سعد الماجد
20-Feb-2007, 10:49 PM
قول الإمام ابن منده في حديث : ( خلق الله آدم على صورته ).
لقد شرح الإمام ابن منده – رحمه الله – كغـــيره من العلماء حديث: » إن الله خلق آدم على صورته « بما قد يُلمح من ذلك الشـرح » التـأويل « وإليك التفصيل في ذلك:
قال الإمام » ابن منده «: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: » لا يقولنَّ أحدكم قبَّح الله وجهــــك ووجـــــه من أشبه وجهك؛ فإن الله خلـــــــق آدم على صورته « ([1]).
قال » ابن منده « هذا إسناد مشهور متصل صحيح … ومعناه صحيح وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام أن الله عز وجل خلق بني آدم على صورة آدم – عليه السلام - فإذا شتم أحد من ولده ومن يشبه وجهه فقد شتم آدم – عليه السلام - فنهي عن ذلك ([2]) .
وهناك رواية عن ابن عمر – رضي الله عنه - ولم يذكرها الإمام الحافظ » ابن منده « - في كتاب » التوحيد « وفيها التصريح بما أُبهم في رواية أبي هريرة – رضي الله عنه - وهي :
عن ابن عمر – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لا تقبِّحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن « ([3]) « ([4]) .
وإليك بيان أقوال أهل العلم في حديث » خلق الله آدم على صورته « :
[1] أن الضمـير يعود إلى أدم – عليه السلام - قال: » أبو ثــور « ([5]) وطائفة ([6]) حيث قالوا: »صوَّر آدم قبل خلقه ثم خلقه على تلك الصورة، فأمَّـا أن يكون الله خلق آدم على صورته فلا …. « ([7]) .
وقد ذُكر للإمام أحمد – رحمه الله تعالى – فأنكر عليه وقال: ويله؟! وأي صورة كانت لآدم حتى خلقه عليها، يقول إن الله خلق على مثال، ويله فكيف يصنع بالحديث الآخر: » إن الله خلق آدم على صورة الرحمن « ([8])« .
[2] أن الضمير يعود إلى المضـــــروب، قاله الإمـــــام » ابن خزيمة « ، وكذلك الإمام »ابن منده « كما تقدَّم.
قال الإمام » ابن خزيمة « - رحمه الله -: » توهم بعض من لم يتحر العلم أن قولـــه: » صورته يريد صورة الرحمن – عز ربنا وجل – عن أن يكون هذا معنى الخبر، بل الخبر، بل معنى قوله: » خلق آدم على صورته : الهاء في هذا الموضع كناية عن اسم المضروب، والمشتوم، أراد صلى الله عليه وسلم أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب، الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب، والذي قبح وجهه، فزجر صلى الله عليه وسلم أن يقول: » ووجه من أشبه وجهك «، لأن وجه آدم شبيه وجوه بنيه، فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم : قبَّح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، كان مقبِّحًا وجه آدم – صلوات الله عليه وسلامه -، الذي وجوه بنيه شبيه بوجه أبيهم، فتفهموا – رحمكم الله – معنى الخبر، لا تغلطوا ولا تغالطوا فتضلوا عن سواء السبيل، وتحملوا على القـــــــول بالتشبيه الذي هو ضلال « ([9]) .
وقد رد ذلك الإمام أحمد فيما رواه ابنه عبدالله ([10]) عنه حيث قال: قال رجل لأبي إن فلانًا يقول في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :
» إن الله خلق آدم على صورته « فقال على صورة الرجل، قال أبي كذب هذا، هذا قول الجهمية وأي فائدة في هذا « ([11]) .
وقال الإمام » ابن قتيبة «– رحمه الله - : » .. وقال قوم في الحديث: » لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته « .
يريد أن الله – جل وعز – خلق آدم على صورة الوجه وهذا أيضًا بمنزلة التأول الأول [ القول الأول ] لا فائدة فيه، والناس يعلمون أن الله تبارك وتعالى خلق آدم على خلق ولده ووجهه على وجوههم « ([12]) .
[3] أن الضمير يعود إلى » الله « وهو من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، وهي إضافة تشريف وتعظيم، ومثله قوله تعالى: ]رُوحِنَا [ ([13])، و ]نَاقَةُ اللَّهِ [ ([14]) وقال به الإمام ابن خزيمة – رحمه الله – حيث قال في كتابه: » التوحيد « : » والذي عندي في تأويل هـــــذا الخبر – إن صح من جهة النقل – أن إضافة الصــــــورة إلى »الرحمن « في هذا الخبر إنما هو من باب إضافة الخلق إليه لأن الخلق مضاف إلى الرحمن، إذ الله خلقه، وكذلك الصورة تضاف إلى » الرحمن « لأن الله صوّرها، ألم تسمع قول الله – عز وجل -: ] هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ [ ([15]) .
فأضاف الله الخلق إلى نفسه إذ الله تولى خلقه وكذلك - قوله تعالى -: ]هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً [ ([16]) فأضاف الله الناقة إلى نفسه « ([17])، وهذا هو التأويل الثاني للإمام » ابن خزيمة « - رحمه الله - .
[4] أن الضمير يعود إلى » الله « وهو من باب إضافة الصفة لموصوفها وعدم التأويل والتسليم لما دلَّ عليه الحديث برواياته المتعددة وقال به جمع من العلماء على رأسهم إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية([18])، وغيرهم قال الإمام » ابن قتيبة « - رحمه الله -: » والذي عندي والله أعلم أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن . ونحن نؤمن بالجميع ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد « ([19]) .
وقال الإمام الآجري ([20]) : » هذه من السُنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها ولا يقال فيها : كيف؟ ولِمَ ؟ بل تستقبل بالتسليم والتصديق، وترك النظر، كما قال من تقدَّم من أئمة المسلمين « ([21]) .
وقال شـــــيخ الإسلام » ابن تيمية « - رحمه الله – بعد إيراده لروايات الحديث: »والكلام على ذلك أن يقال هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة وسياق الأحاديث كلها تدل على ذلك …. ولكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائدًا إلى غير الله – تعالى – حتى نُقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم كأبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ الأصبهاني ([22]) وغيرهم ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة« ([23]) .
وقد سئل الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين – رحمه الله – (أحد أئمة الدعوة في نجد) عن قوله: » خلق الله بيده على صورته « ؟
فقال بعد إيراد روايات الحديث ومنع تأويلها: » فالذي ينبغي في هذا ونحوه: إمرار الحديث كما جاء، على الرضا والتسليم مع اعتقاد أنه: ] لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[ ([24]) « ([25]) .
وقد ذهب إلى هذا القول من علماء » السلف « المعاصرين: الشيخ حماد الأنصاري والشيخ محمد تقي الدين الهلالي – رحمهما الله تعالى – ([26]) وغيرهما .
هذه هي أبرز الأقوال في بيان معنى هذا الحديث والراجح والله أعلم القول الأخير وذلك لأمور منها :
1- لضعف ما ذهب إليه هؤلاء العلماء من التأويل كما سبق .
ومخالفته ما أمرنا به من القبول والتسليم . قال الإمام الذهبي – رحمه الله – في كتابه: » ميزان الاعتدال « : » أما معنى حديث الصورة فنرد علمه إلى الله ورسوله، ونسكت كما سكت السلف مع الجزم بأن ليس كمثله شيء « ([27]) .
2 - يُردُّ على من حكم بنكارة زيادة » على صورة الرحمن « بقول القاضي أبي يعلى الفراء ([28]): » ولا يجوز أن يتطابق هؤلاء الحفَّاظ على نقل زيادة باطلة أو ضعيفة، والذي حكاه أحمد [ ابن حنبل ] عن الثوري وأنه وقفها لا يدل على ضعفها لأنه لا يـجــــــوز أن لا تقع له هذه الزيادة وتقع لغيره، ومثل هذا لا تُرد به الأخبار « ([29]) .
3 - أن إثبات هذا الحديث لا يؤدي إلى التمثيل بأي وجه كما تصوَّره من تأول الحديث أو رده .
وقد صح عن رسول الله r أنه قال: » أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر « ([30]) . ولم يقل أحد بأنه يقتضي المماثلة أو المشابهة بأي وجه ([31]) .
--------------------------------------------------------------------------------
([1] ) أخرجه » البخاري « ك/ العتق ب20/ ح2559 (ص507) بغير لفظ » صورته «، وأخرجه » مسلم « ك/ البر والصلة والآداب ح 115 (ص114) بنحوه .
([2] ) انظر : كتاب التوحيد (1/ 223، 224) .
([3] ) أخرجه عبدالله بن الإمام أحمد في كتاب السنة (1/ 268) عن أبي معمر، وأيضًا أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة (1/ 362) من طريق يوسف بن موسى .
وأيضًا أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (1/85) من طريقين: الأول من طريق يوسف ابن موسى موصولاً، والثاني: من طريق محمد بن المثنى عن عبدالرحمن بن مهدي عن سفيان مرسلاً . =
= وقال الألباني – رحمه الله - : » إسناده ضعيف، ورجاله ثقـــــــــــات كلهـــــــم رجال » البخاري«، وعلته عنعنة حبيب بن أبي ثابت فإنه كان يدلس، وكذلك الأعمش، وقد خولف في إسناده من قبل سفيان الثوري فقال: عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسله …. فهذا المرسل أصح من الموصول، انظر كتاب السنة لابن أبي عاصم تخريج الألباني (ص 240)، وانظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (3/316)، وهذا القول هو قول ابن خزيمة – رحمه الله – حيث قال: (والذي عندي – في تأويل هذا الخبر – إن صح – من جهة النقل موصولاً : فإن في الخبر عللاً ثلاثًا :
إحداهن : أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، فأرسل الثوري ولم يقل: عن ابن عمر .
والثانية : أن الأعمش مدلس، لم يذكر أنه سمعه من حبيب ابن أبي ثابت .
والثالثة : أن حبيب بن أبي ثابت أيضًا مدلس، لم يعلم أنه سمعه من عطاء، انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (1/87) .
([4] ) وقد روى هذا الحديث عن أبي هريرة – رضي الله عنه - أيضًا .
وقـــد أخرجه ابن أبي عاصم في كتابه » السنة « (1/ 364)، وابن خزيمة في كتاب » التوحيد « (1/92- 93) من طريق أبي موسى محمد بن المثنى، وأخرجه الدارقطني في كتاب » الصفات « (ص 65) من طريق إسماعيل بن العباس الوراق وعند الجميع بلفظ (خلق آدم على صورته)، وقال الألباني – رحمه الله -: » إسناده ضعيف، ورجاله ثقات غير ابن لهيعة فإنه سيء الحفظ، وإنما يصح الحديث بلفظ » على صورته « دون ذكر الرحمن، انظر كتاب السنة لابن أبي عاصم تخريج الألباني (ص 241) .
([5] ) هو : إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي، يكنى بأبي ثور وأيضًا بأبي عبدالله الفقيه المجتهد الثقة، توفي سنة 240هـ .
انظر: السير (12/73)، وميزان الاعتدال (1/ 148)، وطبقات الحفاظ (ص 226) .
([6] ) انظر: كتاب إبطال التأويلات لأبي يعلى الفراء (1/90)، والأسماء والصفات للبيهقي (2/16،17).
([7] ) كتاب إبطال التأويلات (1/ 90) .
([8] ) كتاب إبطال التأويلات (1/ 90) .
([9] ) كتاب التوحيد لابن خزيمة (1/ 84 - 85) .
([10] ) هو : عبدالله بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبدالرحمن، الحافظ المحدث الثقة، وصاحب كتاب » السنة « المشهور، توفي سنة 290هـ .
انظر: السير (13/ 516)، تذكرة الحفاظ (2/ 173)، والشذرات (2/203) .
([11] ) كتاب إبطال التأويلات لأبي يعلى الفراء (1/88)، وانظر أيضًا (1/89، 90)، وميزان الاعتدال (1/603) ترجمة الهيثم بن حمدان .
([12] ) انظر : كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص 148) .
([13] ) مريم /17، والأنبياء /91، والتحريم /12 .
([14] ) الأعراف /73، هود /64،والشمس /13 .
([15] ) لقمان /11 .
([16] ) الأعراف / 73 .
([17] ) (1/ 88 – 91)، وانظر كتاب الأسماء والصفات للبيهقي (2/17، 18).
([18] ) هو : إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المروزي المعروف بابن راهوية . وهو لقب أبيه، أحد الأئمة الحفاظ والثقات جمع بين الفقه والحديث والورع، توفي سنة 238هـ .
انظر : السير (11/ 358)، وفيات الأعيان (1/ 199)، والشذرات (2/ 89) .
([19] ) كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص150) .
([20] ) تقدمت ترجمته (ص106).
([21] ) كتاب الشريعة للإمام الآجري (ص 262) .
([22] ) هو عبدالله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري، المعروف بأبي الشيخ الأصبهاني. الإمام الثقة حافظ أصبهان. توفي سنة 369هـ. انظر تذكرة الحفاظ (3/105)، وطبقات الحفاظ (ص381)، والشذرات (3/69) .
([23] ) نقض التأسيس لابن تيمية (3/ 208، 209) .
([24] ) الشورى /11 .
([25] ) كتاب الدرر السنية في الأجوبة النجدية (3/ 262- 263) .
([26] ) انظر : كلامهما في حاشية كتاب الصفات للدراقطني بتحقيق الدكتور / علي ناصر الفقيهي (ص58- 63).
([27] ) (2/ 420)، وانظر السير (5/ 450) .
([28] ) هو : محمد بن الحسن الفراء أبو يعلى البغدادي الحنبلي . القاضي والإمام العلامة، وصاحب التصانيف كتاب » إبطال التأويلات « وكتاب » مسائل الإيمان «، توفي سنة 458هـ .
انظر: السير (18/ 89)، والبداية والنهاية (12/102)، والمنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد (2/ 128) .
([29] ) انظر : كتاب إبطال التأويلات (1/ 91) .
([30] ) أخرجه » البخاري « ك / بدء الخلق ب8/ ح3246 (ص664)، و» مسلم « ك / الجنة وصفة نعيمها وأهلها ح 14 (17/ 169) .
([31] ) انظر : العقيدة للإمام أحمد برواية الخلال (ص79)، وشرح النووي لصحيح مسلم (16/ 381)، والفتــــوى الحموية الكبرى (ص 423)، وفتـــح الباري لابن حجر (5/ 217، 11/5) .
لقد شرح الإمام ابن منده – رحمه الله – كغـــيره من العلماء حديث: » إن الله خلق آدم على صورته « بما قد يُلمح من ذلك الشـرح » التـأويل « وإليك التفصيل في ذلك:
قال الإمام » ابن منده «: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: » لا يقولنَّ أحدكم قبَّح الله وجهــــك ووجـــــه من أشبه وجهك؛ فإن الله خلـــــــق آدم على صورته « ([1]).
قال » ابن منده « هذا إسناد مشهور متصل صحيح … ومعناه صحيح وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام أن الله عز وجل خلق بني آدم على صورة آدم – عليه السلام - فإذا شتم أحد من ولده ومن يشبه وجهه فقد شتم آدم – عليه السلام - فنهي عن ذلك ([2]) .
وهناك رواية عن ابن عمر – رضي الله عنه - ولم يذكرها الإمام الحافظ » ابن منده « - في كتاب » التوحيد « وفيها التصريح بما أُبهم في رواية أبي هريرة – رضي الله عنه - وهي :
عن ابن عمر – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لا تقبِّحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن « ([3]) « ([4]) .
وإليك بيان أقوال أهل العلم في حديث » خلق الله آدم على صورته « :
[1] أن الضمـير يعود إلى أدم – عليه السلام - قال: » أبو ثــور « ([5]) وطائفة ([6]) حيث قالوا: »صوَّر آدم قبل خلقه ثم خلقه على تلك الصورة، فأمَّـا أن يكون الله خلق آدم على صورته فلا …. « ([7]) .
وقد ذُكر للإمام أحمد – رحمه الله تعالى – فأنكر عليه وقال: ويله؟! وأي صورة كانت لآدم حتى خلقه عليها، يقول إن الله خلق على مثال، ويله فكيف يصنع بالحديث الآخر: » إن الله خلق آدم على صورة الرحمن « ([8])« .
[2] أن الضمير يعود إلى المضـــــروب، قاله الإمـــــام » ابن خزيمة « ، وكذلك الإمام »ابن منده « كما تقدَّم.
قال الإمام » ابن خزيمة « - رحمه الله -: » توهم بعض من لم يتحر العلم أن قولـــه: » صورته يريد صورة الرحمن – عز ربنا وجل – عن أن يكون هذا معنى الخبر، بل الخبر، بل معنى قوله: » خلق آدم على صورته : الهاء في هذا الموضع كناية عن اسم المضروب، والمشتوم، أراد صلى الله عليه وسلم أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب، الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب، والذي قبح وجهه، فزجر صلى الله عليه وسلم أن يقول: » ووجه من أشبه وجهك «، لأن وجه آدم شبيه وجوه بنيه، فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم : قبَّح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، كان مقبِّحًا وجه آدم – صلوات الله عليه وسلامه -، الذي وجوه بنيه شبيه بوجه أبيهم، فتفهموا – رحمكم الله – معنى الخبر، لا تغلطوا ولا تغالطوا فتضلوا عن سواء السبيل، وتحملوا على القـــــــول بالتشبيه الذي هو ضلال « ([9]) .
وقد رد ذلك الإمام أحمد فيما رواه ابنه عبدالله ([10]) عنه حيث قال: قال رجل لأبي إن فلانًا يقول في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :
» إن الله خلق آدم على صورته « فقال على صورة الرجل، قال أبي كذب هذا، هذا قول الجهمية وأي فائدة في هذا « ([11]) .
وقال الإمام » ابن قتيبة «– رحمه الله - : » .. وقال قوم في الحديث: » لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته « .
يريد أن الله – جل وعز – خلق آدم على صورة الوجه وهذا أيضًا بمنزلة التأول الأول [ القول الأول ] لا فائدة فيه، والناس يعلمون أن الله تبارك وتعالى خلق آدم على خلق ولده ووجهه على وجوههم « ([12]) .
[3] أن الضمير يعود إلى » الله « وهو من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، وهي إضافة تشريف وتعظيم، ومثله قوله تعالى: ]رُوحِنَا [ ([13])، و ]نَاقَةُ اللَّهِ [ ([14]) وقال به الإمام ابن خزيمة – رحمه الله – حيث قال في كتابه: » التوحيد « : » والذي عندي في تأويل هـــــذا الخبر – إن صح من جهة النقل – أن إضافة الصــــــورة إلى »الرحمن « في هذا الخبر إنما هو من باب إضافة الخلق إليه لأن الخلق مضاف إلى الرحمن، إذ الله خلقه، وكذلك الصورة تضاف إلى » الرحمن « لأن الله صوّرها، ألم تسمع قول الله – عز وجل -: ] هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ [ ([15]) .
فأضاف الله الخلق إلى نفسه إذ الله تولى خلقه وكذلك - قوله تعالى -: ]هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً [ ([16]) فأضاف الله الناقة إلى نفسه « ([17])، وهذا هو التأويل الثاني للإمام » ابن خزيمة « - رحمه الله - .
[4] أن الضمير يعود إلى » الله « وهو من باب إضافة الصفة لموصوفها وعدم التأويل والتسليم لما دلَّ عليه الحديث برواياته المتعددة وقال به جمع من العلماء على رأسهم إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية([18])، وغيرهم قال الإمام » ابن قتيبة « - رحمه الله -: » والذي عندي والله أعلم أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن . ونحن نؤمن بالجميع ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد « ([19]) .
وقال الإمام الآجري ([20]) : » هذه من السُنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها ولا يقال فيها : كيف؟ ولِمَ ؟ بل تستقبل بالتسليم والتصديق، وترك النظر، كما قال من تقدَّم من أئمة المسلمين « ([21]) .
وقال شـــــيخ الإسلام » ابن تيمية « - رحمه الله – بعد إيراده لروايات الحديث: »والكلام على ذلك أن يقال هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة وسياق الأحاديث كلها تدل على ذلك …. ولكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائدًا إلى غير الله – تعالى – حتى نُقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم كأبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ الأصبهاني ([22]) وغيرهم ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة« ([23]) .
وقد سئل الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبابطين – رحمه الله – (أحد أئمة الدعوة في نجد) عن قوله: » خلق الله بيده على صورته « ؟
فقال بعد إيراد روايات الحديث ومنع تأويلها: » فالذي ينبغي في هذا ونحوه: إمرار الحديث كما جاء، على الرضا والتسليم مع اعتقاد أنه: ] لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[ ([24]) « ([25]) .
وقد ذهب إلى هذا القول من علماء » السلف « المعاصرين: الشيخ حماد الأنصاري والشيخ محمد تقي الدين الهلالي – رحمهما الله تعالى – ([26]) وغيرهما .
هذه هي أبرز الأقوال في بيان معنى هذا الحديث والراجح والله أعلم القول الأخير وذلك لأمور منها :
1- لضعف ما ذهب إليه هؤلاء العلماء من التأويل كما سبق .
ومخالفته ما أمرنا به من القبول والتسليم . قال الإمام الذهبي – رحمه الله – في كتابه: » ميزان الاعتدال « : » أما معنى حديث الصورة فنرد علمه إلى الله ورسوله، ونسكت كما سكت السلف مع الجزم بأن ليس كمثله شيء « ([27]) .
2 - يُردُّ على من حكم بنكارة زيادة » على صورة الرحمن « بقول القاضي أبي يعلى الفراء ([28]): » ولا يجوز أن يتطابق هؤلاء الحفَّاظ على نقل زيادة باطلة أو ضعيفة، والذي حكاه أحمد [ ابن حنبل ] عن الثوري وأنه وقفها لا يدل على ضعفها لأنه لا يـجــــــوز أن لا تقع له هذه الزيادة وتقع لغيره، ومثل هذا لا تُرد به الأخبار « ([29]) .
3 - أن إثبات هذا الحديث لا يؤدي إلى التمثيل بأي وجه كما تصوَّره من تأول الحديث أو رده .
وقد صح عن رسول الله r أنه قال: » أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر « ([30]) . ولم يقل أحد بأنه يقتضي المماثلة أو المشابهة بأي وجه ([31]) .
--------------------------------------------------------------------------------
([1] ) أخرجه » البخاري « ك/ العتق ب20/ ح2559 (ص507) بغير لفظ » صورته «، وأخرجه » مسلم « ك/ البر والصلة والآداب ح 115 (ص114) بنحوه .
([2] ) انظر : كتاب التوحيد (1/ 223، 224) .
([3] ) أخرجه عبدالله بن الإمام أحمد في كتاب السنة (1/ 268) عن أبي معمر، وأيضًا أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة (1/ 362) من طريق يوسف بن موسى .
وأيضًا أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (1/85) من طريقين: الأول من طريق يوسف ابن موسى موصولاً، والثاني: من طريق محمد بن المثنى عن عبدالرحمن بن مهدي عن سفيان مرسلاً . =
= وقال الألباني – رحمه الله - : » إسناده ضعيف، ورجاله ثقـــــــــــات كلهـــــــم رجال » البخاري«، وعلته عنعنة حبيب بن أبي ثابت فإنه كان يدلس، وكذلك الأعمش، وقد خولف في إسناده من قبل سفيان الثوري فقال: عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسله …. فهذا المرسل أصح من الموصول، انظر كتاب السنة لابن أبي عاصم تخريج الألباني (ص 240)، وانظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (3/316)، وهذا القول هو قول ابن خزيمة – رحمه الله – حيث قال: (والذي عندي – في تأويل هذا الخبر – إن صح – من جهة النقل موصولاً : فإن في الخبر عللاً ثلاثًا :
إحداهن : أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، فأرسل الثوري ولم يقل: عن ابن عمر .
والثانية : أن الأعمش مدلس، لم يذكر أنه سمعه من حبيب ابن أبي ثابت .
والثالثة : أن حبيب بن أبي ثابت أيضًا مدلس، لم يعلم أنه سمعه من عطاء، انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (1/87) .
([4] ) وقد روى هذا الحديث عن أبي هريرة – رضي الله عنه - أيضًا .
