داود ، قال : حدثنا عمرو بن عون ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن ابن عون ، قال : « أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان رضي الله عنهما ، حتى نشأ هاهنا حقير يقال له : سيسويه البقال ، فكان أول من تكلم في القدر . قال حماد : فما ظنكم برجل يقول له ابن عون : حقير ».
أبو داود ، قال : حدثنا عباس بن عبد العظيم ، قال : حدثنا الأصمعي ، قال : حدثنا معتمر ، عن يونس بن عبيد ، قال : « أدركت البصرة وما بها قدري إلا سيسويه ، ومعبد الجهني ، وآخر ملعون في بني عوانة ».
وعن المنذر بن رافع ، أن خالد بن اللجلاج ، دعا غيلان قال : فجاء فقال : اجلس ، فجلس ، فقال : « ألم تك قبطياً فدخلت في الإسلام ؟ قال : بلى ، قال : ثم أخذتك ترمي بالتفاح في المسجد قد أدخلت رأسك في كم قميصك ؟ قال : بلى ، ثم كنت جهمياً تسمي امرأتك أم المؤمنين ؟ قال : بلى ، ثم صرت قدرياً شقياً ، قم فعل الله بك وفعل ».
ونصر بن عاصم قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن إبراهيم بن جدار ، عن ثابت بن ثوبان ، قال : سمعت مكحولا ، يقول : « ويحك يا غيلان ركبت بهذه الأمة مضمار الحرورية ، غير أنك لا تخرج عليهم بالسيف ، والله لأنا على هذه الأمة منك أخوف من المزققين أصحاب الخمر».
حدثنا أبوعلي إسماعيل بن محمد الصفار قال : حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن عيينة ، قال : حدثنا عمرو بن دينار ، قال : « بينا طاوس يطوف بالبيت لقيه معبد الجهني ، فقال له طاوس : أنت معبد ؟ قال : نعم قال : فالتفت إليهم طاوس ، فقال : هذا معبد ، فأهينوه ».
وقال حماد بن زيد : « كنت مع أيوب ويونس ، وابن عون فمر بهم عمرو بن عبيد ، فسلم عليهم ووقف فلم يردوا عليه السلام ، ثم جاز فما ذكروه ».
وقال طاوس لابن عباس : يا أبا عباس ، الذي يقولون في القدر؟ قال : أروني بعضهم ، قلنا : صانع بهم ماذا ؟ قال :« إذاً أضع يدي في رأسه فأدقّ عنقه » .
وقال مجاهد : « ذكروا عند ابن عباس فاحتقن وقال : لو رأيت أحدهم لعضضت أنفه»
وفي الشريعة للآجري عن الربيع بن سليمان قال : سمعت الشافعي رحمة الله عليه وذكر القرآن وما يقول حفص الفرد ، وكان الشافعي يقول : (القرد) ، وناظره بحضرة وال كان بمصر، فقال له الشافعي رضي الله عنه في المناظرة : كفرت والله الذي لا إله إلا هو . ثم قاموا ، وانصرفوا ، فسمعت حفصاً يقول : أشاط وأيم الذي لا إله إلا هو الشافعي بدمي .
وفي السنة لعبدالله بن أحمد :عن سوار بن عبد الله القاضي سمعت أخي عبد الرحمن بن عبد الله بن سوار يقول كنت عند سفيان بن عيينة فوثب الناس على بشر المريسي حتى ضربوه وقالوا جهمي فقال له سفيان يا (دويبة يا دويبة) الم تسمع الله عز و جل يقول { ألا له الخلق والأمر } ».
وفي السنة للخلال عن حنبل «أنه سمع أبا نعيمٍ الفضل بن دكينٍ , قال له رجلٌ : يا أبا نعيمٍ , هذا بشرٌ المرّيسيّ . فقال : لعن اللّه أهل الزّيغ والضّلالة , من بشرٌ المرّيسيّ ؟ إنّما يتكلّم في هذا التّافه من النّاس لا يعرف» .
وفيها كذلك عن إسحاق بن إبراهيم أنّه حضر العيد مع أبي عبد اللّه , قال : فإذا بقاصٍّ يقول : على ابن أبي داود لعنة اللّه , وحشا اللّه قبر ابن أبي داود مئة ألف عمودٍ من نارٍ , وجعل يلعن , فقال أبو عبد اللّه :« ما أنفعهم للعامّة » .
وقال يزيد بن هارون حين سئل عن الجهمية : « زنادقة عليهم لعنة الله » .
يعقوب الدورقي ، قال : قلت لأحمد بن حنبل : هؤلاء الذين يقولون : لفظنا بالقرآن مخلوق ؟ فقال : « القرآن على أي جهة ما كان لا يكون مخلوقا أبدا ، فقلت له : إنما يدور هؤلاء على الإبطال والتعطيل ، قال : « نعم » ، وقال أحمد بن حنبل : « عليهم لعنة الله » .
يكفي هذا والله الموفق للصواب .
منقول
بسم الله :
كلما خرج خارج على الشريعة واستعلن زنديق بزندقته ومنافق بنفاقه وقام له من فرسان الشريعة وحماة الدين من يرد عليه باللغة الّتي لا يفهم هؤلاء الزعانف سواها : انبرى بعض الإخوة الكرام منكرين ومتحفظين ، وبعضهم مولولين : وهم على أقسام : فبعضهم يعترض على اللغة أصلاً وأنّها بذاءة ، وبعضهم يرى أنّها تصد هؤلاء عن الهداية وأنّه تشوّه صورة الدعاة ونحو ذلك من الكلام .
والبعض الآخر حجته أنّ الرد على هؤلاء إنّما يكون بالعلم والحكمة لا بالسب والشتم .
فأقول وبالله التوفيق :
المخالفون للحق الذين نرد عليهم ونتحاور معهم أصناف :
فمنهم الكفرة بكل أديانهم ومذاهبهم .
ومنهم أهل البدع والأهواء كالمعتزلة والأشعرية ونحوهما .
ومنهم أصحاب المذاهب الفكرية العاصرة كالعلمانية والليبرالية ونحوها .
ومنهم أصحاب المخالفات السلوكية الذين ينافحون عن مخالفاتهم .
وكلّ من هذه الأصناف أصحابها إمّا جاهل لا يعرف الحق أو يعرفه بصورة غير صحيحة لبعده عن ديار الإسلام أو لتلقيه ذلك في التعليم .
وإمّا أن يكون عالما بالحق وصله عن طريق صحيح بأن يكون ناشئاً في بيئة يتوافر فيها العلم والدين ، أو يكون قد تلقاه وتعلمه على يد متخصصين .
فالجاهل والمغرر به ومن لم يصله دين أو علم صحيح حقه التعليم والرفق به .
أمّا المصرّ الذي وصله العلم والدين بصورته الصحيحة أو كان قادرا عليه بلا تكلف ثم هو يتولى الدعوة للباطل المتفق عليه وتزيينه والترغيب فيه ، والتنفير عن الحق المتفق عليه وتشويهه والسخرية منه ومن أهله فهؤلاء هم رؤوس أهل الأهواء الّذين كانت سنّة السّلف فيهم واحدة وهي الحزم معهم والشدة .
أمّا العلماء فبكلامهم وردودهم ، وأمّا الولاة فبتعزيرهم وإقامة الحدود عليهم ، وأمّا العامّة فبهجرهم ومقاطعتهم ، وفي الشريعة للآجري عن حكيم بن عمير قال : قيل لعمر بن عبد العزيز : إنّ قوماً ينكرون من القدر شيئاً ، فقال عمر : « بيّنوا لهم ، وارفقوا بهم ، حتى يرجعوا » ، فقال قائل : « هيهات هيهات ، يا أمير المؤمنين ، لقد اتخذوه ديناً يدعون إليه الناس » ، ففزع لها عمر ، فقال : « أولئك أهل أن تُسلّ ألسنتهم من أقفيتهم سلاً ، هل طار ذباب بين السماء والأرض إلا بمقدار؟».
ولو أنّ طالبا للحق من إخواننا الذين ينكرون علينا هذا المسلك اطلع على كتب أئمّة السلف لوجد ما يتبين به الحق .
