مشاهدة النسخة كاملة : كلام نفيس لابن تيمية في الرد على المفوضة
أبو معاذ الأثري
15-Jan-2007, 11:26 AM
السلام عليكم ورحمة الله ....
قال ابن عثيمين في ( القواعد المثلى ) :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المعروف بـ العقل والنقل ج1 ص116 المطبوع على هامش منهاج السنة :
(( وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن وحضنا على عقله وفهمه فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله ؟ )) إلى أن قال في ص 118 : (( وحينئذ فيكون ما وصف به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه بل يقولون كلاما لا يعقلون معناه ))
قال : (( ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبيانا للناس وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين وأن يبين للناس ما نزل إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته لا يعلم أحد معناه فلا يعقل ولا يتدبر ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم ولا بلغ البلاغ المبين وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي وليس في النصوص ما يناقض ذلك لأن تلك النصوص مشكلة متشابهه لا يعلم أحد معناها وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به ... , فيبقى هذا الكلام سدا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء وفتحا لباب من يعارضهم ويقول : إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء لأننا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلا عن أن يبينوا مرادهم ... , فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد )) أ . هـ
وألفيت كلامه سديدا ورأيه رشيدا ... فرحمه الله رحمة واسعه .... ورحم الله شيخنا العثيمين وجمعنا الله بهما وبالنبي صلى الله عليه وصلم وصحابته والسلف الصالح في جنات النعيم
أخوكم / أبو معاذ الأثري
محفوظ محمد
25-Jan-2007, 07:38 PM
أخي العزيز أبا معاذ الأثري:
النقل السابق يفيد أن قول أهل التفويض يمنع تدبر القرآن ويسلط أهل الإلحاد ....الخ
فهذ إلزام ليس بلازم، والسبب أن أهل التفويض يفسرونه بغير ما سبق وهو:
(إثبات ماورد به الشرع مع رد ما أشكل ظاهره إلى الله)
ومحل التفويض: في الصفات التي تثبت عن طريق الخبر فقط
أم معنى الآي فهو معروف ولاإشكال عندهم
ففرقوا بين ما لايعرف معناه وبين ما لامعنى له
فال ابن المبرد: في شرح غاية السول ص:200 (ولايجوز أن يقال في القرآن ما لا معنى له عند عامة العلماء وفيه ما لا يفهم معناه إلا الله عند الجمهور) فانظر كيف فرق بين الأمرين
عبدالله القحطاني
25-Jan-2007, 08:42 PM
يا أخي/ أنا لم أفهم شيئاً من كلامك،فلماذا هذا الغموض؟!
أبو معاذ الأثري
25-Jan-2007, 09:05 PM
أخي العزيز أبا معاذ الأثري:
النقل السابق يفيد أن قول أهل التفويض يمنع تدبر القرآن ويسلط أهل الإلحاد ....الخ
فهذ إلزام ليس بلازم، والسبب أن أهل التفويض يفسرونه بغير ما سبق وهو:
(إثبات ماورد به الشرع مع رد ما أشكل ظاهره إلى الله)
ومحل التفويض: في الصفات التي تثبت عن طريق الخبر فقط
أم معنى الآي فهو معروف ولاإشكال عندهم
ففرقوا بين ما لايعرف معناه وبين ما لامعنى له
فال ابن المبرد: في شرح غاية السول ص:200 (ولايجوز أن يقال في القرآن ما لا معنى له عند عامة العلماء وفيه ما لا يفهم معناه إلا الله عند الجمهور) فانظر كيف فرق بين الأمرين
ليس معنى كلام ابن تيمية أنهم يقولون أن الله لا يعلم معناه ... ولو قالوا هذا لما احتاج هذا الى استدلال لرد قولهم
لكن كلامه يدور حول أن نهاية قول المفوضة يرمي إلى تجهيل الرسول صلى الله عليه وسلم ...
ويرمي إلى أن الله لم يبين في القرآن للناس مراده الكامل منه ...
ويرمي إلى أن القرآن متناقض لأن فيه الحث على التدبر والعقل ... في حين أنه قد امتلأ بما لا يمكن أن يفهم ...
فتبين أن كلامهم باطل من هذه الوجوه ...
هذا معنى كلامه رحمه الله ... وهو واضح ولا يحتاج إلى كثير كلام ...
أخوك / أبو معاذ الأثري
أبو معاذ الأثري
25-Jan-2007, 09:11 PM
يا أخي/ أنا لم أفهم شيئاً من كلامك،فلماذا هذا الغموض؟!
ما الغموض الذي تجده ..؟
أظن أن كلام ابن تيمية واضح جدا ...
انتظر ردك أخي الكريم ...
أخوك / أبو معاذ الأثري
أبو عبدالله الحضرمي
25-Jan-2007, 11:13 PM
ما الغموض الذي تجده ..؟
أظن أن كلام ابن تيمية واضح جدا ...
انتظر ردك أخي الكريم ...
أخوك / أبو معاذ الأثري
الشيخ عبدالله القحطاني يقصد كلام الأخ محفوظ محمد لا كلامك انتَ بارك الله فيك
محفوظ محمد
26-Jan-2007, 12:17 AM
يا أخي الغالي:
قصدي بما سطرته أعلاه أن التفويض ليس كما هو مصور في أذهان الكثير وكلام شيخ الإسلام السابق لا ينطبق على من ذهب إلى التفويض! إلا إذا قيل أن اتفويض: هو الجهل بمعاني الأسماء والصفات الإلهية.. وهذا لا يقولون هم به لذلك قلت أن محله: في الالصفات الثابتة عن طريق الخبر حصراً..
مثال ذلك:
قوله تعالى (يد الله فوق أيدهم)
يقول من ذهب إلى التفويض: أي أن الله معهم بنصره وتأييده فالسياق مفهوم ومعروف وبذلك تتدبر الآية بلا إشكال
أما صفة اليد المستفادة من النص فظاهرها مشكل عندهم
مثال آخر:
قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا)
فهم يقولون: السياق يفيد عناية الله بهذا الجزء من الله وأنه زمن مبارك للدعاء والإستغفار والسؤال
أما صفة النزول المستفاد من النص فظاهرها مشكل أيضا.
فهم لا ينفون التدبر ولا التفكر ولا قولهم يؤدي إلى تعطيل العقل
إذن الكلام المذكور من شيخ الإسلام لا يتجه في حقهم...فتأمل
أبو عبدالله الحضرمي
26-Jan-2007, 01:30 AM
يا أخي الغالي:
قصدي بما سطرته أعلاه أن التفويض ليس كما هو مصور في أذهان الكثير وكلام شيخ الإسلام السابق لا ينطبق على من ذهب إلى التفويض! إلا إذا قيل أن اتفويض: هو الجهل بمعاني الأسماء والصفات الإلهية.. وهذا لا يقولون هم به لذلك قلت أن محله: في الالصفات الثابتة عن طريق الخبر حصراً..
مثال ذلك:
قوله تعالى (يد الله فوق أيدهم)
يقول من ذهب إلى التفويض: أي أن الله معهم بنصره وتأييده فالسياق مفهوم ومعروف وبذلك تتدبر الآية بلا إشكال
أما صفة اليد المستفادة من النص فظاهرها مشكل عندهم
مثال آخر:
قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا)
فهم يقولون: السياق يفيد عناية الله بهذا الجزء من الله وأنه زمن مبارك للدعاء والإستغفار والسؤال
أما صفة النزول المستفاد من النص فظاهرها مشكل أيضا.
فهم لا ينفون التدبر ولا التفكر ولا قولهم يؤدي إلى تعطيل العقل
إذن الكلام المذكور من شيخ الإسلام لا يتجه في حقهم...فتأمل
بل كلام شيخ الإسلام رحمه الله صحيح
فالمفوض لا يعلم معنى : النزول و لا الاستواء و لا غيره
فعندما يقرأ قوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى )
لا يفهم منها معنى الاستواء رغم ان السلف يثبتون معناه و ورد عنهم انهم قالوا فيه : اي علا و ارتفع
فالاستواء عند المفوض = ققثقمققققههخ
فما يفهمه المفوض من كلمة " ققثقمققققههخ " هو نفسه ما يفهمه من الاستواء و النزول !!
و لو قلنا للمفوض : هل تفرق بين النزول و الاستواء و اليد , فإن فرّق قلنا له : انت لا تعلم معناه فكيف فرقت و انت لا تعلم معنى النزول و لا الاستواء و لا يقر في نفسك شيء من المعني لانك تفوض معناه لله تعالى !!!
و هكذا
و في حديث النزول : المفوض لا يعلم ان الله ينزل الى السماء الدنيا فلا يُثبت نزوله تعالى الى السماء الدنيا
اما قولك : " السياق يفيد عناية الله بهذا الجزء من الليل وأنه زمن مبارك للدعاء والإستغفار والسؤال " فهذا كلام يفهمه المثبت و النافي للصفة , و لكن المحك في إثبات صفة النزول و هذا ما لا يثبته المفوض أصلا
فكلام شيخ الإسلام صحيح ففي هذا التفويض قدح في القرآن و الانبياء
عبدالله القحطاني
26-Jan-2007, 06:42 PM
كلام شيخ الإسلام -كما ذكر الإخوة- بينٌ جداً،و لا أظن أن فهمنا لهذا المذهب أعمق من فهمه -رحمه الله-،و هو قد أفنى عمره في الرد عليه.
و ما ذكره الأخ/محفوظ من معنى التفويض لا يضر؛فإنه إذا كان معنى التفويض هو عدم فهم الناس لنصوص الصفات:فهو باطل أيضاً؛فإن النصوص جاءت لهؤلاء الناس.
و ودي أن لا يحصر الجدل في هذه النقطة،و تترك الردود الأخرى التي ذكرتها في حلقات"توحيد الأسماء والصفات"في هذا الملتقى،وأنا أجزم أن الأمر بين جداً لمن تجرد وأنصف.
محفوظ محمد
26-Jan-2007, 07:30 PM
طيب سؤال للأخوين أبي عبدالله وعبدالله القحطاني:
هل تفهم من صفة النزول لله سبحانه-مثلا- : أنها الإنتقال من محل عال إلى محل محل آخر سفلي؟
عجلان بن محمد العجلان
26-Jan-2007, 08:19 PM
طيب سؤال للأخوين أبي عبدالله وعبدالله القحطاني:
هل تفهم من صفة النزول لله سبحانه-مثلا- : أنها الإنتقال من محل عال إلى محل محل آخر سفلي؟
ليسمح لي الأخوان الفاضلان بالتقدم عليهما بالإجابة إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة !
أقول للأخ السائل : هذا السؤال لم يسأله صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سلف هذه الأمة، وقد أنكر الإمام مالك رحمه الله على من سأل نحواً من سؤالك حيث جاءه رجلٌ يسأله عن قوله تعالى: { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (http://www.alhawali.com/index.cfm?method=home.showfahras&ftp=ayat&id=6001007) }[الأعراف:54] : كيف استوى؟ فقال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة ) ويروى هذا الجواب عن أم سلمة (http://www.alhawali.com/index.cfm?method=home.showfahras&ftp=alam&id=1000493) رضي الله عنها موقوفاً ومرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
والكلام في الاستواء كالكلام في النزول وغيرها من الصفات التي جاء الخبر بها، فالمعنى معلومٌ وهو الذي أنكرت فهمه ( المفوضة ) !!
وأمّا كيفية النزول فهي مجهولة لنا ، فأهل السنة يفوضون الكيفيات، ويفهون ويعلمون المعاني ، وهي التي تعبّدنا الله بها ، وهذا فرقٌ مهم ينبغي التفطن له، ولعل يزيلُ عنك الإشكال .
آمل أن يكون الجواب واضحاً ، وقد كتبته في عُجالة ، وللاستزادة يمكن للأخ مراجعة ما كتبه الأخ الشيخ عبدالله القحطاني في هذا الملتقى من سلسة مباركة في كشف أباطيل المفوضة ، وبالله التوفيق ..
أبو عبدالله الحضرمي
26-Jan-2007, 08:59 PM
طيب سؤال للأخوين أبي عبدالله وعبدالله القحطاني:
هل تفهم من صفة النزول لله سبحانه-مثلا- : أنها الإنتقال من محل عال إلى محل محل آخر سفلي؟
رحم الله الإمام شيخ المفسرين الحافظ ابن جرير الطبري رحمه الله لما أجاب عن ذلك قائلا
: ((فإن قال لك الجـهـمي: أنكرتُ ذلك (أي نزول الله وهبوطه الى السماء الدنيا )لإن الهبوط نقلة وذلك من صفات الأجسام قيل له : وما برهانك على أن معنى المجيء والهبوط هو النقلة والزوال ، وكيف لم يجز عندكم أن يكون معنى المجيء والهبوط والنزول بخلاف ما عقلتم من النقلة والزوال من القديم الصانع ، وقد جاز عندكم أن يكون معنى العالم والقادر منه بخلاف ما عقلتم ممن سواه؟؟)) من كتابه التبصير بمعالم الدين ص144-145
فرحمه الله
و هذا يبين ان الجهمية زعمت ان النزول معناه الانتقال و هو من صفات الأجسام فطالبهم الحافظ ابن جرير بالبرهان من لغة العرب على ذلك
و حاججهم بما أثبتوه من صفات كالعلم والقدرة حيث أثبتوها واثبتوا لها معنى وقالوا هي صفات ثابتة خلاف المخلوق فألزمهم أن يثبتوا صفة النزول(الهبوط) والمجيء كذلك مثل ما أثبتوا تلك تماماً ولا فرق فكيف عقلتم ان معنى العالم و القادر منه تعالى بخلاف
و هنا نحاجج الأخ محفوظ محمد بنفس كلام الحافظ ابن جرير في الرد على الجهمية و لا فرق !!!
و ليتمسك الاخ محفوظ محمد بما قاله الشيخ عجلان فإن فيه الشفاء من بلايا المفوضة
محفوظ محمد
27-Jan-2007, 03:13 AM
الأخوة الفضلاء العجلان وأبو عبدالله:
لم تجيبوا على سؤالي ولعلي أكتبه بصيغة أخرى:
ما الذي تعتقده ياأخي في صفة النزول لله سبحانه؟
أي إذا كان المعنى مفهوماً عندك-كما ذكرت- فليُكتب لي هنا بعبارة واضحة فضلاً لا أمراً؟
أخوكم المحب’’’’’’’’’
عجلان بن محمد العجلان
27-Jan-2007, 06:31 AM
أخي قد ذكرت لك ما نعتقده في صفة النزول والاستواء وغيرها من الصفات الثابتة لله عز وجل ، فنحن نثبت الصفات الثابتة لله تعالى إثباتاً بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل، كما قال تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }.
والكلام في الاستواء كالكلام في النزول وغيرها من الصفات التي جاء الخبر بها، فالمعنى معلومٌ وهو الذي أنكرت فهمه ( المفوضة ) !!
وأمّا كيفية النزول فهي مجهولة لنا ، فأهل السنة يفوضون الكيفيات، ويفهون ويعلمون المعاني ، وهي التي تعبّدنا الله بها ، وهذا فرقٌ مهم ينبغي التفطن له، ولعل يزيلُ عنك الإشكال .
وهذا ما قاله غير واحدٍ من السلف ومنهم الإمام أبو جعفر الترمذي (ت295هـ) - رحمه الله - عندما سُئل عن صفة النزول.
قال الخطيب البغدادي: حدّثني الحسن بن أبي طالب قال: نبّأنا أبو الحسن منصور بن محمد بن منصور القزاز قال: سمعت أبا الطيب أحمد بن عثمان السمسار والد أبي حفص بن شاهين يقول: حضرت عند أبي جعفر الترمذي فسأله سائل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا ..."، فالنزول كيف يكون يبقى فوقه علوّ؟!، فقال أبو جعفر الترمذي: "النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"
وقد أورده الإمام الذهبي في العلوّ، وعلّق عليه بقوله: "صدق فقيهُ بغداد وعالمُها في زمانه؛ إذ السؤال عن النزول ما هو؟ عيٌّ؛ لأنَّه إنما يكون السؤال عن كلمة غريبة في اللغة، وإلاّ فالنزول والكلام والسمع والبصر والعلم والاستواء عباراتٌ جليّةٌ واضحةٌ للسامع، فإذا اتّصف بها من ليس كمثله شيء، فالصفة تابعةٌ للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر، وكان هذا الترمذي من بحور العلم ومن العباد الورعين. مات سنة خمس وتسعين ومائتين"(العلو ص213-214).
والحاصل يا أخي : أنّ معنى النزول في الشرع هو نفس معنى النزول في اللغة كما تقدم ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ((فقد تبين أنه ليس فى القرآن ولا فى السنة لفظ نزول إلا وفيه معنى النزول المعروف وهذا هو اللائق بالقرآن فانه نزل بلغة العرب ولاتعرف العرب نزولا إلا بهذاالمعنى ولو أريد غير هذاالمعنى لكان خطابا بغير لغتها ثم هو استعمال اللفظ المعروف له معنى فى معنى آخر بلا بيان وهذا لا يجوز )) مجموع الفتاوى [ 12/257]
وقد جاءت الأخبار الصريحة الصحيحة بذلك ، ونحن نشهد شهادة مقرٍ بلسانه مصدقٍ بقلبه مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب جل وعلا من غير أن نصف الكيفية لأن نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يصف كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا وأعلمنا أنه ينزل والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه صلى الله عليه وسلم بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول كما يشاء ربنا وعلى ما يليق بجلاله وعظمته عز وجل غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصف لنا كيفية النزول فنسير بسير النصوص حيث سارت ونقف معها حيث وقفت لا نعدوها إن شاء الله تعالى ولا نقصر عنها وقد تكلفت جماعة من مثبتي المتكلمين فخاضوا في معنى ذلك وفي ذلك الانتقال وعدمه وفي خلو العرش منه وعدمه نفيا وإثباتا وذلك تكلف منهم ودخول فيما لا يعنيهم وهو ضرب من التكييف لم يأت في لفظ النصوص ولم يسأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء من ذلك حين حدثهم بالنزول فنحن نؤمن بذلك نصدق به كما آمنوا وصدقوا فإن قال لنا متعنت أو متنطع يلزم من إثبات كذا كيت وكيت في أي شيء من صفات الله قلنا له أنت لا تلزمنا نحن فيما تدعيه وإنما تلزم قائل ذلك وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان ذلك لازما لما قاله حقيقة وجب الإيمان به إذ لازم الحق حق وإن لم يك ذلك لازما له فأنت معترض على النبي صلى الله عليه وسلم كاذب عليه متقدم بين يديه وروى البيهقي عن الحاكم عن محمد بن صالح بن هانئ سمع أحمد بن سلمة سمعت إسحاق بن راهويه يقول جمعني وهذا المبتدع يعني إبراهيم بن أبي صالح مجلس الأمير عبدالله بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول فسردتها فقال بن أبي صالح كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء فقلت آمنت برب يفعل ما يشاء ، وقال إسحاق رحمه الله تعالى دخلت على ابن طاهر فقال ما هذه الأحاديث يروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا قلت نعم رواها الثقات الذين يروون الأحكام فقال: ينزع ويدع عرشه، فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش قال : نعم فقلت ِلمَ تتكلم في هذا ؟، وقال إسحق أيضا : قال لي ابن طاهر : يا أبا يعقوب هذا الذي تروونه ينزل ربنا كل ليلة كيف ينزل ؟ قلت أعز الله الأمير لا كيف إنما ينزل بلا كيف ، وقال أحمد بن سعيد الرباطي: حضرت مجلس ابن طاهر وحضر إسحق فسئل عن حديث النزول أصحيح هو؟ قال نعم فقال له بعض القواد كيف ينزل ؟ فقال: أثبته فوق حتى أصف لك النزول فقال الرجل أثبته فوق فقال إسحاق قال الله تعالى (وجاء ربك والملك صفا صفا )
فقال ابن طاهر هذا يا أبا يعقوب يوم القيامة فقال ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم ا من كتاب العلو(ص179)
وانظر: معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول (1/302-303)
وأخيرا اعلم وفقك الله لطاعته بأنّ منشأ غلط المؤولة والمفوضة في صفات الله تعالى هو أنهم قاسوا صفات الله تعالى بصفات المخلوقين ، وهذا الذي ألزمهم مسلك التأويل أو التفويض !
ونحن نقول لهم : كما أَنَّ ذاته- سبحانه وتعالى- لا تشبه الذوات ، فكذلك صفاتهُ لا تشبهُ الصفات ، فالله عز وجل لا يُقاس بخلقه ، ولا يشبه خلقه في شيء من صفاته ، إذا فهمت هذه الحقيقة أخي الفاضل واستيقنتها زالت عنك جميع الإشكالات بإذن الله تعالى.
وفقنا الله وإياك لما فيه رضاه، وفقهنا في دينه وبصرنا بالحق إنه ولي ذلك والقادر عليه ..
محفوظ محمد
27-Jan-2007, 10:59 AM
ما زال السؤال قائماً, والحديث لم يكن عن (كيفية) الصفة بل عن (معنى) الصفة
ولكن فسر لي قولكم-رعاكم الله- السابق:
(أنّ معنى النزول في الشرع هو نفس معنى النزول في اللغة)؟
فإن معناه في اللغة: هو النقلة من محل أو مكان لآخر..
فإن كنت توافقني فأبن لي وإن كنت تخالف فأفهمني..
عفوا: لا أريد نقولات فهي آتية بإذن الله..
والله يتولاك بعنايته..
أبو عبدالله الحضرمي
27-Jan-2007, 08:11 PM
ما زال السؤال قائماً, والحديث لم يكن عن (كيفية) الصفة بل عن (معنى) الصفة
ولكن فسر لي قولكم-رعاكم الله- السابق:
(أنّ معنى النزول في الشرع هو نفس معنى النزول في اللغة)؟
فإن معناه في اللغة: هو النقلة من محل أو مكان لآخر..
فإن كنت توافقني فأبن لي وإن كنت تخالف فأفهمني..
عفوا: لا أريد نقولات فهي آتية بإذن الله..
والله يتولاك بعنايته..
الظاهر انك لم تقرأ كلام الامام الطبري - في رده على الجهمي - جيدا
فأقول لك :
ما برهانك على ان النزول في لغة العرب هو الانتقال او النقلة ؟؟؟؟
فالنزول هو الهبوط من علو و هذا المفهوم من لغة العرب ,
و لهذا قال الحافظ ابن عبدالبر : ( وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم إن الله عز وجل في كل مكان وليس على العرش )
و النزول من حيث أصل المعنى ثابت , لا يتكيف الا بعد اضافته الى شيء !!
فلو أضفته للانسان تصورت كيفية معينة
أما لو قلتُ : ينزل الله تعالى الى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل , فهنا اتوقف في الكنه و الكيفية , فقد اضفت النزول الى الله تعالى فنتوقف هنا و نؤمن بأن الله ينزل كما يليق بجلاله و عظمته
فالله - جلّ شأنه - لا نعرف كيف هو , و لا يعرف كيف هو الا هو ,
ثم :
سأطرح عليك اسئلة ارجو ان تحيب عنها :
1- هل أنت أشعري ؟
2- هل يستطيع الله تعالى ان ينزل الى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله , لا يُشبه نزول المخلوقين , أم لا يستطيع - تعالى الله عن ذلك - ؟؟ فإن أجبتَ بالنفي فهات دليلك , و ان اجبت بالايجاب فماذا تريد اذا من نفيك لهذه الصفة التي وصف رسولنا صلى الله عليه و سلم ربه بها ؟؟؟
3- ما المشكلة عندك في اثبات هذه الصفة لله تعالى كما أخبر نبيه صلى الله عليه و سلم ؟؟ اضفق الى ذلك انك لا تعلم ما المقصود منها !! فأنت لا تثبت نزولاً يليق بجلال الله تعالى
فما الإشكال عندك في عد اثبات خبر الرسول صلى الله عليه و سلم ؟؟
أ - هل هو التشبيه و التجسيم ؟؟ ان قلتَ : نعم , قلتُ : و هل رسولنا صلى الله عليه و سلم يدلنا على عقيدة مثل هذه ؟؟ حاشاه صلوات الله و سلامه عليه انما المشكلة في عقول البعض هداهم الله , الذين لم يسلّموا الخبر الى الله تعالى و لم يؤمنوا به و الله المستعان
ثم :
ب - لماذا شبّهت الخالق بالمخلوق ؟ فكيف لم تعقل نزولا يليق بجلاله تعالى لا يستطيع مخلوق ان يحده او يكيّفه ؟؟؟
و الله الموفق
عبدالله القحطاني
28-Jan-2007, 04:29 PM
جزى الله الإخوةالمشايخ:أبامعاذ،وأباعبدالله،وعجلان على نصحهم لأخينا:محفوظ،وأسأله -تعالى-أن يشرح صدره للهدى.
وأظن أن أصل الإشكال عند من وقع في التحريف(التأويل)،أو في التفويض هوعدم تحقيق معنى التمثيل-الذي ينزه الله عنه-،وسأتكلم على ذلك بالتفصيل في السلسلة المشار إليها إن شاء الله.
محفوظ محمد
29-Jan-2007, 01:39 AM
حتى أريحك؛ فلست والله أشعريا وصفة النزول أثبتها لله تعالى سبحانه وتعالى.
وأما معنى النزول في لغة العرب الذي ذكرتُه هو مجرد تساؤل لأعرف هل هو المراد عند المسؤول لا غير..
لكن لم يتضح لي معناه عندك-تماما- فهل هو: الهبوط من علو؟!
أي معنى صفه النزول لله تعالى عندك هو: هبوط الله من علو إلى السماء الدنيا؟
أرجو الرد مشكوراً.....
وتحياتي لك أباعبدالله،،،،
وجزيتم خيراً عبدالله القحطاني على حرصكم!
أبو عبدالله الحضرمي
29-Jan-2007, 01:55 AM
حتى أريحك؛ فلست والله أشعريا وصفة النزول أثبتها لله تعالى سبحانه وتعالى.
وأما معنى النزول في لغة العرب الذي ذكرتُه هو مجرد تساؤل لأعرف هل هو المراد عند المسؤول لا غير..
لكن لم يتضح لي معناه عندك-تماما- فهل هو: الهبوط من علو؟!
أي معنى صفه النزول لله تعالى عندك هو: هبوط الله من علو إلى السماء الدنيا؟
أرجو الرد مشكوراً.....
وتحياتي لك أباعبدالله،،،،
وجزيتم خيراً عبدالله القحطاني على حرصكم!
الحمدلله و بعد
الان أفهم من كلامك بارك الله فيك انك تقرر مذهب التفويض البدعي , فالنزول و الاستواء و غيرها من صفات الله تعالى لا تعلم ما المقصود بها
فكيف تقول انك تثبت صفة النزول و انت لا تعلم ما معنى النزول ؟؟؟ و لا يقر في نفسك شيء من أصل المعنى ؟
فلو قلتُ لك : ( هل انت تلعقعق4قهه ؟ )
فلا تستطيع ان تجيب الا بعد ان تعلم ما المقصود !
و إلا فالنزول والاستواء و غيرها عباراتٌ جليّةٌ واضحةٌ للسامع، فإذا اتّصف بها من ليس كمثله شيء، فالصفة تابعةٌ للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر
اما تلاعبك بالألفاظ و قولك : ( أي معنى صفه النزول لله تعالى عندك هو: هبوط الله من علو إلى السماء الدنيا؟ )
فالجواب ان الله يهبط الى السماء الدنيا كما جاء في الخبر - فالخبر ورد بالنزول و الهبوط و كلاهما صحيح و في هذا تأكيد للمعنى - و لم يصف نفسه انه يهبط من علو , و لكن قررت لك أن معنى النزول المعلوم من لغة العرب - فإذا أُضيف لمن ليس كمثله شيء كففنا عن الذي يتشابه - - و هو ما نفيته أنت , فأنت لا تعلم ما يعني ربنا تعالى من النزول
فهل تقول ان الله تعالى ينزل الى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله و عظمته؟؟؟
و لا عبرة بقولك سابقا : " السياق يفيد عناية الله بهذا الجزء من الليل وأنه زمن مبارك للدعاء والإستغفار والسؤال "
فهذا كما قلت لك كلام يفهمه المثبت و النافي للصفة , يفهمه الأشعري و السلفي و المفوض و غيرهم و لكن المحك في إثبات صفة النزول و هذا ما لا يثبته المفوض أصلا
فكلامك السابق عن السياق تفسير باللازم لا نخالف فيه أصلا
و ليس هذا معنى النزول
فأنت تغالط نفسك بقولك انك تثبت صفة النزول
فالنزول عندك : " عناية الله بهذا الجزء من الليل وأنه زمن مبارك للدعاء والإستغفار والسؤال "
و الله الموفق
محفوظ محمد
29-Jan-2007, 05:58 AM
أخي المبارك أبا عبدالله وفيك بارك الله
في مشاركة أخيك والتي تحمل الرقم:2 والرقم:7 ذكرت فرقاً بين شيئين:
الأول: الصفة نفسها
الثانية: السياق الذي وردت فيه هذه الصفة... وضربت مثالين بصفة اليد وصفة النزول فنثبت لله هذين الصفتين والسياق له مفهوم فلا تعارض هناك..
وأزيد الأمر وضوحا: قوله تعالى (الم * غلبت الروم)
فـ(الم) لها معنى لكن قال كثير من أهل العلم أنه لا يعرف وإلا كان عبثاً تعالى الله مولانا عن ذلك..
أي قول القائل صفة النزول لا يعلم معناها ليس هو كقوله:(هل انت تلعقعق4قهه ) كما ذكرت!
والخطأ العظيم حين يظن ظانٌ أن صفة النزول أو المجيء أو العلو على العرش أنه بحركة أو انتقال أو... لأن هذا في حق المخلوق لا في حق الله سبحانه
قال ابن عبدالبر:(وليس مجيئه ح ركة ولا زوال ولا انتقال..) التمهيد(7/137
وقال ابن جرير الطبري( فقل:علا عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال) التفسير 1/222
وقال الإمام أحمد عن حديث النزول وما شابها (نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى ..... ولايوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله بلا حد ولا غاية وليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ذم التأويل لابن قدامة ص/12
فانظر إليه 1-أثبت الصفة 2-نفى العلم بالمعنى كما نفى العلم بالكيفية 3-نزه الله تعالى عن المعنى الذي قد يتبادر للذهن كتحديد الله أو أن يجعل له غاية ينتهي عندها
وهناك نقول أخرى صريحة في إثبات التفويض كما في عقيدة الصابوني ص/22:قال: ويكلون علمه إلى الله ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله) وحمل الكلام على تفويض الكيفية تعسف وأي تعسف!َ
وقال البربهاري في شرح السنة:ص/31بعد ذكر حديث قلوب العباد والنزول للدنيا والنزول يوم عرفة ووضع القدم في جهنم والهرولة وخلق آدم على صورلرحمن قال: فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض والرضا ولا تفسر شيئا من هذه بهواك..) فقول القائل أنه على الحقيقة أو هي معلومة المعنى خروج عن السنن..
ألخص أهم ألأمور كالتالي:
1-التفويض ليس كما هو مصور الآن بأنه لامعنى لهذه الصفات بل حقيقته هي: إثبات الصفة لله + عدم العلم بمعناها في حقنا ولله فيها مراد + تنزيه الله عما يتبادر للذهن أو المعنى الذي هو للمخلوقات
2-أن محل التفويض في الصفات الخبرية حصراً وليس في كل الصفات والأسماء أو كل الصفات دون الأسماء مثلاً فلينتبه!
3-أن هناك نقولا كثيرة عن الأئمة تفيد التفويض تصريحا أو تلميحا..
ولي طلب إليك وللقاريء الكريم أن تتأمل هذا الكلام مليا مليا قبل الرد
والله يرعاكم...
واسلم لمحبك...
أبو عبدالله الحضرمي
29-Jan-2007, 10:39 AM
وأزيد الأمر وضوحا: قوله تعالى (الم * غلبت الروم)
فـ(الم) لها معنى لكن قال كثير من أهل العلم أنه لا يعرف وإلا كان عبثاً تعالى الله مولانا عن ذلك..
أي قول القائل صفة النزول لا يعلم معناها ليس هو كقوله:(هل انت تلعقعق4قهه ) كما ذكرت!
...
هذه اتفق اهل العلم انه لا يعرف معناها فهي من المتشابه في المعنى
اما النزول و الاستواء فهي عبارات صريحة جلية واضحة للسامع فالتعسف منك ان تجعلها من المتشابه في المعنى !!!
والخطأ العظيم حين يظن ظانٌ أن صفة النزول أو المجيء أو العلو على العرش أنه بحركة أو انتقال أو... لأن هذا في حق المخلوق لا في حق الله سبحانه
قال ابن عبدالبر:(وليس مجيئه ح ركة ولا زوال ولا انتقال..) التمهيد(7/137
وقال ابن جرير الطبري( فقل:علا عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال) التفسير 1/222
وقال الإمام أحمد عن حديث النزول وما شابها (نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى ..... ولايوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله بلا حد ولا غاية وليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ذم التأويل لابن قدامة ص/12
و لماذا الظن يا اأخي ؟؟؟ و من تكلم في النقلة و غيرها ؟؟ طالبناك بالبرهان من كلام العرب - كما طالب الامام الطبريُّ الجهميَ - على ان النزول يعني النقلة فحِدت و لم تجب !!!
هذا ظن منك انت و توهم منك انت فأنتَ لا تعقل نزولا يليق بالله تعالى !! هنا الاشكال الذي حصل لك
اما ما نقلته عن الامام ابن جرير في مسألة الاستواء الى السماء , فهو في محاججة الخصم الذي انكر الكلام المفهوم من لغة العرب في الاستواء , فأنت مثل الخصم تُنكر الكلام المفهوم من لغة العرب في معنى النزول ! و كلام الامام الطبري حجة عليك لا لك
و كلام الامام احمد في نفي المعنى الذي تأولته الجهمية , فهم يقولون ان نزوله تعالى نزول رحمته او غيره , فلذلك رد عليهم الامام احمد بذلك
و لذلك أورد الامام ابو داود في سننه : باب الرد على الجهمية " ثم ذكر حديث النزول , فماذا انكرت الجهمية من هذا الحديث ؟؟
تأولته على غير تأويله !!! و فسرته بغير تفسير أهل العلم كما قال الامام الترمذي
فانظر إليه 1-أثبت الصفة 2-نفى العلم بالمعنى كما نفى العلم بالكيفية 3-نزه الله تعالى عن المعنى الذي قد يتبادر للذهن كتحديد الله أو أن يجعل له غاية ينتهي عندها
وهناك نقول أخرى صريحة في إثبات التفويض كما في عقيدة الصابوني ص/22:قال: ويكلون علمه إلى الله ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله) وحمل الكلام على تفويض الكيفية تعسف وأي تعسف!َ
قلتُ لك : نفى العلم بالكيفية و المعنى الذي قالت به الجهمية حين تأولته على غير تأويله , و التعسف في قولك انه نفى المعنى , و لذلك قال الامام الترمذي :
قَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا يُشْبِهُ هَذَا مِنْ الرِّوَايَاتِ مِنْ الصِّفَاتِ وَنُزُولِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالُوا قَدْ تَثْبُتُ الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا وَيُؤْمَنُ بِهَا وَلَا يُتَوَهَّمُ وَلَا يُقَالُ كَيْفَ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَمِرُّوهَا بِلَا كَيْفٍ وَهَكَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَمَّا الْجَهْمِيَّةُ فَأَنْكَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَقَالُوا هَذَا تَشْبِيهٌ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابهِ الْيَدَ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ فَتَأَوَّلَتْ الْجَهْمِيَّةُ هَذِهِ الْآيَاتِ فَفَسَّرُوهَا عَلَى غَيْرِ مَا فَسَّرَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَقَالُوا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ آدَمَ بِيَدِهِ وَقَالُوا إِنَّ مَعْنَى الْيَدِ هَاهُنَا الْقُوَّةُ و قَالَ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِنَّمَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ إِذَا قَالَ يَدٌ كَيَدٍ أَوْ مِثْلُ يَدٍ أَوْ سَمْعٌ كَسَمْعٍ أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ فَإِذَا قَالَ سَمْعٌ كَسَمْعٍ أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ فَهَذَا التَّشْبِيهُ وَأَمَّا إِذَا قَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَدٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ وَلَا يَقُولُ كَيْفَ وَلَا يَقُولُ مِثْلُ سَمْعٍ وَلَا كَسَمْعٍ فَهَذَا لَا يَكُونُ تَشْبِيهًا وَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابهِ
{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } )
فهذا تفسير الجهمية فمعنى اليد عندهم القدرة , لذلك قال الامام احمد : لا كيف و لا معنى " اي لا معنى يخالف المعنى الحقيقي للفظ الصفة كقول الجهمية ان معنى اليد هو القدرة و النزول هو نزول الرحمة و هكذا
و كلام الامام الصابوني هو في علم الكيفية و سيأتيك كلامه في إثبات الصفات بما يُفهم من لغة العرب
وقال البربهاري في شرح السنة:ص/31بعد ذكر حديث قلوب العباد والنزول للدنيا والنزول يوم عرفة ووضع القدم في جهنم والهرولة وخلق آدم على صورلرحمن قال: فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض والرضا ولا تفسر شيئا من هذه بهواك..) فقول القائل أنه على الحقيقة أو هي معلومة المعنى خروج عن السنن..
و كلامه هنا ايضا عن تفويض الكيفية , و التفسير قد بينه الامام الترمذي اعلاه ان الجهمية فسروا هذه الصفات على خلاف تفسير أهل العلم
و لا خروج عن السنن كما قلتَ
ألخص أهم ألأمور كالتالي:
1-التفويض ليس كما هو مصور الآن بأنه لامعنى لهذه الصفات بل حقيقته هي: إثبات الصفة لله + عدم العلم بمعناها في حقنا ولله فيها مراد + تنزيه الله عما يتبادر للذهن أو المعنى الذي هو للمخلوقات
2-أن محل التفويض في الصفات الخبرية حصراً وليس في كل الصفات والأسماء أو كل الصفات دون الأسماء مثلاً فلينتبه!
3-أن هناك نقولا كثيرة عن الأئمة تفيد التفويض تصريحا أو تلميحا..
و أجيبُ في نقاط على كل نقطة قلتها :
1- اذاً انت تقول انك لا تعلم معنى النزول فهي بمثابة حروف المعجم لديك !!
و هذا مخالف لكلام السلف و خذ كلام أهل العلم من السلف أو من تابعهم بعد القرون الخيرية :
قال الإمام ابن قتيبه: ((الواجب علينا أن ننتهي في صفات الله إلى حيث انتهى في صفته أو حيث انتهى رسوله صلى الله عليه وسلم ولا نزيل اللفظ عما تعرفه العرب ونضعه عليه ونمسك عما سوى ذلك))ص25.
فكلامه رحمه الله واضح في عدم إزالة لفظ عما تعرفه العرب و تضعه عليه
فلا يقال : ان نزوله = نزول رحمته او المَلَك
فالنزول هو النزول , فمن فرّق و قال ان النزول ليس النزول فهذا مخالف للسلف رحمهم الله
و من قال ان النزول لا يُعلم معناه فقد أضحك الناس على عقله , فالنزول كلمة جلية واضحة للسامع
وقال الحافظ القصاب: ((كل صفة وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله ، فليست صفة مجاز ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها ولقيل: معنى البصر كذا ، ومعنى السمع كذا ، ولفسرت بغير السابق إلى الأفهام ، فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل ، علم أنها غير محمولة على المجاز ، وإنما هي حق بين)) تذكرة الحفاظ 3/939 السير 16/213-214
و كلامه رحمه الله واضح , فكلُّ صفة ! و ليست الصفات الخبرية كما قسمتها أعلاه ! و كذا لو كانت مجازا لتحتم تأويلها و لقيل : السمع يعني كذا ! و النزول يعني نزول رحمته ! و الاستواء يعني الاستيلاء ! و لفُسرت بغير السابق للافهام المتبادر للذهن !
و مذهب السلف مخالف لهذا الكلام كما قدمنا ,,,,
وقال الإمام الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه ج2/751-752: ((فيقال للمعارض: نراك قد كثرت لجاجتك في رد هذا الحديث إنكاراً منك لوجه الله تعالى ، إذ تجعل ما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين معقول في سياق اللفظ أنه وجه نفسه...فإن لم تتحول العربية عن معقولها إنه لوجه حقاً كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم))
و كلامه واضح
ويقول الإمام الحافظ الجوال أبو عبد الله ابن مندة في التوحيد ج3/7: ((إن الأخبار في صفات الله جاءت متواترة عن نبي الله صلى الله عليه وسلم موافقة لكتاب الله عز وجل نقلها الخلف عن السلف قرناً بعد قرن ، من لدن الصحابة والتابعين إلى عصرنا هذا على سبيل إثبات الصفات والمعرفة والإيمان به والتسليم ...وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويلها.))
و أيضا كلامه لا يحتاج الى تعليق ,
ويقول الإمام قوام السنة الأصبهاني رحمه الله:
((قال أبو القاسم وقد سئل عن صفات الرب: مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد واحمد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهوية ، أن صفات الله التي وصف بها نفسه ، ووصفه بها رسوله من: السمع والبصر والوجه واليدان وسائر أوصافه ، إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور من غير كيف يتوهم فيها ، ولا تشبيه ولا تأويل ، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره ، أي :هو على ظاهره ، لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل)) مختصر العلو ص281-282.
و ايضا هنا كلامه رحمه الله واضح , فلم يفرّق بين الصفات الخبرية و غيرها كالسمع و البصر بل اعتبرها في مرتبة واحدة على ظاهرها و هذا دليل نقض كلامك السابق
ويقول شيخ الإسلام الصابوني :
((وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة، والعزة والعظمة والإرادة، والمشيئة والقول والكلام، والرضا والسخط والحياة، واليقظة والفرح والضحك وغرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه[قلتُ : أي علم حقيقته وكيفيته] إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: (والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا. وما يذكر إلا أولو الألباب).
فكلام الامام الصابوني رحمه الله واضح جلي , لا كما اقتطفته انت - رحمك الله - فلم يفرّق بين الصفات الخبرية و غيرها كالسمع و البصر و الضحك و القدرة بل جعل جميع الصفات في مرتبة واحدة , و بيّن اننا لا نزيل لفظ خبر عما تعرفه العرب و تضعه عليه , بل يجرونه على الظاهر , و يكلون علمه اي علم الكيفية له تعالى
و النزول من هذه الصفات , فلا نزيل لفظ الخبر عما تعرفه العرب بل نجريه على ظاهره
2- زعمك ان التفويض في صفات دون الاخرى زعم باطل , يرده كلام الائمة اعلاه , فلم يفرّقوا بين صفة خبرية و غيرها , و هذا واضح جلي بحمد الله تعالى , و من زعم التفريق فهذا من كيسه
3- أما قولك ان هناك نقولات .. الخ , و نحن أيضا لدينا نقولات كثيرة عن الائمة تفيد عدم إزالة الخبر عما تعرفه العرب , و نكل علم الكيفية اليه تعالى
فإن كانت المسألة مسألة نقولات , فنحن كذلك لدينا ذلك , و ما كلام الائمة اعلاه الا غيض من فيض , بل و لديّ نقولات عن ائمة الاشعرية كالقشيري و ابن فورك في نقض التفويض الذي تقولُ به !
الخلاصة :
كلام السلف رحمهم الله واضح في إثبات صفة النزول - و هم لم يجهلوا معناها بل يعرفونه - و لم يقل احد من الائمة : حذارِ ان تؤمنوا بالنزول على ظاهره , بل كلامهم كله تأكيد لإثبات الصفة و نفي التكييف , فلا يكون نفي التكييف إلا بإثبات كلام مفهوم
و لو كانوا لم يفهموا لفظ : النزول و الاستواء لما قالوا : أمروها كما جاءت بلا كيف
و لذلك لما كانت مسألة الاستواء من اهم المسائل التي وقعت فيها الفتنة قال الإئمة بإن معنى الاستواء هو العلو و الارتفاع , و نقل ذلك الامام البخاري عن الامام مجاهد تلميذ الإمام المفسر و الصحابي الجليل : عبدالله بن عباس رضي الله عنهما , و كذا نقله عن الامام أبي العالية , و توارد الأئمة في ذلك
فلو كان الاستواء كما تقولُ في النزول : لا يُعلم معناه لما قال السلف : انه العلو و الارتفاع
و هذا بيّن واضح بحمد الله ولي طلب إليك وللقاريء الكريم أن تتأمل هذا الكلام مليا مليا قبل الرد
والله يرعاكم...
واسلم لمحبك
بارك الله فيك , تأملته مليّاً فوجدته يخالف عقيدة السلف فرقمتُ ما خالف ذلك أعلاه
و أرجو منك ان تتأمل ما كتبته لك , فلعلك كنتَ ذاهلاً عن بعض الأمور , فأسأل الله تعالى ان يكون جوابي هذا مبصّراً لك فيما كنتَ تجهله
و الله يحفظكم و يرعاكم
و اسلم لأخيك
عبدالله القحطاني
29-Jan-2007, 03:51 PM
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : بَيَانُ نَوْعِ هَذَا الإثْـبَاتِ ، وَهُو إِثْبَاتُ أَلْفَاظِ الأَسْمَاءِ ، وَ الصِّفَاتِ الوَارِدَةِ فِي الكِتَابِ وَالسُّـنَّةِ مَع مَا تَضَمَّـنَتْهُ مِن المَعَانِي ؛ خِلافَـاً لأَهْلِ التَّحْرِيْفِ ( التَّـأْويْلِ ) ، وَ التَّفْوِيْضِ .
إنَّ إثبات الأسماء و الصفات الواردة في الكتاب و السنة يتضمن : إثبات ألفاظها كما وردت من غير زيادة و لا نقصان ، و اعتقاد ما تدل عليه من المعاني اللائقة بالله -تعالى- ؛ بحسب مقتضى اللسان العربي ، و دلالة السياق ؛ فليست معانيها مما لا يُمكن للمكلَّف فهمه كما يقول أرباب التفويض ، و ليست بعيدةً عن مُقْتَضَى اللسان العربي ، و لا عن سياق الكلام كما يقول أرباب التحريف (التأويل)؛لا سيما وأنها أكثر علوم القرآن ذكراً،و قد تنوعت دلالته عليها ما لم تتنوع في الدلالة على ما سواها؛"فقد تطابقتْ نصوص الكتاب و السنة و الآثار على إثبات الصفات لله ،و تنوعت دلالتها عليها أنواعاً تُوجب العلم الضروري بثبوتها ،و إرادة المتكلِّم اعتقادَ ما دلت عليه.
و القرآن مملوءٌ من ذِكْر الصفات ،و السنة ناطقةٌ بمثل ما نطق به القرآن ،مقرِّرة له ،مصدقة له ،مشتملة على زيادة في الإثبات :
-فتارة بذِكْر الاسم المشتمل على الصفة كالسميع ،البصير ،العليم ،القدير، العزيز ،الحكيم.
-و تارة بذِكْر المصدر –و هو الوصف الذي اشتُقَّتْ منه تلك الصفةُ- كقوله : "أنزله بعلمه"[النساء:166]، و قوله : "إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين"[الذاريات:58]، و قوله : " إني اصطفيتك على الناس برسالاتي و بكلامي"[الأعراف:144]، و قوله : "قال فبعزتك لأغوينَّهم أجمعين"[ص:82]، و قوله –صلى الله عليه و سلم- في الحديث الصحيح : "حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ،و قوله في دعاء الاستخارة : "اللهم إني أستخيرك بعلمك ،و أستقدرك بقدرتك" ،و قوله : "أسألك بعلمك الغيب ،و قدرتك على الخلق" ،و قول عائشة : " الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات" ،و نحوه.
-و تارة يكون بذكْرِ حُكْم تلك الصفةِ كقوله –تعالى- : "قد سمع الله"[المجادلة:1]، و : "إنني معكما أسمع وأرى"[طه:46]، و قوله : "فقدرنا فنعم القادرون"[المرسلات:23]، و قوله : "علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم"[البقرة:187]، و نظائرِ ذلك.
و يصرِّح في الفوقية بلفظِها الخاصِّ ،و بلفظ "العلو" و "الاستواء" و "أنه في السماء" و "أنه ذو المعارج" و "أنه رفيع الدرجات" و "أنه تعرج إليه الملائكه" و "تنـزل من عنده" و "أنه ينزل إلى سماء الدنيا" و "أن المؤمنين يرونه بأبصارهم عياناً" من فوقهم ،إلى أضعاف أضعاف ذلك مما لو جُمعت النصوص ،و الآثار فيه لم تَنْقص عن نصوص الأحكام و آثارها".["الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"1/320-324]
ثم إنه –تعالى- يذكر صفاته، و يقرِّرها عند ذكر آلهة المشركين "-التي عبدوها من دونه ،و جعلوها شركاء له- ؛فيذكر –سبحانه- من صفات كماله ،و علوه على عرشه ،و تكلمه ،و تكليمه ،و إحاطة علمه ،و نفوذ مشيئته ما هو منتفٍ عن آلهتهم ؛فيكون ذلك من أدلِّ الدليل على بطلان إلهيتِها ،و فساد عبادتها من دونه.
و يذكر ذلك عند دعوته عبادَه إلى ذكره ،و شكْره ،و عبادته ؛ فيذكر لهم من أوصاف كماله ،و نعوت جلاله ما يجذب قلوبَهم إلى المبادرة إلى دعوته ،و المسارعة إلى طاعته ،و التنافس في القرب منه.
و يذكر صفاته –أيضاً- عند ترغيبه لهم ،و ترهيبه ،و تخويفه ؛لتعرف القلوب مَنْ تخافه ،و ترجوه ،و ترغب إليه ،و ترهب منه.
و يذكر صفاته –أيضاً- عند أحكامه ،و أوامره ،و نواهيه ،فقلَّ أَنْ تجد آية حُكْمٍ من أحكام المكلَّفين إلا و هي مختتمة بصفةٍ من صفاته ،أو صفتين ،و قد يَذْكر الصفة في أول الآية ،و وسطها ،و آخرها كقوله –تعالى- : "قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها و تشتكي إلى الله و الله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير"[المجادلة:1] ، فيذكر صفاته عند سؤال عباده لرسوله –صلى الله عليه و سلم- عنه ،و يذكرها عند سؤالهم له عن أحكامه حتى إنَّ الصلاة لا تنعقد إلا بذكر أسمائه و صفاته ؛فذِكْر أسمائه و صفاته روحها ،و سرها ،يصحبها من أولها إلى آخرها ،و إنما أمر بإقامتها ليذكر بأسمائه و صفاته .
و أمر عباده أن يسألوه بأسمائه و صفاته ؛ففتح لهم باب الدعاء رغباً و رهباً ليذكره الداعي بأسمائه و صفاته ؛فيتوسل إليه بها ،و لهذا كان أفضل الدعاء ،و أجوبه ما توسل فيه الداعي إليه بأسمائه و صفاته ؛قال الله –تعالى- : "و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها"[الأعراف:180] ، و كان اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين آية الكرسي ،و فاتحة "آل عمران" لاشتمالهما على صفة "الحياة" المصحِّحَة لجميع الصفات ،و صفة "القيومية" المتضمنة لجميع الأفعال ؛و لهذا كانت سيدة آي القرآن ،و أفضلها ؛و لهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن ؛لأنها أُخلصت للخبر عن الرب –تعالى- و صفاته دون خلقه و أحكامه و ثوابه و عقابه ،و سمع النبي –صلى الله عليه و سلم- رجلاً يدعو : "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله -الذي لا إله إلا أنت ،المنان ،بديع السماوات و الأرض - ،ياذا الجلال و الإكرام ،يا حي يا قيوم" ،و سمع آخر يدعو : "اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله -الذي لا إله إلا أنت- ،الأحد ،الصمد -الذي لم يلد ،و لم يولد ،و لم يكن له كفوا أحد" ؛فقال لأحدهما : "لقد سألت الله باسمه الأعظم -الذي إذا دُعي به أجاب ،و إذا سُئل به أَعطى" ،و قال للآخر : "سَلْ تُعْطَه" ؛و ذلك لما تضمنه هذا الدعاء من أسماء الرب و صفاته ،و أحب ما دعاه الداعي به أسماؤه و صفاته ،و في الحديث الصحيح عنه أنه قال : "ما أصاب عبداً قط هم ،و لا حزن فقال : "اللهم إني عبدك ،و ابن عبدك ،و ابن أمتك ،ناصيتي بيدك ،ماضٍ فيَّ حكمك ،عدل فيَّ قضاؤك ،أسألك بكل اسم هو لك :سميت به نفسك ،أو علمته أحداً من خلقك ،أو استأثرت به في علم الغيب عندك أَنْ تجعل القرآن ربيع قلبي ،و نور صدري ،و جِلاء حزني ،و ذهاب همي و غمي" إلا أذهب الله همَّه و غمَّه ،و أبدله مكانه فرحاً" ؛قالوا : "أفلا نتعلمهن يا رسول الله؟ قال : "بلى ،ينبغي لمن يسمعهن أن يتعلمهن".
و قد نبه –سبحانه- على إثبات صفاته و أفعاله بطريق المعقول ؛فاستيقظت لتنبيهه العقول الحيَّة ،و استمرت على رقدتها العقول الميتة :
فقال الله –تعالى- في صفة "العلم" : "ألا يعلم مَنْ خلق و هو اللطيف الخبير"[الملك:14] ، فتأمَّل صحة هذا الدليل مع غاية إيجاز لفظه و اختصاره.
و قال –سبحانه- : "أفمن يخلق كمن لا يخلق"[ النحل:17] ، فما أصح هذا الدليل ،و ما أوجزه.
و قال –تعالى- في صفة "الكلام" : "و اتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم و لا يهديهم سبيلاً"[ الأعراف:148] ، نبه بهذا الدليل على أنَّ مَن لا يكلِّم ،و لا يَهدي لا يصلح أنْ يكون إلهاً ، و كذلك قوله في الآية الأخرى عن العجل: "أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً و لا يملك لهم ضراً و لا نفعاً"[طه:89] ،
فجعل امتناع صفة الكلام ،و التكليم ،و عدم ملك الضر و النفع دليلاً على عدم الإلهية ،و هذا دليل عقلي سمعي على أنَّ الإله لا بدَّ أَنْ يكلم ،و يتكلم ،و يملك لعابده الضر و النفع ،و إلا لم يكن إلهاً.
و قال –تعالى- : "ألم نجعل له عينين و لساناً و شفتين و هديناه النجدين"[البلد:8-10] ،نبَّهك بهذا الدليل العقليِّ القاطع أَنَّ الذي جعلك تبصر ،و تتكلم ،و تعلم أولى أَنْ يكون بصيراً ،متكلِّماً ،عالماً ؛فأيُّ دليل عقلي قطعي أقوى من هذا ،و أبين و أقرب إلى المعقول.
و قال –تعالى- في آلهة المشركين المعطِّلين : "ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيدٍ يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها"[الأعراف:195] ، فجعل –سبحانه- عدم البطش ،و المشي ،و السمع ،و البصر دليلاً على عدم إلهية مَنْ عدمت فيه هذه الصفات ،فالبطش و المشي من أنواع الأفعال ،و السمع و البصر من أنواع الصفات ،و قد وصف نفسه –سبحانه- بضدِّ صفة أربابهم ،و بضد ما وصفه به المعطِّلة و الجهمية ؛فوصف نفسه بالسمع و البصر و الفعل باليدين ،و المجيء و الإتيان وذلك ضد صفات الأصنام -التي جَعَل امتناعَ هذه الصفات عليها منافياً لإلهيتها- ؛فتأمل آيات التوحيد ،و الصفات في القرآن على كثرتها ،و تفننها ،و اتساعها ،و تنوعها :كيف تجدها كلَّها قد أثبتت الكمال للموصوف بها ،و أنه المتفرد بذلك الكمال ؛فليس له فيه شبهٌ و لا مثالٌ"ا.ه.["الصواعق المرسلة"3/910-916،وانظر1/365-367]
و لا يلزم من إثبات هذه المعاني التمثيل أو التكييف ؛ فهما شئ وراء ذلك ، و سيأتي بيان ذلك بالتفصيل في الكلام على الأصلين : الثاني و الثالث بإذن الله –تعالى-.
و سأذكر هنا الأدلة على التمكُّن من فهم هذه المعاني ، و أبيِّن أن هذا مما أجمع عليه السلف -رحمهم الله- ، و أذكر شبه المفوِّضة ، و الردَّ عليها مستعيناً بالله –تعالى-.
و قبل البدء في ذلك أُنَـبِّه إلى أنَّ مما يحول بين القلب وبين فهم القرآن عموماً ، وفهم نصوص الأسماء والصفات خصوصاً ما أشربه القلب من المعاصي والبدع ؛ كما قال ابن قيم الجوزية -رحمه الله-(ت751)و هو يفسر قوله –تعالى- :"لا يمسه إلا المطهرون"[الواقعة:79]: "و دلت الآية بإشارتها ،و إيمائها على أنه لا يدرك معانيه ،و لا يفهمه إلا القلوب الطاهرة ،و حرام على القلب المتلوِّث بنجاسة البدع ،و المخالفات أن ينال معانيه ،و أن يفهمه كما ينبغي ،قال البخاري في صحيحه في هذه الآية : "لا يجد طعمه إلا مَنْ آمن به"،و هذا –أيضاً- من إشارة الآية ،و تنبيهها ،و هو أنه لا يلتذ به ،و بقراءته ،و فهمه ،و تدبره إلا من شهد أنه كلام الله ،تكلم به حقاً ،و أنزله على رسوله –صلى الله عليه و سلم- وحياً ،و لا ينال معانيه إلا مَنْ لم يكن في قلبه حرجٌ منه بوجه من الوجوه ؛فمَنْ لم يؤمن بأنه حقٌّ من عند الله ففي قلبه منه حرج ،و من لم يؤمن بأن الله –سبحانه- تكلم به وحياً ،و ليس مخلوقاً من جملة مخلوقاته ففي قلبه منه حرج ،و من قال : "إنَّ له باطناً يخالف ظاهره ،و إنَّ له تأويلاً يخالف ما يُفهم منه" ففي قلبه منه حرج ،و من قال : "إنَّ له تأويلاً لا نفهمه ،و لا نعلمه ؛و إنما نتلوه متعبدين بألفاظه" ففي قلبه منه حرج ،و من سلَّط عليه آراء الآرائيين ،و هذيان المتكلمين ،و سفسطة المسفسطين ،و خيالات المتصوفين ففي قلبه منه حرج ،و من جعله تابعاً لنحلته ،و مذهبه ،و قول مَنْ قلده دينه ؛ ينـزِّله على أقواله ،و يتكلف حمله عليها ففي قلبه منه حرج ،و من لم يحكِّمه ظاهراً و باطناً في أصول الدين و فروعه ،و يسلم ،و ينقاد لحكمه أين كان ففي قلبه منه حرج ،و من لم يأْتَمِر بأوامره ،وينـزجر عن زواجره ،و يصدق جميع أخباره ،و يحكم أمره و نهيه و خبره ،و يَرُدّ له كلَّ أَمْر و نَهْي و خَبَرٍ خالفه ففي قلبه منه حرج ،و كل هؤلاء لم تمس قلوبهم معانيه ،و لا يفهمونه كما ينبغي أن يفهم ،و لا يجدون من لذة حلاوته و طعمه ما وجده الصحابة و من تبعهم.
و أنت إذا تأملت قوله : "لا يمسه إلا المطهرون" ،و أعطيت الآية حقَّها من دلالة اللفظ ،و إيمائه و إشارته و تنبيهه و قياس الشيء على نظيره و اعتباره بمشاكله ،و تأملت المشابهة -التي عقدها الله –سبحانه- ،و ربطها بين الظاهر و الباطن - فهمت هذه المعاني كلَّها من الآية ،و بالله التوفيق"ا.ه.["التبيان في أقسام القرآن"ص143-144]
وقال الزركشي –رجمه الله- : "و اعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي حقيقةً ،و لا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة و في قلبه بدعة ،أو إصرار على ذنب ،أو في قلبه كبر ،أو هوى ،أو حب الدنيا ،أو يكون غير متحقق الإيمان ،أو ضعيف التحقيق ،أو معتمداً على قول مفسِّر ليس عنده إلا علم بظاهر ،أو يكون راجعاً إلى معقوله ؛و هذه كلها حجب ،و موانع ،و بعضها آكد من بعض ،بل إذا كان العبد مصغياً إلى كلام ربه ، ملقى السمع ،و هو شهيد القلب لمعاني صفات مخاطبه ،ناظراً إلى قدرته ،تاركاً للمعهود من علمه و معقوله ،متبرئاً من حوله و قوته ،معظماً للمتكلِّم ،مفتقراً إلى التفهم بحالٍ مستقيم ،و قلب سليم ،و قوة علم ،و تمكن سمعٍ لفهم الخطاب ،و شهادة غيب الجواب بدعاء وتضرع وابتئاس و تمسكن و انتظار للفتح عليه من عند الفتاح العليم ،و ليستعن على ذلك بأنْ تكون تلاوته على معاني الكلام ،و شهادة وصف المتكلم من الوعد بالتشويق ،و الوعيد بالتخيف ،و الإنذار بالتشديد"ا.ه.["البرهان في علوم القرآن"2/319-320]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه الأول : أَنَّ الله –تعالى- أخبر أنه أنزل القرآن للتدبُّر ؛فقال –تعالى- : "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته و ليتذكر أولوا الألباب "[ص:29].