وقـــد أخرجه ابن أبي عاصم في كتابه » السنة « (1/ 364)، وابن خزيمة في كتاب » التوحيد « (1/92- 93) من طريق أبي موسى محمد بن المثنى، وأخرجه الدارقطني في كتاب » الصفات « (ص 65) من طريق إسماعيل بن العباس الوراق وعند الجميع بلفظ (خلق آدم على صورته)، وقال الألباني – رحمه الله -: » إسناده ضعيف، ورجاله ثقات غير ابن لهيعة فإنه سيء الحفظ، وإنما يصح الحديث بلفظ » على صورته « دون ذكر الرحمن، انظر كتاب السنة لابن أبي عاصم تخريج الألباني (ص 241) .
([5] ) هو : إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي، يكنى بأبي ثور وأيضًا بأبي عبدالله الفقيه المجتهد الثقة، توفي سنة 240هـ .
انظر: السير (12/73)، وميزان الاعتدال (1/ 148)، وطبقات الحفاظ (ص 226) .
([6] ) انظر: كتاب إبطال التأويلات لأبي يعلى الفراء (1/90)، والأسماء والصفات للبيهقي (2/16،17).
([7] ) كتاب إبطال التأويلات (1/ 90) .
([8] ) كتاب إبطال التأويلات (1/ 90) .
([9] ) كتاب التوحيد لابن خزيمة (1/ 84 - 85) .
([10] ) هو : عبدالله بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبدالرحمن، الحافظ المحدث الثقة، وصاحب كتاب » السنة « المشهور، توفي سنة 290هـ .
انظر: السير (13/ 516)، تذكرة الحفاظ (2/ 173)، والشذرات (2/203) .
([11] ) كتاب إبطال التأويلات لأبي يعلى الفراء (1/88)، وانظر أيضًا (1/89، 90)، وميزان الاعتدال (1/603) ترجمة الهيثم بن حمدان .
([12] ) انظر : كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص 148) .
([13] ) مريم /17، والأنبياء /91، والتحريم /12 .
([14] ) الأعراف /73، هود /64،والشمس /13 .
([15] ) لقمان /11 .
([16] ) الأعراف / 73 .
([17] ) (1/ 88 – 91)، وانظر كتاب الأسماء والصفات للبيهقي (2/17، 18).
([18] ) هو : إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المروزي المعروف بابن راهوية . وهو لقب أبيه، أحد الأئمة الحفاظ والثقات جمع بين الفقه والحديث والورع، توفي سنة 238هـ .
انظر : السير (11/ 358)، وفيات الأعيان (1/ 199)، والشذرات (2/ 89) .
([19] ) كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص150) .
([20] ) تقدمت ترجمته (ص106).
([21] ) كتاب الشريعة للإمام الآجري (ص 262) .
([22] ) هو عبدالله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري، المعروف بأبي الشيخ الأصبهاني. الإمام الثقة حافظ أصبهان. توفي سنة 369هـ. انظر تذكرة الحفاظ (3/105)، وطبقات الحفاظ (ص381)، والشذرات (3/69) .
([23] ) نقض التأسيس لابن تيمية (3/ 208، 209) .
([24] ) الشورى /11 .
([25] ) كتاب الدرر السنية في الأجوبة النجدية (3/ 262- 263) .
([26] ) انظر : كلامهما في حاشية كتاب الصفات للدراقطني بتحقيق الدكتور / علي ناصر الفقيهي (ص58- 63).
([27] ) (2/ 420)، وانظر السير (5/ 450) .
([28] ) هو : محمد بن الحسن الفراء أبو يعلى البغدادي الحنبلي . القاضي والإمام العلامة، وصاحب التصانيف كتاب » إبطال التأويلات « وكتاب » مسائل الإيمان «، توفي سنة 458هـ .
انظر: السير (18/ 89)، والبداية والنهاية (12/102)، والمنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد (2/ 128) .
([29] ) انظر : كتاب إبطال التأويلات (1/ 91) .
([30] ) أخرجه » البخاري « ك / بدء الخلق ب8/ ح3246 (ص664)، و» مسلم « ك / الجنة وصفة نعيمها وأهلها ح 14 (17/ 169) .
([31] ) انظر : العقيدة للإمام أحمد برواية الخلال (ص79)، وشرح النووي لصحيح مسلم (16/ 381)، والفتــــوى الحموية الكبرى (ص 423)، وفتـــح الباري لابن حجر (5/ 217، 11/5) .