عبد الرحمن نموس
23-Jul-2009, 05:25 PM
الأسباب الحقيقية للفتنة
أثر السبئية في أحداث الفتنة
في كتب التاريخ الإسلامي المصادر القديمة روايات مختلفة عن نشاط سري لأفراد وجماعات من الموالي أظهروا الإسلام وأخفوا معتقداتهم القديمة بغية تحطيم الدولة الإسلامية من داخلها وإثارة الفتنة والفرقة بين المسلمين وذلك ببث العقائد الفاسدة ونشر الإشاعات بدوافع نفسية أو عرقية بعدما عجزت تلك الفئات عن مجابهة المسلمين في العلن وكان اليهود في مقدمة هؤلاء نظرا لحقدهم المكين على المسلمين والإسلام وقد أغاظهم ظهور الإسلام وانتصاره قال تعالى ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا)( المائدة 82) ومن مظاهر هذه العداوة دورهم في إذكاء النفاق في المدينة المنورة (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون)( البقرة 14) ومنها تشكيك المسلمين وفتنتهم عن دينهم (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) (آل عمران72 ) يضاف إلى ذلك نقضهم المواثيق والعهود رغم المعاهدة التي عقدها معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خفت صوتهم في عهد أبي بكر وعمر رضى الله عنهما عندما قويت شوكة الإسلام بل إن عمر أخرجهم من جزيرة العرب تنفيذا لأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصيته في آخر حياته حيث قال لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما( )وقولهصلى الله عليه وسلم أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ( )وفي السنوات الأخيرة من خلافة عثمان رضى الله عنه -وقد بدت في الأفق سمات الاضطراب في المجتمع الإسلامي نتيجة عوامل التغيير التي سيأتي ذكرها -أخذ بعض اليهود يتحينون فرصة الظهور مستغلين عوامل الفتنة ومتظاهرين بالإسلام واستعمال التقية ومن هؤلاء عبد الله بن سبأ الملقب بابن السوداء وهو يهودي من صنعاء أظهر إسلامه في زمن عثمان بن عفان واشتهر أكثر من غيره لأنه أسلم متأخرا وظهر له نشاط ملحوظ في الشام والعراق ومصر يرسم خططا ويدلي بآراء هدامة ذكرها معظم المؤرخين القدامى في كتبهم وعلى رأسهم لإمام الطبري الذي اعتبره رأس الفتنة وأساس البلاء( )وإذا كان ابن سبأ لا يجوز التهويل من شأنه كما فعل بعض المغالين في تضخيم دوره في القتنة ( )فإنه كذلك لا يجوز التشكيك فيه أو الاستهانة بالدور الذي لعبه في أحداث الفتنة( )كعامل من عواملها على أنه أبرزها وأخطرها إذ إن هناك أجواء للفتنة مهدت له وعوامل أخرى ساعدته ،وخلاصة ما جاء به أن أتى بمقدمات صادقة وبنى عليها مبادئ فاسدة راجت لدى السذج والغلاة وأصحاب الأهواء من الناس وقد سلك في ذلك مسالك ملتوية لبس فيها على من حوله حتى اجتمعوا عليه فطرق باب القرآن يتأوله على زعمه الفاسد حيث ادعى رجعة الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا يرجع وقد قال الله عز وجل (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) (القصص 85) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى( )كما سلك طريق القياس الفاسد في ادعاء إثبات الوصية لعلي رضى الله عنه بقوله إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد ثم قال محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء ( )وحينما استقر الأمر في نفوس أتباعه انتقل إلى هدفه المرسوم وهو خروج الناس على الخليفة عثمان رضي الله عنه فصادف ذلك هوى في نفوس بعض القوم حيث قال لهم من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب على وصي رسول الله وتناول أمر الأمة! ثم قال لهم بعد ذلك إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانهضوا في هذا الأمر فحركوه وابدؤوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر( )ويتابع سيف بن عمر التميمي حديثه عن أصل الفتنة بقوله فبث دعاته يقصد ابن سبأ وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة وهم يريدون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون فيقول أهل مصر إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار فقالوا إنا لفي عافية مما فيه الناس( )ويظهر من هذا النص الأسلوب الذي تبعه ابن سبأ فهو أراد أن يوقع في أعين الناس بين اثنين من الصحابة حيث جعل أحدهما مهضوم الحق وهو علي وجعل الثاني مغتصبا وهو عثمان ثم حاول بعد ذلك أن يحرك الناس خاصة في الكوفة على أمرائهم باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فجعل هؤلاء يثورون لأصغر الحوادث على ولاتهم علما بأنه ركز في حملته هذه على الأعراب الذين وجد فيهم مادة ملائمة لتنفيذ خطته فالقراء منهم استهواهم عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأصحاب المطامع منهم هيج أنفسهم بالإشاعات المغرضة المفتراة على عثمان مثل تحيزه لأقاربه وإغداق الأموال من بيت مال المسلمين عليهم وأنه حمى الحمى لنفسه إلى غير ذلك من التهم والمطاعن التي حرك بها نفوس بعض العامة ، وقد شعر عثمان رضى الله عنه بأن شيئا ما يحاك في الأمصار وأن الأمة تمخض بشر فقال والله إن رحى الفتنة لدائرة فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها ( ) على أن المكان الذي رتع فيه ابن سبأ هو في مصر وقد غشهم بكتب ادعى أنها وردت من كبار الصحابة حتى إذا أتى هؤلاء الأعراب المدينة المنورة واجتمعوا بالصحابة لم يجدوا منهم تشجيعا حيث تبرأوا مما نسب إليهم من رسائل تؤلب الناس على عثمان( )ووجدوا عثمان مقدراً للحقوق بل وناظرهم فيما نَسَبوا إليه ورد عليهم افتراءهم وفسر لهم صدق أعماله حتى قال أحد هؤلاء الأعراب وهو مالك الأشتر النخعي لعله مكر به وبكم ( )ويذكر سيف عن شيوخه كيف قدم السبئية المدينة لأول