و أنكر على مَنْ لم يتدبرْه ؛فقال -تعالى- : "أفلا يتدبرون القران ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً"[النساء:82]، و قال -تعالى- : "أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين" [المؤمنون:68] ،و قال -تعالى- : "أفلا يتدبرون القران أم على قلوب أقفالها" [محمد:24].
و توعَّد مَنْ أعرض عن ذلك ؛فقال –تعالى- : "ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه "[الكهف:57] ،و قال -تعالى- : "و من أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون"[السجدة:22]، و قال -تعالى- : "من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً" [طه:100].
و أنكر على من لم يفقهه ؛فقال -تعالى- : "فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً"[النساء:78].
و ذمَّه كذلك ؛فقال –تعالى- : " و منهم من يستمع إليك و جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه و في آذانهم وقراً و إن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين" [الأنعام:25] ، و قال -تعالى- : " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه و في آذانهم و قراً و إذا ذكرت ربك في القران وحده ولوا على أدبارهم نفوراً" [الإسراء:46]،و قال -تعالى- : "إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه و في آذانهم وقراً و إن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً"[الكهف:57].
و ذمَّ مَنْ كان حظُّه منه سماع الصوت ،و التلاوة دون فهم المعنى ؛فقال -تعالى- : "وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ"[البقرة:171]،و قال -تعالى- : " أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً"[الفرقان:44]،و قال -تعالى- : " وَ مِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ"[محمد:16] ،و قال -تعالى- : "وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ"[البقرة::78].
و وجه الدّلالة مِنْ ذلك من ثلاثة أوجه :
الوجه الأول : أَنَّ هذه النصوص تتضمن الحثَّ على تدبُّر القرآن كلِّه ، لا بعضِهِ ،[انظر"مجموع الفتاوى"13/307،17/396،430]،و منه نصوص الأسماء و الصفات.
و التدبر يستلزم التمكُّن من فَهْم معانيه كلِّها.
يقول ابن جرير –(ت310) -رحمه الله- : "محال أنْ يُقَال لمن لا يَفهم ما يُقَال له ،و لا يَعْقِل تأويلَه : "اعتبرْ بِما لا فَهْم لك به ،و لا مَعْرفة مِن القيل و البيان" إلا على معنى الأمْرِ بأنْ يَفْهَمه ،و يفقهه ،ثم يتدبره ،و يعتبر به ،فأَمَّا قَبْل ذلك فمستحيلٌ أَمْرُهُ بتدبُّره ،و هو بمعناه جاهِلٌ ؛كما محالٌ أَنْ يُقَال لبعض أصناف الأُمم -الذين لا يعقلون كلام العرب ،و لا يفهمونه ؛لو أنشدت قصيدةَ شِعْرٍ مِنْ أَشْعار العرب ،ذات أمثال ،و مواعظ ،و حِكَمٍ- : "اعتبرْ بِما فيها من الأمثال ،و ادَّكِرْ بِما فيها من المواعظ" إلا بمعنى الأمر لهم بِفَهْم كلام العرب ،و معرفته"ا.ه.["جامع البيان عن تأويل آي القرآن"1/36-37].
و قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-(ت728):"والله تعالى قد أمرنا أن نتدبر القرآن وأخبر أنه أنزله لتعقله ولا يكون التدبر والعقل إلا لكلام بين المتكلم مراده به فأما من تكلم بلفظ يحتمل معاني كثيرة ولم يبين مراده منها فهذا لا يمكن أن يتدبر كلامه ولا يعقل ولهذا تجد عامة الذين يزعمون أن كلام الله يحتمل وجوها كثيرة وأنه لم يبين مراده من ذلك قد اشتمل كلامهم من الباطل على ما لا يعلمه إلا الله بل في كلامهم من الكذب في السمعيات نظير ما فيه من الكذب في العقليات وإن كانوا لم يتعمدوا الكذب كالمحدث الذي يغلط في حديثه خطأ بل منتهى أمرهم : القرمطة في السمعيات والسفسطة في العقليات وهذان النوعان مجمع الكذب والبهتان"ا.ه.[" "درأ تعارض العقل والنقل"1/278-279،ونظر 1/201،وانظر"مجموع الفتاوى"17/396]
و قال الخازن -رحمه الله –(741) : "أصل التدبر : النظر في عواقب الأمور ،و التفكر في أدبارها ،ثم استعمل في كل تفكر و تأمل ،و يقال : "تدبرتُ الشيءَ" أي : نظرت في عاقبته ،و معنى تدبُّر القرآنِ تأَمُّلُ معانيه ،و التفكر في حِكَمِهِ ،و تبصُّرُ ما فيه من الآيات"ا.ه.["لباب التأويل في معاني التنزيل"1/402 ،وانظر:"مدارك التنـزيل وحقائق التأويل"1/236 للنسفي].
و قال السيوطي –رحمه الله-(ت911): "و تسن القراءة بالتدبر والتفهم ؛فهو المقصود الأعظم، والمطلوب الأهم ،و به تنشرح الصدور،و تستنير القلوب.
و صفة ذلك أن يشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به؛فيعرف معنى كل آية"ا.ه.["الإتقان في علوم القرآن"1/333]
و قال الشوكاني -رحمه الله-(ت1250) : "إِنَّ التدبر هو التأمُّل ؛لفهم المعنى ،يقال : "تدبرتُ الشيءَ" : تفكرتُ في عاقبته ،و تأملته،ثم استعمل في كل تأمُّل،و التدبير: أَنْ يدبر الإنسانُ أمْرَه ،كأنه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته".ا.ه.["فتح القدير"1/491].
و قال السعدي -رحمه الله-(ت1376) : "يأمر –تعالى- بتدبر كتابه،و هو التأمُّل في معانيه،و تحديق الفكر فيه،و في مبادئه و عواقبه،و لوازم ذلك ؛فإن تدبر كتاب الله مفتاحٌ للعلوم و المعارف،و به يُستنتج كل خير ،و تُستخرج منه جميع العلوم،و به يزداد الإيمان في القلب ،و ترسخ شجرته ؛فإنه يعرِّف بالرب المعبود،و ما له من صفات الكمال;و ما ينـزَّه عنه من سمات النقص،و يعرِّف الطريق الموصلة إليه ،و صفة أهلها،و ما لهم عند القدوم عليه،و يعرِّف العدوَّ -الذي هو العدو على الحقيقة-،و الطريق الموصلة إلى العذاب،و صفة أهلها،و ما لهم عند وجود أسباب العقاب.
و كلما ازداد العبد تأمُّلاً فيه ازداد علماً و عملاً و بصيرةً، لذلك أمر الله بذلك ،و حثَّ عليه ،و أخبر أنه[ هو] المقصود بإنزال القرآن،كما قال –تعالى- : "كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ"[ص:29]،و قال –تعالى- : "أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا"[محمد:24]"ا.ه.["تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"ص189-190،وانظر ص712،788].
و قال الشنقيطي –رحمه الله –(ت1393) : "و معلومٌ أن كل من لم يشتغل بتدبر آيات هذا القرآن العظيم –أي: تصفحها ،و تفهمها ،و إدراك معانيها ،و العمل بها- فإنه معرضٌ عنها،غيرُ متدبرٍ لها ،فيستحق الإنكار ،و التوبيخ المذكور في الآيات –إِنْ كان الله أعطاه فهماً ؛يقدر به على التدبر ،و قد شكا النبي –صلى الله عليه و سلم- إلى ربِّه من هجْر قومه هذا القرآنَ كما قال –تعالى- : "و قال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً"[الفرقان:].
و هذه الآيات المذكورة تدل على أن تدبر القرآن ،و تفهمه ،و تعلمه ،و العمل به أمرٌ لا بدَّ منه للمسلمين"ا.ه.["أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن"7/429]
و دعوى استثناءِ نصوص الأسماء و الصفات من ذلك باطلةٌ من وجهين :
الأول : أنَّها دعوى لا دليل عليها.
الثاني : أنه يلزم منها كون نصوص التدبُّر عامَّـةً يُرَاد بها الأقلُّ –و هو ما عدا نصوص الأسماء و الصفات- ، لا الكلُّ ،و لا الأكثرُ-و هو نصوص الأسماء و الصفات- ،و لا يخفى بطلان هذا.
الوجه الثاني : أَنَّ الخطاب في الآيات السابقة للكفار ،و المنافقين ؛ فدل على إمْكان فهمهم لمعاني القرآن ؛فإمكان فَهْم المؤمنين لها أولى.[انظر:"مجموع الفتاوى"5/157-158،"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"2/791،"التحرير و التنوير" 1/ لابن عاشور]
الوجه الثالث:أن أكثر ما أنكره هؤلاء المنافقون والكفار ما أخبرهم به النبي –صلى الله عليه و سلم-من صفات الله-تعالى- المثبتة والمنفية؛وصاروا ينفون بعض المثبتة كالرحمن،و يثبتون بعض المنفية كالشريك والولد والوالد والصاحبة والظهير والشفيع عنده بدون إذنه؛وكذا ما أخبرهم به عن اليوم الآخر؛فأنكر –تعالى- عليهم عدم تدبر ذلك،و عدم فقهه،و ذم إعراضهم عنه؛فعلم أنه-تعالى- أمر بتدبر ذلك وعقله وفهمه.[انظر:"مجموع الفتاوى"17/430]
تنبيـــــــه :
قال الشنقيطي –رحمه الله-(ت1393) : "اعلم أن قول بعض متأخري الأصوليين : "إِنَّ تدبر هذا القرآن العظيم، و تفهمه ،و العمل به لا يجوز إلا للمجتهدين خاصةً،و أن كل مَنْ لم يبلغ درجة الاجتهاد المطلق بشروطه المقررة –عندهم ،التي لم يستند اشتراطُ كثيرٍ منها إلى دليلٍ من كتاب و لا سنة و لا إجماع و لا قياس جلي،و لا أثر عن الصحابة-، قول لا مستند له من دليلٍ شرعيٍ أصلاً ،بل الحق -الذي لا شك فيه- أَنَّ كل من له قدرةٌ من المسلمين على التعلُّم و التفهم،و إدراك معانى الكتاب و السنة يجب عليه تعلمُهما،والعملُ بما علم منهما.
أمَّا العمل بهما مع الجهل بما يعمل به منهما فممنوعٌ إجماعاً.
وأمَّا ما علمه منهما علماً صحيحاً ناشئاً عن تعلُّمٍ صحيح فله أَنْ يعمل به ،و لو آية واحدة ،أو حديثاً واحداً.
و معلوم أَنَّ هذا الذمَّ ،و الإنكار على مَن لم يتدبر كتاب الله عامٌّ لجميع الناس.
و مِمَّا يوضِّح ذلك أَنَّ المخاطبين الأولين به -الذين نزل فيهم- هم المنافقون ،و الكفار،ليس أحد منهم مستكملاً لشروط الاجتهاد المقررة عند أهل الأصول،بل ليس عندهم شيء منها أصلاً، فلو كان القرآن لا يجوز أن ينتفع بالعمل به،و الاهتداء بهديه إلا المجتهدون بالإصطلاح الأصولي لَمَا وبَّخ الله الكفار ،و أنكر عليهم عدم الاهتداء بهداه،و لَمَا أقام عليهم الحجة به حتى يحصِّلوا شروط الاجتهاد المقررة عند متأخري الأصوليين،كما ترى.
و معلوم أنَّ من المقرَّر فى الأصول أنَّ صورة سبب النـزول قطعية الدخول،و إذاً فدخول الكفار و المنافقين في الآيات المذكورة قطعيٌّ،و لو كان لا يصح الانتفاع بهدي القرآن إلا لخصوص المجتهدين لَمَا أنكر الله على الكفار عدم تدبرهم كتاب الله،و عدم عملهم به.
و قد علمتَ أَنَّ الواقع خلاف ذلك قطعاً،و لا يخفى أن شروط الاجتهاد لا تشترط إلا فيما فيه مجال للاجتهاد،و الأمور المنصوصة في نصوص صحيحة من الكتاب و السنة لا يجوز الاجتهاد فيها لأحدٍ،حتى تُشْتَرَط فيها شروط الاجتهاد،بل ليس فيها إلا الاتباع،و بذلك تَعْلم أنَّ ما ذكره صاحب مراقي السعود تبعاً للقرافي من قوله:
"من لم يكن مجتهداً فالعملُ منه بمعنى النص مما يحظلُ"ا.ه
لا يصح على إطلاقه بحالٍ ؛لمعارضته لآيات و أحاديث كثيرة من غير استناد إلى دليل.
و من المعلوم أنه لا يصح تخصيص عمومات الكتاب و السنة إلا بدليلٍ يجب الرجوع إليه.
و من المعلوم أيضاً أن عمومات الآيات و الأحاديث الدَّالة على حثِّ جميع الناس على العمل بكتاب الله،و سنة رسوله –صلى الله عليه و سلم- أكثر من أن تحصى،كقوله -صلى الله عليه و سلم- : "تركت فيكم ما إِنْ تمسكتم به لنْ تضلوا كتاب الله و سنتي" ،و قوله -صلى الله عليه وسلم- : "عليكم بسنتي" الحديث،و نحو ذلك مما لا يحصى،فتخصيص جميع تلك النصوص بخصوص المجتهدين ،و تحريم الانتفاع بهدي الكتاب و السنة على غيرهم تحريماً باتَّاً يحتاج إلى دليلٍ من كتاب الله ،أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-،و لا يصح تخصيص تلك النصوص بآراء جماعات من المتأخرين المقرِّين على أنفسهم بأنهم من المقلدين.
و معلوم أن المقلد الصِّرف لا يجوز عدُّه من العلماء ،و لا من ورثة الأنبياء .
و قال صاحب مراقي السعود في : "نشر البنود" في شرحه لبيته المذكور آنفاً ما نصه : "يعني : أن غير المجتهد، "يُحظل له" أي : يُمنع أن يعمل بمعنى نصٍّ من كتاب أو سنة –و إنْ صح سندها- ؛لاحتمال عوارضه من نسخ ،و تقييد، و تخصيص ،و غير ذلك من العوارض -التي لا يضبطها إلا المجتهد-،فلا يخلصه من الله إلا تقليد مجتهد"، قاله القرافي" ا.هـ. محل الغرض منه بلفظه.
و به تعلم أنه لا مستند له،و لا للقرافي الذي تبعه في منع جميع المسلمين غير المجتهدين من العمل بكتاب الله،و سنة رسوله إلا مطلق احتمال العوارض -التي تعرض لنصوص الكتاب و السنة من نسخ ،أو تخصيص ،أو تقييد ،ونحو ذلك-،و هو مردودٌ من وجهين :
الأول : أنَّ الأصل السلامة من النسخ حتى يثبت ورود الناسخ ،و العام ظاهرٌ في العموم حتى يثبت ورود المخصص، و المطلق ظاهرٌ في الإطلاق حتى يثبت ورود المقيّد ،و النص يجب العمل به حتى يثبت النسخ بدليل شرعي،و الظاهر يجب العمل به عموماً كان ،أو إطلاقاً ،أو غيرهما حتى يرد دليل صارف عنه إلى المحتمل المرجوح،كما هو معروف في محلِّه.
و أول مَنْ زعم أنه لا يجوز العمل بالعام حتى يُبْحَث عن المخصِّص فلا يوجد ،و نحو ذلك أبو العباس ابن سريج ،و تبعه جماعاتٌ من المتأخرين،حتى حكوا على ذلك الإجماعَ حكايةً لا أساس لها.
و قد أوضح ابن القاسم العبادي في : "الآيات البينات" غلطَهم في ذلك في كلامه على شرح المحلي لقول ابن السبكي في : "جمع الجوامع" : "ويُتمسك بالعامِّ في حياة النبي -صلى الله عليه و سلم- قبل البحث عن المخصِّص،و كذا بعد الوفاة،خلافاً لابن سريج"ا.هـ.
و على كل حال فظواهر النصوص من عموم ،و إطلاق،و نحو ذلك لا يجوز تركها إلا لدليل يجب الرجوع إليه من مخصص ،أو مقيد،لا لمجرَّد مطلق الاحتمال،كما هو معلوم في محله.
فادِّعاء كثير من المتأخرين أنه يجب ترك العمل به حتى يُبْحَث عن المخصِّص،و المقيد مثلاً خلاف التحقيق.
الوجه الثاني : أن غير المجتهد إذا تعلَّم بعض آيات القرآن،أَو بعض أحاديث النبي -صلى الله عليه و سلم- ؛ ليعمل بها تعلم ذلك النص العام،أو المطلق،و تعلم معه مخصِّصَه ،و مقيِّدَه -إِنْ كان مخصَّصاً ،أو مقيَّداً-،و تعلَّم ناسخه -إن كان منسوخاً-،و تعلُّم ذلك سهل جداً بسؤال العلماء العارفين به،و مراجعة كتب التفسير ،و الحديث المعتدِّ بها في ذلك، و الصحابة كانوا في العصر الأول يتعلم أحدهم آية فيعمل بها،وحديثاً فيعمل به،و لا يمتنع من العمل بذلك حتى يحصِّل رتبة الاجتهاد المطلق،و ربما عمل الإنسان بما علم ؛فعلَّمَه ما لم يكن يعلم كما يشير له قوله –تعالى- : "وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ"[البقرة: 282] ،و قوله –تعالى- : "يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً"[الأنفال: 29] على القول بأن الفرقان هو العلم النافع -الذي يفرق به بين الحق و الباطل-،و قوله –تعالى- : "يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ"[الحديد: 28] الآية،و هذه التقوى التي دلت الآيات على أن الله يُعَلِّم صاحبها بسببها ما لم يكن يعلم لا تزيد على عمله بما علم من أمر الله ؛و عليه فهي عمل ببعض ما علم زاده الله به علم ما لم يكن يعلم.
فالقول بمنع العمل بما عَلِم من الكتاب و السنة حتى يحصِّل رتبة الاجتهاد المطلق هو عين السعي في حرمان جميع المسلمين من الانتفاع بنور القرآن حتى يحصِّلوا شرطاً مفقوداً فى اعتقاد القائلين بذلك،و ادِّعاء مثل هذا على الله ،و على كتابه ،و على سنة رسوله-صلى الله عليه و سلم- هو كما ترى"ا.ه.[أضواء البيان"7/430-434]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه الثاني : أَنَّ الله –تعالى- أخبر أنه يسَّر القرآن ؛ ليتذكر به العباد ؛ فقال –تعالى- : " و لقد يسرنا القران للذكر فهل من مدكر"[القمر:17،22،32،40]، "أي : و لقد يسرنا ،و سهلنا هذا القرآن الكريم : ألفاظَه للحفظ و الأداء، و معانيَهُ للفهم و العلم،لأنه أحسن الكلام لفظاً،و أصدقه معنى،و أبينه تفسيراً،فكل مَنْ أقبل عليه يسر الله عليه مطلوبه غاية التيسير،و سهله عليه.
و الذكر شامل لكل ما يتذكر به العاملون من الحلال و الحرام،و أحكام الأمر و النهي،و أحكام الجزاء و المواعظ و العبر،و العقائد النافعة ،و الأخبار الصادقة،ولهذا كان علم القرآن حفظاً ،و تفسيراً أسهل العلوم،و أجلها على الإطلاق، و هو العلم النافع -الذي إذا طلبه العبد أعين عليه،قال بعض السلف عند هذه الآية: "هل من طالب علم ؛فيعانَ[ عليه ]؟ ،و لهذا يدعو الله عباده إلى الإقبال عليه ،و التذكر بقوله : "فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ" "ا.ه.["تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"ص825-826]
و وجه الدلالة من ذلك : أَنَّ الله –تعالى- جعل القرآن كلَّه ميسَّراً : لفظاً و معنى ؛ فدل على التمكُّن من فهم معانيه ، و على عدم وجود ما يتعسر فهمه ،فضلاً عن ما لا يمكن فهمه ،و بخاصة في أعظم أخباره،و أشرفها،و أكثرها ورودا فيه،و هو الأخبار عن أسماء الله ،و صفاته.
قال ابن قيم الجوزية –رحمه الله- (ت751) : "و تيسيره للذكر يتضمن أنواعاً من التيسير :
إحداها : تيسير ألفاظه للحفظ.
الثانِي : تيسير معانيه للفهم.
الثالث : تيسير أوامره ،و نواهيه للامتثال.
و معلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المخاطب لم يكن ميسَّراً له ، بل كان معسرا عليه ،فهكذا إذا أُريد من المخاطَب أن يَفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من المعاني ،أو يدل على خلافه ،فهذا من أشد التعسير ،و هو منافٍ للتيسير ؛فإنه لا شيء أعسر على الأمة من أن يُرَاد منهم أن يفهموا كونه -سبحانه- لا داخل العالم ،و لا خارجه ،و لا متصلاً به ،و لا منفصلاً عنه ،و لا مبايناً له ،و لا محايثاً ،و لا يُرَى بالأبصار عياناً ،و لا له وجه ،و لا يد من قوله : "قل هو الله أحد"[الإخلاص:1] ،و من قول رسوله – صلى الله عليه و سلم - : "لا تفضلوني على يونس بن متى" ،و من قوله –تعالى- : "الذين يحملون العرش و من حوله يسبحون بحمد ربهم و يؤمنون به"[غافر:7] ، و أنْ يجهدوا أنفسهم ، و يكابدوا أعظم المشقة في طلب أنواع الاستعارات ، و ضروب المجازات ،و وحشي اللغات ؛ ليحملوا عليه آيات الصفات وأخبارها ؛ فيصرفوا قلوبهم ، و أفهامهم عما تدل عليه ،و يفهموا منها ما لا تدل عليه ، بل تدل على خلافه ،و يقول : "اعلموا يا عبادي أني أردت منكم أن تعلموا أني لست فوق العالم ، و لا تحته ، و لا فوق عرشي ، و لا ترفع الأيدي إلي ، و لا يعرج إلي شيء ، و لا ينـزل من عندي شيء من قولي : "الرحمن على العرش استوى"[طه:5] ، و من قولي : "يخافون ربهم من فوقهم"[النحل:50] ، و من قولي : "تعرج الملائكة و الروح إليه"[المعارج:4] ، و من قولي : "بل رفعه الله إليه"[النساء:158] ، و من قولي : "رفيع الدرجات ذو العرش"[غافر:15] ، و من قولي : "وهو العلي العظيم"[البقرة:255] ، و من قولي : "سبح اسم ربك الأعلى"[الأعلى:1] ، و من قولي : "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"[القيامة:23 – 22] ، و من قولي : "ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض"[الملك:16] ، و من قولي "تنزيل من حكيم حميد"[فصلت:42] ، و من قولي : "قل نزله روح القدس من ربك بالحق"[النحل:102] ، و أن تفهموا أنه ليس لي يدان من قولي : "لما خلقت بيدي"[ص:75] ، و من قولي : "بل يداه مبسوطتان"[المائدة:64] ، و لا عين من قولي : "ولتصنع على عيني"[طه:39] ؛ فإنكم إذا فهمتم من هذه الألفاظ حقائقها ،و ظواهرها فهمتم خلاف مرادي منها ، بل مرادي منكم أن تفهموا منها ما يدل على خلاف حقائقها ، و ظواهرها !
فأي تيسير يكون هناك ؟! وأي تعقيد ،و تعسير لم يحصل بذلك ؟!
و معلوم أنَّ خطاب الرجل بما لا يفهمه إلا بترجمة أيسر عليه من خطابه بما كُلِّف أن يَفهم منه خلاف موضوعه و حقيقته بكثير ؛ فإن تيسير القرآن منافٍ لطريقة النفاة المحرِّفين أعظم منافاة ؛ و لهذا لما عسر عليهم أن يفهموا منه النفي ، و عَزَّ عليهم ذلك عوَّلوا فيه على الشبه الخيالية - التي سموها قواطع عقلية ، و قواعد يقينية - ،و إذا تأملها من نور الله قلبه ، و كحل عين بصيرته بمرود الإيمان رآها لحم جمل غث على رأس جبل وعر ، لا سهل ؛ فيرتقى ، و لا سمين ؛ فينتقل ، و هي من جنس خيالات الممرورين ، و أصحاب الهوس ، و قد سودوا بها القلوب ، و الأوراق.
فطريقتهم ضد طريقة القرآن من كل وجه ؛ إذ طريقة القرآن حق بأحسن تفسير ، و أبين عبارة ، و طريقتهم معان باطلة بأعقد عبارة ، و أطولها ، و أبعدها من الفهم ، فيجهد الرجل الظمآن نفسه وراءهم حتى تنفذ قواه ، فإذا هو قد اطلع على سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا و وجد الله عنده فوفاه حسابه و الله سريع الحساب ، أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ،و من لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
و الله يعلم أنا لم نقل ذلك تقليداً لغيرنا ، بل إخباراً عما شاهدناه ،و رأيناه ،و إذا أحببت أن تعلم حقيقة ذلك فتأمل عامة مطالبهم ، و أدلتهم عليها ،و كيف تجدها مطالب بعد التعب الشديد ،و الجهد الجهيد لا تحصل منها على مطلب صحيح" ا.ه["الصواعق المرسلة"1/332]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه الثالث : أَنَّ الله –تعالى- جَعَل القرآن عربياً ،و أَرسل رسوله -صلى الله عليه و سلم- باللسانِ العربيِّ ؛لتتحقق بذلك البشارة ،و النذارة ،و التقوى ،و الذِّكْرى ،و العقل ،و العلم ؛ "وَ ذَلِكَ لأَنَّ لُغَةَ الْعَرَبِ أَفْصَحُ اللُّغَاتِ ،وَ أَبْيَـنُهَا ، وَ أَوْسَعُهَا ، وَ أَكْثَرُهَا تَأْدِيَةً لِلْمَعَانِي -التِي تَقُومُ بِالنُّـفُوسِ - ؛فَلِهَذَا أَنْزَلَ أَشْرَفَ الْكُتُبِ بِأَشْرَفِ اللُّغَاتِ عَلَى أَشْرَفِ الرُّسُلِ بِسِفَارَةِ أَشْرَفِ الْمَلائِكَةِ ،وَ كَانَ ذَلِكَ فِي أَشْرَفِ بِقَاعِ الأَرْضِ ،وَ ابْتَدَأَ إِنْزَالَـهُ فِي أَشْرَفِ شُهُورِ السَّنَةِ ،وَ هُوَ رَمَضَانُ ؛ فَكَمُلَ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ".["تفسير القرآن العظيم"4/29،لابن كثير] ؛قال –تعالى- : "إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون"[يوسف:2]،و قال –تعالى- : " إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون" [الزخرف:3]،و قال -تعالى- : "و كذلك أنزلناه حكماً عربياً" [الرعد:37]،و قال -تعالى- : "و لقد نعلم أنَّهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربيٌّ مبينٌ"[النحل:103]،و قال -تعالى- : "و كذلك أنزلناه قراناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً" [طه:113]،و قال -تعالى- : "و إنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين" [الشعراء:192-195] ،و قال -تعالى- : "و لقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قراناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون" [الزمر:27-28]،و قال -تعالى- : "كتاب فصلت آياته قراناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً و نذيراً" [فصلت:3-4] ،و قال -تعالى- : "و لو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي و عربي قل هو للذين آمنوا هدى و شفاء و الذين لا يؤمنون في آذانهم وقر و هو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد" [فصلت:44]،و قال -تعالى- : "و كذلك أوحينا إليك قراناً عربياً لتنذر أم القرى و من حولها و تنذر يوم الجمع لا ريب فيه"[الشورى:7] ،و قال -تعالى- : "و هذا كتاب مصدق لساناً عربياً لينذر الذين ظلموا و بشرى للمحسنين" [الأحقاف:12] ، و قال -تعالى- : "فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين و تنذر به قوماً لدَّاً" [مريم:97] ،و قال -تعالى- : "فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون"[الدخان:58].
و أخبر –تعالى- أنه بعث كل رسل بلغة قومه لإقامة الحجة ؛فقال -تعالى- : "و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء و يهدي من يشاء و هو العزيز الحكيم" [إبراهيم:4]،و عن أبي ذر –رضي الله عنه- قال:قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- : "لم يبعث الله –عز و جل- نبياً إلا بلغة قومه".[أخرجه أحمد في "المسند"5/158،و قال الهيثمي في :"مجمع الزوائد"7/43:"رجاله رجال الصحيح إلا أن مجاهداً لم يسمع من أبي ذر"ا.ه، و يشهد له القرآن]
و الدّلالة من ذلك على المطلوب من وجهين :
الأول : أَنَّ كوْن القرآنِ عربياً يَقتضي فَهْمَ معانيه ؛فإنَّ الألفَاظَ أَوْعيةُ المعاني.[انظر:"البرهان في علوم القرآن"1/106،"الإتقان في علوم القرآن"2/1192]
الثاني : أَنَّ تحقُّقَ البشارة ،و النّذارة ،و التقوى ،و الذّكرى ،و العقل ،و العلم بالقرآن يتوقَّف على فَهْم معانيه –كما لايخفى-.[انظر:"مجموع الفتاوى"5/159،350]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه الرابع : أَنَّ الله –تعالى- وَصَفَ القرآنَ بأَنَّه نورٌ ،و هدى ،و رحمةٌ، و فرقانٌ ،و شفاءٌ ،و موعظةٌ ،و روحٌ ،و بصائرُ للنَّاس ،و بيانٌ،و مُبِيْنٌ ،و تبيانٌ ،و ذِكْرٌ، و عليٌّ ،و حكيمٌ ،و مهيمنٌ ،و مباركٌ ،و قيِّمٌ ،و فَصْلٌ ،و أَحْسَنُ الحديثِ ،و تذْكرةٌ ،و بشرى ،و بشيرٌ ،و نذيرٌ ،و مجيدٌ ،و عزيزٌ :
قال –تعالى- : "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين"[البقرة:2]،و قال -تعالى- :" قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه و هدى و بشرى للمؤمنين" [البقرة:97]، و قال -تعالى- :"شهر رمضان الذي أُنزل فيه القران هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه و من كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أُخر يريد الله بكم اليسر و لا يريد بكم العسر و لتكملوا العدة و لتكبروا الله على ما هداكم و لعلكم تشكرون" [البقرة:185]، و قال -تعالى- : " و لقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى و رحمة لقوم يؤمنون" [الأعراف:52] ،و قال -تعالى- :" وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم و هدى و رحمه لقوم يؤمنون "[الأعراف:203]،و قال -تعالى- : " يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم و شفاء لما في الصدور و هدى و رحمة للمؤمنين" [يونس:57]،و قال -تعالى- : "ما كان حديثاً يفترى و لكن تصديق الذي بين يديه و تفصيل كل شيء و هدى و رحمه لقوم يؤمنون"[يوسف:111]، و قال -تعالى- : "و ما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه و هدى و رحمة لقوم يؤمنون" [النحل:64]،و قال -تعالى- : " و نزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء و هدى و رحمة و بشرى للمسلمين"[النحل:89]،و قال -تعالى- : " قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا و هدى و بشرى للمسلمين" [النحل:102]،و قال -تعالى- : " إنَّ هذا القران يهدي للتي هي أقوم و يبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنَّ لهم أجراً كبيراً"[الإسراء:9]،و قال -تعالى- : " هدى و بشرى للمؤمنين" [النمل:2]،و قال -تعالى- : " و إنه لهدى و رحمة للمؤمنين" [النمل:77]،و قال -تعالى- : " هدى و رحمة للمحسنين" [لقمان:3]،و قال -تعالى- : " الله نزَّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم و قلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء و من يضلل الله فما له من هاد" [الزمر:23]،و قال -تعالى- : " هدى و ذكرى لأولي الألباب" [غافر:54]،و قال -تعالى- : " و لو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي و عربي قل هو للذين آمنوا هدى و شفاء و الذين لا يؤمنون في آذانهم وقر و هو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد" [فصلت:44]،و قال -تعالى- : " و كذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان و لكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم" [الشورى:52]،و قال -تعالى- : " هذا هدى و الذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم"[الجاثية:11]،و قال -تعالى- : " هذا بصائر للناس و هدى و رحمة لقوم يوقنون" [الجاثية:20]،و قال -تعالى- : " قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أُنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق و إلى طريق مستقيم" [الأحقاف:30]،و قال -تعالى- : " يهدي إلى الرشد فآمنا به و لن نشرك بربنا أحداً" [الجن:2]،و قال -تعالى- : " و أنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً و لا رهقاً" [الجن:13]،و قال –تعالى- : "و إنه لكتاب عزيزٌ"[فصلت:41]،و قال -تعالى- : "يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم و أنزلنا إليكم نوراً مبيناً "[النساء:174]،و قال -تعالى- : " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب و يعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور و كتاب مبين" [المائدة:15]،و قال -تعالى- : " فالذين آمنوا به و عزروه و نصروه و اتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون"[الأعراف:157]، و قال -تعالى- : " فآمنوا بالله و رسوله و النور الذي أنزلنا و الله بما تعملون خبير "[التغابن:8]، و قال -تعالى- : " فقد جاءكم بينة من ربكم و هدى و رحمة"[الأنعام:157]،و قال -تعالى- : "أ فمن كان على بينة من ربه و يتلوه شاهد منه و من قبله كتاب موسى إماماً و رحمة أولئك يؤمنون به و من يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك و لكن أكثر الناس لا يؤمنون" [هود:17]،و قال -تعالى- : " و ننـزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لا يزيد الظالمين إلا خساراً" [الإسراء:82]،و قال -تعالى- : " أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة و ذكرى لقوم يؤمنون" [العنكبوت:51]،و قال -تعالى- : " و من قبله كتاب موسى إماماً و رحمة و هذا كتاب مصدق لساناً عربياً لينذر الذين ظلموا و بشرى للمحسنين" [الأحقاف:12]،و قال -تعالى- : " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان" [البقرة:185]،و قال -تعالى- : " من قبل هدى للناس و أنزل الفرقان"[آل عمران:4]،و قال -تعالى- : " تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً" [الفرقان:1]،و قال -تعالى- : " وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك و جاءك في هذه الحق و موعظة و ذكرى للمؤمنين" [هود:20]،و قال -تعالى- : " و لقد أنزلنا إليكم آيات مبينات و مثلاً من الذين خلوا من قبلكم و موعظة للمتقين" [النور:34]،و قال -تعالى- : " رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق" [غافر:15]،و قال -تعالى- : " قد جاءكم بصائر من ربكم" [الأنعام:104]،و قال -تعالى- : " الر تلك آيات الكتاب المبين" [يوسف:1]،و قال -تعالى- : " الر تلك آيات الكتاب و قرآن مبين" [الحجر:1]،و قال -تعالى- : " و لقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون اليه أعجمي و هذا لسان عربي مبين"[النحل:103]،و قال -تعالى- : " لقد أنزلنا آيات مبينات و الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم "[النور:46]،و قال -تعالى- : " تلك آيات الكتاب المبين" [الشعراء:2]،و قال -تعالى- : " بلسان عربي مبين" [الشعراء:195]،و قال -تعالى- : " طس تلك آيات القران و كتاب مبين"[النمل:1]،و قال -تعالى- : " تلك آيات الكتاب المبين"[القصص:2]،و قال -تعالى- : " و ما علمناه الشعر و ما ينبغي له إن هو إلا ذكر و قرآن مبين "[يس:69]،و قال -تعالى- : "حم و الكتاب المبين"[الزخرف:1-2]،و قال -تعالى- : "حم و الكتاب المبين" [الدخان:1-2]،و قال -تعالى- : " و أنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب و مهيمناً عليه" [المائدة:48]،و قال -تعالى- : " قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه و يبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً" [الكهف:1-2]،و قال -تعالى- : " الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير" [هود:1]،و قال -تعالى- : " إنه لقول فصل"[الطارق:13]،و قال -تعالى- : " ق و القران المجيد" [ق:1]،و قال -تعالى- : " بل هو قرآن مجيد" [البروج:21] ،و قال -تعالى- : "وإنه في أم الكتاب لدينا لعليٌّ حكيم"[الزخرف:4].
[انظر:"جامع البيان عن تأويل القرآن"1/41-47للطبري،"التذكار في أفضل الأذكار"ص17للقرطبي،"البرهان في علوم القرآن"1/370-377للزركشي،"الإتقان في علوم القرآن"1/159-165للسيوطي،"مفتاح السعادة"2/355لطاش كبري،"كشف الظنون"1/89لحاجي خليفة،"أبجد العلوم"2/490للقنوجي،"أسماء القرآن"مقال نشر في "مجلة الأزهر"17،عدد9،سنة1345]
و وجه الدّلالة من ذلك : أَنَّه يستحيل أَنْ يكون أعظم أقسام القرآن -و هو الأسماء و الصفات- ،و أظهرها،و أكثرها وروداً فيه،و قد تنوعت دلالته عليه ما لم تتنوع في دلالتها على غيره ليس له معاني يَعقِلُها المكلَّفُ ؛ إذ ذلك مضادٌّ لهذه الأوصاف العظيمة المذكورة آنفاً.[انظر:"مجموع الفتاوى"17/396]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه الخامس : أَنَّ الله –تعالى- أَمَرَنَا بالعلم بمعاني أَسمائه و صفاته ؛فقال -تعالى- : "و اعلموا أنَّ الله مع المتقين"[البقرة:194،التوبة:123]،و قال –تعالى- : "و اتقوا الله و اعلموا أنَّ الله شديد العقاب"[البقرة:196]،و قال –تعالى- : " فإنْ زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم" [البقرة:209]،و قال –تعالى- : "و اتقوا الله و اعلموا أن الله بكل شيء عليم"[البقرة:231]،و قال –تعالى- : "و اتقوا الله و اعلموا أن الله بما تعملون بصير"[البقرة:233]،و قال –تعالى- : "و اعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه و اعلموا أن الله غفور حليم"[البقرة:235]،و قال –تعالى- : "و اعلموا أن الله سميع عليم"[البقرة:244]،و قال –تعالى- : "و اعلموا أن الله غني حميد"[البقرة:267]،و قال –تعالى- : " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم" [المائدة:34]،و قال –تعالى- : " اعلموا أن الله شديد العقاب و أن الله غفور رحيم"[المائدة:98]،و قال –تعالى- :" و اعلموا أن الله شديد العقاب"[الأنفال:25]،و قال –تعالى- : "و اعلموا أن الله مع المتقين"[التوبة:36]،و قال –تعالى- " اعلموا أن الله يحيي الارض بعد موتها" [الحديد:17].
و وجه الدلالة من ذلك : أنه يستحيل أَنْ يأمر الله المكلَّف بالعلم بأسمائه و صفاته ،و ليس له سبيل إلى فهم معانيها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه السادس :أن الله –تعالى- أخبر أنه بين لنا ما نزل إلينا ،وأن الرسول –صلى الله عليه وسلم- بينه لنا كذلك ؛ فقال –تعالى- :"كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون"[لبقرة:187]، و قال –تعالى- :" كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون"[البقرة:219]،و قال –تعالى- :"و يبين آياته للناس لعلهم يتذكرون"[البقرة:221]،و قال –تعالى- :"و تلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون"[البقرة:230]،و قال –تعالى- :"كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون" [البقرة:242]،و قال –تعالى- :"كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون"[لبقرة:266]،و قال –تعالى- :"كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون"[آل عمران:103]،و قال –تعالى- :" يريد الله ليبين لكم و يهديكم سنن الذين من قبلكم و يتوب عليكم و الله عليم حكيم" [النساء:26]،و قال –تعالى- :"يبين الله لكم أن تضلوا و الله بكل شيء عليم"[النساء:176]،و قال –تعالى- :" يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير و لا نذير فقد جاءكم بشير و نذير و الله على كل شيء قدير" [المائدة:19]،و قال –تعالى- :" كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون"[المائدة:89]،و قال –تعالى- :"و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء و يهدي من يشاء و هو العزيز الحكيم"[إبراهيم:4]،و قال –تعالى- :" و يبين الله لكم الآيات و الله عليم حكيم"[النور:18]،و قال –تعالى- :" و يبين الله لكم الآيات و الله عليم حكيم"[النور:58]،و قال –تعالى- :"كذلك يبين الله لكم آياته و الله عليم حكيم"[النور:59]،و قال –تعالى- :"كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون"[النور:61]،و قال –تعالى- :" بالبينات و الزبر و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزِّل إليهم و لعلهم يتفكرون"[النحل:44]،و قال –تعالى- :" و ما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه و هدى و رحمة لقوم يؤمنون"[النحل:64]،و قال –تعالى- :"فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه"[القيامة:19].
و وجه الدلالة من ذلك : أن "هذا البيان -الذي تكفل به –سبحانه- ،و أمر به رسوله-صلى الله عليه و سلم- :
إما أن يكون المراد به بيان اللفظ وحده ،أو المعنى وحده ،أو اللفظ و المعنى جميعاً ،و لا يجوز أَنْ يكون المراد به بيان اللفظ دون المعنى ؛فإنَّ هذا لا فائدة فيه ،و لا يحصل به مقصود الرسالة،و بيان المعنى وحده بدون دليله –و هو اللفظ الدال عليه- ممتنعٌ ؛فعُلِم قطعاً أَنَّ المراد بيانُ اللفظ و المعنى.
و الله –تعالى- أنزل كتابه :ألفاظَه ،و معانيَه ،و أرسل رسوله –صلى الله عليه و سلم_ ليبين اللفظ و المعنى ،فكما أنَّا نقطع ،و نتيقن أنه بَـيَّن اللفظ ،فكذلك نقطع ،و نتيقن أنه بَـيَّن المعنى ،بل كانت عنايته ببيان المعنى أشدَّ من عنايته ببيان اللفظ ،و هذا هو الذي ينبغي ؛فإنَّ المعنى هو المقصود ،و أما اللفظ فوسيلةٌ إليه ،و دليلٌ عليه ،فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهمَّ من عنايته بالمقصود؟! و كيف نتيقن بيانه للوسيلة ،و لا نتيقن بيانه للمقصود؟! و هل هذا إلا من أبين المحال".["الصواعق المرسلة"2/737-738].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- (ت728) : "فالخطاب -الذي أُريد به هدانا ،و البيان لنا ،و إخراجنا من الظلمات إلي النور- إذا كان ما ذُكر فيه من النصوص ظاهره باطلٌ ،و كفرٌ ،و لم يُرَد منا أنْ نعرف لا ظاهره ،و لا باطنه ،أو أُرِيد منا أنْ نعرف باطنه من غير بيانٍ في الخطاب لذلك ،فعلي التقديرين لم نخاطَب بما بُيِّن فيه الحق ،و لا عُرِّفنا أَنَّ مدلول هذا الخطاب باطلٌ ،و كفرٌ.
و حقيقة قول هؤلاء في المخاطِب لنا : أنَّه لم يبين الحق ،و لا أوضحه مع أمره لنا أنْ نعتقده ،و أَنَّ ما خاطبنا به ،و أمرنا باتباعه ،و الرد إليه لم يبين به الحق ،و لا كشفه ،بل دل ظاهرُهُ علي الكفر و الباطل ،و أراد منا أنْ لا نفهم منه شيئاً ،أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه فيه ،و هذا كله مما يعلم بالاضطرار تنـزيه الله ،و رسوله –صلى الله عليه و سلم- عنه ،و أنه من جنس أقوال أهل التحريف و الإلحاد"ا.ه.["درأ تعارض العقل والنقل"1/202]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه السابع : أن الله-تعالى- علَّم عباده تعبير الرؤى،و جعله من فضله عليهم ؛ فقال -تعالى- عن يعقوب أنه قال لابنه يوسف - عليهما السلام - : "يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطان للإنسان عدو مبين "[يوسف:5]،و قال –أيضاً- : "و كذلك يجتبيك ربك و يعلمك من تأويل الأحاديث"[يوسف:]،و قال –تعالى- : " و قال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف و سبع سنبلات خضر و أخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون" [يوسف:43]،و قال – تعالى- : "و رفع أبويه على العرش وخروا له سجداً و قال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً"[ يوسف:100]،و قال –تعالى- : "لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي"[يوسف:36].
و وجه الدّلالـة من ذلك كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- (ت728) : "أنَّ العلم بتأويل الرؤيا أصعب من العلم بتأويل الكلام- الذى يخبر به-؛ فإن دلالة الرؤيا على تأويلها دلالة خفيةٌ، غامضةٌ، لا يهتدي لها جمهور الناس ، بخلاف دلالة لفظ الكلام على معناه ؛فإذا كان الله قد علَّم عباده تأويل الأحاديث -التى يرونها فى المنام- فلأن يعلمهم تأويل الكلام العربى المبين -الذى ينـزله على أنبيائه-بطريق الأولى و الأحرى"ا.ه.["مجموع الفتاوى"17/403]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه الثامن : أن الله –تعالى- أخبر عن كمال أقواله و أفعاله ؛ فأقواله و أفعاله كلُّها حقٌّ ، ليس فيها باطل ،و لا عبث ،و لا سفه ،و لا عيب ، فقال –تعالى- : "و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل"[الأحزاب:4] ،و قال –تعالى- : "و الحقَّ أقول"[ص:84]، وقال –تعالى-:" أم يقولون افترى على الله كذباً فإن يشأ الله يختم على قلبك و يمح الله الباطل و يحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور "[الشورى:24]،و قال –تعالى- : "الحق من ربك فلا تكونن من الممترين"[البقرة:147]،و قال –تعالى- : " الذين يذكرون الله قياماً و قعوداً و على جنوبهم و يتفكرون في خلق السماوات و الأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار "[آل عمران:191]،و قال-تعالى- : " و ما خلقنا السماء و الأرض و ما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار "[ص:27].
و وجه الدلالة من ذلك كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- (ت728) : أنَّ "الكلام إنما المقصود به الإفهام ،فإذا لم يُقصد به ذلك كان عبثاً و باطلاً ،و الله –تعالى- قد نـزَّه نفسه عن فعل الباطل ،و العبث ،فكيف يقول الباطل ،و العبث ،و يتكلم بكلام ينـزِّله على خلقه ،لا يريد به إفهامهم؟!"ا.ه.["مجموع الفتاوى"17/397]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
الأدلــــــــة العقلية :
و لقد دل العقل على فهم المكلف لمعاني الأسماء و الصفات الإلهية من عدة أوجه:
الوجه الأول : أن القول بالتفويض يسلِّط الملحدين القائلين بالتخييل ،"و هم الذين اعتقدوا أنَّ الرسل لم تُفصح للخلق بالحقائق ؛إذ ليس في قواهم إدراكها ،و إنما خيَّلت لهم ،و أبرزت المعقول في صورة المحسوس.
قالوا : "و لو دعت الرسلُ أممهم إلى الإقرار بربٍّ لا داخل العالم ،و لا خارجه ،و لا محايثاً له ،و لا مبايناً له ،و لا متصلاً به ،و لا منفصلاً عنه ،و لا فوقه ،و لا تحته ،و لا عن يمينه ،و لا عن يساره : لنَفَرَت عقولهم من ذلك ،و لم تصدِّق بإمكان وجود هذا الموجود ،فضلاً عن وجوب وجوده، و كذلك لو أخبروهم بحقيقة كلامه ،و أنه فيض فاض من المبدأ الأوَّل على العقل الفعال ،ثم فاض من ذلك العقل على النفس الناطقة الزكية المستعدَّة : لم يفهموا ذلك ،و لو أخبروهم عن المعاد الروحاني بما هو عليه : لم يفهموه ؛فقرَّبوا لهم الحقائق المعقولة في إبرازها في الصور المحسوسة ، و ضربوا لهم الأمثال بقيام الأجساد من القبور في يوم العرض و النشور ،و مصيرها إلى جنة فيها أكلٌ و شربٌ و لحم و خمر و جوار حسان ،أو نار فيها أنواع العذاب ؛ تفهيماً للذة الروحانية بهذه الصورة ،و الألم الروحاني بهذه الصورة ،و هكذا فعلوا في وجود الرب و صفاته و أفعاله ؛ضربوا لهم الأمثال بموجود عظيم جداً أكبر من كلِّ موجود ،و له سرير عظيم ،و هو مستوٍ فوق سريره : يسمع ،و يبصر ،و يتكلم ،و يأمر ، و ينهى ،و يرضى ،و يغضب ،و يأتي ،و يجيء ،و ينزل ،و له يدان ،و وجه ،و يفعل بمشيئته و إرادته ،و إذا تكلم العبادُ سمع كلامهم ،و إذا تحركوا رأى حركاتهم ،و إذا هجس في قلب أحد منهم هاجسٌ علمه ،و أنه ينـزل كلَّ ليلة إليهم إلى سمائهم هذه ،فيقول : "من يسألني فأعطيه ،و من يستغفرني فأغفر له"،إلى غير ذلك مما نطقت به الكتب الإلهية.
قالوا : "و لا يحل لأحد أنْ يتأول ذلك على خلاف ظاهره للجمهور ؛لأنه يفسد ما وُضِعَت له الشرائع ،و الكتب الإلهية ،و أما الخاصة فهم يعلمون أنَّ هذه أمثالٌ مضروبة لأمورٍ عقلية تعجز عن إدراكها عقول الجمهور ،فتأويلها جنايةٌ على الشريعة و الحكمة ،و إقرارها إقرار للشريعة و الحكمة.
قالوا : "و عقول الجمهور بالنسبة إلى هذه الحقائق أضعف من عقول الصبيان بالنسبة إلى ما يدركه عقلاء الرجال ،و أهل الحكمة منهم ،و الحكيم إذا أراد أن يخوف الصغير ،أو يَبسط أمله خوَّفه ،و رجاه بما يناسب فهمه و طبعه".
و حقيقة الأمر عند هذه الطائفة : أنَّ الذي أخبرت به الرسل عن الله و صفاته و أفعاله ،و عن اليوم الآخر لا حقيقة له ،يطابق ما أخبروا به ،و لكنه أمثال و تخييل و تفهيم بضرب الأمثال ،و قد ساعدهم أرباب التأويل على هذا المقصد في باب معرفة الله و أسمائه و صفاته ،و صرَّحوا في ذلك بمعنى ما صرح به هؤلاء في باب المعاد و حشر الأجساد ،بل نقلوا كلماتهم بعينها إلى نصوص الاستواء و الفوقية ،و نصوص الصفات الخبرية ، لكن هؤلاء أوجبوا ،أو سوَّغوا تأويلها بما يخرجها عن حقائقها و ظواهرها ،و ظنوا أنَّ الرسل قصدت ذلك من المخاطبين تعريضاً لهم إلى الثواب الجزيل ببذل الجهد في تأويلها أو استخراج معانٍ تليق بها ،و حملها عليها ،و أولئك حرَّموا التأويل ،و رأوه عائداً على ما قصدته الأنبياء بالإبطال ،و الطائفتان متفقتان على انتفاء حقائقها المفهومة منها في نفس الأمر "[الصواعق 2/418-422]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- (ت728) : " فإذا كانت الأمور العلمية -التى أخبر الله بها فى القرآن- لا يعرفها الرسول –صلى الله عليه وسلم-كان هذا من أعظم قدح الملاحدة فيه ،و كان حجةً لما يقولونه من أنه كان لا يعرف الأمور العملية [في المطبوعة :"العلمية"]،أو أنه كان يعرفها ،و لم يبينها ،بل إن هذا القول يقتضي أنه لم يكن يعلمها ؛فإنَّ ما لا يعلمه إلا الله لا يعلمه النبى ،و لا غيره"ا.ه.["مجموع الفتاوى"17/399]
و قال –أيضاً- : "إذا قيل :"إنَّ نفس الكلام -الذي جاء به- قد كان لا يفهم معناه" : قالوا : "فغيره من العلوم العقلية أولى أن لا يفهم معناه" ،و الكلام إنما هو في صفات الرب ،فإذا قيل : "إن ما أنزل عليه من صفات الرب لم يكن هو ،و لا غيره يفهمه ،و هو كلامُ أميٍّ عربي ينزل عليه" : قيل : "فالمعاني المعقولة في الأمور الإلهية أولى أن لا يكون يفهمها ،و حينئذ فهذا الباب لم يكن موجوداً في رسالته ،و لا يؤخذ من جهته : لا من جهة السمع ،و لا من جهة العقل" ؛ قالت الملاحدة : "فيؤخذ من طريق غيره".
فإذا قال لهم هؤلاء : "هذا غير ممكن لأحدٍ" : منعوا ذلك ؛و قالوا : "إنما في القرآن أن ذلك الخطاب لا يعلم معناه إلا الله ،لكن من أين لكم أنَّ الأمور الإلهية لا تُعلم بالأدلة العقلية -التى يقصر عنها البيان بمجرد الخطاب و الخبر-؟".
و الملاحدة يقولون : "إنَّ الرسل خاطبت بالتخييل" ،و أهل الكلام يقولون : "بالتأويل" ، و هؤلاء الظاهرية [أي : المفوضة] يقولون بالتجهيل ،و قد بُسط الكلام على خطأ الطوائف الثلاث ،و بُيـِّن أنَّ الرسول –صلى الله عليه وسلم-قد أتى بغاية العلم ،و البيان -الذي لا يمكن أحداً من البشر أنْ يأتي بأكمل مما جاء به -صلى الله عليه و سلم تسليماً- ؛فأكمل ما جاء به القرآن ،و الناس متفاوتون فى فهم القرآن تفاوتاً عظيماً"ا.ه.["مجموع الفتاوى"16/413-414،وانظر السابق17/397،"الصواعق المرسلة"2/677،769]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه الثاني : "أنَّ من العظيم أنْ يقال : "إن الله أنزل على نبيه –صلى الله عليه وسلم-كلاماً لم يكن يفهم معناه : لا هو و لا جبريل ،بل و على قول هؤلاء كان النبى -صلى الله عليه و سلم- يحدِّث بأحاديث الصفات و القدر و المعاد و نحو ذلك مما هو نظير متشابه القرآن –عندهم- ،و لم يكن يعرف معنى ما يقوله ،و هذا لا يُظـنُّ بأقـلِّ الناس".["مجموع الفتاوى"17/396]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه الثالث : أنَّ المراد بالكلام معانيه ، بواسطة ألفاظه ، فالمعاني مقاصد ،و الألفاظ وسائل ،فمحال أنْ يُراد بالكلام الوسائل دون المقاصد،و بخاصة أفضل الكلام،و أفصحه ، و أبينه –و هو كلام الله ،و كلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- .[انظر:" "مجموع الفتاوى"17/398]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه الرابع : أنَّ القول بالتفويض يقتضي أنَّ النصوص الشرعية من الكتاب و السنة جاءت بما ظاهرُهُ الباطل من التجسيم ،و التركيب ،و التمثيل ...إلخ،فكان ترْك الناس بلا كتاب و لا سنة خيراً لهم من تعريضهم لاعتقاد ما لا يليق بالله -تعالى-.
قال ابن قيم الجوزية –رحمه الله- في ردِّه على أهل التأويل ،و أهل التفويض (ت751) : "إنَّ هذا القانون مضمونه جحد الرسالة في الحقيقة ،و إنْ أقرَّ بها صاحبه بلسانه ،بل مضمونه أنَّ ترك الناس بلا رسول يُرسل إليهم خيرٌ من أنْ يرسَل إليهم رسولٌ ،و أنَّ الرسل لم يهتد بهم أحد في أصول الدين، بل ضل بهم الناس ،و ذلك أن القرآن على ما اعتقده أرباب هذا القانون [أي : قانون التأويل و التحريف] لا يستفاد منه علم ،و لا حجة ،بل إذا علمنا بعقولنا سبباً اعتقدناه ،ثم نظرنا في القرآن : فإنْ كان موافقاً لذلك أقررناه على ظاهره ؛لكونه معلوماً بذلك الدليل العقلي -الذي استفدناه به-، لا بكون الرسول –صلى الله عليه وسلم- أخبر به ،و إن كان ظاهره مخالفاً لما عرفناه ،و استنبطناه بعقولنا اتبعنا العقل ،و سلكنا في السمع طريقة التأويل ،أو الإعراض و التفويض ،فأيُّ فائدةٍ حصلت إذاً بأخبار الرسول –صلى الله عليه وسلم- ،بل مضمون ذلك أنا حصلنا على العناء الطويل لاستخراج وجوه التأويلات المستلزمة ،أو التعرض لاعتقاد الباطل و الضلال بحمل الكلام على ظاهره ؛فكانت الأدلة اللفظية مقتضيةً لضلال هؤلاء ،و لعناء أولئك ،فأين الهدى و الشفاء -الذي حصل بها لهؤلاء ،و هؤلاء-؟!و من العجب اعتراف أرباب هذا القانون بهذا ،و جوابهم عنه بجواب أهل الإلحاد ،و هو أنَّ المخاطَبين لم يكونوا يفهمون الحقائق ؛فضُربت لهم الأمثال من غير أنْ يكون المخبَر [به] ثابتاً في نفس الأمر ،فراجع كتب القوم تجدْ ذلك فيها"ا.ه[الصواعق 2/770-771]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
الوجه الخامس : لما كان مذهب التفويض قائماً على كون المعنى الظاهر من نصوص الأسماء و الصفات ،أو بعضها غير مراد،و كان ظاهرها يدل على إثبات هذه المعاني حقيقةً على ما يليق بالله –تعالى-،و كان حال الناس يقتضي فهم هذا الظاهر ،و اعتقاد موجَبِهِ : لزم أنْ يَعقب كلَّ نص من هذه النصوص،أو بعضها ما يمنع من فهم هذا الظاهر،و اعتقادِ موجَبِهِ،أو أنْ يرد نص مستقل بذلك غير متراخٍ،و لما لم يكن شئ من ذلك : عُلم بطلان مذهب التفويض؛لأنه إذا امتنع تأخير البيان عن وقت الحاجة ،و بخاصة في أعظم أمور الدين ؛ فلأن يمتنع عدم هذا البيان من باب أولى.
قال أبو الحسن الأشعري -رحمه الله- (ت324) : "و معلوم عند سائر العقلاء أن ما دعا النبي –صلى الله عليه و سلم- إليه مَنْ واجهه من أمته من اعتقاد حَدَثهم ،و معرفة المحدِث لهم ،و توحيده ،و معرفة أسمائه الحسنى ،و ما هو عليه من صفات نفسه ،و صفات فعله ،و تصديقه فيما بلغهم من رسالته مما لا يصح أن يؤخر عنهم البيان فيه ؛لأنه لم يجعل لهم فيما كلفهم من ذلك من مهلة ،و لا أمرهم بفعله في الزمن المتراخي عنه ،و إنما أمرهم بفعل ذلك على الفور.
و إذا كان ذلك من قِبَل أنه لو أخَّـر ذلك عنهم لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إلى فعله ،و ألزمهم ما لا طريق لهم إلى الطاعة فيه ،و هذا غير جائز عليه لما يقتضيه ذلك من بطلان أمره ،و سقوط طاعته.
و هذا المعنى لم تجد عن أحد من صحابته خلافاً في شيء مما وقف -عليه السلام- جماعتهم عليه ،و لا شك في شيء منه ،و لا نقل عنهم كلام في شيء من ذلك ،و لا زيادة على ما نبههم عليه من الحجج ،بل نصوا جميعاً -رحمة الله عليهم- على ذلك ،و هم متفقون ،لا يختلفون في حَدَثهم ،و لا في توحيد المحدِث لهم ،و أسمائه و صفاته ،و تسليم جميع المقادير إليه ،و الرضا فيها بأقسامه لما قد ثلجت به صدورهم ،و تبينوا وجوه الأدلة -التي نبههم عليها عند دعائه لهم إليها ،و عرفوا بها صدقه في جميع ما أخبرهم به-"ا.ه.["رسالة إلى أهل الثغر"ص177-179]
و قال عبدالله بن يوسف الجويني الشافعي –رحمه الله-(ت438) :"و كنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو و الاستواء و النزول مخافة الحصر و التشبيه ،و مع ذلك فإذا طالعتُ النصوص الواردة في كتاب الله ،و سنة سوله –صلى الله عليه و سلم- أجدها نصوصاً تشير إلى حقائق هذه المعاني ،و أجد الرسول -صلى الله عليه و سلم- قد صرَّح بها مخبراً عن ربه ،واصفاً له بها ،و أعلم بالاضطرار أنه كان يحضر في مجلسه الشريف العالم ،و الجاهل ،و الذكي ،و البليد ،و الأعرابي الجافي ، ثم لا أجد شيئاً يعقب تلك النصوص -التي كان- صلى الله عليه و سلم- يصف بها ربه : لا نصَّاً ،و لا ظاهراً مما يصرفها عن حقائقها ،و يؤولها كما تأولها هؤلاء مشايخي الفقهاء المتكلمون ،مثل تأويلهم الاستواء بالاستيلاء ،و النزول بنزول الأمر ،و غير ذلك ،و لم أجد عنه- صلى الله عليه و سلم- أنه كان يحذِّر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفة ربه من الفوقية و اليدين و غيرهما ،مثل أن ينقل عنه مقالة تدل على أن لهذه الصفات معاني أُخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها ،مثل فوقية المرتبة ،و يد النعمة "،ثم ذكر جملة من نصوص الصفات.["النصيحة في صفات الرب"ص4]
و قال مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي –رحمه الله- (ت1033) : "و يجد الناظر في النصوص الواردة عن الله ،و رسوله –صلى الله عليه و سلم- في ذلك نصوصاً تشير إلى حقائق هذه المعاني ،و يجد الرسول - صلى الله عليه و سلم- : تارة قد صرح بها مخبراً بها عن ربه ،و اصفاً له بها.
و من المعلوم أنه -عليه السلام- كان يحضر في مجلسه الشريف ،و العالم و الجاهل ،و الذكي و البليد ،و الأعرابي الجافي ،ثم لا يجد شيئاً يعقب تلك النصوص مما يصرفها عن حقائقها : لا نصاً و لا ظاهراً كما تأولها بعض هؤلاء المتكلمين ،و لم ينقل عنه -عليه السلام- أنه كان يحذِّر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية و اليدين و نحو ذلك ،و لا نقل عنه أن لهذه الصفات معاني أخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها ،و لما قال للجارية : "أين الله؟ فقالت : "في السماء" لم ينكر عليها بحضرة أصحابه كي لا يتوهموا أن الأمر على خلاف ما هو عليه ،بل أقرها ،و قال : "أعتقها ؛فإنها مؤمنة" ،إلى غير ذلك من الدلائل -التي يطول ذكرها- ،و لم يقل الرسول –صلى الله عليه و سلم-،و لا أحد من سلف الأمة يوماً من الدهر: " هذه الآيات و الأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه" ؛وكيف يجوز على الله و رسوله –صلى الله عليه و سلم-،و السلف أنهم يتكلمون دائماً بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق ،ثم الحق -الذي يجب اعتقاده- لا يتكلمون به ،و لا يدلون عليه" ا.ه["أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات"ص85-86]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه السادس : أنَّ العقل الصريح يدل على على عدم تكييف صفات الله –تعالى- الواردة في الكتاب و السنة من أوجه عديدة ،سيأتي ذكرها مفصَّلةً في الكلام على الأصل الثالث من أصول مذهب أهل السنة و الجماعة في هذا الباب،و هو "نفي التكييف" –إن شاء الله-.
و هذا يقتضي فهم معاني الصفات الإلهية ؛ لأن نفي العلم بالكيفية مع عدم العلم بالمعنى عبثٌ.
قال ابن تيمية –رحمه الله- (ت728) : "لو لم يكن معنى الاستواء فى الآية معلوماً لم يحتج أن يقول : "الكيف مجهول" ؛ لأن نفي العلم بالكيف لا يُنفَى إلا [عن] ما قد عُلم أصله ،كما نقول : "إنا نقر بالله ،و نؤمن به ،و لا نعلم كيف هو""ا.ه.["مجموع الفتاوى"5/145]
و قال ابن قيم الجوزية -رحمه الله- (ت751):"إن العقل قد يئس من تعرُّف كنه الصفة ،و كيفيتها ؛فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله ،و هذا معنى قول السلف : "بلا كيف" أي : بلا كيف يعقله البشر ؛فإن من لا تعلم حقيقة ذاته ،و ماهيته كيف تعرف كيفية نعوته ،و صفاته ،و لا يقدح ذلك في الإيمان بها ،و معرفة معانيها ؛فالكيفية وراء ذلك ؛كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر ،و لا نعرف حقيقة كيفيته ،مع قرب ما بين المخلوق و المخلوق ؛فعجزنا عن معرفة كيفية الخالق ،و صفاته أعظم و أعظم"ا.ه.["مدارج السالكين منازل إياك نعبد وإياك نستعين"3/376]
و قال عبدالله بن يوسف الجويني الشافعي -رحمه الله- (ت438) : "لا ريب أنا نحن وإياهم متفقون على إثبات صفات الحياة و السمع و البصر و العلم و القدرة و الإرادة و الكلام لله –تعالى- ،و نحن قطعاً لا نعقل من الحياة إلا هذا العرض -الذي يقوم بأجسامنا- ،و كذلك لا نعقل من السمع و البصر إلا أعراضاً تقوم بجوارحنا ،فكما أنهم يقولون : "حياته ليست بعرض ،و علمه كذلك ،و بصره كذلك ،هي صفات كما يليق به ،لا كما يليق بنا" : فكذلك نقول نحن : "حياته معلومة ،و ليست مكيفة ،و علمه معلوم ،و ليس مكيفا ،و كذلك سمعه و بصره معلومان ،وليس جميع ذلك أعراضاً ، بل هو كما يليق به ،و مثل ذلك بعينه فوقيته ،و استواؤه ،و نزوله ؛ففوقيته معلومة -أعني ثابتة كثبوت حقيقة السمع ،و حقيقة البصر ؛فإنهما معلومان، و لا يكيفان ،كذلك فوقيته معلومة ثابتة غير مكيفة كما يليق به ،و استواؤه على عرشه معلوم ثابت كثبوت السمع و البصر ،غير مكيف ،و كذلك نزوله ثابت معلوم غير مكيف بحركة و انتقال يليق بالمخلوق ،بل كما يليق بعظمته و جلاله ،و صفاته معلومة من حيث الجملة و الثبوت ،غير معقولة له [أي:المؤمن] من حيث التكييف و التحديد ،فيكون المؤمن بها مبصراً من وجه ،أعمى من وجه : مبصراً من حيث الإثبات و الوجود ،أعمى من حيث التكييف و التحديد ،و بها يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله به نفسه ،و بين نفي التحريف و التشبيه و الوقوف [أي :التفويض] ،و ذلك هو مراد الله –تعالى- منا في إبراز صفاته لنا ؛لنعرفه بها ،و نؤمن بحقائقها ،و ننفي عنها التشبيه ،و لا نعطلها بالتحريف و التأويل ،و لا فرق بين الاستواء و السمع ،و لا بين النزول و البصر ؛لأن الكل ورد في النص ،فإن قالوا لنا في الاستواء : "شبهتم" نقول لهم في السمع : "شبهتم ،و وصفتم ربكم بالعرض" ،و إن قالوا : "لا عرض ،بل كما يليق به" قلنا في الاستواء و النزول و اليد و الوجه و القدم و الضحك و التعجب من التشبيه نلزمهم به في الحياة و السمع و البصر و العلم ؛فكما لا يجعلونها أعراضاً كذلك نحن لا نجعلها جوارح ،و لا مما يوصف به المخلوق ،و ليس من الإنصاف أن يفهموا في الاستواء و النزول و الوجه و اليد صفات المخلوقين ؛فيحتاجون إلى التأويل و التحريف، فإن فهموا في هذه الصفات ذلك فيلزمهم أن يفهموا في الصفات السبع صفات المخلوقين من الأعراض ،فما يلزموننا في تلك الصفات من التشبيه و الجسمية نلزمهم في هذه الصفات من العرضية ،و ما ينزهون ربهم به في الصفات السبع ،و ينفونه عنه من عوارض الجسم فيها فكذلك نحن نعمل في تلك الصفات -التي ينسبوننا فيها إلى التشبييه- سواء بسواء ،و من أنصف عرف ما قلناه ،و اعتقده ،و قَبِل نصيحتنا ،و دان الله بإثبات جميع صفاته هذه [و] تلك ،و نفى عن جميعها التعطيل و التشبيه و التأويل و الوقوف [أي: التفويض] ،و هذا مراد الله –تعالى- منا في ذلك لأن هذه الصفات و تلك جاءت في موضع واحد ،و هو الكتاب و السنة ،فإذا أثبتنا تلك بلا تأويل ،و حرفنا هذه ،و أولناها كان كمَن آمن ببعض الكتاب ،و كفر ببعض ،و في هذا بلاغ و كفاية "ا.ه.["النصيحة في صفات الرب"ص4]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
الوجه الثامن :"أنه من أعظم المحال أنْ يكون المصنِّفون في جميع العلوم قد بينوا مرادهم ،و علم الناس مرادهم منها يقيناً : سواء كان ذلك المعلوم مطابقاً للحق ،أو غير مطابق له ،و يكون الله –تعالى- ،و رسوله –صلى الله عليه و سلم- لم يبين مراده بكلامه ،و لا تيقنت الأمة إلى الآن ما أراد بكلامه ؛فهذا لا يقوله إلا مَن هو من أجهل الناس بالله و رسوله و كلامه"["الصواعق المرسلة"2/766]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه التاسع: أن القائلين بالتفويض منتناقضون ؛و التناقض مبطل لكل قول أو عمل يقع فيه،و قد وضح شيخ الإسلام ابن تيمية ،و تلميذه العلامة ابن قيم الجوزية –رحمهما الله- ذلك في مواضع من مصنفاتهما،و سأذكر منها هنا ما يكفي عن ما سواه :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- (ت728) : "و هؤلاء -الذين ينفون التأويل مطلقاً ،و يحتجون بقوله –تعالى- : "و ما يعلم تأويله إلا الله"[آل عمران:] قد يظنون أنا خوطبنا فى القرآن بما لا يفهمه أحد ،أو بما لا معنى له ،أو بما لا يُفهم منه شىء.
و هذا مع أنه باطل فهو متناقضٌ ؛ لانا إذا لم نفهم منه شيئاً لم يجز لنا أن نقول : "له تأويل يخالف الظاهر ،و لا يوافقه" ؛لإمكان أن يكون له معنى صحيح ،و ذلك المعنى الصحيح لا يخالف الظاهر المعلوم لنا ؛فانه لا ظاهر له على قولهم ،فلا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالةً على خلاف الظاهر فلا يكون تأويلاً،و لا يجوز نفي دلالته على معان لا نعرفها على هذا التقدير ؛فإن تلك المعانى -التى دل عليها- قد لا نكون عارفين بها ،و لأنا إذا لم نفهم اللفظ و مدلوله فلأن لا نعرف المعاني -التى لم يدل عليها اللفظ- أولى ؛لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به،فإذا كان اللفظ لا إشعار له بمعنى من المعاني لا يُفهم منه معنى أصلاً لم يكن مشعراً بما أريد به فلأن لا يكون مشعراً بما لم يُرَد به أولى
، فلا يجوز أن يقال : "إن هذا اللفظ متأوَّل" بمعنى أنه مصروف عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح ،فضلاً عن أن يقال : "إن هذا التأويل لا يعلمه إلا الله" ،اللهم إلا أن يُراد بالتأويل ما يخالف ظاهره المختص بالخلق ،فلا ريب أن من أراد بالظاهر هذا لا بد و أن يكون له تأويل يخالف ظاهره ،لكن إذا قال هؤلاء : "إنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر" ،أو : "إنها تجرى على المعاني الظاهرة منها" كانوا متناقضين ، و إن أرادوا بالظاهر هنا معنى ،و هناك معنى فى سياق واحد من غير بيان كان تلبيساً.
و إن أرادوا بالظاهر مجرد اللفظ أي : تجرى على مجرد اللفظ -الذى يظهر- من غير فهم لمعناه : كان إبطالهم للتأويل ،أو إثباته تناقضاً ؛ لأن مَن أثبت تأويلاً ،أو نفاه : فقد فهم معنى من المعاني."ا.ه.[الرسالة التدمرية ضمن"مجموع الفتاوى"3/،وانظر5/35]
و قال –أيضاً- : "و هؤلاء أهل التضليل و التجهيل -الذين حقيقة قولهم : إن الأنبياء جاهلون ضالون ،لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات و أقوال الأنبياء- :
ثم هؤلاء منهم من يقول : "المراد بها خلاف مدلولها الظاهر و المفهوم ،و لا يعرف أحد من الأنبياء و الملائكة و الصحابة و العلماء ما أراد الله بها كما لا يعلمون وقت الساعة".
و منهم من يقول : "بل تُجرى على ظاهرها ،و تحمل على ظاهرها" ،و مع هذا فلا يعلم تأويلها إلا الله ؛فيتناقضون ؛حيث أثبتوا لها تأويلاً يخالف ظاهرها ،و قالوا ـ مع هذا ـ : "إنها تحمل على ظاهرها" ،و هذا ما أنكره ابن عقيل على شيخة القاضي أبي يعلى في كتاب : "ذم التأويل" "["درأتعارض العقل والنقل"1/15]
و قال ابن قيم الجوزية –رحمه الله- (ت751) : "إن أصحاب هذا القانون في قول مختلف ؛يؤفك عنه من أفك :
فتارة يقولون : "نحن نعلم انتفاء الظاهر قطعاً ،و أنه غير المراد ،و إن كنا لا نعلم عين المراد".
و تارة يقولون : "بل الرسول خاطب الخلق خطاباً جمهورياً يوافق ما عندهم ،و ما ألفوه ،و لو خاطبهم بإثبات موجود ،لا داخل العالم و لا خارجه،و لا يتكلم ،و لا يكلم ،و لا يُرى عياناً ،و لا يشار إليه : لقالوا : "هذه صفات معدومٍ ،لا موجود" ،فوقعوا في التعطيل ؛فكان الأصلح أن يأتي بألفاظ دالة على ما يناسب ما نحلوه ،و ألفوه ؛فيخلصهم من التعطيل.
فكيف يجتمع هذا القول و قولهم : "إن الظاهر غير مراد" ؛فإن كان قد أراد منهم الظاهر بطل قولهم : "إن الظاهر غير مراد" ،وإن أراد منهم التأويل يبطل قولهم : "إنه قصد خطابهم بما يخيل إليهم ،و يتمكنون معه من إثبات الصانع ،و يتخلصون من التعطيل"،فأي تناقض أشد من هذا ؛فإن أراد الظاهر فقد أراد –عندكم- إفهام الباطل -الذي دل عليه لفظه-،و إن لم يرد الظاهر ،بل أراد منهم التأويل لم يحصل الغرض -الذي ذكرتموه ،و لم يخلصوا من التعطيل ،و هذا لا حيلة لكم في دفعه.
فهما طريقتان باطلتان مضادتان لقصد الرسالة ؛هؤلاء يقولون أراد منهم أن يتخيلوا ما ينفعهم –و إن لم يكن حقاً في نفس الأمر-،و أصحاب التأويل يقولون : "أراد منهم ضد ذلك المعنى -الذي دل عليه كلامه و نصه" ،و تارة يقولون : "أراد منهم تأويل النصوص"،و تارة يقولون : "أراد منهم تفويضها" ،و قد نزه الله رسولَه –صلى الله عليه و سلم- عن أن يريد المعاني الباطلة ،أو يقصر في بيان ما أراده؛فإن الأول كذبٌ و تدليس و تلبيس ،و الثاني تقصير في البيان ،و إذا كان الرسول –صلى الله عليه و سلم-منزهاً عن هذا ،و هذا ؛ فالرب –تعالى- أولى بتنزيهه عن الأمرين.
و قد قام الدليل القطعي على تنزيه الله ،و رسوله عن ذلك ؛فلا يُقدح فيه بالشبه الخيالية الفاسدة"ا.ه.["الصواعق"2/771،وانظر2/423]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
الوجه العاشر:أن القول بالتفويض مضادٌّ لحال النبي –صلى الله عليه و سلم-،و حال الصحابة –رضي الله عنهم- ،قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- (ت728)،و قد سئل عن قوله في آيات الصفات و أحاديثها : "قولنا فيها ما قاله الله و رسوله – صلى الله عليه و سلم- ،و السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان ،و ما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء -الذين أجمع المسلمون على هدايتهم و درايتهم-؛و هذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب و غيره ؛فإن الله -سبحانه و تعالى- بعث محمداً -صلى الله عليه و سلم- بالهدى و دين الحق ؛ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ،و شهد له بأنه بعثه داعياً إليه بإذنه و سراجاً منيراً ،و أمره أن يقول :"قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني"[يوسف:108]؛ فمن المحال في العقل و الدين أن يكون السراج المنير -الذى أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور ،و أنزل معه الكتاب بالحق ؛ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ،و أمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب و الحكمة ،و هو يدعو إلى الله ،و إلى سبيله بإذنه على بصيرة ،و قد أخبر الله بأنه أكمل له ،و لأمته دينهم ،و أتم عليهم نعمته_: محالٌ مع هذا ،و غيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله ،و العلم به ملتبساً مشتبهاً ،و لم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى و الصفات العليا ،و ما يجوز عليه ،و ما يمتنع عليه ؛ فإن معرفة هذا أصلُ الدين ،و أساس الهداية ،و أفضل ،و أوجب ما اكتسبته القلوب ،و حصلته النفوس ،و أدركته العقول ؛فكيف يكون ذلك الكتاب ،و ذلك الرسول ،و أفضل خلق الله بعد النبيين لم يُحكموا هذا الباب اعتقاداً و قولاً .
و من المحال –أيضاً- أن يكون النبى –صلى الله عليه و سلم- قد علم أمته كل شىء حتى الخِراءة ،و قال :"تركتكم على المحجة البيضاء ،ليلها كنهارها ؛لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك"، و قال فيما صح عنه –أيضاً- : "ما بعث الله من نبى إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ،و ينهاهم عن شر ما يعلمه لهم"، و قال أبو ذر –رضي الله عنه-:"لقد توفي رسول الله و ما طائرٌ يقلب جناحيه فى السماء إلا ذكر لنا منه علماً"،و قال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-:" قام فينا رسول الله مقاماً ؛فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم ،و أهل النار منازلهم ،حفظ ذلك من حفظه ،و نسيه من نسيه" رواه البخاري.
و محال مع تعليمهم كلَّ شىء لهم فيه منفعة فى الدين –و إن دقت- أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ،و يعتقدونه فى قلوبهم فى ربهم و معبودهم رب العالمين -الذى معرفته غاية المعارف ،و عبادته أشرف المقاصد ،و الوصول إليه غاية المطالب ،بل هذا خلاصة الدعوة النبوية ،و زبدة الرسالة الإلهية-؛ فكيف يَتوهَّم مَن فى قلبه أدنى مسكة من إيمان و حكمة أنْ لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول –صلى الله عليه و سلم- على غاية التمام.
ثم إذا كان قد وقع ذلك منه فمن المحال أن يكون خير أمته ،و أفضل قرونها قصَّروا فى هذا الباب زائدين فيه ،أو ناقصين عنه.
ثم من المحال –أيضاً- أن تكون القرون الفاضلة -القرن الذي بعث فيه رسول الله –صلى الله عليه و سلم- ،ثم الذين يلونهم ،ثم الذين يلونهم كانوا غير عالمين ،و غير قائلين فى هذا الباب بالحق المبين ؛لأن ضد ذلك :
إما عدم العلم و القول.
و إما اعتقاد نقيض الحق ،و قول خلاف الصدق.
و كلاهما ممتنعٌ :
أما الأول فلأن من فى قلبه أدنى حياة ،و طلب للعلم ،أو نهمة فى العبادة يكون البحث عن هذا الباب ،و السؤال عنه ،و معرفة الحق فيه أكبرَ مقاصده ،و أعظم مطالبه -أعني بيان ما ينبغي اعتقاده ،لا معرفةَ كيفية الرب ،و صفاته-؛ و ليست النفوس الصحيحة إلى شىء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، و هذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية.
فكيف يُتصور مع قيام هذا المقتضي -الذى هو من أقوى المقتضِيات- أنْ يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة ،في مجموع عصورهم ،هذا لا يكاد يقع فى أبلد الخلق ،و أشدهم أعراضاً عن الله ،و أعظمهم إكباباً على طلب الدنيا ،و الغفلة عن ذكر الله –تعالى-؛ فكيف يقع في أولئك؟!
و أما كونهم كانوا معتقدين فيه غيرَ الحق ،أو قائليه فهذا لا يعتقده مسلم ،و لا عاقل عرف حالَ القوم.
ثم الكلام فى هذا الباب عنهم أكثر من أن يمكن سطْرُهُ فى هذه الفتوى ،و أضعافها ،يعرف ذلك مَن طلبه ،و تتبعه"ا.ه..["مجموع الفتاوى"5/،وانظر "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"1/ لابن قيم الجوزية]
و يمكن بيان ما تقدم بأن يقال :"رسالة النبي -صلّى الله عليه و سلّم- تتضمن شيئين هما : العلم النافع، و العمل الصالح كما قال –تعالى-:"هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ"[التوبة:الاية33] .
فالهدى هو: العلم النافع.
و دين الحق هو: العمل الصالح -الذي اشتمل على الإخلاص لله، و المتابعة لرسوله -صلّى الله عليه و سلّم-.
و العلم النافع يتضمن كلَّ علم يكون للأمة فيه خير و صلاح في معاشها،و معادها،و أول ما يدخل في ذلك العلم بأسماء الله و صفاته و أفعاله؛ فإن العلم بذلك أنفع العلوم،و هو زبدة الرسالة الإلهية، و خلاصة الدعوة النبوية، و به قوام الدين قولاً، و عملاً، و اعتقاداً.
و من أجل هذا كان من المستحيل أن يهمله النبي -صلّى الله عليه و سلّم-، و لا يبيّنه بياناً ظاهراً ينفي الشكّ، و يدفع الشبهة، و بيان استحالته من وجوه :
الأول : أن رسالة النبي -صلّى الله عليه و سلّم- كانت مشتملة على النور و الهدى؛ فإن الله بعثه بشيراً و نذيراً، و داعياً إلى الله بإذنه، و سراجاً منيراً، حتى ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، و أعظم النور ،و أبلغه ما يحصل للقلب بمعرفة الله، و أسمائه، و صفاته، و أفعاله، فلا بد أن يكون النبي -صلّى الله عليه و سلّم- قد بيّنه غاية البيان.
الثاني : أن النبي -صلّى الله عليه و سلّم- علّم أمته جميع ما تحتاج إليه من أمور الدين و الدنيا، حتى آداب الأكل، و الشرب، و الجلوس، و المنام ،و غير ذلك ،قال أبو ذر - رضي الله عنه -: "لقد توفي رسول الله -صلّى الله عليه و سلّم- و ما طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا منه علماً".
و لا ريب أن العلم بالله، و أسمائه، و صفاته، و أفعاله داخل تحت هذه الجملة العامة، بل هو أول ما يدخل فيه ؛لشدة الحاجة إليه.
الثالث : أن الإيمان بالله –تعالى- و أسمائه و صفاته و أفعاله هو أساس الدين، و خلاصة دعوة المرسلين، و هو أوجب ،و أفضل ما اكتسبته القلوب ،و أدركته العقول؛ فكيف يهمله النبي -صلّى الله عليه و سلّم- من غير تعليم ،و لا بيان مع أنه كان يعلِّم ما هو دونه في الأهمية و الفضيلة؟!
الرابع " أن النبي -صلّى الله عليه و سلّم- كان أعلم الناس بربه، و هو أنصحهم للخلق، و أبلغهم في البيان و الفصاحة؛ فلا يمكن مع هذا المقتضي التام للبيان أن يترك باب الإيمان بالله و أسمائه و صفاته ملتبساً مشتبهاً.
الخامس : أن الصحابة - رضي الله عنهم - لا بد أن يكونوا قائلين بالحق في هذا الباب؛ لأن ضدّ ذلك "
إما السكوت.
و إما القول بالباطل.
و كلاهما ممتنع عليهم :
أمّا امتناع السكوت فوجهه: أن السكوت :
إمّا أن يكون عن جهل منهم بما يجبُ لله –تعالى- من الأسماء و الصفات، و ما يجوز عليه منها ،و يمتنع.
و إمّا أن يكون عن علم منهم بذلك ،و لكن كتموه.
و كلٌّ منهما ممتنع :
أما امتناع الجهل : فلأنه لا يمكن لأي قلب فيه حياة، و وعي ،و طلب للعلم، و نهمة في العبادة إلا أن يكون أكبر همّه هو البحث في الإيمان بالله –تعالى-، و معرفته بأسمائه و صفاته، و تحقيق ذلك علماً و اعتقاداً.
و لا ريب أن القرون المفضلة ،و أفضلهم الصحابة هم أبلغ الناس في حياة القلوب، و محبة الخير، و تحقيق العلوم النافعة، كما قال النبي -صلّى الله عليه و سلّم-: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ، و هذه الخيرية تعمُّ فضلهم في كل ما يُقرّب إلى الله من قول، و عمل، و اعتقاد.
ثم لو فرضنا أنهم كانوا جاهلين بالحق في هذا الباب لكان جهل مَنْ بعدهم من باب أولى؛ لأن معرفة ما يُثْبَتُ لله –تعالى- من الأسماء و الصفات، أو يُنْفَى عنه إنما تُتَلقَّى من طريق الرسالة، و هم الواسطة بين الرسول -صلّى الله عليه و سلّم- و بين الأمة، و على هذا الفرض يلزم أن لا يكون عند أحد علم في هذا الباب، و هذا ظاهر الامتناع.
و أما امتناع كتمان الحق : فلأنّ كل عاقل منصف عرف حال الصحابة - رضي الله عنهم - ،و حرصهم على نشر العلم النافع، و تبليغه الأمة فإنه لن يمكنه أن ينسب إليهم كتمان الحق – و لا سيما في أوجب الأمور، و هو معرفة الله و أسمائه و صفاته-.
ثم إنه قد جاء عنهم من قول الحق في هذا الباب شيء كثير يعرفه من طلبه وتتبّعه.
و أما امتناع القول بالباطل عليهم فمن وجهين :
أحدهما : أن القول بالباطل لا يمكن أن يقوم عليه دليل صحيح.
و من المعلوم أن الصحابة - رضي الله عنهم - أبعد الناس عن القول فيما لم يقم عليه دليل صحيح، خصوصاً في أمر الإيمان بالله –تعالى-، و أمور الغيب، فهم أولى الناس بامتثال قوله –تعالى-: "وَ لا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ "[الإسراء: 36] ، و قوله : "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ مَا بَطَنَ وَ الإثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ"[الأعراف: الاية33] .
ثانيهما : أن القول بالباطل :
إما أن يكون مصدره الجهل بالحق.
و إما أن يكون مصدره إرادة ضلال الخلق.
و كلاهما ممتنعٌ في حق الصحابة -رضي الله عنهم- :
أما امتناع الجهل فقد تقدّم بيانه.
و أما امتناع إرادة ضلال الخلق : فلأن إرادة ضلال الخلق قصدٌ سيئ، لا يمكن أن يصدر من الصحابة -الذين عُرفوا بتمام النصح للأمة، و محبة الخير لها.
ثم لو جاز عليهم سوء القصد فيما قالوه في هذا الباب لجاز عليهم سوء القصد فيما يقولونه في سائر أبواب العلم و الدين؛ فتعدم الثقة بأقوالهم و أخبارهم في هذا الباب و غيره، و هذا من أبطل الأقوال؛ لأنه يستلزم القدح في الشريعة كلها.
و إذا تبين أن الصحابة - رضي الله عنهم - لا بدَّ أن يكونوا قائلين بالحق في هذا الباب فإنهم :
إما أن يكونوا قائلين ذلك بعقولهم.
أو من طريق الوحي.
و الأول ممتنع ؛ لأن العقل لا يُدْرِك تفاصيل ما يجب لله –تعالى- من صفات الكمال؛ فتعين الثاني، و هو أن يكونوا تلقوا هذه العلوم من طريق رسالة النبي -صلّى الله عليه و سلّم-، فيلزم على هذا أن يكون النبي -صلّى الله عليه و سلّم- قد بين الحق في أسماء الله و صفاته، و هذا هو المطلوب"ا.ه.[" فتح رب البرية بتلخيص الحموية"ص3-4لابن عثيمين]
عبدالله القحطاني
29-Jan-2007, 04:35 PM
لله درك يا أبا عبدالله على هذه المناقشة العلمية ،وأذكر كلاماً آخر لأئمة السلف في إثبات العلم بمعاني الصفات عموماً:
قال الطبري _رحمه الله _:"فان قال لنا قائل : فما الصواب من القول في معاني هذه الصفات _التي ذكرت ،وجاء ببعضها كتاب الله عزوجل ،ووحيه ،وجاء ببعضها رسول الله _صلى الله عليه وسلم_؟
قيل :الصواب من هذا القول عندنا أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الاثبات ،وننفي التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه _جل ثناؤه _فقال :"ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ""ا.ه.["التبصير في معالم الدين"ص140]
وقال ابن مندة _رحمه الله _ :"ان الأخبار في صفات الله _ عز و جل _ جاءت متواترة عن نبي الله _ صلى الله عليه و سلم _ ، موافقة لكتاب الله _ عز و جل _ ، نقلها الخلف عن السلف قرنا بعد قرن من لدن الصحابة و التابعين الى عصرنا هذا على سبيل اثبات الصفات لله _ عز و جل _ ، و المعرفة و الايمان به ، و التسليم لما أخبر الله _ عز و جل _ لما أخبر الله _ عز و جل _ به في تنزيله ، و نبيه الرسول _ صلى الله عليه و سلم _ عن كتابه مع اجتناب التأويل و الجحود ، و ترك التمثيل و التكييف " ا . ه .["التوحيد ومعرفة أسماء الله عزوجل وصفاته على الاتفاق والتفرد"3/7،وانظر3/16]
و قال الصابوني _ رحمه الله _ : " أصحاب الجديث _ حفظ الله _ تعالى _ أحياءههم ، و رحم موتاهم _ يشهدون لله _ تعالى _ بالوحدانية ، و للرسول _ صلى الله عليه و سلم _ بالرسالة و النبوة ، و يعرفون ربهم _ عز و جل _ بصفاته _ التي نطق بها وحيه و تنزيله ، أو شهد له بها رسوله _ صلى الله عليه و سلم _ على ما وردت الأخبار الصحاح به ، و نقلت العدول الثقات عنه ، و يثبتون له _ جل جلاله _ ما أثبته لنفسه في كتابه ، و على لسان رسوله _ صلى الله عليه و سلم _ ، و لا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه ... .
وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف ،والتشبيه ،والتكييف ،ومن عليهم بالتعريف والتفهيم حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه ،وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه ،واتبعوا قول الله عزوجل:"ليس كمثله شئ وهو السميع البصير" ...
وكذلك يقولون في جميع الصفات _التي نزل بذكرها القرآن ،ووردت به الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعزة والعظمة والارادة والمشيئة والقول والكلام والرضا والسخط والحب والبغض والفرح والضحك وغيرها من غير تشبيه لشئ من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين ،بل ينتهون فيها الى ما قال الله تعالى،وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم من غير زيادة عليه ،ولا اضافة اليه ،ولا تكييف له ،ولا تشبيه ، ولا تحريف ،ولا تبديل ،ولا تغيير ،ولا ازالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب ،وتضعه عليه بتأويل منكر يستنكر،ويجرون على الظاهر ،ويكلون علمه الى الله تعالى،ويقرون بأن تأويله لا يعلمه الا الله _كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولون في قوله _ تعالى _ : " و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا و ما يذكر الا أولو الألباب " " ا . ه [:عقيدة السلف وأصحاب الحديث"ص162-165].
وقال أبو أحمد ابن أبي أسامة القرشي الهروي :"وينبغي لمن منَّ الله عليه بعلم الهداية والكرامة بالسنة ممن بقي من الخلف القدوة ممن مضى من السلف .
وإن مذهبنا ومذهب أئمتنا من أهل الأثر أن نقول :"إن الله –عزوجل- أحدٌ ، لا شريك له ،ولا ضد له ، ولا ند له ، ولا شبيه له ،إلهاً واحداً صمداً ، لم يتخذ صاحبة ، ولا ولداً، ولم يشرك في حكمه أحداً.
قال :"ونؤمن بصفاته أنه كما وصف نفسه في كتابه المنزل – الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، ونؤمن بما ثبت عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم –من صفاته –جل جلاله-بنقل العدول ، والأسانيد المتصلة – التي اجتمع عليها أهل المعرفة بالنقل أنها صحيحة ثابتة عن نبي الله –صلى الله عليه وسلم-، ونطلقها بألفاظها كما أطلقها ، ونعقد عليه ضمائرنا بصدق وإخلاص أنها كما قال –صلى الله عليه وسلم -، ولا نكيف صفات الله –عزوجل- ،ولا نفسرها تفسير أهل التكييف والتشبيه ، ولا نضرب لها الأمثال ، بل نتلقاها بحسن القبول تصديقاٍ، ونطلق ألفاظها تصريحاٍ كما قال الله-عزوجل- في كتابه ،وكما قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-"ا.ه.["الحجة في بيان المحجة"2/476-477]
وقال أحمد بن إبراهيم الواسطي الشافعي –رحمه الله-:"وصفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت،غير معقولة من حيث التكييف والتحديد؛فيكون المؤمن بها مبصراً من وجه،أعمى من وجه: مبصراً من حيث الإثبات والوجود،أعمى من حيث التكييف والتحديد؛وبهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله به نفسه ،و بين نفي التحريف والتشبيه والوقوف، وذلك مراد الله-تعالى- منا في إبراز صفاته لنا ؛لنعرفه بها ،و نؤمن بحقائقها، لا فرق بين الاستواء والسمع، ولا بين النزول والبصر؛لأن الكل ورد في النص"ا.ه["النصيحة في صفات الرب جل جلاله"ص4]
قال الخطابي –رحمه الله-(ت388):"إن مذهب السلف إثباتها ،وإجراؤها على ظواهرها ،ونفي الكيفية عنها.
وقد نفاها قوم ؛فأبطلوا ما أثبت الله-سبحانه-.
وحققها قوم من المثبتين ؛فخرجوا في ذلك إلى ضربٍ من التشبيه والتكييف.
وإنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين ؛ودين الله –تعالى- بين الغالي فيه والمقصر عنه.
والأصل في هذا :أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات،ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله،فإذا كان معلوماً أن إثبات ذات الباري –سبحانه-إنما هوإثبات وجود،لا إثبات كيفية:فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود ،لا إثبات تحديد وتكييف"ا.ه.["رسالة الغنية عن الكلام وأهله"نقلا عن "الحموية الكبرى"ص34-35،و ذكره الذهبي في "الأربعين في صفات رب العالمين"-ضمن ست رسائل-ص117]
وقد نقل هذا النص أبو بكر الخطيب البغدادي-رحمه الله-(ت463)في مطلع جوابه عن سؤال أهل دمشق في الصفات.
ونقله-أيضاً- أبو القاسم الأصبهاني ،وعزاه إلى بعض علماء أهل السنة.
وقال الذهبي –رحمه الله-(ت748) -بعد أن ذكر كلام الخطيب-:"وقال نحو هذا القول قبل الخطيب أحد الأعلام،وهذا الذي علمت من مذهب السلف.
والمراد بظاهرها أي :لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة غير ما وضعت له _كما قال مالك وغيره :"الاستواء معلوم"،وكذلك القول في السمع والبصر والعلم والكلام والإرادة والوجه ونحو ذلك ،هذه الأشياء معلومة ،فلا تحتاج إلى بيان وتفسير ،لكن الكيف في جميعها مجهول عندنا،والله أعلم"ا.ه.["مختصر العلو"ص273]
أبو عبدالله الحضرمي
29-Jan-2007, 08:20 PM
بارك الله فيك يا شيخ عبدالله و نفع بما تكتبه
محفوظ محمد
30-Jan-2007, 02:03 AM
أخي الغالي أبا عبدالله والأخ الفاضل عبدالله القحطاني:
أشكر لكما سعة صدركما وتجاوبكما..هذا أولاً
وثانيا: أأكد لك قناعتي التامة بما كتبته وهو ما أدين الله به وهو الذي أعتقده منهجاً للسلف
وثالثا: لو أردت الأخذ والعطاء ومناقشة الذي أوردته لفعلت ولكن لأني أرى في الرد الأخير عدم فهم لما سطرته وكررته سابقاً ولكن ربما لم أحسن العرض
رابعا: هناك تتمات:
الأولى/هل ظاهر الصفات الخبرية مشكل؟
الجواب نعم وقد نص عليه الأئمة تصريحاً أو بالمعنى والكتب لا تسعفني الآن بالنقول وحسبي أن الباحث المنصف سيجدها فيما سيطلع عليه من أقوال
الثانية/أنه قد جعل هذا المذهب -التفويض- مذهبا للسلف الجم الغفير منهم ابن قدامة والبغوي والنووي وابن حجر العسقلاني والقرطبي المفسر وأبو عمرو ابن الصلاح كلهم وغيرهم صرحوا بأن مذهب السلف هو (التفويض)
الثالثة/تأويل الصفات محرم إلا لحاجة، كمشبهٍ لا يثبت الصفة إلا على وجه المشابهة بين الخالق والمخلوق
وأخيراً أكرر شكري للإخوة وأعتذر عن إكمال النقاش لا هربا وإنما لعدم الإتفاق على شيء تقريبا وكون الكتابة لم تحقق المقصود الأهم وهو: فهم ذهب التفويض -كما ذكره أهله- بغض النظر عن صحته عند فلان أو علان....
أبو عبدالله الحضرمي
30-Jan-2007, 03:17 AM
أخي الغالي أبا عبدالله والأخ الفاضل عبدالله القحطاني:
أشكر لكما سعة صدركما وتجاوبكما..هذا أولاً
وثانيا: أأكد لك قناعتي التامة بما كتبته وهو ما أدين الله به وهو الذي أعتقده منهجاً للسلف
وثالثا: لو أردت الأخذ والعطاء ومناقشة الذي أوردته لفعلت ولكن لأني أرى في الرد الأخير عدم فهم لما سطرته وكررته سابقاً ولكن ربما لم أحسن العرض
رابعا: هناك تتمات:
الأولى/هل ظاهر الصفات الخبرية مشكل؟
الجواب نعم وقد نص عليه الأئمة تصريحاً أو بالمعنى والكتب لا تسعفني الآن بالنقول وحسبي أن الباحث المنصف سيجدها فيما سيطلع عليه من أقوال
الثانية/أنه قد جعل هذا المذهب -التفويض- مذهبا للسلف الجم الغفير منهم ابن قدامة والبغوي والنووي وابن حجر العسقلاني والقرطبي المفسر وأبو عمرو ابن الصلاح كلهم وغيرهم صرحوا بأن مذهب السلف هو (التفويض)
الثالثة/تأويل الصفات محرم إلا لحاجة، كمشبهٍ لا يثبت الصفة إلا على وجه المشابهة بين الخالق والمخلوق
وأخيراً أكرر شكري للإخوة وأعتذر عن إكمال النقاش لا هربا وإنما لعدم الإتفاق على شيء تقريبا وكون الكتابة لم تحقق المقصود الأهم وهو: فهم ذهب التفويض -كما ذكره أهله- بغض النظر عن صحته عند فلان أو علان....
اخي محفوظ محمد
انت لك إطلاقات كثيرة و عند تمحيصها تكون عليك لا لك !!
فمثلا : ذكرتَ انه من التعسف ان يقال ان قول الامام الصابوني : ( و يكلون علمه ) اي الكيفية! و ان مقصد الامام الصابوني هو في المعنى !
فما قولك بعد ان اتيتُ لك بقوله: ( ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب ) ؟؟ و هذا معناه اثبات لمعنى اللفظ ! فأين التفويض المزعوم ؟
و هنا وقفات مع تتماتك :
1- ماذا تعنى بالظاهر ؟؟ هل تعني المعنى أم التكييف - أَنْ تَعتَقِدَ قيَاس الغَائِب عَلَى الشَّاهد، وَتُمَثِّلَ البَارِئ بِخلقه - ؟؟؟ فإن قلتَ : المعنى , قلتُ : هذه قد دعوى قد بيّنا زيفها من كلام السلف و الائمة الكبار كابن قتيبة وابن جرير الطبري و القصاب و الصابوني و غيرهم
و ان قلتَ الكيفية فهذا ما نحن عليه
فائدة :
قال الحافظ الذهبي :
( ((قَدْ صَارَ الظَّاهِرُ اليَوْم ظَاهِرَيْنِ:أَحَدُهُمَا حقّ، وَالثَّانِي بَاطِل، فَالحَقّ أَنْ يَقُوْلَ:إِنَّهُ سمِيْع بَصِيْر، مُرِيْدٌ متكلّم، حَيٌّ عَلِيْم، كُلّ شَيْء هَالك إِلاَّ وَجهَهُ، خلق آدَمَ بِيَدِهِ، وَكلَّم مُوْسَى تَكليماً، وَاتَّخَذَ إِبْرَاهِيْمَ خَلِيْلاً، وَأَمثَال ذَلِكَ، فَنُمِرُّه عَلَى مَا جَاءَ، وَنَفهَمُ مِنْهُ دلاَلَةَ الخِطَابِ كَمَا يَليق بِهِ تَعَالَى، وَلاَ نَقُوْلُ:لَهُ تَأْويلٌ يُخَالِفُ ذَلِكَ.
وَالظَّاهِرُ الآخر وَهُوَ البَاطِل، وَالضَّلاَل:أَنْ تَعتَقِدَ قيَاس الغَائِب عَلَى الشَّاهد، وَتُمَثِّلَ البَارِئ بِخلقه، تَعَالَى الله عَنْ ذَلِكَ، بَلْ صفَاتُهُ كَذَاته، فَلاَ عِدْلَ لَهُ، وَلاَ ضِدَّ لَهُ، وَلاَ نَظيرَ لَهُ، وَلاَ مِثْل لَهُ، وَلاَ شبيهَ لَهُ، وَلَيْسَ كَمثله شَيْء، لاَ فِي ذَاته، وَلاَ فِي صفَاته، وَهَذَا أَمرٌ يَسْتَوِي فِيْهِ الفَقِيْهُ وَالعَامِيُّ-وَاللهُ أَعْلَمُ)) السير
2- التفويض يحمل معنيين أيضا : فقد يُفهم انه تفويض الكيف أو : تفويض المعنى و انت تقصد الثاني و لا شك
فالزعم ان المتأخرين جعلوه مذهبا للسلف هذه دعوى منك و منهم !
فلنمحّص هذه الدعوى سوياً :
1- من أتينا بهم من الائمة ( كابن جرير و الصابوني و القصاب و ابن قتيبة و غيرهم ) يُبطلون هذا الزعم فكلهم اتفقوا على عدم إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب , و هذا يدل على ان هذا مذهب السلف و لاعبرة بالمتأخرين ممن نسبوا لهم مذهباً غيره
2- خلطتَ الحابل بالنابل , فخلطت بين العلماء و نسبتهم الى التصريح بأن عقيدة السلف هي التفويض البدعي, فلا نسلّم لك ان الحافظ البغوي و ابن الصلاح و القرطبي قالوا ان هذا مذهب السلف
و بيانه كالاتي :
فقد ذكر الامام البغوي عقيدة السلف فقال رحمه الله في كتابه الجليل شرح السنة : (قال الشيخ الإمام: والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز وجل ، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل، والإتيان، والمجي، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح -
إلى أن يقول في صفحة (170) :
( فهذه ونظائرها صفات الله تعالى، ورد بها السمع يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها معرضًا فيها عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري سبحانه وتعالى لا يشبه شيءٌ من صفاته صفاتِ الخلق، كما لا تشبه ذاتُه ذوات الخلق، قال الله سبحانه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الشورى .
وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعًا بالإيمان والقبول، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله عز وجل" ( شرح السنة 1/168 – 170 )
فنخرج ان الحافظ البغوي نصّ على ان هذه عقيدة السلف :
1- الإمرار على الظاهر
2- تجنب التشبيه و التمثيل
3- نكل علم ذلك الى الله أي : علم الكيفية , و لهذا شواهد من كلام الصابوني رحمه الله عندما بيّن ان اهل السنة لا يزيلون لفظ خبر عما تعرف العرب كما قدمنا سابقاً
فالبغوي رحمه الله صرّح بأن السلف آمنوا بها على ظاهرها وكلوا العلم فيها الى الله تعالى و هو علم الكيفية لا المعنى كما قدمنا من كلام الصابوني و ابن جرير الطبري و القصاب و غيرهم لأنها ألفاظ جلية واضحة للسامع
و أما القرطبي فقد صرّح بمذهب السلف و انهم يفوضون الكيف لا المعنى ! فتأمل كلامه جيدا بارك الله فيك
قال القرطبي الاشعري في تفسيره ( عند كلامه على صفة الاستواء ) :
( وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته قال مالك رحمه الله : الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها وهذا القدر كاف ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء والاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار . )
فهذه من امانة القرطبي رغم انه يخالف السلف في ذلك , فبيّن ان عقيدة السلف هو ان المعنى معلوم من لغة العرب فذكر ان الاستواء معلوم في اللغة اي ان السلف كانوا يثبتون المعنى ! ثم اشار الى انهم جهلوا كيفية الاستواء !
ثم عقب قائلا : ان الاستواء في كلام العرب معناه : العلو و الاستقرار !
فهذا نقض لكلامك انهم يفوضون المعنى
و لهذا يقول الإمام أبو بكر بن العربي المالكي الأشعري : ((وذهب مالك رحمه الله أن كل حديث منها معلوم المعنى ولذلك قال للذي سأله الاستواء معلوم والكيفية مجهوله) ) عارضة الاحوذي 3/166
فهاهو ابن العربي يصرّح بعقيدة الامام مالك و هي عقيدة السلف و لا شك ! و هي ان معاني الصفات معلومة
أما ابن الصلاح فقد نقل الحافظ الذهبي في قصيدة الحافظ الكرجي في كتابه العلو :
( عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب
وعلى هذه القصيدة مكتوب بخط العلامة تقي الدين بن الصلاح هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث )
و معلوم ان هذه القصيدة صرّح فيها الحافظ الكرجي بأن الكيف مجهول
اما النووي و ابن حجر فهذا صحيح فقد جاء عنهما انهما نسبا ذلك للسلف و قد غلطا في ذلك رحمهما الله
و بعد هذه الأقوال لهؤلاء العلماء و قبلها للأئمة الاجلاء ممن أثبتوا عقيدة السلف و انهم لا يزيلون للفظ الخبر عما تعرفه العرب , أحسبُ أن الباحث المنصف المتجرد للحق سيسلّم لكلامهم
و ختاما فهذه وقفات مع كلامك و ليس هناك داعٍ من الإجابة على ما طرحته لك بل دعه بينك و بين نفسك , فالحق أبلج و الباطل لجلج و أحسبك من المنصفين الذين يبتغون الحق و لو على حساب الهوى
و الله الموفق
عجلان بن محمد العجلان
30-Jan-2007, 03:25 AM
أشكر للشيخين الفاضلين ما تفضلا ببيانه، وأسأل الله أن يحسن لنا ولهم النية والمقصد، وأرجو من الأخ الفاضل محفوظ أن يتأمل مليّاً في ما كُتب في هذا الموضوع ، وأن ينظر إليه بتجرد وإنصاف ، وأسأل الله أن يهديه للحق ويرزقه اتباعه والثبات عليه .
وأمّا ما ذكره الأخ محفوظ من أن مذهب السلف هو التفويض فلا أدري من أين أتى بهذه الدعوى التي لا مستند لها ! .
والدعاوى مالم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء ! إلا إن كان الأخ يعني بأنّ أهل السنة يفوضون كيفيات الصفات، ويفهون ويعلمون معانيها، فقد قدمت آنفاً أنّ أهل السنة على ذلك ، وأوردت بعض النقول الثابتة عن غير واحدٍ من أئمة السلف في أن معنى الصفة معلوم وكيفها مجهول ، وأمّا الذي يقرره الأخ وهو مذهب المفوضة فلم يُقل به أحدٌ من أهل السنة والجماعة .، وأسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه ..
عبدالله القحطاني
30-Jan-2007, 05:12 PM
أخي/محفوظ:
-إن جعل الصفات الخبرية من المشكل دون غيرها من الصفات باطل نقلاً وعقلاً:
أما نقلاً فلأنه لا دليل عليها من الكتاب أو السنة سوى شبهات.
أما عقلاً فلأن مخالفيك يجعلون الصفات غير الخبرية من المشكل؛فيجعلون الصفات كلها من باب واحد؛فيفوضونها كلها،أو يؤولونها كلها،و كل ما تحتج به على جعل الصفات الخبرية من المشكل يحتج به هؤلاء على جعلهم الصفات كلها من المشكل.
-لا أراك ياأخي تناقش في دلائل الكتاب والسنة التي ذكرتُها،و كذا دلائل العقل الصريحة على فهم المكلف لمعاني الأسماء والصفات الإلهية،وتعرِّج على ألفاظ لبعض السلف بغض النظر عن صريح عباراتهم في مواضع أخرى،بل بغض النظر عن سياق هذه الألفاظ،والمناسبات التي قيلت فيها.
وإذا كان من يحتج بالمحتمل من نصوص الكتاب والسنة -وهي ألفاظ في غاية البيان والفصاحة-مذموماً؛فمن باب أولى من يحتج بالمحتمل من كلام أهل العلم-الذي هو أحوج إلى إن يُستدَل له،لا به-.
وهذا كله نتيجة للاعتماد على الشبهات -التي يسميها أربابها معقولات-،وعزل النصوص من قريب أو بعيد؛بحجة كونها محتملة،أو أخبار آحاد.
أبو معاذ الأثري
30-Jan-2007, 06:09 PM
أخي ابا عبد الله ... ذكرت عن الحروف المقطعه ... فقلت :
هذه اتفق اهل العلم انه لا يعرف معناها فهي من المتشابه في المعنى
فهل من دليل على ما قلته !!؟
الذي أعرفه أنهم مختلفون في ذلك ...
ولعلك ترجع إلى بيان ذلك في تفسير ابن كثير ... للحروف المقطعة أول سورة البقرة !
بارك الله فيكم إخوتي على ردودكم ...
أخوكم / أبو معاذ الأثري [/SIZE]
أبو عبدالله الحضرمي
30-Jan-2007, 06:28 PM
أخي ابا عبد الله ... ذكرت عن الحروف المقطعه ... فقلت :
فهل من دليل على ما قلته !!؟
الذي أعرفه أنهم مختلفون في ذلك ...
ولعلك ترجع إلى بيان ذلك في تفسير ابن كثير ... للحروف المقطعة أول سورة البقرة !
بارك الله فيكم إخوتي على ردودكم ...
أخوكم / أبو معاذ الأثري
بارك الله فيك أخي أبا معاذ الأثري
أفدنا عن معناها بارك الله فيك !
فالأخ محفوظ يريد ان يقول ان لفظ النزول هو من قبيل الحروف المقطعة لا يُعرف معناها
فإن وقفت على معنى هذه الحروف المقطعة عند أحد من المفسرين فأفدنا بارك الله فيك
فما نحن إلا طويلبة علم نجهل أكثر مما نعرف
عبدالله القحطاني
31-Jan-2007, 12:42 AM
آمل من الأخوين/أبي معاذ،وأبي عبدالله-حفظهما الله-إفراد النقاش المفيد حول الحروف المقطعة في موضوع مستقل؛لكي لا ينقطع الحوار حول التفويض،ولأهمية الكلام حول الحروف هذه؛فإن الخلاف فيها طويل جداً.
محبكم/أبو عمر القحطاني.
يزيد
04-Feb-2007, 10:09 PM
استمروا بارك الله فيكم، فكم هي مفيدة - لطلبة العلم - مثل هذه النقاشات الرزينة مع المخالف.
أخانا الكريم أبا عبدالله، هل أنت الأخ الإماراتي الذي يكتب في ملتقى حضرموت؟ زادك الله علما ونورا.
على أية حال، لم أود أن أقطع عليكم هذا الحوار إلا بعد أن طال غياب الأخ المفوض، وهذه ألحظها في كثير من المفوضة، فهم يطرحون إيرادين أو ثلاثة ثم ينقطعون عن الحوارات بخلاف أهل التحريف من المتأولة.
ولذلك أريد أن أطرح هذا التساؤل بالنيابة عن الأخ المخالف حتى يرجع، وآمل من جنابكم عدم إهمال الرد عليه:
السؤال هو: إذا كنتم تقولون أن الكلام على بعض الصفات كالكلام على باقي الصفات، فلم قدرتم على تفسير بعضها دون بعض وبالتحديد صفات الذات؟ فمثلا: تقولون "النزول: هو الدنو من أعلى إلى أسفل"، وتقولون "على العرش استوى أي علا واستقر"؟ وهذه التعريفات مسطورة في المعاجم، فعلى هذا المنوال: ما معنى "ساق الله" و"يد الله" و"إصبع الله" ؟ سبحانه تنزه عن الأوهام.
وسأطرح سؤالا آخر بعد إجابتكم على هذا الأول إن كتب الله لنا ذلك.
عبدالله القحطاني
08-Feb-2007, 04:36 AM
الجواب يتبين بما يلي:
-أهل السنة يفسرون الأسماء والصفات الإلهية كلها:الذاتية والفعلية بحسب اللسان العربي،ويعتقدون ما تدل عليه من المعاني على الوجه اللائق بالله-تعالى-،وهذا هو الفارق بينهم وبين المفوضة.
-قولك:"لم قدرتم على تفسير بعضها دون بعض" :
إن أردت التفسير بحسب اللسان العربي فهم يفسرونها كلها-كما ذكرتُ-.
وإن أردت تفسير أهل التحريف(التأويل)فهم لا يقولون به في أي صفة.
-وعليه؛فمن العجب أن يجعل تفسير الاستواء بالعلو والارتفاع والصعود والاستقرار مثلاً مثل تفسيره بالاستيلاء والغلبة؛فالأول تفسير أثري لغوي،والآخر تفسير محدث مبتدع.
يزيد
08-Feb-2007, 09:29 PM
الجواب يتبين بما يلي:
-أهل السنة يفسرون الأسماء والصفات الإلهية كلها:الذاتية والفعلية بحسب اللسان العربي،ويعتقدون ما تدل عليه من المعاني على الوجه اللائق بالله-تعالى-،وهذا هو الفارق بينهم وبين المفوضة.
-قولك:"لم قدرتم على تفسير بعضها دون بعض" :
إن أردت التفسير بحسب اللسان العربي فهم يفسرونها كلها-كما ذكرتُ-.
وإن أردت تفسير أهل التحريف(التأويل)فهم لا يقولون به في أي صفة.
-وعليه؛فمن العجب أن يجعل تفسير الاستواء بالعلو والارتفاع والصعود والاستقرار مثلاً مثل تفسيره بالاستيلاء والغلبة؛فالأول تفسير أثري لغوي،والآخر تفسير محدث مبتدع.
ما هو التفسير الأثري اللغوي للساق والإصبع الذي نثبته ونفوض كيفيته؟
عبدالله القحطاني
09-Feb-2007, 01:05 AM
يا أخي/يزيد وفقك الله
هذه الألفاظ واضحة ،و تشترك في دلالتها على صفات حقيقية لله -تعالى-،و لن يعبر عنها بأوضح منها.
سبحان الملك القدوس؛هل اشتبه الأمر علينا حتى تعذر علينا فهم هذه الألفاظ؟!
أخي ،لو سألتك عن صفاتك أنت؛فقلت:ما المعنى اللغوي لصفتك الفلانية ؟هل تعد هذا سؤالاً مفيداً لمن هو عربي؟!
أخيراً،إن التعمق في هذه المسائل هو من التكلف،والأغلوطات،والمسلك الرشيد فيه الإيمان بما ورد به الكتاب والسنةعلى ما يليق به-تعالى-؛فهذا هو النجاة -واللهِ-.
طالب علم
09-Feb-2007, 03:52 AM
السؤال هو: إذا كنتم تقولون أن الكلام على بعض الصفات كالكلام على باقي الصفات، فلم قدرتم على تفسير بعضها دون بعض وبالتحديد صفات الذات؟ فمثلا: تقولون "النزول: هو الدنو من أعلى إلى أسفل"، وتقولون "على العرش استوى أي علا واستقر"؟ وهذه التعريفات مسطورة في المعاجم، فعلى هذا المنوال: ما معنى "ساق الله" و"يد الله" و"إصبع الله" ؟ سبحانه تنزه عن الأوهام.
.
أخي يزيد ..
القدم واليد وغيرها من الصفات الثابتة لله تعالى نثبتها لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته ونعلم معانيها، ولاشك أن من المعضلات توضيح الواضحات ، وأما كيفيتها فلا نعلمها .
يزيد
09-Feb-2007, 08:13 PM
مشايخنا الكرام ،،،
قولنا للمفوض نعلم معانيها، ثم لا نستطيع التعبير عن هذا المعنى الذي نعلمه بحجة أنه واضح حاصله مثل حاصل قول المفوض أن لها معنى ولكن لا يعلمه إلا الله. فكلانا لا يستطيع التعبير عن معنى الساق!
ومن جهته سيقوم المفوض بسرد كل ما يراه تفسيرا للصفة الخبرية ومن ثم سيواجه بنفي كل المعاني التي يطرحها بحجة أنها من الكيفيات أو أنها ليست ما وضعه العرب للفظة.
لم لم يكن من المعضلات قولنا الرحمن على العرش استوى أي علا واستقر، بينما هو من المعضلات تفسير الساق والقدم والوجه والإصبع وغيرها مما ورد في النقل؟
أرجو ألا تجدوا علي في أنفسكم شيئا، نفع الله بكم.
أبو عبدالله الحضرمي
09-Feb-2007, 09:33 PM
ولذلك أريد أن أطرح هذا التساؤل بالنيابة عن الأخ المخالف حتى يرجع، وآمل من جنابكم عدم إهمال الرد عليه:
السؤال هو: إذا كنتم تقولون أن الكلام على بعض الصفات كالكلام على باقي الصفات، فلم قدرتم على تفسير بعضها دون بعض وبالتحديد صفات الذات؟ فمثلا: تقولون "النزول: هو الدنو من أعلى إلى أسفل"، وتقولون "على العرش استوى أي علا واستقر"؟ وهذه التعريفات مسطورة في المعاجم، فعلى هذا المنوال: ما معنى "ساق الله" و"يد الله" و"إصبع الله" ؟ سبحانه تنزه عن الأوهام.
وسأطرح سؤالا آخر بعد إجابتكم على هذا الأول إن كتب الله لنا ذلك.
بارك الله فيك اخي يزيد
و جزى الله مشايخنا على ما اتحفونا به من فوائد
بداية :
أولا : لا وجه للتفريق بين صفة و أخرى , فلا يقال ان الصفات الخبرية كاليد و الوجه و غيرها غير معلومة والإستواء و النزول معلوم
و هذا اثبتناه بالنقولات عن الائمة أعلاه , و اظنك توافقني على ذلك
ثانيا : يجب ان نعرف ان السلف رحمهم الله لم يتكلفوا تفسير الألفاظ لأنها معلومة تستقر في نفس السامع شيء منه دلاله مفهومه , و هذا هو المقصود بالقول ان المعنى معلوم و لا يلزم التكلف بتفسير الواضحات , فلولا ان المبتدعة خالفوا فقالوا ان الاستواء هو الاستيلاء لما ردّ عليهم السلف و قالوا :بل الاستواء هو العلو , فأثبتوا معنى مفهوم مستقر لدى العربي القح
و كذا في النزول , فالمعنى واضح لا حاجة للجلجة فيه ,
و كذا اليد فهي الكف , و القدم هي الرجل و الوجه مطلق المقابلة
فإذا قلنا يد الانسان تخصصت الى حقيقة خاصة بالانسان نعلم كيفيتها و انها جارحة من لحم و دم , و اذا قلنا يد الله تخصصت الى حقيقة لا نعلم شيئا منها غير ما اخبرنا سبحانه من انه يقبض السموات بيديه و ان يداه مبسوطتان الخ و انها صفة ذات تليق بجلال الله تعالى و عظمته - و هذا لا يثبته المفوض -
قال الحافظ الذهبي في كتابه "العلو" ص (532)أن صفات ربنا((لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: "الاستواء معلوم"، وكما قال سفيان وغيره: "قراءتها تفسيرها" يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضايق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضاً أنها لا تشبه صفات البشر بوجه؛ إذ الباري لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته.))
و للشيخ حامد العلي كلام مفيد جدا في هذه المسألة ذكرها في كتابه الماتع : أم البراهين لشبهات المعطّلين والمؤوّلين والمفوّضين لصفات الله رب العالمين
قال حفظه الله :
(حل العقدة في باب الصفات :
فإن قيل فما حل هذه العقدة ، بعد هذه الحجة الجدلية، فالجواب: أن الناس اختلفت طرائقهم في اقتحام هذه العقبة ، التي العقبة هذا الباب حقاً، إلا أن الخروج منها إلى الصراط المستقيم له باب واحد وسواه مفض إلى سحيقة أو تناقض .
