المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصوفية بين الدين والفلسفة 15 الحقيقة المحمدية


عبد الرحمن نموس
28-Feb-2010, 10:35 PM
الحقيقة المحمدية
مقدمة:
لقد عدَّ الكثير من كتب في أخطاء الصوفية أو انحرافاتها أن أصل الانحراف في اعتقاد المتصوفة بالرسول الكريم إنما نشأ عن زيادة حب، أو غلو في التقديس، أو رفع للمكانة وهذه وإن كانت وجهة نظر ضعيفة لها ما يبرر بعض مظاهرها إلا أن الأمر كما يراه البحث ليس كذلك. إذ لا شك أن كل مسلم صادق يحب الله ورسوله ويتبع المنهج الرباني الذي أنزله الله على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم, والبيان في هذا الشأن واضح في قوله الله تبارك وتعالى، {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله))( ). فشرط المحبة الحقيقية الاتباع. والاتباع أن يكون ميلنا وهوانا تبعاً لما جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به.( )
والذي حصل عند الصوفية أنهم أطلقوا دعاوى عريضة في حب الله ورسوله. لا تستند إلى المنهج الذي أقره الله ورسوله في الحب، بل وتتعارض مع كثير من المعاني الشرعية وتلتقي كثيراً مع معان فلسفية مع ملاحظة تغيير بعض ظواهر الألفاظ فمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم له حقيقة تفهم عند عامة المسلمين على أنه عبد الله ورسوله وخاتم الأنبياء والرسل. ولا نبي بعده، والدين الذي جاء به, جاء به للناس عامة، وهو دين محفوظ بأمر الله تبارك وتعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}( ) والكتاب الذي أنزل على هذا الرسول الأمي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فما هي الحقيقية المحمدية عند الصوفية؟!
الحقيقة المحمدية:
موصوف وصفة: وهي ليست كلمة مستقلة برأسها وبالتالي لا نجد لهذا المعنى المركب أثراً في معاجم اللغة. لذا يعود البحث إلى معاجم المصطلحات:
قال الجرجاني في التعريفات: الحقيقة المحمدية هي الذات مع التعين الأول. وهو الاسم الأعظم( ) وهذا التعريف بعينه ذكره الحفني في معجم مصطلحات الصوفية.( )
هذا المعنى يقربه بعض الشيء القاشاني( ) في شرحه على فصوص الحكم حيث يقول: إن محمداً أول التعينات التي عين بها الذات الأحدية قبل كل تعين فظهر به ما لا نهاية من التعينات، فهو يشمل جميع التعينات فهو واحد فرد في الوجود ولا نظير له إذا لا يتعين من يساويه في المرتبة وليس فوقه إلا الذات الأحدية المطلقة، ومن هذا يعلم أن الاسم الأعظم لا يكون إلا له دون غيره من الأنبياء، ومن فرديته يعلم سر قوله ((كنت نبياً وآدم بين الماء والطين))( )"حديث موضوع.
ولعل مما يقربه أيضاً قول أبن عربي في كتابه الموسوم ((إنشاء الجداول والدوائر)) حسبما نقله محمود محمد غراب على شرحه لفصوص الحكم:
بعد الحمد لله والصلاة والسلام على النبي الجامع للمبادئ الأول والمقابل حضرة الأزل، النور الساطع الذي ليس له فيء والمستور خلف حجاب ليس كمثله شيء، ذلك حقيقة الحقائق والنشء الأول المبرز على صورة المخلوقات والخالق، منه من باب الشكل ومنه من باب الحقيقة ومنه من باب الاسم والوصف ومنه من باب الخلائق محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وشرف وكرم.( )
وهذا المعنى الفلسفي( ) ليس ابن عربي أول من طرحه، فهو موجود منذ أواخر القرن الثالث الهجري، وبداية القرن الرابع.
