المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تساؤلات فلسفية في مسألة الخَلْق


المعلم
03-Mar-2007, 02:03 PM
تساؤلات فلسفية في مسألة الخَلْق




السؤال
إذا كان الله ولم يكن معه شيء، ثم خلق الكون على النحو ا لذي وصف لنا في القرآن الكريم فمن أي شيء خلقنا؟
1- إن قلنا بأننا خلقنا من العدم، فقد جعلنا العدم شيئاً يمكن منه التخليق و هو تناقض واضح.
2- و إن قلنا بوجود شيء معه سبحانه وتعالى، فهذا يعني بوجود مادة أزلية معه عز وجل.
3- وإن قلنا بأنه خلقنا بقوته فهذا يعني تحول قوته إلى مخلوقات مما يؤدي إلى القول بأننا جزء منه -تعالى عن ذلك علوا كبيرا- هذا ما توصلت إليه من احتمالات لفهم من أي شيء خلقنا. فهل هناك احتمال رابع للإجابة عن هذه المعضلة؟ وإن لم يكن للاحتمال الرابع وجود فما الجواب إذاً؟




الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
العدم والوجود نقيضان لا يمكن أن يجتمعا، ولا يمكن أن يرتفعا أيضاً. فإذا وجد أحدهما انتفى الآخر. ومثل ذلك يقال في الحركة والسكون أو الحياة والموت. والعدم في الحقيقة ليس بشيء بل هو ضد الوجود، وما ليس بموجود فهو معدوم.
وعلى هذا فلا يمكن أن يتصور خارج الذهن، وإن كان الذهن يفرض أشياء لا يمكن أن توجد كما يتصور الذهن المستحيلات مع أنها لا وجود لها في الخارج الحقيقي.
وعلى هذا يستحيل أن يكون العدم أصلاً للوجود، و ليس في الكون إلا واجب الوجود وممكن الوجود. وواجب الوجود هو الذي لا يفتقر وجوده إلى سواه وهو غير معلول لعلة أخرى، وأما ممكن الوجود فهو الذي يفتقر وجوده إلى غيره وهو معلول لعلة خارجية، وواجب الوجود هو العلة لكل معلول، ووجود الموجودات معلولة له، وهو الذي أوجدها من العدم.
وعندما يقال أوجدها من العدم لا يعني أن العدم مادة تكونت منها الموجودات، ولكن العدم -كما سبق- ليس بشيء، وإنما القصد أوجدها بعد أن لم تكن موجودة، وسبب وجودها هو الإرادة القديمة التي أخرجت الموجود من العدم إلى الوجود، وهذه الإرادة هي الفاصل بين معتقد أهل الملل وبين الملحدين؛ حيث لا يثبتون الإرادة، وإنما تتطور الموجودات ذاتياً بلا إرادة، مع أن هذا القول -أي نفي الإرادة- باطل عقلاً، فقد تقرر في النظر الفلسفي أن ترجيح أحد الاحتمالات بدون مرجح باطل عقلاً، فلا وجود للمصادفة حتى في عالم الطبيعة فلا بد من أسباب سواء كانت سلاسل سببية وسيطة، أو سلاسل سببية اقترانية.
وعلى هذا فالإجابة على السؤال من أين خلقنا إن كان المقصود المادة فالله أوجد الموجودات من العدم، والعدم ضد الوجود: أي أوجدها بعد أن لم تكون موجودة. ولا يستطيع أن يُوجد المادة من العدم إلا واجب الوجود.
أما ممكن الوجود أو المحدَث فلا يمكن أن يتوقف وجوده على وجود نفسه، كما يستحيل توقف عدمه على عدم نفسه كما هو مقرر عقلاً، وهذا لا يقنع الملحد؛ لأن الملحد لا يقر إلا بالمادة، وإذا كان الملحد يصر على ذكر المادة التي أُوجدت منها الموجودات، فليُلزم بذكر الإرادة أو العلة التي أوجدت منها الموجودات حسب اعتقاده، وبما أن الملحد يزعم أن المادة هي أصل الوجود فيقال له: ما العلة أو المخصِّص الذي خصص الموجودات على ما هي عليه الآن؟ هل هي المادة نفسها؟ ومعلوم عقلاً استحالة توقف وجود الشيء على وجود نفسه. أم هل العلة أو المخصّص غير المادة نفسها؟ والقول بذلك فيه إثبات شيء مغاير للمادة التي تكون منها الوجود وهذا ما لا يقول به الملاحدة. أو هل هي قوة داخلية؟ وهذا ما يتوجه إليه الملاحدة مع أن ذلك لا يُستساغ عقلاً لأن فيه ترجيح أحد الاحتمالات بدون مرجح. وعلى هذا فالسؤال: من أي شيء خلقنا؟ من جنس السؤال: من أي شيء جاءت الإرادة أو المخصّص للموجودات؟
على أنه في مناقشة الخصوم أحياناً يكون الجواب بإلزام الخصم بما هو من جنس ما يعتقده، أو قلب الدليل عليه. فما كان جواباً لهذا كان جواباً لذاك، وخصوصاً إذا كان الخصم لا يعترف بالمقدمات القطعية التي يتبناها الطرف المقابل.
وأحسن من أجاد في إلزام الخصوم وقلب الأدلة عليهم في براعة منتهية الإمام ابن تيمية في كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسح في مناقشة النصارى، وأيضاً في كتابه منهاج السنة في مناقشة الشيعة، والقراءة في هذين الكتابين تعطي القارئ ملكة في إدارة حوار ناجح. والله أعلم



المجيب خالد بن عبد العزيز السيف
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم