أبو المنذر
28-Feb-2007, 03:54 AM
آثار التعبد بأسماء الله وصفاته
بقلم : محمد بن عبد الله الزغيبي
تمهيد :
إن البحث في أسماء الله وصفاته وفق ما جاء في الكتاب والسنة هو من أجلِّ المعارف وأشرفها . ولن نتعرض في هذا البحث المتواضع لكل ما يتعلق بالأسماء الحسنى ، ولكننا سنعرض لجزئية صغيرة ، ولكنها مهمة وعظيمة ، ألا وهي التعبد بأسماء الله وصفاته الحسنى ، فإنه باب عظيم يضم بين جوانبه مسائل من التعبد ، فمنها : إحصاء ألفاظها وعددها ، وكذلك : الدعاء بها ، وثالثها : ما نحن بصدده ، وهو فهم معانيها ومدلولها .
وفهم معانيها ومدلوها له مترادفات أخرى ذكرها ابن القيم في ثنايا كتبه ، وهي : إدراك موجبها ، وآثارها ، ومقتضياتها ، ومتعلقها ، ولوازمها ، وأحكامها .. فكل هذه المترادفات المتقاربة تعني التعبد لله بأسمائه وصفاته ، إذ كل اسم له تعبد مختص به علماً ومعرفة وحالاً ، وله صفة خاصة ، وكل صفة لها مقتضى وفعل ، إما لازم ، وإما متعدٍّ ، ولذلك الفعل تعلق بمفعول هو من لوازمه ، وهذا في خلقه ، وأمره ، وثوابه ، وعقابه ، وكل ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجباتها . ومن المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها ، وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال . فمثلاً اسم (السميع) من أسماء الله الحسنى ، ولا بد من إثبات حكمه ومقتضاه ، وهو أنه يسمع السر والنجوى ، ويسمع ضجيج الأصوات ، على اختلاف اللغات .. وإدراك هذا الأثر من اسمه (تعالى) يورث العبد حالاً من التعبد والمراقبة والإنابة إلى ربه (سبحانه وتعالى) .
واعلم أن التعبد بالأسماء والصفات الحسنى درجات ومراتب وأنواع كما سبق ، وكلما زاد علم العبد بالله (جل وعلا) ارتفع في درجة التعبد ، وأكمل الناس عبودية هو المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر ، فلا تحجبه عبودية اسم عن آخر ، كمن يحجبه التعبد باسمه (القدير) عن التعبد باسمه (الحليم) (الرحيم) ، أو يحجبه عبودية اسم (المعطي) عن عبودية اسم (المانع) ، أو عبودية اسم (الرحيم) و (العفو) و (الغفور) عن اسمه (المنتقم) ، أو التعبد بأسماء التودد والبر واللطف والإحسان عن أسماء العدل والجبروت والعظمة والكبرياء .. ونحو ذلك . وهو (سبحانه) يحب موجب أسمائه وصفاته ، فهو عليم ويحب كل عليم ، جواد يحب كل جواد ، عفو يحب العفو وأهله ، حيي يحب الحياء وأهله ، شكور يحب الشاكرين ، صبور يحب الصابرين ، حليم يحب أهل الحلم [4] ، وإذا كان (سبحانه) يحب المتصفين بأثر صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف ، وهو ما يسمى بالمعية الخاصة .
إن معرفة معاني الأسماء والصفات يحقق آثاراً ظاهرة لمن تعبّد لله بها ، ومن هذه الآثار :
1- الأنس بالله ولمّ شعث القلب : (وذلك إنما هو أثر تجلي الأسماء والصفات الحسنى على قلب العبد ، فترتفع حجب الغفلة والشك والإعراض ، ويتم استيلاء سلطان المعرفة على القلب وقد استولى على العبد نور الإيمان بالأسماء والصفات ومعرفتها ، ودوام ذكرها ، والنظر إلى الواحد الفرد ، الأول فليس قبله شيء ، الآخر الذي ليس بعده شيء ، الظاهر الذي ليس فوقه شيء ، الباطن الذي ليس دونه شيء ، سبق كل شيء بأوليته ، وبقي بعد كل شيء بآخريته ، وعلا فوق كل شيء بظهوره ، وأحاط بكل شيء ببطونه) [5] .
(وإذا بلغ العبد في مقام المعرفة إلى حدٍّ كأنه يكاد يطالع ما اتصف به الرب (سبحانه) من صفات الكمال ونعوت الإجلال ، وأحست روحه بالقرب الخاص ، حتى يشاهد رفع الحجاب بين روحه وقلبه وبين ربه ، فإن حجابه هو نفسه ، وقد رفع الله عنه ذلك الحجاب بحوله وقوته ، فأفضى القلب والروح حينئذ إلى الرب ، فصار يعبده كأنه يراه) [6] .
2- تعظيم الله (سبحانه وتعالى) : فمن شاهد الصفة فلا بد أن يشاهد متعلقاتها ، فإن النظر في متعلقاتها يكسب التعظيم للمتصف بها . فمن شاهد صفة الكلام مثلاً زادته تعظيماً لله (تعالى) ولا بد ، إذ لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر ، وأشجار العالم كلها أقلام يُكتب بها كلام الرب (جل جلاله) لفنيت البحار ونفدت الأقلام ، وكلام الله (عز وجل) لا يفنى ولا ينفد ، فمن شاهد الصفات الأخرى بمثل هذه المشاهدة من العلم والقدرة ونحوها ، وجال قلبه في عظمتها : ازداد معرفة وتعظيماً لله (سبحانه) [7] .
3- إدراك مقتضيات الصفات طريق لإثباتها : فوجود هذا الكون المدبر المحكم الواسع يتطلب ربّاً مالكاً حكيماً عليماً ، وكذلك وجود المخلوقات بأنواعها وأشكالها يوجب وجود خالق ، ووجود الجناية والتقصير من العبد يوجب إثبات اسم (الغفار) .. وغيره من الأسماء والصفات .
4- إدراك أسرار الشريعة وحقيقة الأحكام الشرعية : فمن كانت له معرفة بأسماء الله وصفاته ، واستقرار آثارها في الخلق والأمر ، رأى الخلق والأمر ينتظمان بها أتم انتظام ، ورأى سريان آثارها فيها ، وعلم بحسب معرفته ما يليق بكماله وجلاله أن يفعله ، وما لا يليق ، فاستدل بأسمائه على ما يفعله وما لا يفعله ، فإنه لا يفعل خلاف موجب حمده وحكمته ، وكذلك يعلم ما يليق به أن يأمر به ويشرعه مما لا يليق به ، فإذا رأى في بعض الأحكام جوراً أو سفهاً وعبثا ومفسدة ، فليعلم أنه ليس من أحكامه ودينه ، وأنه بريء منه ورسوله ؛ فإنه إنما أمر بالعدل لا بالظلم ، وبالمصلحة لا بالمفسدة ، وبالحكمة لا بالسفة) [8].
5- الطمأنينة : والطمأنينة إلى أسماء الرب وصفاته نوعان : أحدهما : طمأنينة إلى الإيمان بها وإثباتها واعتقادها ، وطمأنينة إلى ما تقتضيه وتوجبه من آثار العبودية ، فمثلاً : التعبد باسم (القدير) يوجب الطمأنينة إلى القَدَر وإثباته ، ويقتضي الطمأنينة إلى مواضع الأقدار التي لا قدرة له على دفعها ، فيسلِّم لها ، ويرضى بها ، ولا يسخط ، ولا يشكو ، ولا يضطرب إيمانه ، فلا يأسى على ما فاته ، ولا يفرح بما آتاه الله ؛ لأن المصيبة فيه مقدرة قبل أن تصل إليه وقبل أن يُخلق . فهذه طمأنينة إلى أحكام الصفات وموجباتها وآثارها في العالم ، وهي قدر زائد على الطمأنينة بمجرد العلم بها واعتقادها [9] .