وقد كتب الحلاج في طاسين السراج:
سراج من نور الغيب بدأ وعاد وجاوز السراج وساد، قمر تجلى بين الأقمار، كوكب برجه في فلك الأسرار سماه الحق (أمياً) لجمع همته وحرمياً لعظم نعمته ومكياً لتمكينه عند قربته،... أنوار النبوة من نوره برزت وأنوارهم من نوره ظهرت، وليس في الأنوار نور أنور ولا أظهر ولا أقدم من القدم سوى نور صاحب الكرم، همته سبقت الهمم، وجوده سبق العدم واسمه سبق القلم لأنه كان مثل الأمم... وهو سيد البرية الذي اسمه أحمد ونعته أوحد وأمره أوكد وصفته أمجد وهمته أفرد.
يا عجباً ما أظهره وأنظره وأكبره وأشهره وأنوره وأفرده وأبصره لم يزل، كان، كان مشهوراً قبل الحوادث والكواين والأكوان ولم يزل، كان مذكوراً قبل القبل وبعد البعد والجواهر والألوان ... الحق به وبه الحقيقة هو الأول في الوصلة هو الآخر في النبوة والباطن بالحقيقة والظاهر بالمعرفة... الحق ما أسلمه إلى خلقه لأنه هو وأنى هو وهو هو.( )
وقال في التعريفات أيضاً:
الروح الأعظم الذي هو الروح الإنساني مظهر الذات الإهلية من حيث ربوبيتها ولذلك لا يمكن أن يحوم حولها حائم ولا يروم وصلها رائم لا يعلم كنهها إلا الله ولا ينال هذه البغية سواه وهو العقل الأول والحقيقية المحمدية والنفس الناطقة والحقيقية الأسمائية وهو أول موجود خلقه الله على صورته وهو الخليفة الأكبر وهو الجوهر النوراني جوهريته مظهر الذات النورانية ويسمى باعتبار الجوهرية نفسا واحدة وباعتبار النورانية عقلا أول وكما أن له في العالم الكبير مظاهر وأسماء من العقل الأول والقلم الأعلى والنور والنفس الكلية واللوح المحفوظ وغير ذلك له في العالم الصغير الإنساني مظاهر وأسماء بحسب ظهوراته ومراتبه في اصطلاح أهل الله وهي السر الخفي والروح والقلب والكلمة والفؤاد والصدر والعقل والنفس.( )
وقال في أبجد العلوم:... وربما قصد بعض المصنفين بيان مذهبهم في كشف الوجود وترتيب حقائقه فأتى بالأغمض فالأغمض بالنسبة إلى أهل النظر والاصطلاحات والعلوم كما فعل الفرغاني شارح قصيدة ابن الفارض في الديباجة التي كتبها في صدر ذلك الشرح فإنه ذكر في صدور الوجود عن الفاعل وترتيبه أن الوجود كله صادر عن صفة الوحدانية التي هي مظهر الأحدية وهما معا صادران عن الذات الكريمة التي هي عين الوحدة لاغير ويسمون هذا الصدور بالتجلي وأول مراتب التجليات عندهم تجلي الذات على نفسه وهو
يتضمن الكمال بإفاضة الإيجاد والظهور لقوله في الحديث الذي يتناقلونه كنت كنزا مخفياً فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق ليعرفوني( ) وهذا الكمال في الايجاد المتنزل في الوجود وتفصيل الحقائق وهو عندهم عالم المعاني والحضرة الكمالية والحقيقة المحمدية وفيها حقائق الصفات واللوح والقلم وحقائق الأنبياء والرسل أجمعين والكمال من أهل الملة المحمدية وهذا كله تفصيل الحقيقة المحمدية ويصدر عن هذه الحقائق حقائق أخرى في الحضرة الهبائية وهي مرتبة المثال ثم عنها العرش ثم الكرسي ثم الافلاك ثم عالم العناصر ثم عالم التركيب هذا في عالم الرتق فإذا تجلت فهي في عالم الفتق ويسمى هذا المذهب مذهب أهل التجلي والمظاهر والحضرات وهو كلام لا يقتدر أهل النظر على تحصيل مقتضاه لغموضه وانغلاقه.( ) وبُعدِ ما بين كلام صاحب المشاهدة والوجدان وصاحب الدليل.( )
