المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : توحيدُالأسماءوالصِّفات:منزلتهُ،أصولهُ،خصائصهُ(الحل قة التاسعة)-الردعلى المفوضة-


عبدالله القحطاني
16-Jan-2007, 02:30 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
في هذه الحلقة أنهي الكلام على الأدلة العقلية الدالة على بطلان مذهب التفويض،والحمدلله أولاً و آخراً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوجه العاشر:أن القول بالتفويض مضادٌّ لحال النبي –صلى الله عليه و سلم-،و حال الصحابة –رضي الله عنهم- ،قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- (ت728)،و قد سئل عن قوله في آيات الصفات و أحاديثها : "قولنا فيها ما قاله الله و رسوله – صلى الله عليه و سلم- ،و السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان ،و ما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء -الذين أجمع المسلمون على هدايتهم و درايتهم-؛و هذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب و غيره ؛فإن الله -سبحانه و تعالى- بعث محمداً -صلى الله عليه و سلم- بالهدى و دين الحق ؛ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ،و شهد له بأنه بعثه داعياً إليه بإذنه و سراجاً منيراً ،و أمره أن يقول :"قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني"[يوسف:108]؛ فمن المحال في العقل و الدين أن يكون السراج المنير -الذى أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور ،و أنزل معه الكتاب بالحق ؛ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ،و أمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب و الحكمة ،و هو يدعو إلى الله ،و إلى سبيله بإذنه على بصيرة ،و قد أخبر الله بأنه أكمل له ،و لأمته دينهم ،و أتم عليهم نعمته_: محالٌ مع هذا ،و غيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله ،و العلم به ملتبساً مشتبهاً ،و لم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى و الصفات العليا ،و ما يجوز عليه ،و ما يمتنع عليه ؛ فإن معرفة هذا أصلُ الدين ،و أساس الهداية ،و أفضل ،و أوجب ما اكتسبته القلوب ،و حصلته النفوس ،و أدركته العقول ؛فكيف يكون ذلك الكتاب ،و ذلك الرسول ،و أفضل خلق الله بعد النبيين لم يُحكموا هذا الباب اعتقاداً و قولاً .
و من المحال –أيضاً- أن يكون النبى –صلى الله عليه و سلم- قد علم أمته كل شىء حتى الخِراءة ،و قال :"تركتكم على المحجة البيضاء ،ليلها كنهارها ؛لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك"، و قال فيما صح عنه –أيضاً- : "ما بعث الله من نبى إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ،و ينهاهم عن شر ما يعلمه لهم"، و قال أبو ذر –رضي الله عنه-:"لقد توفي رسول الله و ما طائرٌ يقلب جناحيه فى السماء إلا ذكر لنا منه علماً"،و قال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-:" قام فينا رسول الله مقاماً ؛فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم ،و أهل النار منازلهم ،حفظ ذلك من حفظه ،و نسيه من نسيه" رواه البخاري.
و محال مع تعليمهم كلَّ شىء لهم فيه منفعة فى الدين –و إن دقت- أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ،و يعتقدونه فى قلوبهم فى ربهم و معبودهم رب العالمين -الذى معرفته غاية المعارف ،و عبادته أشرف المقاصد ،و الوصول إليه غاية المطالب ،بل هذا خلاصة الدعوة النبوية ،و زبدة الرسالة الإلهية-؛ فكيف يَتوهَّم مَن فى قلبه أدنى مسكة من إيمان و حكمة أنْ لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول –صلى الله عليه و سلم- على غاية التمام.
ثم إذا كان قد وقع ذلك منه فمن المحال أن يكون خير أمته ،و أفضل قرونها قصَّروا فى هذا الباب زائدين فيه ،أو ناقصين عنه.
ثم من المحال –أيضاً- أن تكون القرون الفاضلة -القرن الذي بعث فيه رسول الله –صلى الله عليه و سلم- ،ثم الذين يلونهم ،ثم الذين يلونهم كانوا غير عالمين ،و غير قائلين فى هذا الباب بالحق المبين ؛لأن ضد ذلك :
إما عدم العلم و القول.
و إما اعتقاد نقيض الحق ،و قول خلاف الصدق.
و كلاهما ممتنعٌ :
أما الأول فلأن من فى قلبه أدنى حياة ،و طلب للعلم ،أو نهمة فى العبادة يكون البحث عن هذا الباب ،و السؤال عنه ،و معرفة الحق فيه أكبرَ مقاصده ،و أعظم مطالبه -أعني بيان ما ينبغي اعتقاده ،لا معرفةَ كيفية الرب ،و صفاته-؛ و ليست النفوس الصحيحة إلى شىء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، و هذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية.