فإن ناساً قد التزموا نفي كل شي لئلا يقعوا في التشبيه، قال أبو المعالي: (اعلموا أشدكم الله أن من أعظم أركان الدين نفي التشبيه، وقد أفتتن فيه فئتان، وابتلي به طائفتان فغلت طائفة ونقت جملة صفات الإثبات ، ظنا أن المصير إلى إثباتها مفض إلى التشبيه وإلى ذلك صار من أثبت الصانع من الفلاسفة ، وإليه ميل بعض الباطنية ، فزعموا أن القديم لا يوصف بالوجود ولكن يقال أنه ليس بمعدوم ، وكذلك لا يوصف بكونه حيا قادراً ، بل يقال ليس بميت ولا عاجز ولا جاهل ..)(1) . [[ الشامل للجويني الكتاب الأول، الجزء الأول ، 1/169 ، وتعليق رشاد سالم علـــى درء التعارض 5/187]]
وقال الشهرستاني رحمه الله عن الجهم بن صفوان : (وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد عليهم أشياء منها قوله : لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه ، لأن ذلك يقتضي تشبيها ).(2) . [[ الملل والنحل 1/86]]
وذكر ابن تيمية رحمه الله أنه قرأ لأبي يعقوب السجستاني - أحد الباطنية - في كتاب الأقاليد الملكوتية أنه التزم أن الله يقال عنه (لا موجود ولا ليس بموجود ، ولا معدوم ولا ليس بمعدوم ) ، وذلك أنه ابتدأ أولاً بأن الله ليس بموجود فأورد على نفسه أن هذا تشبيه بالمعدومات ، فقال ( لا موجود ولا معدوم ) ثم أورد على نفسه أن هاتين قضيتان مختلفتان بالسلب والإيجاب ، ويلزم من صدق أحدهما كذب الأخرى فاضطر أن يقول جملته المتقدمة فرارا من التشبيه ، ومع ذلك فقد أورد عليه ابن تيمية التشبيه بالممتنعات لأن هذه الجملة صفة الممتنع (3) ،[[ الدرء 5/324]]
فهذه هي الهوة السحيقة.
ورام قوم الخروج بأن قالوا إن هذه الألفاظ مقولة على الخالق والمخلوق بطريق الاشتراك اللفظي .
قال ابن تيمية ( وقد رام طائفة من المتأخرين كالشهرستاني والآمدي والرازي - في بعض كتبه - ونحوهم ، أن يجيبوا هؤلاء - أي أمثال هذا الضال المذكور آنفا - عن هذا بأن لفظ (الموجود) و(الحي) و(العليم) ، و (القدير) ، نحوها من الأسماء تقال على الواجب والممكن بطريق الاشتراك اللفظي ، كما يقال لفظ المشتري على الكوكب والمبتاع ، وكما يقال سهيل على الكوكب والرجل المسمّى بسهيل ...
ثم قال : وهؤلاء متناقضون في هذا الجواب ، فإنهم وسائر العقلاء يقسمون الوجود إلى واجب ، وممكن ، وقديم ، ومحدث ، وأمثال ذلك ، مع علمهم بأن التقسيم لا يكون في الألفاظ المشتركة ، إن لم يكن المعنى مشتركاً ، سواء كان متماثلاً ، أو متفاضلأ ، ً ومنهم من يخص المتفاضل بتسميته مشككاً ...
ثم قال : فأما مثل سهيل ، فلا يقال سهيل ينقسم إلى الكوكب والرجل إلاّ أن يراد يطلق على هذا وهذا ، ومعلوم أن مثل هذا التقسيم ، لا يراد به الإخبار عن الإطلاق في اللغة ، وإنما يراد به تقسيم المعنى المدلول عليه باللفظ ...
ثم قال : ثم هم مع هذا التناقض موافقون في المعنى للملاحدة ، فإنهم إذا جعلوا أسماء الله تعالى كالحي ، والعليم ، والقدير ، والموجود ، ونحو ذلك مشتركة اشتراكاً لفظياً ، لم يفهم منها شيء إذا سمي بها الله ، إلا أن يعرف ما هو ذلك المعنى الذي يدل عليه إذا سمي الله)(1) . [[ المصدر السابق ]]
ومعلوم أن المعنى الذي يدل عليه لفظ الموجود ، ونحوه المطلق على الباري جل وعز ، لا يمكن أن نفهمه إلاّ إذا كان بين هذا الإطلاق ، واطلاقه على الشاهد من المخلوقات قدراً مشتركاً ، يمكننا به فهم الخطاب ، وهذا الإطلاق هو المسمى بالأسماء المتواطئة ، أو المشككة .
ولهذا فإن الأكثر على أن اسم الوجود حقيقة في الواجب ، والممكن , وأنه مقول عليهما بطريق التواطؤ العام ، أو التشكيك ، إذا جعل المشكك نوعاً آخر(2) .
[[ قال الجرجاني : (المشككك هو الكلي الذي لم يتساو صدقه على أفراده بل كان حصوله في بعضها أولى أو أقدم من البعض الآخر ، كالوجود في الواجب أولى ، وأقدم وأشد مما في الممكن ) التعريفات 216 ، والكلي هو الذي لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه ، وقد أورد على قسم المشكك أن الاسم إذا كان يطلق على القدر المشترك ، من غير دخول الاختلاف بين المسميات في التسمية فهو المتواطئ ، وإن دخل فالاشتراك اللفظي ، فلا حقيقة للمشكك ، وأجاب القرافي : ( أن كلا من المتواطئ والمشكك ، موضوع للقدر المشترك ، ولكن الاختلاف إن كان بأمور من جنس المسمى فهو المصطلح على تسميته بالمشكك ، وإن كان بأمور خارجة عن مسماه كالذكورة ، والأنوثة ، والعلم ـ يعني في اسم الإنسان ـ فهو المصطلح على تسميته بالمتواطئ ) ينظر نهاية السول 2/45ـ 47 ، وقد ذكر ابن تيمية ، أن قدماء نظار الفلاسفة ، على أن المشكك متواطئ باعتبار القدر المشترك ، المجموع 9/147 ، فعلى هذا إن أريد بإطلاق هذه الأسماء على الخالق والمخلوق بطريق التواطيء أن الصدق على الأفراد متفاوت فحق ، بل هو أعظم تفاوت على الإطلاق ، وإن أريد التساوي فلا قطعا ، وأما المشكك فقاطع في المراد ]]
وقد ذكر ابن تيمية أن أحداً لم يجعل هذه الأسماء مقولة بالاشتراك اللفظي إلاّ شرذمة من المتأخرين وقد تقدم بطلانه(3). [[ المجموع 20/442، ومما ذكر صاحب شرح المقاصد ( والجمهور على أنه له ـ أي الوجود ـ مفهوما واحدا ، مشتركا بين الموجودات ، إلا أنه عند المتكلمين حقيقة واحدة ، تختلف بالقيود والإضافات ) 1/341، ثم ذكر أنه مع ذلك قد يطلق على الموجودات بالتشكيك لأنه في الواجب أولى وأقدم وأشد ، على ما فهم من كلامه ( 1/354ـ 355) ]]
وإذا تبين هذا ، فالجواب عن الإشكال المتقدم بأن يقال : نحن نفهم من هذه الألفاظ ما دلت عليه من القدر الذي تتواطأ عليه ، ولا نعلم حقيقة ما يمتاز به الخالق ، غير أننا نعلم أن ما يختص الله به من هذه الأسماء التي فهمنا معناها عند الإطلاق ، أعظم مما يخطر في البال ، أو يدور في الخيال .
ومثال ذلك العلم ، فعند الإطلاق نفهم من هذه الكلمة معنى ، فإذا قيل (علم الله ) علمنا أن ما اختص الله به من هذا المعنى أعظم من أن نحيط به علماً ، أو نعرف كنهه ، وهذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلاّ الله ، ولولا هذا القدر المشترك من المعنى الذي يأخذه الذهن عند الإطلاق ، ثم يقيد به عند الإختصاص بالخالق ، ما يتميز به الخالق ، مما لا نستطيع حده بحد ، لما أمكن معرفة الله تعالى بوجه من الوجوه.(1) . [[ ينظر مجموع ابن تيمية 3/10]]
ويتوجه على هذه الجملة سؤال وفي الجواب عنه مزيد تفصيل وتوضيح ، فيقال :
فإن قيل : وكيف يصحّ أن يقال : إن بين أسماء الله ، وصفاته ، وأسماء خلقه وصفاتهم ، قدراً مشتركاً ، ألا يوجب هذا التشبيه ؟
فالجواب : أن التشبيه كلمة ، قد صار فيها إجمال ، بحسب استعمال المتكلمين في هذا الباب ، فيجب أولاً معرفة المحذور من معناها شرعاً.
ذلك أن التشبيه جاء في السمع ، بلفظ التمثيل في قوله تعالى {ليس كمثله شيء } الشورى(11) وهو أدلّ على المقصود ، ومعنى الآية أن الله تعالى لا يماثله شيء فيما يختص به من صفات الكمال ، أما أن تدل على أن ما يتصف الله به من الصفات لا يمكن أن يتصف غيره بجنسها ، فليس فيها ولا دلّت عليه اللّغة ، فقد نفى الله التماثل بين صنفين من بني آدم قال تعالى : { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } فنفى الله التماثل للتفاوت في بعض الصفات مع اشتراكهم في أكثرها ، ومثل هذا قوله تعالى {وما يستوي الأعمى والبصير} فاطر(19) ، وقوله {وما يستوي الأحياء والأموات} فاطر (22) ، وقوله {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة } الحشـــــر (20)(2) . [[ ينظر الدرء 6/7 ، 7/113ـ 114]]
وإذا كانت الأدلة الشرعية لا تدل على أن التشابه من بعض الوجوه ، يقتضي تماثلهما في جميع الأشياء ، فليس في الآية أن وجود قدر مشترك بين الأسماء التي تطلق على الله وخلقه ، يوجب التماثل المنفي بقوله (ليس كمثله شيء) .
ولهذا فقد اعترف أساطين الكلام ، أن ما قد يسمى التشبيه من بعض الوجوه بين الخالق والمخلوق ، لازم لجميع المسلمين ، ويعنون به ما يطلق من الأسماء والصفات على الخالق والمخلوق ولو كان مجرد صفة الوجود ، قال الرازي رحمه الله (وان عنيتم بالمشبه من يقول بكون الله شبيها بخلقه من بعض الوجوه ، فهذا لا يقتضي الكفر ، لأن المسلمين اتفقوا على أن الله موجود ، وشيء ، وعالم ، وقادر ، والحيوانات كذلك وذلك لا يوجب الكفر)(1) . [[ نقلا عن تلبيس الجهمية 1/382]]
وقال أبو المعالي (وقال في بعض مقالاته - أي أبو الحسن - المشبه من يعترف بالتشبيه ، فأما من ينكره ويثبت مع التجسيم والغلو فيه للرب ، صفاتا لا يجوز ثبوتها إلاّ للمخلوقات فلا نسميه مشبهاً تحقيقاً ، إذ المشبه من يعتقد تشابه الرب ، والمحدث من كل وجه ، إذ حقيقة المثلين ، المتشابهين في جملة الصفات ..)(2) . [[ الشامل للجويني 1/169]]
ولهذا أيضاً أنكر الأئمة الغلو في النفي ، خشية الوقوع في التعطيل ، وذكر ابن تيمية عن الإمام أحمد أنه قال لا يشبه الأشياء ، وليس كمثله شيء ، ونحو ذلك أما قوله ( بوجه من الوجوه ) فامتنع منها ، وذلك أنه عرف أن مضمون ذلك التعطيل المحض ، فإنه يقتضي أنه ليس بموجود ، ولا شيء ، ولا حي ، ولا عليم ، ولا قدير ، ويقتضي إبطال جميع أسمائه الحسنى(3) . [[ الدرء 5/183]]
وبهذا يعلم أن إثبات قدر مشترك من معنى الأسماء المقولة على الخالق والمخلوقات ، ليس فيه التمثيل المحذور شرعاً ،غير أنه لا يخفي أن إطلاق هذه اللفظة وهي (أن الله يشبه خلقه من بعض الوجوه) خطأ ، والإمام أحمد إنما أنكر النفي لئلا يتوهم التعطيل ، فكذلك ينبغي أن تمنع هذه الجملة لئلا يتوهم التشبيه الممنوع شرعاً وعقلاً ، وهو (أن يماثل الله شيء من خلقه فيما يجب له من صفاته ، أو أن يثبت شيء من خصائص المخلوقين لله سبحانه وتعالى ) ، إذ هو تعالى ليس كمثله شيء لا في أسمائه ، ولا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، قال الإمام أحمد : ( من قال بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي فقد شبــه الله بخلقه ، وهذا يحده وهذا كلام سوء)(4). [[ 2/32]]
فهذه المقالة تبيّن أن المحذور من التشبيه ، هو ما يستلزم من نعت الله تعالى بالنقص ، والحدوث ، ولا ريب أن وصفه بخصائص المخلوقين تمثيل له بما هو ناقص حادث ، أما مجرّد نعته بالصفات التي يصحّ إطلاقها على المخلوقات ، مع العلم بقدر مشترك من المعنى في الإطلاقين ، والقطع بأن ما اختص الله به لا يماثل ما يختص به المخلوق ، فليس في هذا نقص بوجه من الوجوه.
قال أبو المعالي رحمه الله رداً على الفلاسفة ومن تابعهم في نفي الصفات (ويقال لهم أتثبتون الصانع المدبر أم لا تثبتونه ؟ فإن أثبتوه لزمهم من الحكم بإثباته ما حاذروه فإن الحادث ثابت فاستويا في الثبوت ، ...ثم قال : وإن قالوا نعتقد الثبوت ولا ننطق به ، قلنا كلامنا في الحقائق لا في الإطلاقات ، فإن قالوا فصفوا الإله بالثبوت والوجود ولا تنطقوا به ، واعتقدوا وجود الحادث ولا تنطقوا به لتنتفي المماثلة لفظاً ، فإن المماثلة لفظاً مما يتوقى في العقائد ، قلنا يتوقى اللفظ لأدائه إلى الحدوث أو إلى النقص ، فكل ما لا يؤدي إلى الحدوث أو إلى النقص لا نكترث به ، ثم محاذرة التعطيل أولى من محاذرة التشبيه )(1) . [[ نقلا عن الدرء 5/189]]
وهذا القدر المشترك الموجود في الأسماء المشككة ، الذي به أمكن فهم خطاب الله تعالى عن نفسه ، وأسمائه ، وصفاته ، وأفعاله ، لا يستلزم وجود شيء في الخالق هو بعينه في المخلوق ، وإنما هو أمر مطلق كلي ، ولا يوجد إلاّ في الذهن ، ولا يختص بأحدهما دون الآخر ، فلا يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالباري ولا فيما يختص بالبرية ، وعند التخصيص يقال علم الله ، وحياة الله ، فهذا ذكر لما يتميز به الخالق فلا يماثله فيه المخلوق ، ولو كان القدر المشترك هو شيء موجود في الخارج يشترك فيه الباري وخلقه ، لكان هذا تشابها بينهما والشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك الوجه له ما وجب له وامتنع عليه ما امتنع عليه(2) . [[ المجموع 3/74ـ 75]]
فثبت بهذا أن إثبات القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب سبحانه ولا نفي ما يستحقه ، فليس ممتنعاً ومثال هذا في المخلوقات ، أن اسم الوجود يطلق بالتواطؤ على العرش ، والبعوض ، فيقال هذا موجود ، وهذا موجود ، لا تفاقهما في مسمى الوجود ، وهو يطلق عليهما بالتواطؤ قطعاً ، لأن قدراً مشتركاً من المعنى يوجد بينهما ، ولا ريب أن عاقلاً لا يقول إن وجود العرش كوجود البعوض ، لاتفاقهما في مسمى الوجود(1) . [[ المصدر السابق 3/10]]
ولا أن الاسم يطلق عليهما بالاشتراك اللفظي فقط ، ولكن قد يتوهم متوهم ، أن هذا القدر المشترك هو شيء موجود في الخارج يشتركان فيه ، وليس كذلك بل هو وجود ذهني محض ولا يوجد في الخارج إلاّ الأعيان التي لكل واحد منها ما يخصه لا يشاركه فيه شيء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمي صفاته بأسماء ، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره ، وسمي بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم ، مضافة إليهم ، توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص ، ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص اتفاقهما ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص ) ، وقال أيضاً ( سمي الله نفسه حيا فقال ( الله لا إله إلاّ هو الحي القيوم ) وسمي بعض عباده حياً ، فقال ( يخرج الحي من الميت ) وليس هذا الحي مثل هذا الحي ، لأن قوله الحي اسم لله مختص به وقوله (يخرج الحي من الميت ) اسم للحي المخلوق مختص به ، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج ، ولكن العقل يفهم من المطلق قدراً مشتركاً بين المسمين وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق)(2). [[ المصدر السابق ]]
وقال أيضاً ( هكذا القول في جميع الصفات ، وكل ما تثبته من الأسماء والصفات فلابد أن يدل على قدر تتواطأ فيها المسميات ، ولولا ذلك لما فهم الخطاب ، ولكن نعلم أن ما اختص الله به وامتاز عن خلقه ، أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال)(3)
[[ المصدر السابق ( 3/24) ، وانظر في هذا البحث ، والجواب على الإشكال المتقدم في أول التنبيه شرح الطحاوية ص 103ـ 107، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ( اتفاق المسمين في بعض الأسماء والصفات ، ليس هو التشبيه ، والتمثيل التي نفته الأدلة السمعيات ، والعقليات ، وإنما نفت اشتراكهما فيما يختص به الخالق ، مما يختص بوجوبه ، أو جوازه ، أو امتناعه ، فلا يجوز أن يشركه في مخلوق ، ولا يشركه مخلوق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى ) المجموع 3/23]]
فإن قيل فإن التفاوت بين الخالق والمخلوق أعظم من أن يتصور ، بقدر ما بينهما من التفاوت في الذات ، فهلا مُثِّل لهذا بمثال في المخلوقات ، يقرب القول من التصور .
فالجواب نعم ، هذه الروح نفهم ذهابها ، وإيابها ، وصعودها ، ونزولها ، والعقول قاصرة عن تكييفها ، لأنّا لم نشهد لها نظيراً ، فلم يمنع عدم مشاهدة نظيره من فهم الخطاب ، ولم يمنع جهلنا بكيفية الروح ، أن نعلم صفاتها التي أخبر الله عنها في القرآن .
وكذلك ما في الجنة ، ماءها ، وثمارها ، وسائر ما فيها من النعيم ، ليس كما في الدنيا وما بينهما من التفاوت عظيم حتى قال ابن عباس (ما في الجنة في الدنيا إلاّ الأسمـــاء) (1) . [[ الأثر رواه الطبري في التفسير 1/392 ، وهناد بن السري في الزهد 1/49 ، وعزاه السيوطي في الجامع الصغير إلى الضياء في المختارة ، وصححه محققه ، وعزاه إلى أبي نعيم والبيهقي رقم ( 5410) ، وزاد في الدر المنثور ممن رواه ، مسدد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في البعث ( 1/38) ، وانظر في المثلين ، الروح والجنة ، المجموع 3/28ـ 33، 5/346 ـ 350]]
ثم نحن نفهم الخبر عن الجنة ، ولولاه ما هتكت نحور المجاهدين ، ولا تشققت أقدام العابدين .
فالله عز وجل أعظم وأجل ، قال ابن تيمية (فإذا استعملت خاصة معينة - أي الأسماء المشككة التي تسميها النحاة أسماء الأجناس - دلت على ما يختص به المسمى ، لم تدل على ما يشركه فيه غيره في الخارج .
فإن ما يختص به المسمى لا شركة فيه بينه وبين غيره ، فإذا قيل علم زيد ، ونزول زيد ، واستواء زيد ، ونحو ذلك لم يدل هذا الأعلى ما يختص به زيد من علم ونزول ونحو ذلك ، لم يدل على ما يشركه فيه غيره .
لكن لما علمنا أن زيدا نظير عمرو ، علمنا أن علمه نظير علمه ، ونزوله نظير نزوله ، واستواءه نظير استوائه ، فهذا علمناه من جهة القياس ، والمعقول ، والاعتبار ، لا من جهة دلالة اللفظ ، فإذا كان هذا في صفات المخلوق ، فذلك في الخالق أولى .
فإذا قيل : علم الله ، وكلام الله ، ونزوله ، واستواؤه ، ووجوده ، وحياته ، ونحو ذلك لم يدل ذلك على ما يشركه فيه أحد من المخلوقين بطريق الأولى ، ولم يدل ذلك على مماثلة الغير له في ذلك ، كما دل في زيد وعمرو ، لأنا هناك علمنا التماثل من جهة القياس والاعتبار ، لكون زيد مثل عمرو .
وهنا نعلم أن الله لا مثله ، ولا كفؤ ، ولاند ، فلا يجوز أن نفهم من ذلك أن علمه مثل علم غيره، ولا كلامه مثل كلام غيره ، ولا استواءه مثل استواء غيره ، ولا نزوله مثل نزول غيره ، ولا حياته مثل حياة غيره ، ولهذا كان مذهب السلف والأئمة إثبات الصفات ونفي مماثلتها لصفات المخلوقين)(1) . [[ المصدر السابق 5/329]]
وبهذا يمكننا أن نقول فيما نطلقه على الله كصفة الوجه ، واليد ، والمجيء ، والاستواء ، أن القول فيها كالقول في صفة العلم ، والسمع ، والبصر وغيرها ، نعلم المعنى عند الإطلاق ، ونستطيع به فهم الخطاب ، ونجهل كيفية ما يختص الله به من هذه الصفات عند التخصيص .
وقد يقال إن صفة السمع ، والبصر، والعلم ، وأمثالها ، يمكن تصور ما تقدم فيها ، أما الوجه ، واليد ، والاستواء ، والنزول ، وأمثالها ، فإنا لا نعقل منها إلاّ ما هو جارحة ، وحركة ، وانتقال ، فكيف يقال نعلم المعنى ، ولا نعلم ما يختص بالله .
كما قال الايجي في المواقف ( الوجه وضع للجارحة ، ولم يوضع لصفة أخرى ، بل لا يجوز وضعه لما لا يعقله المخاطب ، فتعين المجــاز ، ثم ذكر أنه الوجود)(2) . [[ المواقف في علم الكلام للايجي 298]]
ولا ريب أن قائل مثل هذا لم يحسن النظر فيما يقول ، فإن السمع لا نعقل منه في المخلوق إلاّ ما هو عرض متعلق بعضو ، والبصر انعكاس صورة المرئيات في عضو ، والإرادة ميل القلب إلى الشيء ، ومعلوم أنه لا يقال لا نعقل من هذه الصفات شيئاً بالنسبة إلى الله .
وأما ما ذكره الايجي في المواقف فقد أجاب عنه أبو بكر ابن فورك قال (فأما ما ذهب إليه المعتزلة من تشبيه ذلك بوجه الثوب، ووجه الحائط ، فغلط من التمثيل ، من قبل أن وجه الثوب ، والحائط ، ليس هو نفس الثوب ، والحائط ، بل هو ما واجه به ، وأقبل به ، وكذلك وجه الأمر ما ظهر منه في الرأي الصحيح ، دون ما لم يظهر ، وإذا لم يجز في اللغة استعمال معنى الوجه على معنى الذات على الحقيقة في موضع ، وقد ورد إطلاق الكتاب والسنة بذلك ، لم يكن لما ذهبت إليه المعتزلة وجه ، ووجب أن يحمل الأمر فيه على ما قلنا أنه وجه صفأأة ، ولا يقال هــــــو الذات ولا غيرها)(3) . [[ مشكل الحديث وبيانه 173]]
فهذا يبين أن الوجه في اللغة مستقبل كل شيء ، قال ابن القيم ( والوجه في اللغة مستقبل كل شيء ، لأنه أول ما يواجه منه ، ووجه الرأي والأمر ما يظهر أنه صوابه ، وهو في كل بحسب ما يضاف إليه ، فإن أضيف إلى زمن كان الوجه زمانا ، وإن أضيف إلى حيوان ن كان بحسبه ، وإن أضيف إلى ثوب أو حائط كان بحسبه ، وإذا أضيف إلى من (ليس كمثله شيء) كان وجهه تعالى كذلك .
وكذلك اليد تضاف إلى الملك ، والجن ، والحيوان ، والإنسان ، وهي في ذلك كله صفات متعلقة بالذات ، ثم إذا أضيفت وخصصت ناسبت ما أضيفت إليه ، فاختلفت اختلافاً عظيماً ، فإذا أضيفت إلى من ليس كمثله شيء كانت كذلك(1) . [[ ينظر مختصر الصواعق المرسلة 419]]
ولا ينتقض هذا بأن اليد تطلق ويراد بها القدرة والنعمة - فتخرج عن كونها صفة متعلقة بالذات غير القدرة والنعمة - وذلك لثلاثة أوجه .
الأول : قال ابن القيم : ( إن نفس هذا التركيب المذكور في قوله (خلقت بيدي) يأبى حمل الكلام على القدرة ، لأنه نسب الخلق إلى نفسه سبحانه ثم عدى الفعل إلى اليد ، ثم ثناها ، ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قولك كتبت بالقلم ، ومثل هذا نص صريح لا يحتمل المجاز بوجه)(2) . [[ المصدر السابق 404]]
الثاني : قال الباقلاني في التمهيد ( ويدل على فساد تأويلهم أيضــاً - أي بالقدرة والنعمة - أنه لو كان الأمر على ما قالوه ، لم يغفــــل عن ذلك إبليس وعن أن يقول ( وأي فضل لآدم عليّ يقتضي أن أسجد له ، وأنا أيضاً بيدك خلقتني ، التي هي قدرتك ، وبنعمتك خلقتني ؟ وفي العلم بأن الله تعالى فضل آدم عليه بخلقه بيده دليل على فســـــاد ما قالوه )(3)،(4). [[ ينظر في مثال صفة اليد وأدلة إثباتها صفة لله تعالى مختصر الصواعق ص 298، وص 305، وص 408]]
الوجه الثالث : قال ابن القيم ( إن يد القدرة والنعمة لا يعرف استعمالها البتة إلاّ في حق من له يد حقيقية ، فهذه موارد استعمالها ، من أولها إلى آخرها ، مطردة في ذلك ، فلا يعرف العربي خلاف ذلك ، فاليد المضافة إلى الحي ، إما أن تكون يداً حقيقية أو مستلزمة للحقيقية ، وأما أن تضاف إلى من ليس له يد حقيقية ، وهو حي متصف بصفات الأحياء ، فهذا لا يعرف البتة ، وسر هذا أن الأعمال ، والأخذ ، والعطاء ، والتصرف ، لما كان باليد ، وهي التي تباشره ، عبروا بها عن الغاية الحاصلة بها وهذا ، يستلزم ثبوت أصل اليد حتى يصحّ استعمالهـــا في مجرد القوة والنعمة والإعطاء)(1) [[ ينظر مختصر الصواعق 406]]
وهذان المثالان يوضحان أن الوجه واليد ، فيما أضيفا إليه من الأمور يدلان على قدر من المعنى متواطئاً ، مشتركاً فيها ، هو صفة من صفات المضاف إليه ، وعند التخصيص تختلف هذه الصفة ، اختلافاً بحسب اختلاف المضاف إليه ، والقدر الذي حصل به الاشتراك غير الذي حصل به الامتياز ، وبهذا علمنا أنها صفات لله تعالى، وجهلنا حقيقة ما امتاز الله به من هذه الصفات .
وعلى هذين المثالين تقاس سائر الصفات الفعلية والذاتية ، كالاستواء والنزول ، والعينين ، يعلم أنها صفات لله من حيث يعلم معناها في لغة التخاطب ، ونجهل حقيقة ما يمتاز الله به وهو التأويل الذي لا يعلمه إلاّ الله ، ويعلم كذلك من أحكام هذه الصفات ما جاء في السمع ، فكما علمنا أن من أحكام صفة السمع أن الله يسمع المسموعات ، ومن أحكام صفة البصر أن الله يبصر المبصرات ، وأن الله يعلم كل شيء بصفة العلم ، كذلك نعلم أن من أحكام صفة اليد أن الله يقبض بها السموات ، وأنه خلق آدم بها ففضله على سائر من خلقه بكلمة كن .
وهذا هو المخرج الصحيح من الأشكال المتقدم في أول التنبيه ، وهو الصراط المستقيم الذي سار عليه سلف الأمة ، والذي هو في غاية الاستقامة والتناسب ، والسر في عدم تناقض مذهب السلف ، عدم تفريقهم بين الصفات ، وجعلها فرعاً عن الذات ، واتباع السمع ومن اتبعته فلا يختلف قوله ، قال تعالى (ولوكان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً ) .
ويدل على صحة مذهبهم أدلة كثيرة جداً ، وفيما يلي من هذا المبحث أهم الأدلة من الكتاب والسنة والمعقول الصريح .) اهـ
عبدالله القحطاني
10-Feb-2007, 04:14 PM
الأخوة/طالب علم،وأبو عبدالله أشكر لكما جهدكما؛و أسأله الله لنا التوفيق جميعاً.
الأخ/يزيد وصفتنا بالعجز عن التعبير عن معاني صفات الله-تعالى-،وأنه لا فرق بيننا وبين المفوضة؛و لك أن تقول ما تشاء.
ولكن أسألك سؤالاً:
من صفاتك أنت (الحياء)،ما معنى هذه الصفة؟
أنا في انتظار ردك-وفقك الله-.
يزيد
10-Feb-2007, 10:08 PM
شيخ عبدالله، لم أقل انه لا فرق بيننا وبين المفوضة، فالقدر المشترك عندهم (المفوضة) هو "الاسم" فقط لا غير ولا يعلمون للصفة معنى داخل الذهن أو خارجه.
وكان لا بد من إشباع هذه النقطة لأن المفوض لا يقنع منك أن تخبره أنك تثبت معنى للصفة الخبرية دون بيان لذلك لمعنى وكأن الأمر معاياة. وعلى هذا صرنا نسمع
اتهامهم لأهل السنة بأنهم بين التفويض والتجسيم!
شيخنا الحبيب أبا عبدالله الحضرمي، نقولك عن العلامة حامد العلي تزيل اللبس عن كثير مما يدور في الذهن، وهي تحتاج إلى مزيد تأمل. وأظنك قد أطفأت بريق هذه الشبهة. فبارك الله في جهدك ووقتك.