قال ابن عربي: (وصل) في قوله بسم الله الرحمن الرحيم من البسملة، الرحيم صفة محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {بالمؤمنين رؤوف رحيم( )} وبه كمال الوجود وبالرحيم تمت البسملة وبتمامها تم العالم خلقاً وإبداعاً، وكان عليه السلام مبتدأ وجود العالم عقلاً ونفساً، {متى كنت نبياً فبه بُدئ الوجود باطناً وبه ختم المقام ظاهراً في عالم التخطيط فقال: لا رسول بعدي ولا نبي( ) فالرحيم هو محمد صلى الله عليه وسلم، ؟ قال: وآدم بين الماء والطين( ) وبسم هو أبونا آدم، وأعني في مقام ابتداء الأمر ونهايته، وذلك أن آدم عليه السلام هو حامل الأسماء، قال تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها( )} ومحمد حامل معاني تلك الأسماء التي حملها آدم عليه السلام... ومن حصل له الذات فالأسماء تحت حكمه وليس لمن حصل الأسماء أن يكون المسمى محصلاً عنده.( )
ثم قال موضحاً (مفتاح) ثم وجدنا في الله وفي الرحمن أَلِفَين أَلِف الذات وأَلِفَ العلم، ألف الذات خفية وألف العلم ظاهرة لتجلي الصفة على العالم، ثم أيضاً خفيت في الله ولم تظهر لرفع الالتباس في الخط بين الله واللاه ووجدنا في (بسم) الذي هو آدم عليه السلام ألِفاً واحدة خفيت لظهور الباء ووجدنا في الرحيم الذي هو محمد صلى الله عليه وسلم ألِفاً واحدة ظاهرة وهي ألِف العلم، ونفس سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذات، فخفيت في آدم عليه السلام الألف لأنه لم يكن مرسلاً إلى أحد فلم يحتج إلى ظهور الصفة وظهرت في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لكونه مرسلاً فطلب التأييد فأعطي الألف فظهر بها، ثم وجدنا الباء من بسم قد عملت في ميم الرحيم فكان عمل آدم في محمد صلى الله عليه وسلم وجود التركيب وفي الله عمل سبب داع وفي الرحمن عمل سبب مدعو ولما رأينا ان النهاية أشرف من البداية قلنا من عرف نفسه عرف ربه، والاسم سلم إلى المسمى، ولما علمنا أن روح الرحيم عمل في روح بسم لكونه نبياً وآدم بين الماء والطين ولولاهما ما كان سمي آدم، عَلِمنا أن بسم هو الرحيم إذ لا يعمل شيء إلا من نفسه لا من غيره، فانعدمت النهاية والبداية والشرك والتوحيد وظهر عز الاتحاد وسلطانه فمحمد للجمع وآدم للتفريق.( )
ثم قال: في الباب السادس, إيجاز: البيان بضرب من الإجمال، بدء الخلق الهباء وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية ولا أين يحصرها لعدم التحيز، ومم وجد؟ وجد من الحقيقة المعلومة التي بالوجود ولا بالعدم، وفيم وجد؟ وجد في الهباء, وعلى أي مثال غايته؟ التلخيص من المزجة، فيعرف كل عالم حظه من منشئه من غير امتزاج، فغايته إظهار حقائقه ومعرفة أفلاك الأكبر من العالم وهو ما عدا الإنسان في اصطلاح الجماعة والعالم الأصغر يعني الإنسان روح العالم وعلته وسببه...( )
ثم وضح المسألة أكثر فقال: (وصل) كان الله ولا شيء معه ثم أدرج فيه، وهو الآن كما عليه كان( ) لم يرجع إليه من إيجاده العالم صفة لم يكن عليها، بل كان موصوفاً لنفسه ومسمى قبل خلقه بالأسماء التي يدعونه بها خلقه، فلما أراد وجود العالم وبدأه على حد ما علمه بعلمه بنفسه، انفعل عن تلك الإرادة المقدسة بضرب تجل من تجليات التنزيه إلى الحقيقة الكلية، انفعل عنها حقيقة تسمى الهباء هي بمنزلة طرح البناء الجص ليفتح فيها ما شاء من الأشكال والصور، وهذا هو أول موجود في العالم وقد ذكره علي بن أبي طالب( ) رضي الله عنه وسهل بن عبد الله (التستري) رحمه الله وغيرهما من أهل التحقيق أهل الكشف والوجود، ثم إنه سبحانه تجلى بنوره إلى ذلك الهباء على حسب قوته واستعداده كما تقبل زوايا البيت نور السراج، وعلى قدر قربه من ذلك النور يشتد ضوؤه وقبوله، قال تعالى: {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح}( ) فشبه نوره بالمصباح فلم يكن أقرب إليه قبولاً في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد صلى الله عليه وسلم المسماة بالعقل.
فكان سيد العالم بأسره وأول ظاهر في الوجود، فكان وجوده من ذلك النور الإلهي ومن الهباء ومن الحقيقة الكلية، وفي الهباء وجد عينه وعين العالم من تجليه. وأقرب الناس إليه علي بن أبي طالب وأسرار الأنبياء أجمعين.( )
ثم قال: إن العوالم أربعة العالم الأعلى وهو عالم البقاء ثم عالم الاستحالة وهو عالم الفناء ثم عالم التعمير وهو عالم البقاء والفناء، ثم عالم النسب وهذه العوامل في موطنين، في العالم الأكبر وهو ما خرج عن الإنسان، وفي العالم الأصغر وهو الإنسان. فأما العالم الاعلى (عالم البقاء) فالحقيقة المحمدية وفلكها الحياة نظيرها من الإنسان اللطيفة والروح القدسي، ومنهم العرش المحيط ونظيره من الإنسان الجسم، ومن ذلك الكرسي فنظيره من الإنسان النفس ومن ذلك البيت المعمور ونظيره من الإنسان القلب( )....
وبسط عبد الكريم الجيلي القول في الحقيقة المحمدية في الباب الستين من كتابه والمعنون له "في الإنسان الكامل وأنه محمد صلى الله عليه وسلم وأنه مقابل الحق للخلق" قال: أعلم أن هذا الباب هو عمدة أبواب هذا الكتاب بل جميع الكتاب من أوله إلى آخره شرح لهذا الباب فافهم معنى الخطاب... ثم قال شعراً عن محمد صلى الله عليه وسلم:
عجباً لذاك الحي كيف يهمه قحط السنين وأحمدٌ( ) نيسانه
أو كيف يظمأ وفده ولديهمو بحر يموج بدره طفحانه
شمس على قطب الكمال مضيئة بدر على فلك العلا سريانه
أوج التعاظم مركز العز الذي لرحى العلا من حوله دورانه
ملك وفوق الحضرة العليا على عرش المكين مثبت إمكانه
ليس الوجود بأسره إن حققوا إلا حباباً طفحته دنانه
الكل فيه ومنه كان وعنده تفنى الدهور ولم تزل أزمانه
فالخلق تحت سما علاه كخردل والأمر يبرمه هناك لسانه
والكون أجمعه لديه كخاتم في اصبع منه أجل أكوانه
والملك والملكوت في تياره كالقطر بل من فوق ذاك مكانه
وتطيعه الأملاك من فوق السما واللوح يُنفذ ما قضاه بنانه

* * *
هو نقطة التحقيق وهو محيطه هو مركز التشريع وهو مكانه
هو در بحر ألوهة وخضمها هو سيف أرض عبودة ومعانه
هو هاؤه هو واؤه هو باؤه هو سينه والعين بل إنسانه

* * *
والعرش والكرسي ثم المنتهى مجلاه ثم محله ومكانه
الله حسبي ما لأحمد منتهى وبمدحه قد جاءنا فرقانه
حاشاه لم تدرك لأحمد غاية إذ كل غايات النهى بدآنه

اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس فيسمى به باعتبار لباس ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد وكنيته أبو القاسم ووصفه عبد الله ولقبه شمس الدين ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام وله في كل زمان اسم ما يليق بلباسه في ذلك الزمان، فقد اجتمعت به صلى الله عليه وسلم وهو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين إسماعيل الجبرتي، ولست أعلم أنه النبي صلى الله عليه وسلم وكنت أعلم أنه الشيخ، وهذا من جملة مشاهد شاهدته فيها بزبيد سنة ست وتسعين وسبعمائة، وسر هذا الأمر تمكنه صلى الله عليه وسلم من التصور بكل صورة فالأديب إذا رآه في الصورة المحمدية التي كان عليها في حال حياته يسميه باسمه، وإذا رآه في صورة ما من الصور وعلم أنه محمد فلا يسميه إلا باسم تلك الصورة، ثم لا يوقع ذلك الاسم إلا على الحقيقة المحمدية.
إلا تراه صلى الله عليه وسلم لما ظهر في صورة الشبلي رضي الله عنه قال الشبلي لتلميذه أشهد أني رسول الله، وكان التلميذ صاحب كشف فعرفه فقال: أشهد أنك رسول الله وهذا أمر غير منكور.... وقد جرت سننه صلى الله عليه وسلم أنه لا يزال يتصور في كل زمان بصورة أكملهم ليعلي شأنهم ويقيم ميلانهم فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم.( )
وأعلم أن الإنسان الكامل مقابل لجميع الحقائق الوجودية بنفسه، فيقابل الحقائق العلوية بلطافته ويقابل الحقائق السفلية بكثافته.( )
ثم اعلم أن الإنسان الكامل هو الذي يستحق الأسماء الذاتية والصفات الإلهية استحقاق الأصالة والملك بحكم المقتضى الذاتي فإنه المعبر عن حقيقته بتلك العبارات والمشار إلى لطيفته بتلك الإشارات... فمثاله للحق مثال المرآة التي لا يرى الشخص صورته إلا فيها وإلا فلا يمكن أن يرى صورة نفسه إلا بمرآة الاسم (الله) فهو مرآته والإنسان الكامل أيضاً مرآة الحق، فإن الحق تعالى أوجب على نفسه. أن لا ترى أسماؤه وصفاته إلا في الإنسان الكامل وهذا معنى قوله تعالى {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إن كان ظلوماً جهولاً( )} يعني ظلم نفسه بأن أنزلها عن تلك الدرجة لأنه محل الأمانة الإلهية وهو لا يدري.( )
وهنا يظهر لنا معنى الحديث الموضوع الذي اقتبس عن مقولة سقراط المشهورة "اعرف نفسك بنفسك".
وسقراط تبنى هذه الحكمة "اعرف نفسك بنفسك" التي كانت منقوشة على معبد دلفي، وجعلها شعاراً له، ويرى أنه لكي يصلح الإنسان نفسه يجب أن يعرفها أولاً فيحلل العقائد التي يعج بها ذهنه، ويكتشف بنفسه الحقيقة التي داخل نفسه فالمعرفة الحقيقية ((عنده)) هي معرفة الذات لذاتها واستخراج ما فيها من عناصر الحق والخير والفضيلة والجمال للوصول إلى معرفة عظمة الإنسان ومجده.( )
وقد تلقف هذه الحكمة اليونانية مشايخ الصوفية منذ عهدهم الأول وجعلوها حديثاً فتحولت العبارة إلى النص التالي:
من عرف نفسه فقد عرف ربه؛ منسوباً إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على أنه حديث، فتصدى لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وبين أنه حديث موضوع.( )
وقال في كشف الخفاء.