أمثلة توضح كيفية التعبد بمعاني الأسماء والصفات : سنتطرق لبعض الأسماء والصفات ، وإلا فإن توضيح ما مضى لجميع الصفات أمر يطول ، ولكن يمكن فهم الأسماء والصفات على ما سنذكره :
1- السميع : إذا استشعر العبد بقلبه سمعه (سبحانه) لأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها ، وأن سواء عنده من أسر القول ومن جهر به ، ولايشغله من جهر عن سمعه لصوت من أسر ، ولا يشغله سمع عن سمع ، ولا تغلطه الأصوات على كثرتها واختلافها واجتماعها ، بل هي عنده كصوت واحد ، فعلم أن الله يسمعه : فلا يقول إلا خيراً ، بل يستحي أن يسمع الله من كلامه ما يخزيه ويفضحه عنده ، وإنما يشتد في ألا يسمع منه إلا الكلام الحسن ، بل ويكثر منه ؛ حتى يحظى عند ربه (سبحانه) [10] .
ويستشعر أن الله يسمع كلام أعدائه ، وأن الله ليس بغافل عنهم ولا يرضى ما يقولون ، فعند ذلك يعلم أن الله معه وأنه ناصره لا محالة ، وقد قال ابن القيم في النونية معبراً عن هذا المعنى : وهو السميع يرى ويسمع كل ما في الكون من سر ومن إعلان ولكل صوت منه سمع حاضر فالسر والإعلان مستويان والسمع منه واسع الأصوات لا يخفى عليه بعيدها والداني
2- العزيز : وسنتعرض لطرف من معنى هذا الاسم العظيم ، وهو مشاهدة عزة الله (سبحانه) في تقديره (تعالى) على عبده بالمعاصي والذنوب . فيشاهد عزة الله بأن قلّب قلبه وصرّف إرادته على ما يشاء (سبحانه) ، وحال بين العبد وقلبه وأن يعرف أنه مدبّر مقهور ، ناصيته بيد غيره ، لا عصمة له إلا بعصمته ، ولا توفيق له إلا بمعونته فهو ذليل حقير ، في قبضة عزيز حميد [11] .
3- الودود : فهو يحب عباده الصالحين ويحبونه ؛ فإن العبد إذا شاهد بقلبه غنيّاً كريماً جواداً ، عزيزاً قادراً ، كل أحد محتاج إليه بالذات ، وهو غني بالذات عن كل ما سواه ، وهو مع ذلك يود عباده ويحبهم ، ويتودد إليهم بإحسانه وتفضله عليهم : كان له من هذا الشهود حالة صافية خالصة من الشوائب [12] .
4- السلام : وحقيقة هذه اللفظة (السلام) هي : البراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب ، فإذا علمت أن الله هو (السلام) فتعلم أن تجاوزه عنك في معصيتك وذنبك سلام من أن تكون عن حاجة منه أو ذل أو مصانعة ، كما أن عذابه سلام عن أن يكون ظلماً أو قسوة ، بل هو محض حكمته وعدله . وشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم .
وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه أو تعلق أو انتفاع بقربه . فتأمل كيف تضمن اسمه (السلام) كل ما نُزِّه عنه (تبارك وتعالى) ، واستشعر هذا بقلبك ؛ فإنه يبعث على تعظيم ربك (سبحانه) [13] .
5- الجبار : ولاسمه (الجبار) ثلاثة معان : 1- أنه الذي يجبر ضعف الضعفاء من عباده ويجبر كسر القلوب المنكسرة ، فكم جَبَر من كسير ، وأغنى من فقير ، وأعز من ذليل ، فإذا عرف العبد هذا المعنى تعبد لله بمقتضاه ، وسأله بأن يجبر كسره ، ويعينه على عبادته .
