رياض العُمري
18-Jan-2007, 12:37 AM
علم مقالات الفرق (أهميته ، مناهج التأليف فيه ، أشهر مؤلفاته ) (1)
تعريف علم مقالات الفرق:
يقول طاش كبري زاده في تعريفه: "علم مقالات الفرق [1]: هو علم باحث عن ضبط المذاهب الباطلة المتعلقة بالاعتقادات الإلهية، وهي على ما أخبر به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمة، اثنتان وسبعون فرقة.وموضوعه وغايته وغرضه ومنفعته ظاهرة جداً."[2].
وهذا التعريف حدد معالم هذا الفن من فنون العلم في ثلاثة معالم بارزة هي:
أولاً: قوله عن هذا العلم إنه: (علم باحث عن ضبط المذاهب الباطلة).
ثانياً: قوله: (المتعلقة بالاعتقادات الإلهية).
ثالثاً: قوله: (وهي على ما أخبر به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمة، اثنتان وسبعون فرقة)
فحدود هذا الفن هي البحث عن ضبط المذاهب الباطلة ، فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد،عند الفرق المنتسبة لهذه الأمة.
فهذا العلم يعنى بالخلاف الواقع في مسائل الاعتقاد ولا يبحث في المسائل الأخرى من أبواب الدين التي حصل فيها خلاف كمسائل الفقه والتفسير وغيرها.
وهذا التعريف جيد ويعطي صورة عن مضمون هذا العلم ومحتواه.
وأما تسميته لهذا العلم بـ "علم مقالات الفرق" فإن في هذا تمييزاً له عن "علم الأديان" الذي يعنى بمقالات الأمم الأخرى غير المسلمة، بينما اختص هذا العلم بمقالات الفرق المنتسبة إلى الإسلام.
فالمقالات عموماً تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: المقالات الواقعة في هذه الأمة.
القسم الثاني: مقالات الأمم الأخرى.
ولذلك لما ألف أبو الحسن الأشعري في علم المقالات، ألف كتاباً سماه "مقالات الإسلاميين" وكتاباً آخر سماه "مقالات غير الإسلاميين".
ولكن الذي استقر عليه الحال في الوقت الحاضر هو الفصل بين هذين النوعين من المقالات، بتسمية مقالات غير الإسلاميين بـ "علم الأديان، وتسمية مقالات الإسلاميين بـ " علم الفرق".
ومن المعلوم أنه في العصر الراهن تشققت بعض العلوم وفرع عنها عدة علوم ومن ذلك علم المقالات الذي تفرع إلى العلوم التالية:
1 - علم الفرق
2 - علم الأديان
3 ـ علم المذاهب المعاصرة
كما هو الحال في المقررات التعليمية وبخاصة في المراحل الجامعية.
- أهمية علم المقالات عموماً :
لعلم المقالات أهميته البالغة ومنفعته العظيمة باعتباره أحد العلوم المهمة التي أولاها العلماء اهتمامهم وتناولوها بالبحث والدراسة والتصنيف، وترجع أهمية هذا العلم لعوامل متعددة من أهمها مايلي:
أولاً:- رصد وكشف المذاهب المنحرفة عن الصراط المستقيم فذلك من الأمور المهمة التي ينبغي الاهتمام الجاد بدراستها، وإعطائها حقها من المتابعة والبحث، تحقيقاً لقول الله تعالى {وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} [3][4]،
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "العالمون بالله وكتابه ودينه، عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية، وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية، فاستبانت لهم السبيلان، فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم للناس، وأنصحهم لهم، وهم الأدلاء الهداة، وبذلك برز الصحابة على جميع من أتى بعدهم إلى يوم القيامة، فإنهم نشأوا في سبيل الضلال والكفر والشرك والسبل الموصلة إلى الهلاك وعرفوها مفصلة، ثم جاء الرسول صلى الله عليه وسلم فأخرجهم من الظلمة الشديدة إلى النور التام، ومن الظلم إلى العدل، فعرفوا مقدار ما نالوه وظفروا به، ومقدار ما كانوا فيه، فإن الضد يظهر حسنه الضد، وإنما تتبين الأشياء بأضدادها، فازدادوا رغبة ومحبة فيما انتقلوا إليه، ونفرة وبغضاً لما انتقلوا عنه..."[5].