ومحور كلامنا عن أفراد من المثقفين الذين عاشوا في بلاد المسلمين وسمعوا الحق ومع هذا جندوا أقلامهم وألسنتهم في مقالة السوء التي تثير الفتنة دائما في دائرة المتفق عليه أي مواطن الإجماع والمقطوع به من أمور الشريعة .
فهؤلاء الّذين لم يتركوا شريعة محكمة إلاّ طعنوا فيها ولم يدعو سنّة إلاّ سخروا منها ، دون استناد إلى نقاش علمي ولا منطق فكري بل يجعل الواحد منهم هدفه أحد الثوابت ثمّ ينهال عليه شطبا وإلغاء وسخرية ولمزاً بأصحابه والدعاة إليه ، ولهذا خُذ مقالا مما رددنا عليه وحاول أن تجد فيه ما يُمكن أن يُسمى حوارا أو نقاشا أو علما أو حتى شبهة قوية فلا تجد من ذلك شيئا ، بل بضاعتهم بضاعة أسلافهم الّذين حكى الله عنهم في القرآن : {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم}.
ولهذا قتل النّبيّ صلى الله عليه وسلّم كعب بن الأشرف دون غيره من اليهود لأنّ كعبا كان صاحب أذى لفظي لم يكن صاحب إشكالات ، فكم هي المرات الّتي سأل اليهود فيها النّبيّ صلى الله عليه وسلّم وامتحنوه وعارضوه فلم يكن منه أيّ قسوة معهم ، أمّا كعب فلم تكن بضاعته إلاّ الهجاء والسخرية وسب النّبيّ صلى الله عليه وسلّم فكان تعامل النّبيّ صلى الله عليه وسلّم معه مختلفاً .
ومن العبر كذلك أنّ الشريعة تفرق بين الكافر الأصلي فتقره على دينه بينما تقتل المرتدّ ولا تقبل منه إلاّ الإسلام ، لأنّ الثاني عرف الحق واستبانت له الحجة .
كذلك فإنّ الإسلام يقبل من الكتابي الجزية ويبقى على دينه بينما على قول الجمهور لا يقبل من الوثني إلاّ الإسلام ، لأنّ الكتابي لديه شبهة حق وهو على شيء من دين سابق وإن كان منسوخاً ، أمّا الوثني فهو خال الوفاض ليس معه حجة ولا شبهة تستحق عذره على البقاء على الوثنية فلم يُقبل منه إلاّ الإسلام .
فمثلهم كذلك أهل الأهواء الذين لا يليق بهم في رأيي إلاّ الإقذاع والقسوة الّتي هي من جنس الجهاد والغلظة الّتي أمر الله بها في قوله : {يا أيها النّبيّ جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} .
فسبّهم وتعييرهم بما فيهم أو ضرب الأمثال لهم كلّ ذلك جائز ما دام ليس بهتانا ولا تعييرا بما ليس من كسبهم .
فلا يجوز سبهم وتناولهم بانتماء قبلي أو غير قبلي ولا بجنسياتهم ولا عرقياتهم ولا بألوانهم ولا بغناهم وفقرهم لأنّ هذا ليس من كسبهم ولا لهم فيه فعل .
أمّا القول للسارق يا سارق وللزاني الذي ثبت عليه يا زاني وللمرتشي يا مرتشي فهذا لا مانع منه شرعا : ولهذا تأمّل قوله صلى الله عليه وسلّم : « من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه » تأمل قوله : «وليس كذلك» أي أنّ التكفير والسبّ لم يكن له من الرجل محل ، أمّا إن كان أهلا له فلا مانع .
ومن اعترض على ذلك فهو في الحقيقة يعترض على منهج وطريقة سار عليها السلف منذ الصحابة وتبعهم عليها الأئمة إلى يومنا هذا وسأورد نماذج لهذا فيما بعد .
فالله تعالى في القرآن ضرب للمجرمين مثل السوء كقوله : {مثل الّذين حمّلوا التّوراة ثمّ لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا بئس مثل القوم الّذين كذّبوا بآيات اللّه واللّه لا يهدي القوم الظّالمين}
وقوله : {ولو شئنا لرفعناه بها ولـكنّه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذّلك مثل القوم الّذين كذّبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلّهم يتفكّرون} وقوله : {ولقد ذرأنا لجهنّم كثيرًا مّن الجنّ والإنس لهم قلوبٌ لاّ يفقهون بها ولهم أعينٌ لاّ يبصرون بها ولهم آذانٌ لاّ يسمعون بها أولـئك كالأنعام بل هم أضلّ أولـئك هم الغافلون}
والنّبيّ صلى الله عليه وسلّم يقول: (لعن الله اليهود والنصارى) . و (لعن الله السارق) و(لعن الله المصورين) وغير ذلك من النصوص .
بطبيعة الحال هذه نصوص عامة وإنّما وجه الاستدلال أنّ استعمال هذه الألفاظ ليس بذاءة ولا يخالف الإيمان إذا كانت في محلها .
والقذارة جزء من مكونات الحياة وهي موجودة ، وإنّما تُعاب إذا كانت في غير محلها ، فأنت لا تشمئز إذا مررت بالقذارات وهي في حاوية النقايات لأنّها في محلها اللائق بها ، إنّما تثور ثائرتك إذا وجدتها على الأرض أو وجدتها موضوعة في مكان تقدسه كالمسجد مثلا أو في مجلس الأضياف . ومن هذا المنطلق استعمل السلف تلك الألفاظ القاسية في المعينين الّذين هم أهل لها وهم محلّ لها كما الحاوية محلّ للنفايات ، كما سيأتي .
وأمّا قول البعض إنّ هذا يصدّ المردود عليه عن الهداية فأقول : ومن قال لك إنّ المقال هدفه هداية هذا الشخص المردود عليه وأمثاله ، بل أقول كما قال موسى : {ربّنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتّى يروا العذاب الأليم}، فالهدف من هذه الردود القاسية بيان خطورة ما هم عليه وجعلهم عبرة لكل من يرى ما ووجهوا به من قسوة ليعلم عظم الجناية الّتي جنوها على الأمّة في دينها ودنياها .
فالحفاظ على هيبة الدين وبقائه عزيزاً في قلوب الناس أولى من استمالة ثلة من المنافقين السابين لله ولدينه .
ويذكرني هذا بكلمة عظيمة لشيخ الإسلام في كتابه الصارم المسلول لما احتج بعض الفقهاء لعدم قتل الذمي الساب لرسول الله صلى الله عليه وسلّم بأنّه إذا أسلم يُترك تأليفا له ولغيره فقال شيخ الإسلام : « فإن الكلمة الواحدة من سب رسول الله لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار ، ولأَنْ يظهرَ دين الله ظهورا يمنع أحداً أن ينطق فيه بطعنٍ أحب الى الله ورسوله من ان يدخل فيه اقوام وهو منتهك مستهان » .
فحين يكون هدف الكاتب استمالة المخالف ووعظه فإنه لن يعدم حيلة ليكلمه أو يرسل له بأسلوب هين لين ، لكن حين يكون هدف المقال النهي عن منكر عظيم وبيان خطورته وتجريم صاحبه فليس من المناسب تلطيف الخطاب .
وممّا يؤيّد ما نحن فيه أنّ هؤلاء يندر فيهم التوبة أصلاً، فالغالب أنّ أهل الأهواء – وهم خير من العلمانيين والليبراليين ونحوهم - لا يتوبون بل يزيدهم الحق ضلالاً وغياً ، كما قال تعالى : {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفراً} ، ولهذا جاء في أصول اللالكائي عن سلام بن أبي مطيع ، قال : قال رجل لأيوب:« يا أبا بكر إن عمرو بن عبيد – وهو رأس المعتزلة- قد رجع عن رأيه ».قال : «إنه لم يرجع» . قال : « بلى يا أبا بكر ، إنه قد رجع » . قال أيوب : « إنه لم يرجع » ، ثلاث مرات ، « أما إنه لم يرجع » ، أما سمعت إلى قوله صلى الله عليه وسلّم : « يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه حتى يرجع السهم إلى فُوقِه » فقد أخذ أيوب من الحديث أنّ صاحب الهوى لا يعود ولا يُوفق ، والواقع يؤيد هذا فمتى سمعت مبتدعا أو صاحب هوى تاب إلى الله ورجع عما هو عليه إلاّ ما ندر .
ثمّ إني أقول : ما الذي يمنع أن يقوم من يخالف في هذا بكتابة المقالات اللطيفة والعلمية المؤصلة يردّ فيها على المخالف فيكون هو حجة على المخالف ، إذا كان يرى أنّ القسوة مع هؤلاء غير مشروع ، ليقم هو إذاً بالمشروع ، فإنّ وجود من يقسو ويسلك مسلك الشدة والغلظة ليس حجة للمخالف لأن يصر على ضلاله ولو لم يجد إلاّ القسوة ، فكيف إذا وجد من يتلطف بالخطاب معه ويبين له خطأه بالحجة والبرهان ، فهذه الأساليب كما ترى تتكامل ولا تتعارض كما يظن البعض فينشغل بإخوانه عن مخالفة أعداء الرسالات .
وأنا أتعجب من هؤلاء الإخوة الّذين يخجلون من مثل هذا الخطاب ويرون فيه عاراً على الخطاب الإسلامي ، فإنّ كلّ حججهم وتعليلاتهم يدخل فيها النص القرآني : فوصف أتباع الأديان الأخرى بالحمير والبهائم بذاءة وهو في النص القرآني : فماذا يقول هؤلاء لو سألهم يهودي فقال لهم إنّ الخطاب القرآني خطاب منفّر فهو يصفني وقومي بأنّنا كالحمير ؟!
وماذا عساهم يجيبون كتابياً يقول لهم : إنّ الخطاب النبوي خطاب منفّر فكيف أتبع رسولاً يلعنني ويلعن قومي فيقول : (لعن الله اليهود والنصارى) ؟!
وقد قرأت للمنتكس الغنامي في جريدة الوطن انتقادا لاستعمال القسوة في الرد وزعم أنّ هذا من البذاءة والبذاءة ليست من الإيمان ، والحقيقة أنّه في كل كلامه لا يكاد يخرج عن استدلال إخواننا ، والحجة بيننا فعل السلف وتطبيقهم للنصوص فهم أعلم بكتاب الله وسنة رسول الله .
فالنصوص العامة هي زاد أهل الأهواء التي يتدثرون بها في زعمهم الصلاح والإصلاح ، أمّا أهل السنة فكل نص له منزل ومنزلة :
مثال ذلك : النصوص التي تأمر باللين والرفق هي حق في بابها وموضعها ، فلا تضرب بها النصوص الأخرى الّتي فيها قسوة ومن أشهرها تشريع الحدود الشرعية وأنواع التعزيرات .
والنّبيّ صلى الله عليه وسلّم الذي أمر بالرفق واللين هو نفسه الذي قنت على رعل وذكوان وأحياء من العرب شهراً في صلاة الصبح .
بل قبل ذلك ما شرعه الله تعالى في القرآن في قوله : {واللّذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إنّ اللّه كان توّابًا رّحيمًا} قال أكثر العلماء : أي بالسبّ والتقريع .
فالسب والتقريع لما كان في محله ليس بذاءة مذمومة بل هو نوع من العقاب والتعزير ..
وهو هنا في مسألتنا داخل في الجهاد والإغلاظ الّذي أمرنا به تجاه المنافقين وأشباههم من أهل البدع والأهواء .