2- أنه القهار ، فهو يجبر عباده على ما أراد مما اقتضته حكمته ، فيستشعر العبد أن أفعاله بقدرة الله ، ويعلم أن أعداء الدين لن يصيبوه إلا بما قضى الله وأراد .
3- أنه العلي بذاته فوق جميع مخلوقاته ، فلا يستطيع أحد منهم أن يدنو منه ، فيبعثه ذلك على تعظيم ربه وإدراك عزته واستعلائه [13] . والله أعلم ، وصلِّ اللهم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم ...
________________________
(1) هناك كتب أفردت لذلك من بعض المعاصرين ، فمنها : القواعد المثلى ، للشيخ محمد العثيمين (رحمه الله) ، وأسماء الله الحسنى ، لصالح الغصن ، وصفات الله (تعالى) ، لعلوي السقاف ، وهو غير ذلك السقاف القبوري المتمشعر المدعو (حسن السقاف) . (2) للتحقيق في هذه اللفظة راجع : بدائع الفوائد ، 1/180 181 ، دار المؤيد . (3) بدائع الفوائد ، 1/164 . (4) تهذيب مدارج السالكين ، ص222 ، وللاستزادة انظر : مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (رحمه الله)، 1/138 . (5) تهذيب مدارج السالكين ، ص 544 585 . (6) انظر : تهذيب مدارج السالكين ، ص 585 . (7) طريق الهجرتين ، ص 76 . (8) الروح ، ص 296 . (9) انظر : طريق الهجرتين ، ص 76 . (10) انظر : تهذيب مدارج السالكين ، ص 132 . (11) انظر : تهذيب مدارج السالكين ، ص 559 . (12) بدائع الفوائد ، 2/135 ، بتصرف . (13) صفات الله (عز وجل) للسقاف ، ص 78 ، بتصرف وزيادات ، وانظر : توضيح الكافية للسعدي، ص 40 ، فقد ذكر معنى رابعاً .
بقلم : محمد بن عبد الله الزغيبي
تمهيد :
إن البحث في أسماء الله وصفاته وفق ما جاء في الكتاب والسنة هو من أجلِّ المعارف وأشرفها . ولن نتعرض في هذا البحث المتواضع لكل ما يتعلق بالأسماء الحسنى ، ولكننا سنعرض لجزئية صغيرة ، ولكنها مهمة وعظيمة ، ألا وهي التعبد بأسماء الله وصفاته الحسنى ، فإنه باب عظيم يضم بين جوانبه مسائل من التعبد ، فمنها : إحصاء ألفاظها وعددها ، وكذلك : الدعاء بها ، وثالثها : ما نحن بصدده ، وهو فهم معانيها ومدلولها .
وفهم معانيها ومدلوها له مترادفات أخرى ذكرها ابن القيم في ثنايا كتبه ، وهي : إدراك موجبها ، وآثارها ، ومقتضياتها ، ومتعلقها ، ولوازمها ، وأحكامها .. فكل هذه المترادفات المتقاربة تعني التعبد لله بأسمائه وصفاته ، إذ كل اسم له تعبد مختص به علماً ومعرفة وحالاً ، وله صفة خاصة ، وكل صفة لها مقتضى وفعل ، إما لازم ، وإما متعدٍّ ، ولذلك الفعل تعلق بمفعول هو من لوازمه ، وهذا في خلقه ، وأمره ، وثوابه ، وعقابه ، وكل ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجباتها . ومن المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها ، وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال . فمثلاً اسم (السميع) من أسماء الله الحسنى ، ولا بد من إثبات حكمه ومقتضاه ، وهو أنه يسمع السر والنجوى ، ويسمع ضجيج الأصوات ، على اختلاف اللغات .. وإدراك هذا الأثر من اسمه (تعالى) يورث العبد حالاً من التعبد والمراقبة والإنابة إلى ربه (سبحانه وتعالى) .
واعلم أن التعبد بالأسماء والصفات الحسنى درجات ومراتب وأنواع كما سبق ، وكلما زاد علم العبد بالله (جل وعلا) ارتفع في درجة التعبد ، وأكمل الناس عبودية هو المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر ، فلا تحجبه عبودية اسم عن آخر ، كمن يحجبه التعبد باسمه (القدير) عن التعبد باسمه (الحليم) (الرحيم) ، أو يحجبه عبودية اسم (المعطي) عن عبودية اسم (المانع) ، أو عبودية اسم (الرحيم) و (العفو) و (الغفور) عن اسمه (المنتقم) ، أو التعبد بأسماء التودد والبر واللطف والإحسان عن أسماء العدل والجبروت والعظمة والكبرياء .. ونحو ذلك . وهو (سبحانه) يحب موجب أسمائه وصفاته ، فهو عليم ويحب كل عليم ، جواد يحب كل جواد ، عفو يحب العفو وأهله ، حيي يحب الحياء وأهله ، شكور يحب الشاكرين ، صبور يحب الصابرين ، حليم يحب أهل الحلم [4] ، وإذا كان (سبحانه) يحب المتصفين بأثر صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف ، وهو ما يسمى بالمعية الخاصة .
إن معرفة معاني الأسماء والصفات يحقق آثاراً ظاهرة لمن تعبّد لله بها ، ومن هذه الآثار :
1- الأنس بالله ولمّ شعث القلب : (وذلك إنما هو أثر تجلي الأسماء والصفات الحسنى على قلب العبد ، فترتفع حجب الغفلة والشك والإعراض ، ويتم استيلاء سلطان المعرفة على القلب وقد استولى على العبد نور الإيمان بالأسماء والصفات ومعرفتها ، ودوام ذكرها ، والنظر إلى الواحد الفرد ، الأول فليس قبله شيء ، الآخر الذي ليس بعده شيء ، الظاهر الذي ليس فوقه شيء ، الباطن الذي ليس دونه شيء ، سبق كل شيء بأوليته ، وبقي بعد كل شيء بآخريته ، وعلا فوق كل شيء بظهوره ، وأحاط بكل شيء ببطونه) [5] .
(وإذا بلغ العبد في مقام المعرفة إلى حدٍّ كأنه يكاد يطالع ما اتصف به الرب (سبحانه) من صفات الكمال ونعوت الإجلال ، وأحست روحه بالقرب الخاص ، حتى يشاهد رفع الحجاب بين روحه وقلبه وبين ربه ، فإن حجابه هو نفسه ، وقد رفع الله عنه ذلك الحجاب بحوله وقوته ، فأفضى القلب والروح حينئذ إلى الرب ، فصار يعبده كأنه يراه) [6] .
2- تعظيم الله (سبحانه وتعالى) : فمن شاهد الصفة فلا بد أن يشاهد متعلقاتها ، فإن النظر في متعلقاتها يكسب التعظيم للمتصف بها . فمن شاهد صفة الكلام مثلاً زادته تعظيماً لله (تعالى) ولا بد ، إذ لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر ، وأشجار العالم كلها أقلام يُكتب بها كلام الرب (جل جلاله) لفنيت البحار ونفدت الأقلام ، وكلام الله (عز وجل) لا يفنى ولا ينفد ، فمن شاهد الصفات الأخرى بمثل هذه المشاهدة من العلم والقدرة ونحوها ، وجال قلبه في عظمتها : ازداد معرفة وتعظيماً لله (سبحانه) [7] .
3- إدراك مقتضيات الصفات طريق لإثباتها : فوجود هذا الكون المدبر المحكم الواسع يتطلب ربّاً مالكاً حكيماً عليماً ، وكذلك وجود المخلوقات بأنواعها وأشكالها يوجب وجود خالق ، ووجود الجناية والتقصير من العبد يوجب إثبات اسم (الغفار) .. وغيره من الأسماء والصفات .
4- إدراك أسرار الشريعة وحقيقة الأحكام الشرعية : فمن كانت له معرفة بأسماء الله وصفاته ، واستقرار آثارها في الخلق والأمر ، رأى الخلق والأمر ينتظمان بها أتم انتظام ، ورأى سريان آثارها فيها ، وعلم بحسب معرفته ما يليق بكماله وجلاله أن يفعله ، وما لا يليق ، فاستدل بأسمائه على ما يفعله وما لا يفعله ، فإنه لا يفعل خلاف موجب حمده وحكمته ، وكذلك يعلم ما يليق به أن يأمر به ويشرعه مما لا يليق به ، فإذا رأى في بعض الأحكام جوراً أو سفهاً وعبثا ومفسدة ، فليعلم أنه ليس من أحكامه ودينه ، وأنه بريء منه ورسوله ؛ فإنه إنما أمر بالعدل لا بالظلم ، وبالمصلحة لا بالمفسدة ، وبالحكمة لا بالسفة) [8].
5- الطمأنينة : والطمأنينة إلى أسماء الرب وصفاته نوعان : أحدهما : طمأنينة إلى الإيمان بها وإثباتها واعتقادها ، وطمأنينة إلى ما تقتضيه وتوجبه من آثار العبودية ، فمثلاً : التعبد باسم (القدير) يوجب الطمأنينة إلى القَدَر وإثباته ، ويقتضي الطمأنينة إلى مواضع الأقدار التي لا قدرة له على دفعها ، فيسلِّم لها ، ويرضى بها ، ولا يسخط ، ولا يشكو ، ولا يضطرب إيمانه ، فلا يأسى على ما فاته ، ولا يفرح بما آتاه الله ؛ لأن المصيبة فيه مقدرة قبل أن تصل إليه وقبل أن يُخلق . فهذه طمأنينة إلى أحكام الصفات وموجباتها وآثارها في العالم ، وهي قدر زائد على الطمأنينة بمجرد العلم بها واعتقادها [9] .
أمثلة توضح كيفية التعبد بمعاني الأسماء والصفات : سنتطرق لبعض الأسماء والصفات ، وإلا فإن توضيح ما مضى لجميع الصفات أمر يطول ، ولكن يمكن فهم الأسماء والصفات على ما سنذكره :
1- السميع : إذا استشعر العبد بقلبه سمعه (سبحانه) لأصوات عباده على اختلافها وجهرها وخفائها ، وأن سواء عنده من أسر القول ومن جهر به ، ولايشغله من جهر عن سمعه لصوت من أسر ، ولا يشغله سمع عن سمع ، ولا تغلطه الأصوات على كثرتها واختلافها واجتماعها ، بل هي عنده كصوت واحد ، فعلم أن الله يسمعه : فلا يقول إلا خيراً ، بل يستحي أن يسمع الله من كلامه ما يخزيه ويفضحه عنده ، وإنما يشتد في ألا يسمع منه إلا الكلام الحسن ، بل ويكثر منه ؛ حتى يحظى عند ربه (سبحانه) [10] .
ويستشعر أن الله يسمع كلام أعدائه ، وأن الله ليس بغافل عنهم ولا يرضى ما يقولون ، فعند ذلك يعلم أن الله معه وأنه ناصره لا محالة ، وقد قال ابن القيم في النونية معبراً عن هذا المعنى : وهو السميع يرى ويسمع كل ما في الكون من سر ومن إعلان ولكل صوت منه سمع حاضر فالسر والإعلان مستويان والسمع منه واسع الأصوات لا يخفى عليه بعيدها والداني
2- العزيز : وسنتعرض لطرف من معنى هذا الاسم العظيم ، وهو مشاهدة عزة الله (سبحانه) في تقديره (تعالى) على عبده بالمعاصي والذنوب . فيشاهد عزة الله بأن قلّب قلبه وصرّف إرادته على ما يشاء (سبحانه) ، وحال بين العبد وقلبه وأن يعرف أنه مدبّر مقهور ، ناصيته بيد غيره ، لا عصمة له إلا بعصمته ، ولا توفيق له إلا بمعونته فهو ذليل حقير ، في قبضة عزيز حميد [11] .