وهذا المفهوم يجليه قول عمر الفاروق رضي الله عنه: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" [6]
ثانياً: الرد على أهل الأهواء والبدع حتى تنقطع شبهتهم ويزول عن المسلمين ضررهم، فتلك مرتبة عظيمة من منازل الجهاد باللسان، فقد صح من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" [7]
وقال الإمام ابن تيمية: "فالراد على أهل البدع مجاهد، حتى كان يحي ابن يحي يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد"[8].
وقال أيضاً: "وإذا كان النصح واجباً في المصالح الدينية الخاصة والعامة: مثل نقلة الحديث الذين يغلطون ويكذبون، ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلَّى واعتكف فإنما هو انفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل. فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء، لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً"[9].
ثالثاً: أن الدعوة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة والاجتماع عليها وبيان فساد ما خالفها وشذ عنها والتحذير منهم فيه تكثير للفرقة الناجية المعتصمة بالحق، وفيه أمر بالمعروف، قال ابن تيمية رحمه الله: "ولا يقال: فإذا كان الكتاب والسنة قد دلا على وقوع ذلك ـ الافتراق بين المسلمين ـ فما فائدة النهي عنه؟
لأن الكتاب والسنة أيضاً قد دلا على أنه لا يزال في هذه الأمة طائفة متمسكة بالحق الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة وأنها لا تجتمع على ضلالة.
ففي النهي عن ذلك تكثير هذه الطائفة المنصورة وتثبيتها وزيادة إيمانها فنسأل الله المجيب أن يجعلنا منها"[10].
رابعاً: إن دراسة مقالات الفرق من باب معرفة الشر لتوقيه وتحذير الناس من الفرق المبتدعة التي تكاثرت وتكاتفت فتعددت السبل وكثرت المشتبهات، وفي ذلك نهي عن المنكر.
وقد كان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول: "كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني"[11].
قال ابن تيمية ـ في تعليقه على أحاديث النهي عن التفرق ـ: "وهذا المعنى محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، يشير إلى أن التفرق والاختلاف لا بد من وقوعهما في الأمة، وكان يحذر أمته منه لينجو من الوقوع فيه من شاء الله له السلامة"[12].
خامساً: بيان صلة الفرق الضالة والآراء المنحرفة المعاصرة بجذورها الخبيثة من الفرق القديمة أهل الأهواء والبدع وكشف حقيقتها وتلبيساتها على الناس، فإن تغيير الأسماء مع بقاء المسميات والمعاني من أساليب الخداع والمكر عند اليهود والزنادقة وأعداء الإسلام.
قال ابن القيم رحمه الله ـ بعد كلامه عن التحيل الباطل ـ: "وإنما غرضه التوصل بها إلى ما هو ممنوع منه، فجعلها سترة وجنَّة يتستر بها من ارتكب ما نهي عنه فأخرجه في قالب الشرع.
كما أخرج الجهمية التعطيل في قالب التنزيه.
وأخرج المنافقون النفاق في قالب الإحسان والتوفيق والعقل المعيشي.
وأخرج الظلمة الفجرة الظلم والعدوان في قالب السياسة وعقوبة الجناة.
وأخرج الروافض الإلحاد والكفر والقدح في سادات الصحابة وحزب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوليائه وأنصاره في قالب محبة أهل البيت والتعصب لهم وموالاتهم.
وأخرج فسقة المنتسبين إلى الفقر والتصوف بدعهم وشطحهم في قالب الفقر والزهد والأحوال والمعارف ومحبة الله ونحو ذلك.
وأخرجت الاتحادية أعظم الكفر والإلحاد في قالب التوحيد وأن الوجود واحد لا اثنان وهو الله وحده فليس هاهنا وجودان خالق ومخلوق ولا رب ولا عبد بل الوجود واحد وهو حقيقة الرب.
وأخرجت القدرية إنكار عموم قدرة الله تعالى على جميع الموجودات، أفعالها وأعيانها في قالب العدل، وقالوا: لو كان الرب قادراً على أفعال عباده لزم أن يكون ظالماً لهم فأخرجوا تكذيبهم بالقدر في قالب العدل.
وأخرجت الخوارج قتال الأئمة والخروج عليهم بالسيف في قالب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأخرج أرباب البدع جميعهم بدعهم في قوالب متنوعة بحسب تلك البدع، فكل صاحب باطل لا يتمكن من ترويج باطله إلا بإخراجه في قالب حق..."[13].
سادساً: إن عدم دراسة الفرق والرد عليها وإبطال الأفكار المخالفة للحق، فيه إفساح المجال للفرق المبتدعة أن تفعل ما تريد، وأن تدعو إلى كل ما تريد من بدع وخرافات دون أن تجد من يتصدى لها بالدراسة والنقد[14].
ولهذه العوامل وغيرها تبدو الضرورة ملحة لوجود هذا العلم واعتناء أهل العلم به، وهذا هو الواقع الملموس من تتبع جهود العلماء قديماً وحديثاً عبر القرون المختلفة، قال طاش كبري زاده في معرض تعريفه لعلم المقالات "وموضوعه وغايته وغرضه ومنفعته ظاهرة جداً."[15]
- انظر : مقدمات في علم مقالات الفرق : د. محمد بن خليفة التميمي .
.................................................. ........
وللحديث بقية ...
--------------------------------------------------------------------------------
[1] وكذا سماه حاجي خليفة في كشف الظنون بعلم مقالات الفرق.
[2] مفتاح السعادة (1/298) وانظر أبجد العلوم لصدِّيق حسن خان القنوجي (2/515) فإنه عرفه بنفس التعريف.
[3] الأنعام الآية 55.
[4] مقالات في المذاهب والفرق ص 77.
[5] الفوائد ص 108-109. ط دار الكتب العلمية 1393هـ
[6] تيسير العزيز الحميد ( ص 90 )
[7] أخرجه أحمد في مسنده ( 19/272 ح 12246 ) وإسناده صحيح على شرط مسلم ، وأخرجه وأبو داود ( 2504 ) ، والنسائي ( 6/51 ) ، والحاكم ( 2/81 ) وصححه ، ووافقه الذهبي ، والضياء في المختارة ( 1905 )
[8] مجموع الفتاوى 4/13.
[9] مجموع الفتاوى 28/231-232.
[10] اقتضاء الصراط المستقيم 1/152.
[11] أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب الفتن ، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ؟ ( انظر فتح الباري 13/35 ح 7084 ) . وأخرجه مسلم في صحيحه ، كتب الإمارة ، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر ( 6/20 )
[12] اقتضاء الصراط المستقيم 1/127.
[13] إغاثة اللهفان 2/81.
[14] فرق معاصرة لغالب العواجي 1/26.
[15]مفتاح السعادة (1/298)
تعريف علم مقالات الفرق:
يقول طاش كبري زاده في تعريفه: "علم مقالات الفرق [1]: هو علم باحث عن ضبط المذاهب الباطلة المتعلقة بالاعتقادات الإلهية، وهي على ما أخبر به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمة، اثنتان وسبعون فرقة.وموضوعه وغايته وغرضه ومنفعته ظاهرة جداً."[2].
وهذا التعريف حدد معالم هذا الفن من فنون العلم في ثلاثة معالم بارزة هي:
أولاً: قوله عن هذا العلم إنه: (علم باحث عن ضبط المذاهب الباطلة).
ثانياً: قوله: (المتعلقة بالاعتقادات الإلهية).
ثالثاً: قوله: (وهي على ما أخبر به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمة، اثنتان وسبعون فرقة)
فحدود هذا الفن هي البحث عن ضبط المذاهب الباطلة ، فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد،عند الفرق المنتسبة لهذه الأمة.
فهذا العلم يعنى بالخلاف الواقع في مسائل الاعتقاد ولا يبحث في المسائل الأخرى من أبواب الدين التي حصل فيها خلاف كمسائل الفقه والتفسير وغيرها.
وهذا التعريف جيد ويعطي صورة عن مضمون هذا العلم ومحتواه.
وأما تسميته لهذا العلم بـ "علم مقالات الفرق" فإن في هذا تمييزاً له عن "علم الأديان" الذي يعنى بمقالات الأمم الأخرى غير المسلمة، بينما اختص هذا العلم بمقالات الفرق المنتسبة إلى الإسلام.
فالمقالات عموماً تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: المقالات الواقعة في هذه الأمة.
القسم الثاني: مقالات الأمم الأخرى.
ولذلك لما ألف أبو الحسن الأشعري في علم المقالات، ألف كتاباً سماه "مقالات الإسلاميين" وكتاباً آخر سماه "مقالات غير الإسلاميين".
ولكن الذي استقر عليه الحال في الوقت الحاضر هو الفصل بين هذين النوعين من المقالات، بتسمية مقالات غير الإسلاميين بـ "علم الأديان، وتسمية مقالات الإسلاميين بـ " علم الفرق".