فكيف يُتصور مع قيام هذا المقتضي -الذى هو من أقوى المقتضِيات- أنْ يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة ،في مجموع عصورهم ،هذا لا يكاد يقع فى أبلد الخلق ،و أشدهم أعراضاً عن الله ،و أعظمهم إكباباً على طلب الدنيا ،و الغفلة عن ذكر الله –تعالى-؛ فكيف يقع في أولئك؟!
و أما كونهم كانوا معتقدين فيه غيرَ الحق ،أو قائليه فهذا لا يعتقده مسلم ،و لا عاقل عرف حالَ القوم.
ثم الكلام فى هذا الباب عنهم أكثر من أن يمكن سطْرُهُ فى هذه الفتوى ،و أضعافها ،يعرف ذلك مَن طلبه ،و تتبعه"ا.ه..["مجموع الفتاوى"5/،وانظر "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"1/ لابن قيم الجوزية]
و يمكن بيان ما تقدم بأن يقال :"رسالة النبي -صلّى الله عليه و سلّم- تتضمن شيئين هما : العلم النافع، و العمل الصالح كما قال –تعالى-:"هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ"[التوبة:الاية33] .
فالهدى هو: العلم النافع.
و دين الحق هو: العمل الصالح -الذي اشتمل على الإخلاص لله، و المتابعة لرسوله -صلّى الله عليه و سلّم-.
و العلم النافع يتضمن كلَّ علم يكون للأمة فيه خير و صلاح في معاشها،و معادها،و أول ما يدخل في ذلك العلم بأسماء الله و صفاته و أفعاله؛ فإن العلم بذلك أنفع العلوم،و هو زبدة الرسالة الإلهية، و خلاصة الدعوة النبوية، و به قوام الدين قولاً، و عملاً، و اعتقاداً.
و من أجل هذا كان من المستحيل أن يهمله النبي -صلّى الله عليه و سلّم-، و لا يبيّنه بياناً ظاهراً ينفي الشكّ، و يدفع الشبهة، و بيان استحالته من وجوه :
الأول : أن رسالة النبي -صلّى الله عليه و سلّم- كانت مشتملة على النور و الهدى؛ فإن الله بعثه بشيراً و نذيراً، و داعياً إلى الله بإذنه، و سراجاً منيراً، حتى ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، و أعظم النور ،و أبلغه ما يحصل للقلب بمعرفة الله، و أسمائه، و صفاته، و أفعاله، فلا بد أن يكون النبي -صلّى الله عليه و سلّم- قد بيّنه غاية البيان.
الثاني : أن النبي -صلّى الله عليه و سلّم- علّم أمته جميع ما تحتاج إليه من أمور الدين و الدنيا، حتى آداب الأكل، و الشرب، و الجلوس، و المنام ،و غير ذلك ،قال أبو ذر - رضي الله عنه -: "لقد توفي رسول الله -صلّى الله عليه و سلّم- و ما طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا منه علماً".
و لا ريب أن العلم بالله، و أسمائه، و صفاته، و أفعاله داخل تحت هذه الجملة العامة، بل هو أول ما يدخل فيه ؛لشدة الحاجة إليه.
الثالث : أن الإيمان بالله –تعالى- و أسمائه و صفاته و أفعاله هو أساس الدين، و خلاصة دعوة المرسلين، و هو أوجب ،و أفضل ما اكتسبته القلوب ،و أدركته العقول؛ فكيف يهمله النبي -صلّى الله عليه و سلّم- من غير تعليم ،و لا بيان مع أنه كان يعلِّم ما هو دونه في الأهمية و الفضيلة؟!
الرابع " أن النبي -صلّى الله عليه و سلّم- كان أعلم الناس بربه، و هو أنصحهم للخلق، و أبلغهم في البيان و الفصاحة؛ فلا يمكن مع هذا المقتضي التام للبيان أن يترك باب الإيمان بالله و أسمائه و صفاته ملتبساً مشتبهاً.
الخامس : أن الصحابة - رضي الله عنهم - لا بد أن يكونوا قائلين بالحق في هذا الباب؛ لأن ضدّ ذلك "
إما السكوت.
و إما القول بالباطل.
و كلاهما ممتنع عليهم :
أمّا امتناع السكوت فوجهه: أن السكوت :
إمّا أن يكون عن جهل منهم بما يجبُ لله –تعالى- من الأسماء و الصفات، و ما يجوز عليه منها ،و يمتنع.
و إمّا أن يكون عن علم منهم بذلك ،و لكن كتموه.
و كلٌّ منهما ممتنع :
أما امتناع الجهل : فلأنه لا يمكن لأي قلب فيه حياة، و وعي ،و طلب للعلم، و نهمة في العبادة إلا أن يكون أكبر همّه هو البحث في الإيمان بالله –تعالى-، و معرفته بأسمائه و صفاته، و تحقيق ذلك علماً و اعتقاداً.
و لا ريب أن القرون المفضلة ،و أفضلهم الصحابة هم أبلغ الناس في حياة القلوب، و محبة الخير، و تحقيق العلوم النافعة، كما قال النبي -صلّى الله عليه و سلّم-: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ، و هذه الخيرية تعمُّ فضلهم في كل ما يُقرّب إلى الله من قول، و عمل، و اعتقاد.
ثم لو فرضنا أنهم كانوا جاهلين بالحق في هذا الباب لكان جهل مَنْ بعدهم من باب أولى؛ لأن معرفة ما يُثْبَتُ لله –تعالى- من الأسماء و الصفات، أو يُنْفَى عنه إنما تُتَلقَّى من طريق الرسالة، و هم الواسطة بين الرسول -صلّى الله عليه و سلّم- و بين الأمة، و على هذا الفرض يلزم أن لا يكون عند أحد علم في هذا الباب، و هذا ظاهر الامتناع.
و أما امتناع كتمان الحق : فلأنّ كل عاقل منصف عرف حال الصحابة - رضي الله عنهم - ،و حرصهم على نشر العلم النافع، و تبليغه الأمة فإنه لن يمكنه أن ينسب إليهم كتمان الحق – و لا سيما في أوجب الأمور، و هو معرفة الله و أسمائه و صفاته-.
ثم إنه قد جاء عنهم من قول الحق في هذا الباب شيء كثير يعرفه من طلبه وتتبّعه.
و أما امتناع القول بالباطل عليهم فمن وجهين :
أحدهما : أن القول بالباطل لا يمكن أن يقوم عليه دليل صحيح.
و من المعلوم أن الصحابة - رضي الله عنهم - أبعد الناس عن القول فيما لم يقم عليه دليل صحيح، خصوصاً في أمر الإيمان بالله –تعالى-، و أمور الغيب، فهم أولى الناس بامتثال قوله –تعالى-: "وَ لا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ "[الإسراء: 36] ، و قوله : "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ مَا بَطَنَ وَ الإثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ"[الأعراف: الاية33] .
ثانيهما : أن القول بالباطل :
إما أن يكون مصدره الجهل بالحق.
و إما أن يكون مصدره إرادة ضلال الخلق.
و كلاهما ممتنعٌ في حق الصحابة -رضي الله عنهم- :
أما امتناع الجهل فقد تقدّم بيانه.
و أما امتناع إرادة ضلال الخلق : فلأن إرادة ضلال الخلق قصدٌ سيئ، لا يمكن أن يصدر من الصحابة -الذين عُرفوا بتمام النصح للأمة، و محبة الخير لها.
ثم لو جاز عليهم سوء القصد فيما قالوه في هذا الباب لجاز عليهم سوء القصد فيما يقولونه في سائر أبواب العلم و الدين؛ فتعدم الثقة بأقوالهم و أخبارهم في هذا الباب و غيره، و هذا من أبطل الأقوال؛ لأنه يستلزم القدح في الشريعة كلها.
و إذا تبين أن الصحابة - رضي الله عنهم - لا بدَّ أن يكونوا قائلين بالحق في هذا الباب فإنهم :
إما أن يكونوا قائلين ذلك بعقولهم.
أو من طريق الوحي.
و الأول ممتنع ؛ لأن العقل لا يُدْرِك تفاصيل ما يجب لله –تعالى- من صفات الكمال؛ فتعين الثاني، و هو أن يكونوا تلقوا هذه العلوم من طريق رسالة النبي -صلّى الله عليه و سلّم-، فيلزم على هذا أن يكون النبي -صلّى الله عليه و سلّم- قد بين الحق في أسماء الله و صفاته، و هذا هو المطلوب"ا.ه.[" فتح رب البرية بتلخيص الحموية"ص3-4لابن عثيمين]