3- الودود : فهو يحب عباده الصالحين ويحبونه ؛ فإن العبد إذا شاهد بقلبه غنيّاً كريماً جواداً ، عزيزاً قادراً ، كل أحد محتاج إليه بالذات ، وهو غني بالذات عن كل ما سواه ، وهو مع ذلك يود عباده ويحبهم ، ويتودد إليهم بإحسانه وتفضله عليهم : كان له من هذا الشهود حالة صافية خالصة من الشوائب [12] .
4- السلام : وحقيقة هذه اللفظة (السلام) هي : البراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب ، فإذا علمت أن الله هو (السلام) فتعلم أن تجاوزه عنك في معصيتك وذنبك سلام من أن تكون عن حاجة منه أو ذل أو مصانعة ، كما أن عذابه سلام عن أن يكون ظلماً أو قسوة ، بل هو محض حكمته وعدله . وشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم .
وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه أو تعلق أو انتفاع بقربه . فتأمل كيف تضمن اسمه (السلام) كل ما نُزِّه عنه (تبارك وتعالى) ، واستشعر هذا بقلبك ؛ فإنه يبعث على تعظيم ربك (سبحانه) [13] .
5- الجبار : ولاسمه (الجبار) ثلاثة معان : 1- أنه الذي يجبر ضعف الضعفاء من عباده ويجبر كسر القلوب المنكسرة ، فكم جَبَر من كسير ، وأغنى من فقير ، وأعز من ذليل ، فإذا عرف العبد هذا المعنى تعبد لله بمقتضاه ، وسأله بأن يجبر كسره ، ويعينه على عبادته .
2- أنه القهار ، فهو يجبر عباده على ما أراد مما اقتضته حكمته ، فيستشعر العبد أن أفعاله بقدرة الله ، ويعلم أن أعداء الدين لن يصيبوه إلا بما قضى الله وأراد .
3- أنه العلي بذاته فوق جميع مخلوقاته ، فلا يستطيع أحد منهم أن يدنو منه ، فيبعثه ذلك على تعظيم ربه وإدراك عزته واستعلائه [13] . والله أعلم ، وصلِّ اللهم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم ...
________________________
(1) هناك كتب أفردت لذلك من بعض المعاصرين ، فمنها : القواعد المثلى ، للشيخ محمد العثيمين (رحمه الله) ، وأسماء الله الحسنى ، لصالح الغصن ، وصفات الله (تعالى) ، لعلوي السقاف ، وهو غير ذلك السقاف القبوري المتمشعر المدعو (حسن السقاف) . (2) للتحقيق في هذه اللفظة راجع : بدائع الفوائد ، 1/180 181 ، دار المؤيد . (3) بدائع الفوائد ، 1/164 . (4) تهذيب مدارج السالكين ، ص222 ، وللاستزادة انظر : مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (رحمه الله)، 1/138 . (5) تهذيب مدارج السالكين ، ص 544 585 . (6) انظر : تهذيب مدارج السالكين ، ص 585 . (7) طريق الهجرتين ، ص 76 . (8) الروح ، ص 296 . (9) انظر : طريق الهجرتين ، ص 76 . (10) انظر : تهذيب مدارج السالكين ، ص 132 . (11) انظر : تهذيب مدارج السالكين ، ص 559 . (12) بدائع الفوائد ، 2/135 ، بتصرف . (13) صفات الله (عز وجل) للسقاف ، ص 78 ، بتصرف وزيادات ، وانظر : توضيح الكافية للسعدي، ص 40 ، فقد ذكر معنى رابعاً .