من عرف نفسه فقد عرف ربه قال ابن تيمية موضوع وقال النووي قبله ليس بثابت وقال أبو المظفر بن السمعاني في القواطع أنه لا يعرف مرفوعاً وإنما يحكى عن يحيى بن معاذ الرازي يعني من قوله وقال ابن الغرس بعد أن نقل عن النووي أنه ليس بثابت قال لكن كتب الصوفية مشحونة به يسوقونه مساق الحديث كالشيخ محي الدين بن عربي وغيره قال وذكر لنا شيخنا الشيخ حجازي الواعظ شارع الجامع الصغير للسيوطي بأن الشيخ محي الدين بن عربي معدود من الحفاظ وذكر بعض الأصحاب أن الشيخ محي الدين قال: هذا الحديث وان لم يصح من طريق الرواية فقد صح عندنا من طريق الكشف.( )
وتكلم عنها ((الحقيقة المحمدية)) صدر المتألهين( ) في تفسيره فقال: إن حقيقة الوجود أو جميع أفراده لله تعالى كما هو لها أيضاً لقوله صلى الله عليه وآله من كان لله كان الله له( ) فذاته تعالى علَّةُ تماميةِ كل شيء وغاية كمال كل موجود إما بلا واسطة كما للحقيقة المحمدية التي هي صورة نظام العالم وأصله ومنشأة وإما بواسطة فيضه الأقدس ووجوده المقدس.( )
وقال إسماعيل بن محمد سعيد القادري جامع المآثر القادرية في كتابه الفيوضات الربانية:... وقد جعلت الغوثية المنسوبة إلى الأستاذ (عبد القادر الجيلاني) مقدمة لتكون لرغبة كل طالب متممة: وهذه الغوثية هي بطريق الإلهام والكشف القلبي والمعنوي:
مقتطفات من الغوثية: قال الغوث الأعظم (عبد القادر الجيلاني) المستوحش عن غير الله، المستأنس بالله، قال الله تعالى يا غوث الأعظم، قلت: لبيك يارب الغوث.. قال لي يا غوث الأعظم ما ظهرت في شيء كظهوري في الإنسان. ثم سألت: يارب هل لك مكان؟ قال لي يا غوث الأعظم أنا مكون المكان وليس في مكان، ثم سألت: يا رب... من أي شيء خلقت الملائكة، قال لي ياغوث الأعظم: خلقت الملائكة من نور الإنسان وخلقت الإنسان من نوري.. ثم قال لي: يا غوث الأعظم الإنسان سري وأنا سره لو عرف الإنسان منزلته عندي لقال في كل نفس من الأنفاس، لمن الملك اليوم... ثم قال لي يا غوث الأعظم جسم الإنسان وقلبه وروحه وسمعه وبصره ويده ورجله ولسانه وكل ذلك ظهرت له نفس بنفس لا هو إلا أنا ولا أنا غيره.( )
وقال عبد القادر العيدروسي( ):
اعلم أن الله سبحانه لما أراد إيجاد خلقه أبرز الحقيقة المحمدية من أنواره الصمدية في حضرته الأحمدية ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها على ما اقتضاه كمال حكمته وسبق في علمه وإرادته ثم أعلمه الله تعالى بكماله ونبوته وبشره بعموم دعوته ورسالته وبأنه نبي الأنبياء وواسطة جميع الأصفياء وأبوه آدم بين الروح والجسد ثم انبجست منه عيون الأرواح فظهر ممدا لها في عالمها المتقدم على عالم الأشباح وكان هو الجنس العالي على جميع الأجناس والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس فهو وأن تأخر وجود جسمه متميز على العوالم كلها برفعته وتقدمه إذ هو خزانة السر الصمداني ومحتد تفرد الأمداد الرحماني وصح في مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال أن الله تعالى كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء ومن جملة ما كتب في الذكر وهو أم الكتاب أن محمدا خاتم النبيين وصح أيضاً أني عبد الله لخاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في طينته أي لطريح