وهذا عمر بن الخطاب ماذا فعل بصبيغ العراقي ، فعن السائب بن يزيد وسليمان بن يسار : أنّ رجلاً من بني تميم يقال له : صبيغ ابن عسل ، قدم المدينة ، وكانت عنده كتب ، فجعل يسأل عن متشابه القرآن ، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فبعث إليه وقد أعد له عراجين النخل ، فقال : اللهم أمكِنّي منه ، فبينا عمر ذات يوم يغدّي الناس ، إذ جاءه رجل عليه ثياب وعمامة ، فتغدى حتى إذا فرغ قال : يا أمير المؤمنين ، {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا}، فقال عمر: أنت هو ؟ ، فقام إليه فحسَر عن ذِرَاعيه ، فلم يزل يجلِده حتّى سقطت عمامته ، فقال : حسبك يا أمير المؤمنين ، فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسي ، فقال : والّذي نفس عمر بيده ، لو وجدتك محلوقاَ ، لضربت رأسك ، ألبِسوه ثيابَه ، واحتَمِلوه على قتَب ، ثمّ أخرِجوه حتّى تقدُموا بهِ بِلاده ، ثم ليقُم : خطيباً ، ثم ليقُل : إنّ صبيغاً طلبَ العلمَ فأخطأه« ، فلم يزل وَضِيعاً في قومِه حتّى هلَك ، وكان سيّد قومه« ، والقصة مشهورة ولا أعلم ما هو رأي إخواننا في تصرف عمر هل كان منافياً لأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلّم بالرفق واللين ؟! وهل فعل عمر هنا من صدّ الناس عن الهداية ؟ ولماذا لم يناقشه عمر بالرفق واللين ويبين له الأدلة كما يطالبنا بعض الأصحاب مع من صبيغ بالنسبة لهم صِدّيق ؟
جاء في السنة للخلال (1/228) على لسان بعض أئمة السلف : »وليس ينبغي لأهل العلم والمعرفة بالله أن يكونوا كلما تكلم جاهل بجهله أن يجيبوه ويحاجوه ويناظروه فيشركوه في مأثمة ويخوضوا معه في بحر خطاياه ولو شاء عمربن الخطاب أن يناظر صبيغ ويجمع له أصحاب رسول الله حتى يناظروه ويحاجوه ويبينوا عليه لفعل ولكنه قمع جهله وأوجع ضربه ونفاه في جلده وتركه يتغصص بريقه وينقطع قلبه حسرة مطروداً منفياً مشرداً لا يكلم ولا يجالس ولا يشفا بالحجة والنظر بل تركه يختنق على حرته ولم يبلعه ريقه ومنع الناس من كلامه ومجالسته فهكذا حكم كل من شرع في دين الله بما لم يأذن به الله أن يخبر انه على بدعة وضلالة فيحذر منه وينهي عن كلامه ومجالسته«.
أمّا الإخوة الّذين يرون في هذا قسوة وبذاءة ومخالفة للشرع فإني أسوق لهم بعض ما جاء عن الأئمّة وهو كثير جداً وكلها مرويات في كتب العقيدة المسندة:
ففي صحيح مسلم عن سالم بن عبدالله أن عبدالله بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول « لا تمنعوا نسائكم المساجد إذا استأذنكم إليها » قال فقال بلال بن عبدالله « والله لنمنعهن » قال فأقبل عليه عبدالله فسبه سبا سيئاً ما سمعته سبّه مثله قط وقال : « أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وتقول والله لنمنعهن » فيالله العجب ماذا سيقول عبدالله بن عمر لو قرأ بعض مقالات بغال الليبرالية !
عن خالد ، قال : حدثني رجل ، قال : « رآني أبو قلابة ، وأنا مع عبد الكريم ، فقال : ما لك ولهذا الهزء الهزء ».
محمد بن واسع ، قال : رأيت صفوان بن محرز المازني ، قوماً يتجادلون قريباً منه في المسجد الجامع ، فقام ينفض ثيابه ويقول : « إنما أنتم جُرُب ، إنما أنتم جرُب ».
وعن يونس ، قال : قال لي الشعبي : « ما مجلس أجلسه أحب إلي من المسجد إذ كنا نجلس فيه إلى أبيك ، ثم نتحول إلى الربيع ابن خثيم ، فيقرينا القرآن ، حتى نشأ هؤلاء الصعافقة ، والله لأن أجلس على كناسة أحب إليّ من أن أجلس معهم فيه ».
أبو داود ، قال : حدثنا عمرو بن عون ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن ابن عون ، قال : « أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان رضي الله عنهما ، حتى نشأ هاهنا حقير يقال له : سيسويه البقال ، فكان أول من تكلم في القدر . قال حماد : فما ظنكم برجل يقول له ابن عون : حقير ».
أبو داود ، قال : حدثنا عباس بن عبد العظيم ، قال : حدثنا الأصمعي ، قال : حدثنا معتمر ، عن يونس بن عبيد ، قال : « أدركت البصرة وما بها قدري إلا سيسويه ، ومعبد الجهني ، وآخر ملعون في بني عوانة ».
وعن المنذر بن رافع ، أن خالد بن اللجلاج ، دعا غيلان قال : فجاء فقال : اجلس ، فجلس ، فقال : « ألم تك قبطياً فدخلت في الإسلام ؟ قال : بلى ، قال : ثم أخذتك ترمي بالتفاح في المسجد قد أدخلت رأسك في كم قميصك ؟ قال : بلى ، ثم كنت جهمياً تسمي امرأتك أم المؤمنين ؟ قال : بلى ، ثم صرت قدرياً شقياً ، قم فعل الله بك وفعل ».
ونصر بن عاصم قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن إبراهيم بن جدار ، عن ثابت بن ثوبان ، قال : سمعت مكحولا ، يقول : « ويحك يا غيلان ركبت بهذه الأمة مضمار الحرورية ، غير أنك لا تخرج عليهم بالسيف ، والله لأنا على هذه الأمة منك أخوف من المزققين أصحاب الخمر».
حدثنا أبوعلي إسماعيل بن محمد الصفار قال : حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن عيينة ، قال : حدثنا عمرو بن دينار ، قال : « بينا طاوس يطوف بالبيت لقيه معبد الجهني ، فقال له طاوس : أنت معبد ؟ قال : نعم قال : فالتفت إليهم طاوس ، فقال : هذا معبد ، فأهينوه ».
وقال حماد بن زيد : « كنت مع أيوب ويونس ، وابن عون فمر بهم عمرو بن عبيد ، فسلم عليهم ووقف فلم يردوا عليه السلام ، ثم جاز فما ذكروه ».
وقال طاوس لابن عباس : يا أبا عباس ، الذي يقولون في القدر؟ قال : أروني بعضهم ، قلنا : صانع بهم ماذا ؟ قال :« إذاً أضع يدي في رأسه فأدقّ عنقه » .
وقال مجاهد : « ذكروا عند ابن عباس فاحتقن وقال : لو رأيت أحدهم لعضضت أنفه»
وفي الشريعة للآجري عن الربيع بن سليمان قال : سمعت الشافعي رحمة الله عليه وذكر القرآن وما يقول حفص الفرد ، وكان الشافعي يقول : (القرد) ، وناظره بحضرة وال كان بمصر، فقال له الشافعي رضي الله عنه في المناظرة : كفرت والله الذي لا إله إلا هو . ثم قاموا ، وانصرفوا ، فسمعت حفصاً يقول : أشاط وأيم الذي لا إله إلا هو الشافعي بدمي .
وفي السنة لعبدالله بن أحمد :عن سوار بن عبد الله القاضي سمعت أخي عبد الرحمن بن عبد الله بن سوار يقول كنت عند سفيان بن عيينة فوثب الناس على بشر المريسي حتى ضربوه وقالوا جهمي فقال له سفيان يا (دويبة يا دويبة) الم تسمع الله عز و جل يقول { ألا له الخلق والأمر } ».
وفي السنة للخلال عن حنبل «أنه سمع أبا نعيمٍ الفضل بن دكينٍ , قال له رجلٌ : يا أبا نعيمٍ , هذا بشرٌ المرّيسيّ . فقال : لعن اللّه أهل الزّيغ والضّلالة , من بشرٌ المرّيسيّ ؟ إنّما يتكلّم في هذا التّافه من النّاس لا يعرف» .
وفيها كذلك عن إسحاق بن إبراهيم أنّه حضر العيد مع أبي عبد اللّه , قال : فإذا بقاصٍّ يقول : على ابن أبي داود لعنة اللّه , وحشا اللّه قبر ابن أبي داود مئة ألف عمودٍ من نارٍ , وجعل يلعن , فقال أبو عبد اللّه :« ما أنفعهم للعامّة » .
وقال يزيد بن هارون حين سئل عن الجهمية : « زنادقة عليهم لعنة الله » .
يعقوب الدورقي ، قال : قلت لأحمد بن حنبل : هؤلاء الذين يقولون : لفظنا بالقرآن مخلوق ؟ فقال : « القرآن على أي جهة ما كان لا يكون مخلوقا أبدا ، فقلت له : إنما يدور هؤلاء على الإبطال والتعطيل ، قال : « نعم » ، وقال أحمد بن حنبل : « عليهم لعنة الله » .
يكفي هذا والله الموفق للصواب .
منقول