ومن المعلوم أنه في العصر الراهن تشققت بعض العلوم وفرع عنها عدة علوم ومن ذلك علم المقالات الذي تفرع إلى العلوم التالية:
1 - علم الفرق
2 - علم الأديان
3 ـ علم المذاهب المعاصرة
كما هو الحال في المقررات التعليمية وبخاصة في المراحل الجامعية.
- أهمية علم المقالات عموماً :
لعلم المقالات أهميته البالغة ومنفعته العظيمة باعتباره أحد العلوم المهمة التي أولاها العلماء اهتمامهم وتناولوها بالبحث والدراسة والتصنيف، وترجع أهمية هذا العلم لعوامل متعددة من أهمها مايلي:
أولاً:- رصد وكشف المذاهب المنحرفة عن الصراط المستقيم فذلك من الأمور المهمة التي ينبغي الاهتمام الجاد بدراستها، وإعطائها حقها من المتابعة والبحث، تحقيقاً لقول الله تعالى {وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} [3][4]،
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "العالمون بالله وكتابه ودينه، عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية، وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية، فاستبانت لهم السبيلان، فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم للناس، وأنصحهم لهم، وهم الأدلاء الهداة، وبذلك برز الصحابة على جميع من أتى بعدهم إلى يوم القيامة، فإنهم نشأوا في سبيل الضلال والكفر والشرك والسبل الموصلة إلى الهلاك وعرفوها مفصلة، ثم جاء الرسول صلى الله عليه وسلم فأخرجهم من الظلمة الشديدة إلى النور التام، ومن الظلم إلى العدل، فعرفوا مقدار ما نالوه وظفروا به، ومقدار ما كانوا فيه، فإن الضد يظهر حسنه الضد، وإنما تتبين الأشياء بأضدادها، فازدادوا رغبة ومحبة فيما انتقلوا إليه، ونفرة وبغضاً لما انتقلوا عنه..."[5].
وهذا المفهوم يجليه قول عمر الفاروق رضي الله عنه: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" [6]
ثانياً: الرد على أهل الأهواء والبدع حتى تنقطع شبهتهم ويزول عن المسلمين ضررهم، فتلك مرتبة عظيمة من منازل الجهاد باللسان، فقد صح من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" [7]
وقال الإمام ابن تيمية: "فالراد على أهل البدع مجاهد، حتى كان يحي ابن يحي يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد"[8].
وقال أيضاً: "وإذا كان النصح واجباً في المصالح الدينية الخاصة والعامة: مثل نقلة الحديث الذين يغلطون ويكذبون، ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلَّى واعتكف فإنما هو انفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل. فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء، لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً"[9].
ثالثاً: أن الدعوة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة والاجتماع عليها وبيان فساد ما خالفها وشذ عنها والتحذير منهم فيه تكثير للفرقة الناجية المعتصمة بالحق، وفيه أمر بالمعروف، قال ابن تيمية رحمه الله: "ولا يقال: فإذا كان الكتاب والسنة قد دلا على وقوع ذلك ـ الافتراق بين المسلمين ـ فما فائدة النهي عنه؟
لأن الكتاب والسنة أيضاً قد دلا على أنه لا يزال في هذه الأمة طائفة متمسكة بالحق الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة وأنها لا تجتمع على ضلالة.
ففي النهي عن ذلك تكثير هذه الطائفة المنصورة وتثبيتها وزيادة إيمانها فنسأل الله المجيب أن يجعلنا منها"[10].
رابعاً: إن دراسة مقالات الفرق من باب معرفة الشر لتوقيه وتحذير الناس من الفرق المبتدعة التي تكاثرت وتكاتفت فتعددت السبل وكثرت المشتبهات، وفي ذلك نهي عن المنكر.
وقد كان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول: "كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني"[11].
قال ابن تيمية ـ في تعليقه على أحاديث النهي عن التفرق ـ: "وهذا المعنى محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، يشير إلى أن التفرق والاختلاف لا بد من وقوعهما في الأمة، وكان يحذر أمته منه لينجو من الوقوع فيه من شاء الله له السلامة"[12].
خامساً: بيان صلة الفرق الضالة والآراء المنحرفة المعاصرة بجذورها الخبيثة من الفرق القديمة أهل الأهواء والبدع وكشف حقيقتها وتلبيساتها على الناس، فإن تغيير الأسماء مع بقاء المسميات والمعاني من أساليب الخداع والمكر عند اليهود والزنادقة وأعداء الإسلام.