ملقى قبل نفخ الروح فيه وصح أيضاً يا رسول الله متى كنت نبياً قال وآدم بين الروح والجسد ويروى كتبت من الكتابة وخبر كنت نبياً وآدم بين الماء والطين قال بعض الحفاظ لم نقف عليه بهذا اللفظ وحسن الترمذي خبر يا رسول الله متى وجبت لك النبوة قال وآدم بين الروح والجسد ومعنى وجوب النبوة وكتابتها ثبوتها وظهورها في الخارج نحو كتب الله لأغلبن, كتب عليكم الصيام والمراد ظهورها للخليقة وروحه صلى الله عليه وسلم في عالم الأرواح إعلاماً بعظيم شوقه وتميزه على بقية الأنبياء وخص الإظهار بحالة كون أدم بين الروح والجسد لأنه أوان دخول الأرواح.( )
وقال الألوسي في روح المعاني( ): وأفهم كلام القوم نفعنا الله بهم أن جميع المخلوقات علويها وسفليها، سعيدها وشقيها مخلوق من الحقيقة المحمدية صلى الله تعالى عليه وسلم كما يشير إليه قول النابلسي قدس الله سره دافعاً ما يرد على الظاهر "طه النبي تكونت من نوره كل الخليقة"... وفي الآثار ما يؤيد ذلك إلا أن الملائكة العلويين خلقوا منه عليه الصلاة والسلام من حيث الجمال، وإبليس من حيث الجلال ويؤول هذا بالآخرة إلى أن إبليس مظهر جلال الله سبحانه وتعالى ولهذا كان منه ما كان ولم يخرج ولم يندم ولم يطلب المغفرة لعلمه أن الله يفعل ما يريده وأن ما يريده سبحانه وتعالى هو الذي تقتضيه الحقائق فلا سبيل إلى تغييرها وتبديلها.( )
وقال أيضاً (في تفسير سورة الشمس)...
وذكر بعض أهل التأويل أن الشمس إشارة إلى ذات واجب الوجود سبحانه وتعالى وضحاها إشارة إلى الحقيقة المحمدية والقمر إشارة إلى ماهية الممكن المستفيد للوجود من شمس الذات والنهار إشارة إلى العالم بسائر أنواعه الذي ظهرت به صفات جمال الذات وجلاله وكماله والليل إشارة إلى وجود ما يشاهد من أنواع الممكنات والساتر في أعين المحجوبين للوجود الحق والسماء إشارة إلى عالم العقل والأرض إشارة إلى عالم الجسم … وناقة الله إشارة إلى راحلة الشوق الموصلة إلى سبحانه وسقياها إشارة إلى مشربها من عين الذكر والفكر وقال بعض آخر: الشمس إشارة إلى الوجود الحق الذي هو عين الواجب تعالى فهو أظهر من الشمس الله نور السموات والأرض وقال شيخ مشايخنا البندنيجي قدس سره ظاهر أنت ولكن لا ترى لعيون حجبتها النقط وضحاها إشارة إلى أول التعينات بأي اسم سميته والقمر إشارة إلى الأعيان الثابتة المفاضة بالفيض الأقدس أو الشمس إشارة إلى الذات وضحاها إشارة إلى وجودها والإضافة للتغاير الاعتباري والقمر إشارة إلى أول التعينات والنهار إشارة إلى الممكنات المفاضة بالفيض المقدس والليل إشارة إليها أيضاً باعتبار نظر المحجوبين أو النهار إشارة إلى صفة الجمال والليل إشارة إلى صفة القهر والجلال والسماء إشارة إلى عالم اللطافة وذكر النفس بعد دخولها في هذا العالم للاعتناء بشأنها والأرض إشارة إلى عالم الكثافة وناقة الله إشارة إلى الطريقة وسقياها مشربها من عين الشريعة وقيل غير ذلك والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.( )
وقال أيضاً:
وهو الذي أنشأكم أي أظهركم من نفس واحدة وهي النفس الكلية، فمستقر في أرض البدن حال الظهور ومستودع في عين جمع الذات.( )
إن هذه المعاني الفلسفية التي أطلقت على الله تبارك وتعالى وعلى محمد صلى الله عليه وسلم وعلى المخلوقات الأخرى.
