المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تاريخ علم التوحيد المسمى (الاعتقاد)


أبو عبد الحكم
01-Sep-2009, 09:06 PM
فإن العلــوم المستنبطة (كالاعتقـاد والفقه والآداب) لم تكن متميزة بهذه الأسماء في عصر الصحابة رضي الله عنهم الذين كانت عمدتهم العلوم الأصلية (الكتاب والسنة).وإنما جاءت سائر العلوم عبر دليل إسمه الإستقراء.
وقد بدأ علم الاعتقاد في التميز مع ظهور البدع واشتداد وطأة الفرق المبتدعة، فأخذ أئمة المسلمين في كتابة ما يعتقدونه الحق الموافق للكتاب والسنة في المسائل التي اختلف فيها المنتسبون إلى الإسلام، والتي يترتب على الاختلاف فيها تكفير المخالف للحق أو تفسيقه وتبديعه، وهذه المسائل التي حدث فيها الخلاف تتناول أركان الإيمان الستة (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره) كما تتناول بعض المسائل الأخرى كالقول في الصحابة وأمهات المؤمنين والإمامة وكرامات الأولياء.
وقد كان هذا الاختلاف مصداق قول رسول صلى الله عليه وسلم: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عَضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ٍ ضلالة) الحديث رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
فأخبر صلى الله عليه وسلم بأن الاختلاف واقع لا محالة وأن النجاة في التمسك بالسنة.
كما أخبر بأن الاختلاف سيترتب عليه التفرق إلى فرق الناجية منها واحدة، وذلك لأن الحق واحد لا يتعدد، فقال صلى الله عليه وسلم (إن أهل الكتاب قبلكم تفرقوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء كلها في النار إلا واحدة، وهى الجماعة) الحديث رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح مشهور، كما قال ابن تيمية.
وسميت الفرقة الناجية بأهل السنة والجماعة، فسموا بأهل السنة لتمسكهم بما وردت به السنة في مواضع الاختلاف كما قال صلى الله عليه وسلم ــ في حديث العرباض بن سارية ــ (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي)، وسموا بالجماعة لتمسكهم بالحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم كما قال صلى الله عليه وسلم ــ في حديث معاوية ــ (كلها في النــار إلا واحــدة، وهى الجماعة). وصار منهج أهل السنة: التمسك بالكتاب والسنة وإجماع السلف الذين هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأخذ بأقوال الصحابة وإجماعهم من أهم ما يميز أهل السنة عن الفرق الضالة المبتدعة التي تستدل أحياناً ببعض نصوص القرآن وببعض الأحاديث دون بعضها الآخر لينصروا بدعتهم فإذا جاءوا إلى أقوال الصحابة في تفسير النصوص لم يجدوا ما يعضدهم.
وقد ترتب على الاختلاف والتفرق تدوين علمين: الأول علم الاعتقاد، والثاني علم الفرق.
1-أما علم الفِرَق: وهو عرض أقسام الفرق ومقالات كل منها،
أ- فمن المؤلفين من يسرد ذلك سرداً دون الرد على المخالفين كما في (مقالات الإسلاميين) لأبي الحسن الأشعري، و(الفَرق بن الفِرق) لعبد القاهر البغدادي، و(المِلل والنحل) للشهرستاني.
ب- ومنهم من يفند مقالات الفرق المخالفة لأهل السنة ويرد عليها كما فعل ابن حزم في (الفِصَل في الملل والأهواء والنحل) .
2- وأما علم الاعتقاد:
أ- فقد بدأت الكتابة فيه في صورة ردود على الفرق الضالة، فكتب أحمد بن حنبل 241 هـ (الرد على الزنادقة والجهمية)، وكتب البخاري 256هـ (الرد على الجهمية)، وكتب عثمان بن سعيد الدارمي 280 هـ (الرد على بشر المريسي). وفي الرد على الوعيدية (وهم الخوارج والمعتزلة) وعلى المرجئة كتب أبو عبيد القاسم بن سلام 224 هـ كتابه (الإيمان) وكذلك صنع أبو بكر بن أبي شيبة 235 هـ وكُتب الردود هذه تتناول بعض مسائل الاعتقاد. ويضاف إلى ذلك كتب (الإيمان) و (السنة) بدواوين الحديث .
ب-ثم دُوِّنت الكتب التي تجمع معظم مسائل الاعتقاد المعروفة اليوم، ولكنها لم تسم باسم كتب الاعتقاد إلا في أوائل القرن الخامس الهجري، أما قبل ذلك فعرفت كتب الاعتقاد باسم كتب السنة، وذلك في مقابل مقالات المبتدعة، فمنها كتاب (السنة) لأبي بكر بن أبي عاصم 287 هـ، و(السنة) لعبد الله بن أحمد بن حنبل 290 هـ، و(السنة) لمحمد بن نصر المروزي 294 هـ، و(السنة) لأبي بكر الخلاّل 311 هـ. كما سُميت كتــب الاعتقــاد أيضا باسم كتب الشريعة، ككتاب (الشــريعة) لأبي بكر الآجري 360هـ، وكتاب (الإبانة عن شريعة الفرق الناجية) لابن بطة 387 هـ. وسمي الاعتقاد أيضا بأصول الدين كما سمّاه أبو الحسن الأشعري 324 هـ في كتابه (الإبانة عن أصول الديانة).
ثـم ظـهر مصطلـح الاعتقــاد في أوائل القرن الخامس الهجري، فكتب أبو القاسم اللالكائي (418 هـ) كتابه (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة). وكل هذه الكتب مطبوعة ومعظمها محقق الآن بفضل الله تعالى.
وفي كل الكتب السابقـة يسوق المؤلفــون ما يَرْوونه ــ في الأبواب المختلفة ــ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين بأسانيدهم الخاصة، وعلى ذلك فهذه الكتب تعتبر من كتب السنة الأصلية، وذلك باستثناء (الإبانة) لأبي الحسن الأشعري، حيث ذكر اعتقاده في صورة متن بدون أسانيد.
ومع هذا النمــط من التصانيـف الأثـريــة ــ المدعمـة بالآثـار ــ كان علمـاء السلـف يكتبـون ما يعتقدونه الحق ــ في مسائل الخلاف ــ باختصار بلفظهم. وساق اللالكائي طائفة من هذه الاعتقادات في كتابه المذكور أعلاه، فبدأ بذكر اعتقاد سفيان الثوري (161هـ)، ثم اعتقاد الأوزاعي (157هـ)، ثم اعتقاد سفيان بن عيينة (198 هـ)، ثم اعتقاد أحمد بن حنبل (241 هـ)، ثم اعتقاد علي بن المديني (234 هـ)، ثم اعتقاد أبي ثور (240 هـ)، ثم اعتقاد البخاري صاحب الصحيح (256 هـ)، إلى أن ختم باعتقاد ابن جرير الطبري صاحب التفسير (310 هـ)، رضي الله عنهم أجمعين.
ومن الاعتقادات المختصـرة المشهــورة اعتقاد أبي جعفر الطحــاوي (321هـ) وهو (متن العقيدة الطحاوية) إلا أنه تكلم في الإيمان على طريقة مرجئة الفقهاء لا طريقة أهل السنة.
وانتهت الطبقات التي كان رجالها يكتبون العقائد بطريقة الآثار المسندة، وتلا ذلك كتابة العقائد مجردة من الأسانيد في صورة متون: كالعقيدة الواسطية لابن تيمية، ولمعة الاعتقاد لابن قدامة، أو في صورة شروح ككتابات ابن تيمية وابن القيم في الاعتقاد، أو في صورة قصائد منظومة: كالقصيدة النونية لابن القيم وقصيدة «الدُّرة المُضيّة» للسفاريني والتي شرحها بنفسه في «لوامع الأنوار البهية»، وقصيدة «سُلّم الوصول» لحافظ حكمي والتي شرحها بنفسه في «معارج القبول».
وتعتبر كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية في اعتقاد أهل السنة ونقد مقالات الفرق الضالة ــ والتي استغرقت الإثنى عشر مجلداً الأولى من مجموع فتاويه ــ حلقة وصل هامة في تدوين اعتقاد أهل السنة، إذ إنه قد جمع خلاصة كتابات مَن سبقه مِن السلف في ذلك، وعنه أخذ كل مَن كتب في اعتقاد أهل السنة مِن بعده وإلى يومنا هذا.
واتبع أهل السنة منهجاً ثابتا في تدوين مسائل الاعتقاد، ألا وهو اثبات هذه المسائل بأدلتها من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وأصبح اتباع هذا المنهج من خصائص أهل السنة. وذلك في مقابل منهج الفرق المبتدعة في اتباع قواعد الجدل والمنطق لإثبات مسائل الاعتقاد بدعوى أنه يمكن اثبات صحة العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، ولم يستقم لهم ذلك إذ أداهم اتباع هذا المنهج إلى مخالفة الحق الثابت بالكتاب والسنة في بعض مسائل الاعتقاد بحجة أن العقل يأباه، ولم يكتفوا بالمخالفة بل عمدوا إلى نصوص الكتاب والسنة المعارضة لآرائهم فتأوّلوها، وخرجوا بذلك عن أهل السنة والجماعة. وقد دخل هذا الأسلوب على المسلمين بعد مخالطتهم لأهل النحل القديمة وبعد ترجمة كتب فلاسفة اليونان وغيرهم، واشتهر المعتزلة بالأخذ بهذا الأسلوب ثم فاقهم فيه الأشاعرة وعلى رأسهم كبيرهم القاضي أبو بكر الباقلاني 403 هـ، الذي وضع المقدمات العقلية التي يتوقف عليها الاستدلال والنظر وجعلها قواعد تابعة للعقائد الإيمانية في وجوب اعتقادها لتوقف اثبات هذه العقائد عليها، ثم زاد إمام الحرمين أبو المعالي الجويني 478 هـ هذه القواعد العقلية تأصيلا في كتابه (الشامل) والذي لخصه في كتابه (الإرشاد)، وسُمي اثبات مسائل الاعتقاد بالأدلة العقلية بعلم الكلام، ومازالت العقائد تدرس في كثير من المعاهد الإسلامية ــ كالأزهر بمصر ــ وإلى يومنا هذا باسم علم الكلام. وقد ذم السلف الكلام والفلسفة والمنطق أشد الذم وحذروا منها، قال أبو عمر بن عبدالبر (قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يوم ناظره حفص الفرد، قال لي: يا أبا موسى لأن يلقى اللهَ عزوجل العبدُ بكل ذنب ماخلا الشرك خير من أن يلقاه بشئ من الكلام، لقد سمعت من حفص كلاما لا أقدر أن أحكيه. أهـ. قال ابن عبدالبر: وقال أحمد بن حنبل رحمه الله إنه لا يفلح صاحب كلام أبداً ولا تكاد ترى أحداً نظر في الكلام إلا وفي قلبه دَغَل. أهـ. وقال ابن عبد البر: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يُعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه بالإتقان والمَيْز والفهم. أهـ. ونقل ابن عبدالبر عن ابن خويز منداد المالكي قوله: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري لاتقبل له شهادة في الإسلام أبداً ويٌهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها) (جامع بيان العلم) 2/ 95 ــ 96.
هذا هو سبب تسمية المتأخرين للعقائد بعلم الكلام ــ تأسيسهم له على الجدل والمنطق ــ وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته سببا آخر لهذه التسمية وهو الخلاف في كلام الله تعالى ومسألة خلق القرآن، فقال إن مسائل الاعتقاد سميت بعلم الكلام لأن مبدأها كان الخلاف في كلام الله تعالى، إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد انتقد هذا القول وبيّن أنه خطأ ولا صلة له بالتسميــة، وأن الصـواب هو القـول الأول، انظر (مجموع الفتاوي) 3/ 184، في نقده لكلام الشهرستاني.
أبو عبد الحكم المغربي
أخوكم المعتز بالله أبو عبد الحكم المغربي .
* أرجو ممن نال هذا المقال رضاه أن يقوم بنشره في سائر المنتديات .
- لقوله تعالى : وتعاونوا على البر و التقوى المائدة2
- ولقوله صلى الله عليه و سلم :الدال على الخير كفاعله . رواه الطبراني في المعجم الكبير( 5/477 عن سهل بن سعد بإسناد حسن .