قال ابن القيم رحمه الله ـ بعد كلامه عن التحيل الباطل ـ: "وإنما غرضه التوصل بها إلى ما هو ممنوع منه، فجعلها سترة وجنَّة يتستر بها من ارتكب ما نهي عنه فأخرجه في قالب الشرع.
كما أخرج الجهمية التعطيل في قالب التنزيه.
وأخرج المنافقون النفاق في قالب الإحسان والتوفيق والعقل المعيشي.
وأخرج الظلمة الفجرة الظلم والعدوان في قالب السياسة وعقوبة الجناة.
وأخرج الروافض الإلحاد والكفر والقدح في سادات الصحابة وحزب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوليائه وأنصاره في قالب محبة أهل البيت والتعصب لهم وموالاتهم.
وأخرج فسقة المنتسبين إلى الفقر والتصوف بدعهم وشطحهم في قالب الفقر والزهد والأحوال والمعارف ومحبة الله ونحو ذلك.
وأخرجت الاتحادية أعظم الكفر والإلحاد في قالب التوحيد وأن الوجود واحد لا اثنان وهو الله وحده فليس هاهنا وجودان خالق ومخلوق ولا رب ولا عبد بل الوجود واحد وهو حقيقة الرب.
وأخرجت القدرية إنكار عموم قدرة الله تعالى على جميع الموجودات، أفعالها وأعيانها في قالب العدل، وقالوا: لو كان الرب قادراً على أفعال عباده لزم أن يكون ظالماً لهم فأخرجوا تكذيبهم بالقدر في قالب العدل.
وأخرجت الخوارج قتال الأئمة والخروج عليهم بالسيف في قالب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأخرج أرباب البدع جميعهم بدعهم في قوالب متنوعة بحسب تلك البدع، فكل صاحب باطل لا يتمكن من ترويج باطله إلا بإخراجه في قالب حق..."[13].
سادساً: إن عدم دراسة الفرق والرد عليها وإبطال الأفكار المخالفة للحق، فيه إفساح المجال للفرق المبتدعة أن تفعل ما تريد، وأن تدعو إلى كل ما تريد من بدع وخرافات دون أن تجد من يتصدى لها بالدراسة والنقد[14].
ولهذه العوامل وغيرها تبدو الضرورة ملحة لوجود هذا العلم واعتناء أهل العلم به، وهذا هو الواقع الملموس من تتبع جهود العلماء قديماً وحديثاً عبر القرون المختلفة، قال طاش كبري زاده في معرض تعريفه لعلم المقالات "وموضوعه وغايته وغرضه ومنفعته ظاهرة جداً."[15]
- انظر : مقدمات في علم مقالات الفرق : د. محمد بن خليفة التميمي .
.................................................. ........
وللحديث بقية ...
--------------------------------------------------------------------------------
[1] وكذا سماه حاجي خليفة في كشف الظنون بعلم مقالات الفرق.
[2] مفتاح السعادة (1/298) وانظر أبجد العلوم لصدِّيق حسن خان القنوجي (2/515) فإنه عرفه بنفس التعريف.
[3] الأنعام الآية 55.
[4] مقالات في المذاهب والفرق ص 77.
[5] الفوائد ص 108-109. ط دار الكتب العلمية 1393هـ
[6] تيسير العزيز الحميد ( ص 90 )
[7] أخرجه أحمد في مسنده ( 19/272 ح 12246 ) وإسناده صحيح على شرط مسلم ، وأخرجه وأبو داود ( 2504 ) ، والنسائي ( 6/51 ) ، والحاكم ( 2/81 ) وصححه ، ووافقه الذهبي ، والضياء في المختارة ( 1905 )
[8] مجموع الفتاوى 4/13.
[9] مجموع الفتاوى 28/231-232.
[10] اقتضاء الصراط المستقيم 1/152.
[11] أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب الفتن ، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ؟ ( انظر فتح الباري 13/35 ح 7084 ) . وأخرجه مسلم في صحيحه ، كتب الإمارة ، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر ( 6/20 )
[12] اقتضاء الصراط المستقيم 1/127.
[13] إغاثة اللهفان 2/81.
[14] فرق معاصرة لغالب العواجي 1/26.
[15]مفتاح السعادة (1/298)