كواجب الوجود والتعين الأول والعقل الأول والنفس الكلية سيبدو جليا أنها اقتباسات عن الأفلاطونية المحدثة وغيرها من المدارس الفلسفية. ولكن قبل ذلك لابد من الإشارة إلى أن أدعية كل مشايخ الصوفية لها مثل هذه المعاني، وإن لم يصرح بالأسماء المذكورة بشكل واضح.
وفيما يلي نماذج لأدعية اعتبرها الصوفية مباركة مفضلة على غيرها من الأدعية المأثورة.
1- اللهم صل وسلم وبارك على نورك الأسبق... الذي أبرزته رحمة شاملة لوجودك... نقطة مركز الباء الدائرة الأولية وسر أسرار الألف القطبانية الذي فتقت به رتقة الوجود فهو سرك القديم الساري وماء جوهر الجوهرية الجاري الذي أحييت به الموجودات وروح الأرواح، القلم الأعلى، العرش المحيط، روح جسد الكونين وبرزخ البحرين.( )
2- وله أيضاً: اللهم صلِ على ألِفِ أنس إنسان الأزل بحكم باء برهان من لم يزل أصل الأشياء الكلية... المتصدر في رحاب الأسرار في مركز دائرة القبول والألطاف المتعرشة بُسُطها في حومة العز، أصل السبب في الإيجاد فالكل منه والكل إليه، خزانة الأسرار فالوارد والذاهب عنه عليه.
وفي قوله في الدعاء الأول نورك الأسبق إشارة إلى حديث موضوع يقول به الصوفية أن الله تبارك وتعالى أوجد محمداً من نور وجهه الكريم. ولذلك قال أبرزته ولم يقل خلقته لأن الاعتقاد فيه عند الداعي بهذا الدعاء القدم لا الحدوث وذلك في نص الدعاء فهو سرك القديم الساري... فهو صلى الله عليه وسلم عندهم قديم لأنه من نور القديم.
وقوله نقطة مركز الباء الدائرة الأولية. أي مركز الكون – وكل قطب عنهم هو مركز الكون وهذا هو معنى القطب. وعبروا عنه رمزاً بنقطة باء بسم الله الرحمن الرحيم. وقد ذكر الألوسي في تفسيره وابن عربي في الفتوحات قول الشيخ أن نقطة الباء إشارة إلى أنه مركز الكون.
قوله وسر أسرار الألف القطبانية: أي سر الله لأن الألف عند الصوفية هي الإشارة إلى الواحد. وأنظر في ذلك الفتوحات المكية. في تفسير قول الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم. وكذلك روح المعاني. وتفسير القرآن الكريم لصدر المتألهين الشيرازي.( )
الذي فتقت به رتق الوجود أي هو صلى الله عليه وسلم موجد الوجود من الهباء باعتبار التعين الأول أو أول التعينات والعقل الأول والفعال.
وروح الأرواح: على الحقيقة فهو روح كلي عندهم والأرواح الجزئية اشتقت منه والبقية واضحة لا تحتاج لشرح. أما الدعاء الثاني فهو مثل الأول من حيث المعنى.
وخلاصة القول أن الرسول الكريم كما يراه الصوفية:
1- هو التعين الأول، وهو العقل الأول. وهو العقل الفعال.
2- هو الاسم الأعظم، هو الذات. هو مرآة الذات.
3- هو المقابل لحضرة الأزل. هو الأزلي الأبدي.
4- هو الواحد المتلبس بملابس شتى. وملابسه في كل زمان هم الأقطاب.
وهذه النقطة الرابعة هي يعني بها البحث لأنها تعني انتقال كل خصائص الحقيقة المحمدية إلى القطب فما هو ومن هو القطب.

المُوَقِّع
01-Mar-2010, 01:00 AM
جيد، ناقشت نقطة دقيقة مهمة ، فواصل وصلك الله بحبل هداه..

عبد الرحمن نموس
01-Mar-2010, 07:17 PM
جزاك الله خيرا وأحسن إليك