مرة وهم ينوون تنفيذ خطتهم على مراحل فهم يقصدون في المرحلة الأولى أن يذكروا لعثمان أخطاء له يقرونه بها ويزعمون بعد ذلك للناس أنه لم يخرج عنها وأنه لم يتب فيحل لهم بذلك دمه ( )فرجعوا بعد مناظرتهم لعثمان إلى أمصارهم وتواعدوا أن يعودوا في شوال سنة 35ه/ 655م أي في السنة نفسها( )ثم يذكر سيف عودتهم إلى المدينة في شوال من تلك السنة في صفة الحجاج فيقول ما خلاصته لما كان شوال سنة خمس وثلاثين خرج أهل مصر في أربع رفاق( )على أربعة أمراء المقلل يقول ستمائة والمكثر يقول ألف و لم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب وإنما خرجوا كالحجاج ومعهم ابن السوداء وخرج أهل الكوفة في عدد كعدد أهل مصر وكذا أهل البصرة ولما اقتربوا من المدينة شرعوا في تنفيذ مرحلة أخرى من خطتهم فقد اتفق أمرهم أن يبعثوا اثنين منهم ليطلعا على أخبار المدينة ويعرفا أحوال أهلها وذهب الرجلان فلقيا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعليا وطلحة والزبير وقالا إنما جئنا نستعفي عثمان من بعض عمالنا واستأذنا لرفاقهم بالدخول فأبى الصحابة وقال علي رضي الله عنه لا آمركم بالإقدام على عثمان فإن أبيتم فبيض سيفرخ( )ونتيجة هذا الفشل احتاج الأمر منهم إلى أسلوب آخر فكان أن اجتمع من أهل مصر نفر فأتوا عليا ومن أهل البصرة فأتوا طلحة ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير فكلموهم لكنهم ردوهم على أعقابهم وهم يقولون لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فارجعوا لا صحبكم الله ( )وفي رواية ابن عساكر عن علي بن أبي طالب لقد علمت عائشة أن جيش المروة وأهل النهروان ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر بن عياش جيش المروة قتلة عثمان( )وفي مرحلة ثالثة تظاهر القوم بالرجوع وهم يبطنون أمرا لا يعلمه الناس وكان أمر الكتاب الذي زور على لسان عثمان رضي الله عنه واتخذوه ذريعة ليستحلوا دمه ويحاصروه في داره إلى أن قتلوه رضى الله عنه فقد جاء في رواية أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري وهي من أصح الروايات( )أن وفد أهل مصر عندما قفلوا راجعين من المدينة فبينما هم في الطريق إذا راكب يتعرض لهم ثم يفارقهم ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم ويسبقهم قالوا له ما لك؟ إن لك لأمرا ما شأنك؟ فقال أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر ففتشوه فإذا هم بكتاب على لسان عثمان عليه خاتمه إلى عامله بمصر أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف فأقبلوا حتى قدموا المدينة فأتوا عليا فقالوا ألم تر إلى عدو الله إنه كتب فينا بكذا وكذا وإن الله قد أحل دمه، قم معنا إليه قال علي والله لا أقوم معكم فقالوا فلم كتبت إلينا فقال والله ما كتبت إليكم كتابا قط فنظر بعضهم إلى بعض ثم قال بعضهم لبعض ألهذا تقاتلون أو لهذا تغضبون فانطلق علي فخرج من المدينة إلى قرية فانطلقوا حتى دخلوا على عثمان فقالوا كتبت فينا بكذا وكذا فقال إنهما اثنتان أن يقيموا رجلين من المسلمين أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمليت ولا علمت وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم على الخاتم قالوا قد أحل الله دمك ونقضت العهد والميثاق وحصروه في القصر الدار رضي الله عنه( )
إن الناظر في هذا الكتاب من خلال النص يرى أن أول ما يستوقفه من أمره حامله وهو يتعرض للقوم ويفارقهم ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم ومن يفعل هكذا يكون مريداً لأن يلفت النظر إليه وأن يثير الشبهة وأن يمسك فيسأل عما معه ويستوقفه ثانيا إجابته لهم بأنه رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر والوفد خرج من توه من عند عثمان فماذا يريد من عامله بمصر ويستوقفه كذلك سؤال علي رضى الله عنه لوفد الكوفة والبصرة وقد قالوا إنما جئنا لننصر إخواننا ونمنعهم فقال لهم علي وكيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا( )بل إن عليا يجزم هذا والله أمر أبرم بالمدينة( )كما أن عثمان رضي الله عنه وهو البر الصادق يؤكد أن الكتاب مكتوب على لسانه وأن الخاتم قد ينقش على خاتمه فيصدقه الصادقون ويكذبه الكاذبون( )4 وفوق هذا كله فالثائرون يفصحون عن هدفهم ويقولون ضعوه على ما شئتم لا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا ونحن نعتزله ( )وعلاوة على ذلك هناك ما يؤكد تزوير هذا الكتاب إذ ليس هو الكتاب الوحيد الذي يزور على لسان الصحابة فهذه عائشة رضي الله عنها تتهم بأنها كتبت إلى الناس تأمرهم بالخروج على عثمان فتنفي وتقول لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت لهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا ( )ويعقب الأعمش فيقول فكانوا يرون أنه كتب على لسانها( )ويتهم الوافدون عليا بأنه كتب إليهم أن يقدموا عليه المدينة فينكر ذلك عليهم ويقسم والله ما كتبت إليكم كتابا( )كما ينسب إلى الصحابة بكتابة الكتب إلى أهل الأمصار يأمرونهم بالقدوم إليهم فدين محمد قد فسد وترك والجهاد في المدينة خير من الرباط في الثغور البعيدة ( )ويعلق ابن كثير على هذا الخبر قائلا وهذا كذب على الصحابة ولعله من خلال الملاحظات السابقة يمكن التعرف على من كتب الكتاب وقد أدرك عين الصواب من قال إن الكتاب لا يعدو أن يكون مسرحية مثلت في الطريق الغربي الذي كان فيه المصريون وحدهم( )وجاء في رواية سيف أن معهم ابن السوداء( )وهو عبد الله بن سبأ الذي طالما أغرى قلوب الناس بعثمان وساهم بقسط وافر في الأحداث التي مهدت للفتنة وما تلك اليد الخفية التي كانت تخطط وراء الستار إلايد ذاك اليهودي الخبيث الذي يظهر من رواية سيف أنه هو وأتباعه هم الأيدي المحركة للفتنة والذين جاءت الأخبار الصحيحة ( )بالإشارة إليهم ورسمت هيكلهم ولم توضح هويتهم وبذلك تقوى رواية سيف بن عمر التي تسير مع الروايات الصحيحة في اتجاه واحد ولا تصطدم معها وإذا كان سيف يتفق في الحوادث التي يقدمها مع الأسس التي ذكرتها الروايات الصحيحة فهو إذن حري بأن يوثق به وأن تضم روايته إلى الأخبار الصحيحة لأنه يسير في اتجاهها ويفسر النقاط الغامضة فيه( )ا وجدير بالذكر أن هناك أخبارا متناثرة عند مشاهير المؤرخين والعلماء تكشف آثار ابن سبأ وأتباعه في الفتنة وهي بذلك تعضد رواية سيف السابقة الذكر وتقويها فقد ذكر القمي أن عبد الله بن سبأ أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان( )ويساير النوبختي القمي فيذكر أخبار عبد الله بن سبأ ومن ذلك إظهاره الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والنيل منهم ( )وهذا ابن عساكر يذكر روايات عن ابن سبأ لا ينتهي سندها إلى سيف مما يزيد الأمر تأكيدا، ...وقبل أن يعرض هذه الروايات يقول فيه وطاف بلاد المسلمين ليلفتهم عن طاعة الأئمة ويدخل بينهم الشر وقد دخل دمشق لذلك زمن عثمان بن عفان( )وأما ابن الأثير فيوافق الإمام الطبري فيورد مروياته عن ابن سبأ بعد حذف أسانيدها ( ) ويقول المالقي( )وفي سنة ثلاث وثلاثين تحرك جماعة في شأن عثمان رضى الله عنه وكانوا جماعة منهم مالك الأشتر( )وعبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء وسودان بن حمران( )
ويعتبره الذهبي المهيج للفتنة بمصر وباذر بذور الشقاق والنقمة على الولاة ثم على الإمام عثمان فيها ( )ويروي ابن كثير أن من أسباب تألب الأحزاب على عثمان ظهور ابن سبأ وذهابه إلى مصر وإذاعته بين الناس كلاما اخترعه من عند نفسه فافتتن به بشر كثير من أهل مصر( ) وقال ابن خلدون عنه أنه كان يكثر الطعن على عثمان ويدعو في السر إلى أهل البيت ... فاستمال الناس بذلك في الأمصار وكاتب به بعضهم بعضا( )وعند المقريزي أن ابن سبأ هو المثير للفتنة المنتهية بقتل عثمان رضي الله عنه ( )ويذكره الحافظ ابن حجر قائلا: وأخبار عبد الله بن سبأ شهيرة في التواريخ ( )وفي حديث السيوطي عن مصر ما يفيد إنكار أهلها على ابن سبأ في البداية ثم افتتن به بشر كثير منهم وكان ذلك مبدأ تأليبهم على عثمان( )وهكذا يتفق المشاهير من المؤرخين والعلماء من سلف الأمة وخلفها على أن ابن سبأ ظهر بين المسلمين بعقائد وأفكار وخطط سيئة ليلفت المسلمين عن دينهم وطاعة إمامهم
وينضم إلى السبئية في أحداث الفتنة عنصر الأعراب الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم وغلب عليهم الجفاء حيث كان في أسماء المتهمين في دم الخليفة والذين حاصروه في المدينة رجالا ينتسبون إلى قبائل كانت في عداد المرتدين( )أمثال سودان بن حمران السكوني ومالك بن الحارث النخعي وغيرهم( )هذا ولعامل الفراغ أيضا أثر في اشتغال الأعراب بما لا يعنيهم من قضايا لها صلة بسياسة الدولة وأمور الخراج وغير ذلك مما سينعكس سلبا على موقفهم من الخليفة رضى الله عنه فحين توففت الفتوح في أواخر عهد عثمان أمام حواجز طبيعية أو بشرية لم تتجاوزها سواء في جهات فارس وشمالي بلاد الشام أم في جهة إفريقية توقفت الغنائم على أثرها، فتساءل أولئك الأعراب أين ذهبت الغنائم القديمة أين ذهبت الأراضي المفتوحة التي يعدونها حقا من حقوقهم( )وهكذا يبدو أن الشائعات التي تتهم عثمان رضي الله عنه بأنه تصرف في الأراضي الموقوفة على المسلمين وفق هواه أقطع منها لمن شاء من الناس شائعات غير صحيحة ولكن كان لها أثر ووقعٌ على الأعراب خاصة وأن معظمهم بقي بدون عمل، يقضون شطرا من وقتهم في الطعام والنوم والشطر الآخر بالخوض في سياسة الدولة والحديث عن تصرفات عثمان التي كانت تهولها السبئية وقد أدرك أحد عمال عثمان هذا الأمر وهو عبد الله بن عامر فأشار على الخليفة حيث طلب من عماله وهم وزراؤه ونصحاؤه أن يجتهدوا في آرائهم ويشيروا عليه فأشار عليه بأن يأمر الناس بالجهاد ويجمهرهم في المغازي حتى لا يتعدى همُّ أحدهم قمل فروه ودبرة دابته( )وفي ذلك الجو من الحديث والفكر عند أفراد تعودوا الغزو ولم يفقهوا من الدين شيئا كثيرا يمكن أن يتوقع كل شيء ويكفي أن يحرك هؤلاء الأعراب وأن يوجهوا توجيها فإذا هم يثورون ويحدثون القلاقل والفتن وهذا ما حدث بالفعل فإن الأعراب ساهموا عن حسن نية أو سوء نية في بوادر الفتنة الأولى وكانوا سببا من أسباب اندلاعها
نتيجو شحن السبئية الذين استغلوا سذاجة أولئك لتدبير الفتنة، ويظهر من ثنايا الروايات وجود الأعراب كعنصر فعال في الفتنة إلى جانب السبئية حين يقول عثمان رضى الله عنه في كتاب له إلى الأمصار أغاروا علينا في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمه وأرض الهجرة وثابت إليهم الأعراب( )ويظهرون مرة أخرى في قول عائشة إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحدثوا فيه الأحداث وآووا المحدثين مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر( )ولما اجتمع بنو أمية ويعلى بن منية( )وطلحة والزبير وعائشة وأجمعوا أمرهم على الطلب بدم عثمان وقتال السبئية نادى مناديهم إن عائشة تريد البصرة وليس في ستمائة بعير ما تغنون به غوغاء وجلبة الأعراب وعبيدا قد انتشروا وافترشوا أذرعهم مسعدين لأول واعية ( )ويظهرون مرة ثالثة في قول علي رضي الله عنه لأهل المدينة بعد مقتل عثمان يا أيها الناس أخرجوا الأعراب عنكم، وقال يا معشر الأعراب الحقوا بمياهكم فأبت السبئية الطاعة وأطاعهم الأعراب ( )وعندما طلب طلحة والزبير من علي إقامة الحدود على قتلة عثمان قال لهم يا إخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم( )
ثالثا طبيعة التحول الاجتماعي في عهد عثمان رضي الله عنه شهدت خلافة عثمان رضي الله عنه تطورات خطيرة في حياة الدولة الإسلامية فقد حكم عثمان الدولة الإسلامية بعد أن تحولت من دولة محدودة النطاق تقوم في المدينة المنورة وتحكم شبه جزيرة العرب إلى دولة عالمية يمتد سلطانها ليشمل ممالك العراق والشام ومصر وإفريقية وأرمينية وبلاد فارس وبعضا من جزر البحر الأبيض المتوسط( )وقد ظهر نتيجة هذا التحول في طبيعة الدولة وأجناس الخاضعين لها والمنتمين إلى دينها جيل جديد من المسلمين يعتبر في مجموعه أقل كفاءة من الجيل الأول الذي حمل على كتفيه عبء بناء الدولة وإقامتها فقد تميز الجيل الأول من المسلمين بقوة الإيمان والفهم السليم لجوهر العقيدة الإسلامية والاستعداد التام لإخضاع النفس لنظام الإسلام المتمثل في القرآن والسنة
كما أن المسلمبن الجدد كانوا يحملون رواسب كثيرة من رواسب الجاهلية التي كانوا عليها ولم ينالوا من التربية الإسلامية على العقيدة الصحيحة السليمة مثل ما نال الرعيل الأول من الصحابة رضوان الله عليهم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية للمدائني على لسان عثمان ما يدل على تغير الأحوال وتبدلها بعد ظهور هذا الجيل الجديد من الناس يا ابن عدي والله إني مظلوم منعيٌ علي لقد أسلمت وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما خالفته ولا غششته ثم صحبت أبا بكر ثم عمر رضى الله عنهما فما خالفتهما ولا غششتهما حتى ماتا أفما ترون لي مثل ما رأيت لمن قبلي( ) ويكشف النقاب أيضا عن طبيعة التحول والتغيير في المجتمع الإسلامي ما كتبه سعيد بن العاص( )أمير الكوفة إلى عثمان يقول إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات والسابقة والقدمة والغالب على تلك البلاد روادف ردفت وأعراب لحقت حتى ما ينظر إلى ذي شرف ولا بلاء من نازلتها ولا نابتتها( )وإذا كان الإسلام قد تمكن من صهر هذه القبائل المختلفة في بوتقته لفترة معينة إلا أنه مما يجب أن يوضع في الحسبان أن هذه القبائل لم تنل حظا وافرا من التربيةكما هو حال الصحابة من المهاجرين والأنصار
وغني عن الإشارة أن النعم والخيرات وتلك الواردات من الفتوح سيكون لها أثرها على المجتمع إذ تجلب الرخاء وما يترتب عليه من انشغال الناس بالدنيا والافتتان بها خاصة وقد ظهر الثراء بشكل واضح زمن عثمان رضى الله عنه حيث أدرك هو نفسه هذه الظاهرة منذرا بما سيؤول إليه أمر الأمة من التبذل والتغير في كتابه الموجه إلى الرعية فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم تكامل النعم وبلوغ أولادكم من السبايا وقراءة الأعراب والأعاجم للقرآن( )فقلماكان يأتي على الناس يوم إلا وهم يقتسمون فيه خيرا يقال لهم يا معشر المسلمين اغدوا على أعطياتكم والأخرى كان السيف مغمدا عن أهل الإسلام فسلوه على أنفسهم فوالله ما زال مسلولا إلى يوم الناس هذا وايم الله إني لأراه سيفا مسلولا إلى يوم القيامة( )وأما بلوغ أولاد المسلمين من السبايا فيتمثل فيما آل إليه أمر هؤلاء من الدعة والترف وكان أول منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا وحدث بين الناس النشو بتناولهم النبيذ فأرسل عثمان رجلا يطوف عليهم بالعصا ليمنعهم من ذلك وعندما اشتد ذلك شكاه عثمان إلى الناس فأجمعوا على أن يجلدوا في النبيذ فأخذ نفر منهم فجلدوا ثم جعل عثمان لا يأخذ أحدا على شر أو شهر سلاحا إلا نفاه من المدينة فضج آباؤهم من ذلك( )وهكذا لما قام عثمان الرجل التقي والخليفة الراشد بواجبه وكانت إجراءاته تعزيرية تجاه أبناء الأغنياء الذين بدءوا نوعا من حياة الترف وفساد الأخلاق انضم أولئك المنحرفون إلى صف الناقمين من الرعاع وغيرهم وفي مثل هذه الظروف والخيرات وافرة فاضت الدنيا على المسلمين وتفرغ الناس بعد أن فتحوا الأقاليم واطمأنوا فأخذوا ينقمون على خليفتهم ( )ومن هنا يعلم أثر الرخاء في تحريك الفتنة ومن هنا أيضا يمكن فهم مقالة عثمان رضي الله عنه لعبد الرحمن بن ربيعة وهو على الباب( )إن الرعية قد أبطر كثيرا منهم البطنة فقصر بهم ولا تقتحم بالمسلمين فإني خاشٍ أن يبتلوا( )
خامسا اختلاف سياسة عثمان عن سياسة عمر في السماح للصحابة بالانتشار فعمر رضي الله عنه حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان إلا بإذن وأجل( )مخافة أن يتوسعوا في القطاع والضياع وأن يفتتن الناس بهم أما عثمان فقد سمح لهم بالخروج ولان معهم ،ثم إن ابن السوداء أسلم وتكلم وقد فاضت الدنيا وطلعت الأحداث على يديه فاستطالوا عمر عثمان رضي الله عنه( )
سادسا العصبية القبلية: استثقال بعض القبائل العربية لرياسة قريش يقول ابن خلدون في هذا الموضوع لما استكمل الفتح واستكمل للملة الملك ونزل العرب بالأمصار في حدود ما بينهم وبين الأمم من البصرة والكوفة والشام ومصر وكان المختصون بصحبة الرسول صلى اله عليه وسلم والاقتداء بهديه وآدابه المهاجرين والأنصار وقريش وأهل الحجاز ومن ظفر بمثل ذلك من غيرهم وأما سائر العرب ... فلم يكونوا من تلك الصحبة بمكان إلا قليل منهم وكانت لهم في الفتوحات قدم فكانوا يرون ذلك لأنفسهم مع ما يدين به فضلاؤهم من تفضيل أهل السابقة ومعرفة حقهم وما كانوا فيه من الذهول والدهش لأمر النبوة وتردد الوحي وتنزل الملائكة فلما انحصر ذلك العباب وتنوسي الحال بعض الشيء وذل العدو واستفحل الملك كانت عروق الجاهلية تنبض ووجدوا الرياسة عليهم من المهاجرين والأنصار وقريش وسواهم فأنفت نفوسهم منه ووافق ذلك أيام عثمان فكانوا يظهرون الطعن في ولاته بالأمصار والمؤاخذة ... وأفاضوا في عزل عثمان وحمله على عزل أمرائه، وبعث إلى الأمصار من يأتيه بالخبر فرجعوا إليه فقالوا ما أنكرنا شيئا ولا أنكره أعيان المسلمين ولا عوامهم( )
أثر السبئية في أحداث الفتنة
في كتب التاريخ الإسلامي المصادر القديمة روايات مختلفة عن نشاط سري لأفراد وجماعات من الموالي أظهروا الإسلام وأخفوا معتقداتهم القديمة بغية تحطيم الدولة الإسلامية من داخلها وإثارة الفتنة والفرقة بين المسلمين وذلك ببث العقائد الفاسدة ونشر الإشاعات بدوافع نفسية أو عرقية بعدما عجزت تلك الفئات عن مجابهة المسلمين في العلن وكان اليهود في مقدمة هؤلاء نظرا لحقدهم المكين على المسلمين والإسلام وقد أغاظهم ظهور الإسلام وانتصاره قال تعالى ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا)( المائدة 82) ومن مظاهر هذه العداوة دورهم في إذكاء النفاق في المدينة المنورة (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون)( البقرة 14) ومنها تشكيك المسلمين وفتنتهم عن دينهم (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) (آل عمران72 ) يضاف إلى ذلك نقضهم المواثيق والعهود رغم المعاهدة التي عقدها معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خفت صوتهم في عهد أبي بكر وعمر رضى الله عنهما عندما قويت شوكة الإسلام بل إن عمر أخرجهم من جزيرة العرب تنفيذا لأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصيته في آخر حياته حيث قال لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما( )وقولهصلى الله عليه وسلم أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ( )وفي السنوات الأخيرة من خلافة عثمان رضى الله عنه -وقد بدت في الأفق سمات الاضطراب في المجتمع الإسلامي نتيجة عوامل التغيير التي سيأتي ذكرها -أخذ بعض اليهود يتحينون فرصة الظهور مستغلين عوامل الفتنة ومتظاهرين بالإسلام واستعمال التقية ومن هؤلاء عبد الله بن سبأ الملقب بابن السوداء وهو يهودي من صنعاء أظهر إسلامه في زمن عثمان بن عفان واشتهر أكثر من غيره لأنه أسلم متأخرا وظهر له نشاط ملحوظ في الشام والعراق ومصر يرسم خططا ويدلي بآراء هدامة ذكرها معظم المؤرخين القدامى في كتبهم وعلى رأسهم لإمام الطبري الذي اعتبره رأس الفتنة وأساس البلاء( )وإذا كان ابن سبأ لا يجوز التهويل من شأنه كما فعل بعض المغالين في تضخيم دوره في القتنة ( )فإنه كذلك لا يجوز التشكيك فيه أو الاستهانة بالدور الذي لعبه في أحداث الفتنة( )كعامل من عواملها على أنه أبرزها وأخطرها إذ إن هناك أجواء للفتنة مهدت له وعوامل أخرى ساعدته ،وخلاصة ما جاء به أن أتى بمقدمات صادقة وبنى عليها مبادئ فاسدة راجت لدى السذج والغلاة وأصحاب الأهواء من الناس وقد سلك في ذلك مسالك ملتوية لبس فيها على من حوله حتى اجتمعوا عليه فطرق باب القرآن يتأوله على زعمه الفاسد حيث ادعى رجعة الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا يرجع وقد قال الله عز وجل (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) (القصص 85) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى( )كما سلك طريق القياس الفاسد في ادعاء إثبات الوصية لعلي رضى الله عنه بقوله إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد ثم قال محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء ( )وحينما استقر الأمر في نفوس أتباعه انتقل إلى هدفه المرسوم وهو خروج الناس على الخليفة عثمان رضي الله عنه فصادف ذلك هوى في نفوس بعض القوم حيث قال لهم من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب على وصي رسول الله وتناول أمر الأمة! ثم قال لهم بعد ذلك إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانهضوا في هذا الأمر فحركوه وابدؤوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر( )ويتابع سيف بن عمر التميمي حديثه عن أصل الفتنة بقوله فبث دعاته يقصد ابن سبأ وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة وهم يريدون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون فيقول أهل مصر إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار فقالوا إنا لفي عافية مما فيه الناس( )ويظهر من هذا النص الأسلوب الذي تبعه ابن سبأ فهو أراد أن يوقع في أعين الناس بين اثنين من الصحابة حيث جعل أحدهما مهضوم الحق وهو علي وجعل الثاني مغتصبا وهو عثمان ثم حاول بعد ذلك أن يحرك الناس خاصة في الكوفة على أمرائهم باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فجعل هؤلاء يثورون لأصغر الحوادث على ولاتهم علما بأنه ركز في حملته هذه على الأعراب الذين وجد فيهم مادة ملائمة لتنفيذ خطته فالقراء منهم استهواهم عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأصحاب المطامع منهم هيج أنفسهم بالإشاعات المغرضة المفتراة على عثمان مثل تحيزه لأقاربه وإغداق الأموال من بيت مال المسلمين عليهم وأنه حمى الحمى لنفسه إلى غير ذلك من التهم والمطاعن التي حرك بها نفوس بعض العامة ، وقد شعر عثمان رضى الله عنه بأن شيئا ما يحاك في الأمصار وأن الأمة تمخض بشر فقال والله إن رحى الفتنة لدائرة فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها ( ) على أن المكان الذي رتع فيه ابن سبأ هو في مصر وقد غشهم بكتب ادعى أنها وردت من كبار الصحابة حتى إذا أتى هؤلاء الأعراب المدينة المنورة واجتمعوا بالصحابة لم يجدوا منهم تشجيعا حيث تبرأوا مما نسب إليهم من رسائل تؤلب الناس على عثمان( )ووجدوا عثمان مقدراً للحقوق بل وناظرهم فيما نَسَبوا إليه ورد عليهم افتراءهم وفسر لهم صدق أعماله حتى قال أحد هؤلاء الأعراب وهو مالك الأشتر النخعي لعله مكر به وبكم ( )ويذكر سيف عن شيوخه كيف قدم السبئية المدينة لأول مرة وهم ينوون تنفيذ خطتهم على مراحل فهم يقصدون في المرحلة الأولى أن يذكروا لعثمان أخطاء له يقرونه بها ويزعمون بعد ذلك للناس أنه لم يخرج عنها وأنه لم يتب فيحل لهم بذلك دمه ( )فرجعوا بعد مناظرتهم لعثمان إلى أمصارهم وتواعدوا أن يعودوا في شوال سنة 35ه/ 655م أي في السنة نفسها( )ثم يذكر سيف عودتهم إلى المدينة في شوال من تلك السنة في صفة الحجاج فيقول ما خلاصته لما كان شوال سنة خمس وثلاثين خرج أهل مصر في أربع رفاق( )على أربعة أمراء المقلل يقول ستمائة والمكثر يقول ألف و لم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب وإنما خرجوا كالحجاج ومعهم ابن السوداء وخرج أهل الكوفة في عدد كعدد أهل مصر وكذا أهل البصرة ولما اقتربوا من المدينة شرعوا في تنفيذ مرحلة أخرى من خطتهم فقد اتفق أمرهم أن يبعثوا اثنين منهم ليطلعا على أخبار المدينة ويعرفا أحوال أهلها وذهب الرجلان فلقيا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعليا وطلحة والزبير وقالا إنما جئنا نستعفي عثمان من بعض عمالنا واستأذنا لرفاقهم بالدخول فأبى الصحابة وقال علي رضي الله عنه لا آمركم بالإقدام على عثمان فإن أبيتم فبيض سيفرخ( )ونتيجة هذا الفشل احتاج الأمر منهم إلى أسلوب آخر فكان أن اجتمع من أهل مصر نفر فأتوا عليا ومن أهل البصرة فأتوا طلحة ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير فكلموهم لكنهم ردوهم على أعقابهم وهم يقولون لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فارجعوا لا صحبكم الله ( )وفي رواية ابن عساكر عن علي بن أبي طالب لقد علمت عائشة أن جيش المروة وأهل النهروان ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر بن عياش جيش المروة قتلة عثمان( )وفي مرحلة ثالثة تظاهر القوم بالرجوع وهم يبطنون أمرا لا يعلمه الناس وكان أمر الكتاب الذي زور على لسان عثمان رضي الله عنه واتخذوه ذريعة ليستحلوا دمه ويحاصروه في داره إلى أن قتلوه رضى الله عنه فقد جاء في رواية أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري وهي من أصح الروايات( )أن وفد أهل مصر عندما قفلوا راجعين من المدينة فبينما هم في الطريق إذا راكب يتعرض لهم ثم يفارقهم ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم ويسبقهم قالوا له ما لك؟ إن لك لأمرا ما شأنك؟ فقال أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر ففتشوه فإذا هم بكتاب على لسان عثمان عليه خاتمه إلى عامله بمصر أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف فأقبلوا حتى قدموا المدينة فأتوا عليا فقالوا ألم تر إلى عدو الله إنه كتب فينا بكذا وكذا وإن الله قد أحل دمه، قم معنا إليه قال علي والله لا أقوم معكم فقالوا فلم كتبت إلينا فقال والله ما كتبت إليكم كتابا قط فنظر بعضهم إلى بعض ثم قال بعضهم لبعض ألهذا تقاتلون أو لهذا تغضبون فانطلق علي فخرج من المدينة إلى قرية فانطلقوا حتى دخلوا على عثمان فقالوا كتبت فينا بكذا وكذا فقال إنهما اثنتان أن يقيموا رجلين من المسلمين أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمليت ولا علمت وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم على الخاتم قالوا قد أحل الله دمك ونقضت العهد والميثاق وحصروه في القصر الدار رضي الله عنه( )
إن الناظر في هذا الكتاب من خلال النص يرى أن أول ما يستوقفه من أمره حامله وهو يتعرض للقوم ويفارقهم ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم ومن يفعل هكذا يكون مريداً لأن يلفت النظر إليه وأن يثير الشبهة وأن يمسك فيسأل عما معه ويستوقفه ثانيا إجابته لهم بأنه رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر والوفد خرج من توه من عند عثمان فماذا يريد من عامله بمصر ويستوقفه كذلك سؤال علي رضى الله عنه لوفد الكوفة والبصرة وقد قالوا إنما جئنا لننصر إخواننا ونمنعهم فقال لهم علي وكيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا( )بل إن عليا يجزم هذا والله أمر أبرم بالمدينة( )كما أن عثمان رضي الله عنه وهو البر الصادق يؤكد أن الكتاب مكتوب على لسانه وأن الخاتم قد ينقش على خاتمه فيصدقه الصادقون ويكذبه الكاذبون( )4 وفوق هذا كله فالثائرون يفصحون عن هدفهم ويقولون ضعوه على ما شئتم لا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا ونحن نعتزله ( )وعلاوة على ذلك هناك ما يؤكد تزوير هذا الكتاب إذ ليس هو الكتاب الوحيد الذي يزور على لسان الصحابة فهذه عائشة رضي الله عنها تتهم بأنها كتبت إلى الناس تأمرهم بالخروج على عثمان فتنفي وتقول لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت لهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا ( )ويعقب الأعمش فيقول فكانوا يرون أنه كتب على لسانها( )ويتهم الوافدون عليا بأنه كتب إليهم أن يقدموا عليه المدينة فينكر ذلك عليهم ويقسم والله ما كتبت إليكم كتابا( )كما ينسب إلى الصحابة بكتابة الكتب إلى أهل الأمصار يأمرونهم بالقدوم إليهم فدين محمد قد فسد وترك والجهاد في المدينة خير من الرباط في الثغور البعيدة ( )ويعلق ابن كثير على هذا الخبر قائلا وهذا كذب على الصحابة ولعله من خلال الملاحظات السابقة يمكن التعرف على من كتب الكتاب وقد أدرك عين الصواب من قال إن الكتاب لا يعدو أن يكون مسرحية مثلت في الطريق الغربي الذي كان فيه المصريون وحدهم( )وجاء في رواية سيف أن معهم ابن السوداء( )وهو عبد الله بن سبأ الذي طالما أغرى قلوب الناس بعثمان وساهم بقسط وافر في الأحداث التي مهدت للفتنة وما تلك اليد الخفية التي كانت تخطط وراء الستار إلايد ذاك اليهودي الخبيث الذي يظهر من رواية سيف أنه هو وأتباعه هم الأيدي المحركة للفتنة والذين جاءت الأخبار الصحيحة ( )بالإشارة إليهم ورسمت هيكلهم ولم توضح هويتهم وبذلك تقوى رواية سيف بن عمر التي تسير مع الروايات الصحيحة في اتجاه واحد ولا تصطدم معها وإذا كان سيف يتفق في الحوادث التي يقدمها مع الأسس التي ذكرتها الروايات الصحيحة فهو إذن حري بأن يوثق به وأن تضم روايته إلى الأخبار الصحيحة لأنه يسير في اتجاهها ويفسر النقاط الغامضة فيه( )ا وجدير بالذكر أن هناك أخبارا متناثرة عند مشاهير المؤرخين والعلماء تكشف آثار ابن سبأ وأتباعه في الفتنة وهي بذلك تعضد رواية سيف السابقة الذكر وتقويها فقد ذكر القمي أن عبد الله بن سبأ أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان( )ويساير النوبختي القمي فيذكر أخبار عبد الله بن سبأ ومن ذلك إظهاره الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والنيل منهم ( )وهذا ابن عساكر يذكر روايات عن ابن سبأ لا ينتهي سندها إلى سيف مما يزيد الأمر تأكيدا، ...وقبل أن يعرض هذه الروايات يقول فيه وطاف بلاد المسلمين ليلفتهم عن طاعة الأئمة ويدخل بينهم الشر وقد دخل دمشق لذلك زمن عثمان بن عفان( )وأما ابن الأثير فيوافق الإمام الطبري فيورد مروياته عن ابن سبأ بعد حذف أسانيدها ( ) ويقول المالقي( )وفي سنة ثلاث وثلاثين تحرك جماعة في شأن عثمان رضى الله عنه وكانوا جماعة منهم مالك الأشتر( )وعبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء وسودان بن حمران( )
ويعتبره الذهبي المهيج للفتنة بمصر وباذر بذور الشقاق والنقمة على الولاة ثم على الإمام عثمان فيها ( )ويروي ابن كثير أن من أسباب تألب الأحزاب على عثمان ظهور ابن سبأ وذهابه إلى مصر وإذاعته بين الناس كلاما اخترعه من عند نفسه فافتتن به بشر كثير من أهل مصر( ) وقال ابن خلدون عنه أنه كان يكثر الطعن على عثمان ويدعو في السر إلى أهل البيت ... فاستمال الناس بذلك في الأمصار وكاتب به بعضهم بعضا( )وعند المقريزي أن ابن سبأ هو المثير للفتنة المنتهية بقتل عثمان رضي الله عنه ( )ويذكره الحافظ ابن حجر قائلا: وأخبار عبد الله بن سبأ شهيرة في التواريخ ( )وفي حديث السيوطي عن مصر ما يفيد إنكار أهلها على ابن سبأ في البداية ثم افتتن به بشر كثير منهم وكان ذلك مبدأ تأليبهم على عثمان( )وهكذا يتفق المشاهير من المؤرخين والعلماء من سلف الأمة وخلفها على أن ابن سبأ ظهر بين المسلمين بعقائد وأفكار وخطط سيئة ليلفت المسلمين عن دينهم وطاعة إمامهم
وينضم إلى السبئية في أحداث الفتنة عنصر الأعراب الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم وغلب عليهم الجفاء حيث كان في أسماء المتهمين في دم الخليفة والذين حاصروه في المدينة رجالا ينتسبون إلى قبائل كانت في عداد المرتدين( )أمثال سودان بن حمران السكوني ومالك بن الحارث النخعي وغيرهم( )هذا ولعامل الفراغ أيضا أثر في اشتغال الأعراب بما لا يعنيهم من قضايا لها صلة بسياسة الدولة وأمور الخراج وغير ذلك مما سينعكس سلبا على موقفهم من الخليفة رضى الله عنه فحين توففت الفتوح في أواخر عهد عثمان أمام حواجز طبيعية أو بشرية لم تتجاوزها سواء في جهات فارس وشمالي بلاد الشام أم في جهة إفريقية توقفت الغنائم على أثرها، فتساءل أولئك الأعراب أين ذهبت الغنائم القديمة أين ذهبت الأراضي المفتوحة التي يعدونها حقا من حقوقهم( )وهكذا يبدو أن الشائعات التي تتهم عثمان رضي الله عنه بأنه تصرف في الأراضي الموقوفة على المسلمين وفق هواه أقطع منها لمن شاء من الناس شائعات غير صحيحة ولكن كان لها أثر ووقعٌ على الأعراب خاصة وأن معظمهم بقي بدون عمل، يقضون شطرا من وقتهم في الطعام والنوم والشطر الآخر بالخوض في سياسة الدولة والحديث عن تصرفات عثمان التي كانت تهولها السبئية وقد أدرك أحد عمال عثمان هذا الأمر وهو عبد الله بن عامر فأشار على الخليفة حيث طلب من عماله وهم وزراؤه ونصحاؤه أن يجتهدوا في آرائهم ويشيروا عليه فأشار عليه بأن يأمر الناس بالجهاد ويجمهرهم في المغازي حتى لا يتعدى همُّ أحدهم قمل فروه ودبرة دابته( )وفي ذلك الجو من الحديث والفكر عند أفراد تعودوا الغزو ولم يفقهوا من الدين شيئا كثيرا يمكن أن يتوقع كل شيء ويكفي أن يحرك هؤلاء الأعراب وأن يوجهوا توجيها فإذا هم يثورون ويحدثون القلاقل والفتن وهذا ما حدث بالفعل فإن الأعراب ساهموا عن حسن نية أو سوء نية في بوادر الفتنة الأولى وكانوا سببا من أسباب اندلاعها
نتيجو شحن السبئية الذين استغلوا سذاجة أولئك لتدبير الفتنة، ويظهر من ثنايا الروايات وجود الأعراب كعنصر فعال في الفتنة إلى جانب السبئية حين يقول عثمان رضى الله عنه في كتاب له إلى الأمصار أغاروا علينا في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمه وأرض الهجرة وثابت إليهم الأعراب( )ويظهرون مرة أخرى في قول عائشة إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحدثوا فيه الأحداث وآووا المحدثين مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر( )ولما اجتمع بنو أمية ويعلى بن منية( )وطلحة والزبير وعائشة وأجمعوا أمرهم على الطلب بدم عثمان وقتال السبئية نادى مناديهم إن عائشة تريد البصرة وليس في ستمائة بعير ما تغنون به غوغاء وجلبة الأعراب وعبيدا قد انتشروا وافترشوا أذرعهم مسعدين لأول واعية ( )ويظهرون مرة ثالثة في قول علي رضي الله عنه لأهل المدينة بعد مقتل عثمان يا أيها الناس أخرجوا الأعراب عنكم، وقال يا معشر الأعراب الحقوا بمياهكم فأبت السبئية الطاعة وأطاعهم الأعراب ( )وعندما طلب طلحة والزبير من علي إقامة الحدود على قتلة عثمان قال لهم يا إخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم( )
ثالثا طبيعة التحول الاجتماعي في عهد عثمان رضي الله عنه شهدت خلافة عثمان رضي الله عنه تطورات خطيرة في حياة الدولة الإسلامية فقد حكم عثمان الدولة الإسلامية بعد أن تحولت من دولة محدودة النطاق تقوم في المدينة المنورة وتحكم شبه جزيرة العرب إلى دولة عالمية يمتد سلطانها ليشمل ممالك العراق والشام ومصر وإفريقية وأرمينية وبلاد فارس وبعضا من جزر البحر الأبيض المتوسط( )وقد ظهر نتيجة هذا التحول في طبيعة الدولة وأجناس الخاضعين لها والمنتمين إلى دينها جيل جديد من المسلمين يعتبر في مجموعه أقل كفاءة من الجيل الأول الذي حمل على كتفيه عبء بناء الدولة وإقامتها فقد تميز الجيل الأول من المسلمين بقوة الإيمان والفهم السليم لجوهر العقيدة الإسلامية والاستعداد التام لإخضاع النفس لنظام الإسلام المتمثل في القرآن والسنة
كما أن المسلمبن الجدد كانوا يحملون رواسب كثيرة من رواسب الجاهلية التي كانوا عليها ولم ينالوا من التربية الإسلامية على العقيدة الصحيحة السليمة مثل ما نال الرعيل الأول من الصحابة رضوان الله عليهم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية للمدائني على لسان عثمان ما يدل على تغير الأحوال وتبدلها بعد ظهور هذا الجيل الجديد من الناس يا ابن عدي والله إني مظلوم منعيٌ علي لقد أسلمت وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما خالفته ولا غششته ثم صحبت أبا بكر ثم عمر رضى الله عنهما فما خالفتهما ولا غششتهما حتى ماتا أفما ترون لي مثل ما رأيت لمن قبلي( ) ويكشف النقاب أيضا عن طبيعة التحول والتغيير في المجتمع الإسلامي ما كتبه سعيد بن العاص( )أمير الكوفة إلى عثمان يقول إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات والسابقة والقدمة والغالب على تلك البلاد روادف ردفت وأعراب لحقت حتى ما ينظر إلى ذي شرف ولا بلاء من نازلتها ولا نابتتها( )وإذا كان الإسلام قد تمكن من صهر هذه القبائل المختلفة في بوتقته لفترة معينة إلا أنه مما يجب أن يوضع في الحسبان أن هذه القبائل لم تنل حظا وافرا من التربيةكما هو حال الصحابة من المهاجرين والأنصار
وغني عن الإشارة أن النعم والخيرات وتلك الواردات من الفتوح سيكون لها أثرها على المجتمع إذ تجلب الرخاء وما يترتب عليه من انشغال الناس بالدنيا والافتتان بها خاصة وقد ظهر الثراء بشكل واضح زمن عثمان رضى الله عنه حيث أدرك هو نفسه هذه الظاهرة منذرا بما سيؤول إليه أمر الأمة من التبذل والتغير في كتابه الموجه إلى الرعية فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم تكامل النعم وبلوغ أولادكم من السبايا وقراءة الأعراب والأعاجم للقرآن( )فقلماكان يأتي على الناس يوم إلا وهم يقتسمون فيه خيرا يقال لهم يا معشر المسلمين اغدوا على أعطياتكم والأخرى كان السيف مغمدا عن أهل الإسلام فسلوه على أنفسهم فوالله ما زال مسلولا إلى يوم الناس هذا وايم الله إني لأراه سيفا مسلولا إلى يوم القيامة( )وأما بلوغ أولاد المسلمين من السبايا فيتمثل فيما آل إليه أمر هؤلاء من الدعة والترف وكان أول منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا وحدث بين الناس النشو بتناولهم النبيذ فأرسل عثمان رجلا يطوف عليهم بالعصا ليمنعهم من ذلك وعندما اشتد ذلك شكاه عثمان إلى الناس فأجمعوا على أن يجلدوا في النبيذ فأخذ نفر منهم فجلدوا ثم جعل عثمان لا يأخذ أحدا على شر أو شهر سلاحا إلا نفاه من المدينة فضج آباؤهم من ذلك( )وهكذا لما قام عثمان الرجل التقي والخليفة الراشد بواجبه وكانت إجراءاته تعزيرية تجاه أبناء الأغنياء الذين بدءوا نوعا من حياة الترف وفساد الأخلاق انضم أولئك المنحرفون إلى صف الناقمين من الرعاع وغيرهم وفي مثل هذه الظروف والخيرات وافرة فاضت الدنيا على المسلمين وتفرغ الناس بعد أن فتحوا الأقاليم واطمأنوا فأخذوا ينقمون على خليفتهم ( )ومن هنا يعلم أثر الرخاء في تحريك الفتنة ومن هنا أيضا يمكن فهم مقالة عثمان رضي الله عنه لعبد الرحمن بن ربيعة وهو على الباب( )إن الرعية قد أبطر كثيرا منهم البطنة فقصر بهم ولا تقتحم بالمسلمين فإني خاشٍ أن يبتلوا( )
خامسا اختلاف سياسة عثمان عن سياسة عمر في السماح للصحابة بالانتشار فعمر رضي الله عنه حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان إلا بإذن وأجل( )مخافة أن يتوسعوا في القطاع والضياع وأن يفتتن الناس بهم أما عثمان فقد سمح لهم بالخروج ولان معهم ،ثم إن ابن السوداء أسلم وتكلم وقد فاضت الدنيا وطلعت الأحداث على يديه فاستطالوا عمر عثمان رضي الله عنه( )
سادسا العصبية القبلية: استثقال بعض القبائل العربية لرياسة قريش يقول ابن خلدون في هذا الموضوع لما استكمل الفتح واستكمل للملة الملك ونزل العرب بالأمصار في حدود ما بينهم وبين الأمم من البصرة والكوفة والشام ومصر وكان المختصون بصحبة الرسول صلى اله عليه وسلم والاقتداء بهديه وآدابه المهاجرين والأنصار وقريش وأهل الحجاز ومن ظفر بمثل ذلك من غيرهم وأما سائر العرب ... فلم يكونوا من تلك الصحبة بمكان إلا قليل منهم وكانت لهم في الفتوحات قدم فكانوا يرون ذلك لأنفسهم مع ما يدين به فضلاؤهم من تفضيل أهل السابقة ومعرفة حقهم وما كانوا فيه من الذهول والدهش لأمر النبوة وتردد الوحي وتنزل الملائكة فلما انحصر ذلك العباب وتنوسي الحال بعض الشيء وذل العدو واستفحل الملك كانت عروق الجاهلية تنبض ووجدوا الرياسة عليهم من المهاجرين والأنصار وقريش وسواهم فأنفت نفوسهم منه ووافق ذلك أيام عثمان فكانوا يظهرون الطعن في ولاته بالأمصار والمؤاخذة ... وأفاضوا في عزل عثمان وحمله على عزل أمرائه، وبعث إلى الأمصار من يأتيه بالخبر فرجعوا إليه فقالوا ما أنكرنا شيئا ولا أنكره أعيان المسلمين ولا عوامهم( )