شيخنا عبدالله القحطاني، لم يعجز الشيخ محمد خليل الهراس عن تعريف صفة الحياء إذ قال - رحمه الله - : (هو ترك ما ليس يتناسب مع سعة رحمته وكمال جوده وكرمه وعظيم عفوه وحلمه ).
كانت هذه أقوى شبه المفوضة - عندي - لإلزام أهل السنة بالتفويض في الصفات الخبرية، وهدمها يهدم ما دونها من الشبه. ومن عنده ردود أخرى فلا يبخلن بها علينا.
بعد فراغكم من هذه النقطة ننتقل إلى قضية إثبات الحنابلة قبل شيخ الإسلام، أهو إثبات أم تفويض، واحتجاجهم بالقاضي أبي يعلى وبالموفق ابن قدامة رحمهما الله. إن يسر الله لنا تفصيل هذه الحجة أو قل الشبهة.
نفعنا الله ببركة علمكم.
عبدالله القحطاني
11-Feb-2007, 03:03 AM
يا أخ /يزيد -وفقك الله- ما نقلته عن الشيخ الهراس-رحمه الله- في معنى حياء المخلوق هو في الواقع أثر من آثار الحياء،وليس هو معناه اللغوي.
و المراد من هذا معرفة أن توضيح الواضحات من الفاضحات،وأن غالب صفات المخلوق واضحة المعاني من جهة اللغة،ومحاولة توضيحها بألفاظ أخرى قد يزيدها غموضاً؛مع كونها قائمة بالمخلوق،مدركةً له؛فمن باب أولى صفات الخالق-تعالى-،تكون معلومة لنا من جهة اللغة على الوجه الائقق به.
قال ابن قيم الجوزية-رحمه الله-و قد ذكر جملة من الأقوال في تعريف محبة المخلوق:" وقد قيل في المحبة حدود أكثر من هذا ،وكل هذا تعنٍّ؛ ولا توصف المحبة ،ولا تحد بحد أوضح من المحبة ،ولا أقرب إلى الفهم من لفظها.
وأما ذكر الحدود والتعريفات فإنما يكون عند حصول الإشكال ،والاستعجام على الفهم ،فإذا زال الإشكال ،وعدم الاستعجام فلا حاجة إلى ذكر الحدود والتعريفات كما قال بعض العارفين :"إن كل لفظ يعبر به عن الشيء فلا بد أن يكون ألطف وأرق منه ،والمحبة ألطف وأرق من كل ما يعبر به عنه".
إلى أن قال:"قلتُ: كل معنى فله صيغة تعبر به عنه ،ولا سيما إذا كانت من المعاني المعروفة للخاص والعام ،ولكن العبارة قد تكون كاشفة للمعنى مطابقة له كلفظ الدراهم والخبز والماء واللبن ونحوها ،وهي أكبر الألفاظ ،وقد يكون المعنى فوق ما يشير إليه اللفظ ،ويعبر عنه ،وهو أجل من أن يدل لفظه على كمال ماهيته ،وهذا كأسماء الرب –سبحانه- ،وأسماء كتابه ،وكذلك اسم "الحب" ؛فإنه لا يكشف اسمه مسماه ،بل مسماه فوق لفظه ،وكذلك اسم "الشوق" و"العشق" و"الموت" و"البلاء" ونحوها ،وقد يكون المعنى دون اللفظ بكثير ،واللفظ أجل منه وأعظم ،وهذا كلفظ "الجوهر الفرد" -الذي هو عبارة عن أقل شيء وأصغره وأقه وأحقره-؛ فليس معناه على قدر لفظه"ا.هـ[طريق الهجرتين وباب السعادتين" ص561-562]
فلا وجه للإنكار على أهل السنة بسكوتهم عن تفسير أكثر الصفات الإلهية لوضوح معانيها،و تأدباً بعدم إطلاق ما لم يرد به النص؛فإن اللفظ الوارد أدل على الكمال المراد بالصفة المعينة.
وفق الله الجميع....
عبدالله القحطاني
11-Feb-2007, 03:45 AM
بارك الله فيك يا أخ/أبا عبدالله على هذا النقل عن الشيخ/حامد،و هذه وقفات معه:
-حاصل هذا الكلام مستفاد من كلام شيخ الإسلام/ابن تيمية-رحمه الله-كما ذكر الشيخ حامد،وشيخ الإسلام استفاده من كلام السلف قبله-كما سأذكره في الحلقة بعد القادمة من حلقات(توحيد الأسماء والصفات)في هذا الملتقى المبارك.
-من الأصول في هذا الباب :إثبات علم المكلف بمعاني الصفات الإلهية على ما يليق به-تعالى-،وأن ذلك ليس هو التمثيل المحرم،وليس هو التكييف؛ومن أدلة ذلك علم المكلف بمعاني صفات المخلوقات مع عدم قدرته على إدراك كيفياتها،مع قرب المخلوق من المخلوق.
فالتمثيل والتكييف أمر وراء ذلك كله.
قال رسته-رحمه الله-:"سمعت ابن مهدي-رحمه الله- يقول لفتى من ولد الأمير جعفر بن سليمان:"بلغني أنك تتكلم في الرب،و تصفه ،وتشبهه"،قال:"نعم؛نظرنا فلم نر من خلق الله شيئاً أحسن من الإنسان"،فأخذ يتكلم في الصفة،والقامة؛فقال له:"رويدك يا بني حيى نتكلم أول شئ في المخلوق؛فإن عجزنا عنه فنحن عن الخالق أعجز.
أخبرني عمَّا حدثني شعبة عن الشيباني عن سعيد بن جبير عن عبدالله-رضي الله عنه:"لقد رأى من آيات ربه الكبرى"[النجم:18]،قال:"رأى جبريل له ستمائة جناح"؛فبقي الغلام ينظر؛فقال :"أنا أهون عليك ؛صف لي خلقاً له ثلاثة أجنحة،و ركب الجناح الثالث منه موضعاً حتى أعلم"،قال:"يا أبا سعيد عجزنا عن صفة المخلوق؛فأشهدك أني قد عجزت،و رجعت"ا.ه.[رواه الالكائي في"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة"3/530،و ذكره الذهبي في"سير أعلام النبلاء"9/196،واللفظ له]
وقال ابن قيم الجوزية-رحمه الله-:"إن الله سبحانه لم يكلف عباده بذلك ولا أراده منهم ولم يجعل لهم إليه سبيلا بل كثير من مخلوقاته أو أكثرها لم يجعل لهم سبيلا إلى معرفة كنهه وكيفيته وهذه أرواحهم التي هي أدنى إليهم من كل دان قد حجب عنهم معرفة كنهها وكيفيتها وجعل لهم السبيل إلى معرفتها والتمييز بينها وبين أرواح البهائم وقد أخبرنا سبحانه عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم ولم يعرفوا كيفيته وكنهه فلا يشك المسلمون أن في الجنة أنهارا من خمر وأنهارا من عسل وأنهارا من لبن ولكن لا يعرفون كنه ذلك ومادته وكيفيته إذ كانوا لا يعرفون في الدنيا الخمر إلا ما اعتصر من الأعناب والعسل إلا ما قذفت به النحل في بيوتها واللبن إلا ما خرج من الضروع والحرير إلا ما خرج من فم دود القز وقد فهموا معاني ذلك في الجنة من غير أن يكون مماثلا لما في الدنيا كما قال ابن عباس ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء ولم يمنعهم عدم النظير في الدنيا من فهم ما أخبروا به من ذلك فهكذا الأسماء والصفات لم يمنعهم انتفاء نظيرها في الدنيا ومثالها من فهم حقائقها ومعانيها بل قام بقلوبهم معرفة حقائقها وانتفاء التمثيل والتشبيه عنها"ا.ه["الصواعق المرسلة"2/427-428]
وقال حافظ الحكمي –رحمه الله-:"صفات ذاته –تعالى- من الحياة والعلم والسمع والبصر والقدرة والإرادة وغيرها ،وكذلك صفات أفعاله من الاستواء على العرش ،والنزول إلى السماء الدنيا،والمجئ لفصل القضاء بين عباده ،وغير ذلك :كلها حقُّ على حقيقتها ،علمنا اتصافه –تعالى- بها بما علمنا في كتابه ،وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم-،وغاب عن جميع المخلوقين كيفيتها ،ولم يحيطوا بها علماً...؛وإنا –والله- لكالون ،حائرون في كيفية سراية الدم في أعضائنا ،وجريان الطعام والشراب فينا ،وكيف يدبر الله –تعالى-قوت كل عضوٍ فيه بحسب حاجته،وفي استقرار الروح –التي هي بين جنبينا -،وكيف يتوفاها الله في منامها ،وتعرج إلى حيث شاء الله-تعالى-،ويردها إذا شاء ،وفي كيفية إقعاد الميت في القبر،وعذابه ونعيمه ،وكيفية قيام الأموات من القبور حفاةً عراةً غرلاً،وكيفية الملائكة،وعظم خلقهم ،فكيف العرش –الذي لا يقدر قدره إلا الله-عزوجل-.
كل ذلك نجهل كيفيته ،ونحن مؤمنون به –كما أخبرنا الله –عزوجل- عنه على ألسنة رسله –عليهم الصلاة والسلام-إيماناً بالغيب –وإن لم نعلم الكيفية-،فكيف بالخالق –عزوجل- ،وأسمائه الحسنى ،وصفاته العلى؟!-ولله المثل الأعلا في السماوات والأرض ،وله الحمد في الأولى والآخرة،وله الحكم ،وإليه ترجعون ،آمنا بالله ،واشهد بأنا مسلمون،آمنا به؛كلُّ من عند ربنا ،ربنا آمنا بما أنزلت ،واتبعنا الرسول ؛فاكتبنا مع الشاهدين"ا.ه.["معارج القبول"1/135،و انظر1/239]
-التمثيل المحرم هو وصف الخالق بخصائص المخلوق،أو العكس،و قد يكون بين صفة الخالق وصفة المخلوق قدر مشترك،لكنه لا يستلزم التمثل في الخصائص:
مثال ذلك:صفة"العلم"،هي صفة ثابتة للخالق على ما يليق به،وثابتة للمخلوق على ما يليق به:
وهذه الصفة لها معنى لا ينفك عنها سواء كانت للخالق أو للمخلوق،وهو إدراك المعلومات،ولها معنى خاص بالله لا يشركه فيه غيره،وهو إدراك المعلومات على وجه الشمول والعموم،ولها معنى خاص بالمخلوق،وهو إدراك المعلومات إدراكاً ناقصاً؛يسبقه الجهل،ويلحقه النسيان.
علماً بأن هذا القدر المشترك هو معنى كلي ذهني،لا يوجد في الخارج،وبواسطته علمنا معاني الصفات الإلهية.
فتبي عدم التلازم بين إثبات أهل السنة وبين التمثيل والتكييف،والله ولي التوفيق.
عزام
14-Feb-2007, 09:33 AM
إخواني الكرام
أرى والله أعلم أن الكلام عن معاني الصفات الخبرية يمكن فهمه عن طريق تقرير نفي الجسم أولاً ثم فهم الصفات على وفق ذلك .
فنقول بأن الله تعالى ليس جسماً قطعاً . أي ليس مركباً ولا ذو أبعاد .
وعليه فصفاته الذاتية مثل الوجه ، واليد ، وغير ذلك .. ليست أجساماً ، بمعنى أنها ليست أبعاضاً ولا أعضاء ، بل هي صفات على الحقيقة من جنس الذات التي لا تقبل التركيب والتبعيض .
وهذا هو أصل المعنى لهذه الصفات ، فمن فهم من اليد والأصبع والوجه أنها أجزاء أو أبعاض تتكون منها الذات الإلهية فهو مجسم .
ومن فهم منها صفات ذاتية لاتقتضي التركيب والتبعيض ، فهو مثبت على الجادة . تماماً كما أن الأشاعرة يثبتون العلم والحياة على الحقيقة وينفون كونها أعراضاً ، وليست في الشاهد إلا عرضاً ، لكنها لما قامت بما ليس بجسمٍ لم تكن عرضاً .
فكذلك نقول / لما أضيف الوجه واليد إلى الذات التي ليست جسماً ، لم تكن أعضاء ولا أبعاض .
ومشكلة بعض الإخوة أنه يقول بأن اليد على ظاهرها المتبادر ، وهذا غلط لأن الظاهر المتبادر هو العضو ..
نعم لو تقرر عند الجميع أن الله ليس جسماً ولا تقبل ذاته الأعضاء ، ثم قلنا اليد على ظاهرها اللائق بالله كان الكلام = قولنا اليد صفة ذاتية لله تعالى ، وظاهرها اللائق ليس هو العضو ولا الجارحة .
والذي يجعل الآخرين ينفرون من هذا المذهب هو سكوت القائلين به عن نفي الأعضاء والجوارح والتركيب ونحو ذلك .
ولو أنهم يقولون : يد ليست جارحة قطعاً ، بل هي صفة ذاتية حقيقية تليق بالذات التي لا تقبل الجوارح ؛ لما استطاع الخصم أن يتفوه .
فما رأيكم .
محمد الغانم
15-Feb-2007, 03:09 PM
الأخ الكريم عزام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن ما قلته لا نسلم به أبدا ً ، وليس هذا من منهج السلف ، بل نتيجة كلامك إما إلى التفويض أو التأويل المذموم ولا بد ، ولا أدري هل أنت أشعري ؟ وقد صرحت بهذا فقلت : ومن فهم منها صفات ذاتية لاتقتضي التركيب والتبعيض ، فهو مثبت على الجادة . تماماً كما أن الأشاعرة يثبتون العلم والحياة على الحقيقة وينفون كونها أعراضاً ، وليست في الشاهد إلا عرضاً ، لكنها لما قامت بما ليس بجسمٍ لم تكن عرضاً .
ولي في النقاش معك عدة أمور أو وقفات :
أولا ً : مقدمات وقواعد في الأسماء والصفات :
اعلم وفقني الله وإياك إلى الحق أن أهل السنة والجماعة السلف الصالح لهم قواعد متينة عظيمة في هذا الباب أذكرك ببعضها وهي التي تهمنا في هذا النقاش :
1 ـ السلف رحمهم الله يصفون الله بما في الكتاب والسنة ، فيثبتون لله ما أثبته لنفسه أو أثبتته له رسله عليهم الصلاة والسلام من غير تكييف ولا تمثيل ، ومن غير تحريف ولا تعطيل ، وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه أو نفته عنه رسله عليهم الصلاة والسلام . ويتركون الألفاظ البدعية التي لم يأت بها الشرع.
2 ـ السلف رحمهم الله لا يمثلون صفات الله بصفات خلقه . بل يكفرون من فعل ذلك .
3 ـ السلف رحمهم الله لا يكيفون صفات الله تعالى ، فهم مجمعون على أن العلم بكيفية الصفات ليس بحاصل لنا ، لأن العلم بكيفية الصفة فرع عن العلم بكيفية الموصوف فإذا كان الموصوف لا تعلم كيفيته امتنع أن تعلم كيفية الصفة .
4 ـ لا يجوز النفي عند السلف رحمهم الله إلا بدليل وكذلك الإثبات .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (لا يجوز الاكتفاء فيما ينزه الرب عنه على عدم ورود السمع والخبر به فيقال : كل ما ورد به الخبر أثبتناه وما لم يرد به لم نثبته بل ننفيه وتكون عمدتنا في النفي على عدم الخبر . بل هذا غلط لوجهين : أحدهما : أن عدم الخبر هو عدم دليل معين والدليل لا ينعكس فلا يلزم إذا لم يخبر هو بالشيء أن يكون منتفيا في نفس الأمر . ولله أسماء سمى بها نفسه واستأثر بها في علم الغيب عنده . فكما لا يجوز الإثبات إلا بدليل لا يجوز النفي إلا بدليل . ولكن إذا لم يرد به الخبر ولم يعلم ثبوته يسكت عنه فلا يتكلم في الله بلا علم . الثاني : أن أشياء لم يرد الخبر بتنزيهه عنها ولا بأنه منزه عنها لكن دل الخبر على اتصافه بنقائضها فعلم انتفاؤها . فالأصل أنه منزه عن كل ما يناقض صفات كماله وهذا مما دل عليه السمع والعقل . وما لم يرد به الخبر إن علم انتفاؤه نفيناه وإلا سكتنا عنه . فلا نثبت إلا بعلم ولا ننفي إلا بعلم) مجموع الفتاوى ( 16/430- 431 )
5 ـ أصل الأصول وقاعدة القواعد في الباب أن الله ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )
فالجملة الأولى ( ليس كمثله شي ) رد على الممثلة ، والجملة الثانية ( وهو السميع البصير ) رد على المعطلة .
6 ـ أن السلف رحمهم الله يثبتون إثباتا ً مفصلا ً وينفون نفيا ً مجملا ً ، وهذه هي طريقة القرآن الكريم وهي التقديس والتنزيه الحق .
فإذا جاء الإثبات فصلوا : حي ، عليم ، قادر ، رحيم ، غفور ، بصير .
وإذا جاء النفي : ( ليس كمثله شيء ) و ( هل تعلم له سميا ) ( ولم يكن
له كفوا أحد ) .
وإذا جاء الرد مفصلا ً في القرآن الكريم فهو إما لرد شبهة مثل ( لم يلد ولم يولد ) أو لإثبات كمال الضد مثل قوله ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) لإثبات كمال القيومية.
أما طريقة أهل الكلام ليس بجوهر ولا عرض ولا جسم ولا لذيذ ولا ملتذ .... فليس من طريق الوحي في شيء .
7 ـ أن صفات السلب عند السلف تتضمن إثبات كمال الضد ، فنفي الظلم يثبت به كمال العدل ، ونفي السنة يثبت به كمال القيومية ، ونفي العجز يثبت كمال القدرة .
ونفي الجسم عند المتكلمين ما ضده ؟ إثبات ماذا .... بل هو نفي محض ، والنفي المحض نقص . ولا تقل لي إن نفي الجسم إثبات عدم الحيز كما تقولون ، فهذا نفي وليس إثبات ، فلا تعالج البدعة بأختها .
8 ـ اتفاق المسميين لا يلزم منه المماثلة ، أو نقول : الاتفاق في المعنى الكلي وليس عند القطع والإضافة .
فقد سمى الله سبحانه وتعالى نفسه بالعزيز وسمى عبده بالعزيز ، وسمى الله سبحانه نفسه بالحي ، وسمى عبده بالحي ، وعزة الخالق غير عزة المخلوق ، وحياة الخالق غير عزة المخلوق ، فلا تماثل بينهما بوجه من الوجه ، ومع ذلك فقد اتفقت في المسميات ، وأضرب لك مثلا ً ولله المثل الأعلى ، مثلا ً الوجود : يصح أن يطلق على السماء وعلى البعوض فهل وجود هذا مثل وجود هذا ؟ لا أنهما متفقان في الوجود ، لاكن وجودهما متغاير ولا يتماثلان .
9 ـ أن العلم بالمعنى لا يلزم منه العلم بالكيفية :
فنحن نعلم معنى الصفة ، ولا نعلم كيفيتها أبدا ً ، والعلم بالكيفية لا يحصل إلا بحصول مشاهدة الشيء ، أو مشاهدة مثيله ، أو بالخبر عن كيفيته ، وكل هذا لم يحصل في صفات الله ، أما العلم بالمعنى فقد جاءت نصوص الصفات في القرآن والسنة ، وهي من المحكمات وليست من المتشابهات أبدا ً .
وقد ضرب شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا مثالين :
الأول : الجنة ونعيمها ، فقد جاء في النصوص وصفها ووصف ما فيها ، ونحن نعلم معنى ما فيها من نعيم لاكن لا نعلم كيفية ذلك .
الثاني : الروح ، فقد جاء وصفها في النصوص وأنها تجيء وتذهب وتنزل وتصعد .. إلى غير ذلك ، فنحن نعلم معنى هذا لاكن لانعلم كيفية صعودها ونزولها ...
ثانيا ً : قولك بنفي الجسم ضرورة
لفظ الجسم من الألفاظ البدعية التي لم تأت بها النصوص فلا يجوز إطلاقها على الباري نفيا أو إثباتا ً
وأعلم وفقك الله أن أو من عرف عنه نفي الجسم هو الجهم بن صفوان ، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن أول من أظهر نفي الجسم في الإسلام هو الجهم بن صفوان ، فقال عن الله : ليس جسما ً . انظر رسالة لابن تيمية رحمه الله باسم : قاعدة في القرآن وكلام الله ضمن مجموع الفتاوى ( 12/ 29 ) .
ومعروف دليل الأعراض وحدوث الأجسام عن المتكلمين واستخدامهم له لنفي الصفات :
فقد استخدمته الجهمية ، وانظر شرح حديث النزول لشيخ الإسلام ص 157
وانظر مجموع الفتاوى ( 17/ 229 ) ( 5/ 290 )
ودرء التعارض بين العقل والنقل ( 1/ 305 ) .
ودليل الأجسام والأعراض ونفي الجسم هو مذهب المعتزلة كذلك .
انظر شرح الأصول الخمسة للقاضي عبدالجبار المعتزلي ص 95-96 ، 130-131.
وحجة التركيب والأبعاض والأعراض عكاز المعتزلة في نفي الصفات
انظر مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري ( 1/ 235) .
وانظر كلام القاضي عبدالجبار المعتزلي في شرح الأصول الخمسة ص 200-201
وخلاصته : أن الله حي بلا حياة ، عليم بلا علم ، سميع بلا سمع . تعالى الله عما يقول هذا المعتزلي .
ودليل الأعراض والحوادث ونفي الجسم مذهبا للكلابية والأشعرية .
انظر منهاج السنة النبوية لشخ الإسلام ابن تيمية ( 3/ 354)
ودرء تعارض العقل والنقل ( 7/ 224)
ونقض أساس التقديس لشيخ الإسلام ابن تيمية (1/ 257)
والعرض عند الأشاعرة هو الذي يعرض في الجواهر والأجسام ويحدث في محل ولا يصح قيامه بذاته كاللون والحركة والسكون والاجتماع والافتراق .. ويستحيل بقاؤه زمانين ويبطل في ثاني حال .
انظر الإنصاف للباقلاني ص 38 .
والأشاعرة والكلابية خالفوا المعتزلة في جواز قيام الصفات بالله تعالى .
إلا أنهم سموا الصفات الاختيارة المتعلقة بالمشيئة والإرادة حوادث وقالوا بنفيها طردا ً لدليل الأعراض وحدوث الأجسام .
انظر شرح حديث النزول لشيخ الإسلام ص 158
وانظر حكاية أبو الحسن الأشعري عن ابن كلاب نفيه للجسم ( الأسماء والصفات للبيهقي ص 564 ) .
ولفظ الجسم والتركيب فيه إجمال ، وهذا الإجمال هو الذي أوقع المتكلمين في التخبط والاضطراب ..
فقول القائل : إن إثبات الصفات أو إثبات الاستواء أو العلو أو النزول أو الوجه أو اليدين أو غيرهما يلزم منه التجسيم والتركيب يقال له : ما معنى التركيب والتجسيم ؟ لأن هناك أقوال عديدة في كل منهما :
ـ فالجسم فيه أقوال :
1 ـ في اللغة هو البدن والجسد .
2 ـ وعند أهل الكلام قبل هو المركب من الجوهر الفرد .
3 ـ وقيل هو المركب من المادة والصورة كما تقول الفلاسفة .
4 ـ وقيل هو الموجود أو القائم بنفسه أو ما يمكن أن يشار إليه ..
وقال شيخ الإسلام بعد أن ذكر الأقوال في الجسم :
إذا قال القائل إن الباري تعالى جسم قيل له : أتريد إنه مركب من الأجزاء كالذي كان متفرقا ً فركب أو أنه يقبل التفريق ، سواء قيل : اجتمع بنفسه أو جمعه غيره؟ أو أنه من جنس شيء من المخلوقات ؟ أو أنه مركب من المادة والصورة ، أو من الجواهر المنفردة ؟
فإن قال هذا قيل له : هذا باطل .
وإن قال أريد به أنه موجود أو قائم بنفسه ... أو أنه موصوف بالصفات أو أنه يرى في الآخرة أو أنه يمكن رؤيته أو أنه مباين للعالم ، فوقه ، ونحو هذه المعاني الثابتة بالشرع والعقل .
قيل له : هذه المعاني صحيحة ، ولكن إطلاق هذا اللفظ على هذا بدعة في الشرع، مخالف في اللغة ، فاللفظ إذا احتمل المعنى الحق والباطل لم يطلق ، بل يجب أن يكون اللفظ مثبتا ً للحق نافيا ً للباطل .
وإذا قيل ليس بجسم قيل : أتريد بذلك أنه لم يركبه غيره ، ولم يكن أجزاء متفرقة فركب ، أو أنه لا يقبل التفريق والتجزئة كالذي ينفصل بعضه عن بعض ؟ أو أنه ليس مركبا ً من الجواهر المنفردة ، ولا من المادة والصورة ، ونحو هذه المعاني .
أو تريد شيئا ً يستلزم نفي اتصافه بالصفات بحيث لا يرى ولا يتكلم بكلام يقوم به ، ولا يباين خلقه ، ولا يصعد إليه شيء ، ولا ينزل منه شيء ، ولا تعرج إليه الملائكة ولا الرسول ، ولا ترفع إليه الأيدي ولا يعلو على شيء ، ولا يدنو منه شيء ، ولا هو داخل العالم ولا خارجه ، ولا مباين ولا محايث له ، ونحو ذلك من المعاني السلبية التي لا يعقل أن يتصف بها إلا المعدوم .
فإن أردت الأول قيل المعنى صحيح ، لكن المطلقون لهذا النفي أدخلوا فيه هذه المعاني السلبية ، ويجعلون ما يوصف به من صفات الكمال الثبوتية مستلزمة لكونه جسما ً ، فكل ما يذكر من الأمور الوجودية يقولون : هذا تجسيم ، ولا ينتفي ما يسمونه تجسيما ً إلا بالتعطيل المحض ؛ ولهذا كل من نفى شيئا ً قال لمن أثبته : إنه مجسم ، فغلاة النفاة من الجهمية والباطنية يقولون لمن أثبت له الأسماء الحسنى : إنه مجسم .
ومثبتة الأسماء دون الصفات من المعتزلة ونحوهم يقولون لمن أثبت الصفات إنه مجسم .
ومثبتة الصفات دون ما يقوم به من الأفعال الاختيارية ( كالأشاعرة ) يقولون لمن أثبت ذلك إنه مجسم ، وكذلك سائر النفاة .
وكل من نفى ما أثبته الله ورسوله بناء على أ، إثباته تجسيم يلزمه فيما أثبته ... اهـ. من منهاج السنة النبوية ( 2/ 211-214 ) .
فالخلاصة إذا قال القائل بإثبات الجسم أو نفيه : يقال له ما ترد فسر لنا هذا :
فإن أتى بمعنى صحيح قبلنا المعنى ورددنا اللفظ لأنه بدعي ومجمل محتمل للحق والباطل .
وإذا أتى بمعنى باطل رددنا المعنى ولفظه .
وانظر للجسم وما فيه من الكلام لشيخ الإسلام في الكتب الآتية :
1 ـ تقض التأسيس ( 2/ 498-499) .
2 ـ شرح حديث النزول في مجموع الفتاوى ( 5/ 420- 434 ) .
3 ـ درء تعارض العقل والنقل ( 4/134- 135 ) و ( 6/ 131) .
4 ـ منهاج السنة النبوية ( 2/ 134 ) .
أما كلام شيخ الإسلام عن الألفاظ المجملة والواجب نحوها فانظر كلامه في كتبه الآتية :
1 ـ النبوات ( 2/ 867) .
2 ـ تفسير سورة الإخلاص ضمن مجموع الفتاوى ( 17/ 355) .
3 ـ الفرقان بين الحق والباطل ضمن مجموع الفتاوى ( 13 / 145 ) .
4 ـ نقض التأسيس ( 1/ 520 ) .
5 ـ منهاج السنة النبوية ( 2/554 ) .
6 ـ درء تعارض العقل والنقل ( 2/ 217 ) .
7 ـ التسعينية ( 1/ 221 ، 226 ) .
8 ـ مجموع الفتاوى ( 5/ 262 ، 264 ) و ( 4/ 155 ) .
عزام
15-Feb-2007, 08:59 PM
أخي الكريم : محمد الغانم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد
اعلم أخي أولاً أنني لستُ بأشعري ، وذكري للأشاعرة على جهة الإلزام .. فتأمل .
والعجيب أخي أنك لم تسلّم لي كلامي ، ولم تبين لماذا إلا من من طريق أن نفي الجسم مما لم يرد عن السلف أو أنه لفظ مجمل .
والحق أن نفي الجسم عن الله تعالى ليس مذهباً للمعتزلة والأشاعرة والكلابية فقط ، بل هو مذهب السلف نقله عنهم المتبعون لهم كأمثال الدارمي والحنابلة ( التميمي ، والقاضي ) وغيرهم كثير .
والقول بأن الجسم لفظ مجمل غير مفيد لأن لا أحداً يقول بأن المراد بالجسم : القائم بنفسه للإجماع على أن الله تعالى قائمٌ بنفسه وليس جسماً عندهم .
والقائلين بأن الله جسم كالكرامية لا يقصدون به القائم بنفسه فقط ، بل يرون أنه ذو الأبعاد كما نقله عنهم شيخ الإسلام في التأسيس .
وعلى كل حال فأنا أريد ضبط الحوار من خلال توجيه بعض الأسئلة إليك .
1- إن كنتَ ترى أن لفظ الجسم فيه إجمالٌ ، فقد تمّ لك الاستفصال عن المراد ، والمراد هنا بالجسم هو المتركب من الأجزاء والأبعاض الذي يقبل فرض الأبعاد الثلاثة .. فهل الله جسمٌ عندك على هذا المعنى المراد أم لا ..؟!
2- إثباتك لليد والوجه والساق والعين ونحوها .. هو إثبات أجزاء وأبعاض تتكون منها الذات .. أم إثبات صفات ذاتية من جنس الذات اللامركبة ، وبالتالي فهي لا تستلزم التركيب .والتبعيض والتجزء ؟!!
تنبيه : أنا لا أقصد من الجسم أنه القائم بنفسه والقابل للصفات .بل المتركب ..
وأنا لا أقصد من التركيب مجرد الظن بأن الذات مركبة من أجزاء يمكن انفصالها ، أو كانت متفرقة فركّبت .. بل أقصد منها مطلق التركيب : وهو كون الذات مما تقبل فرض الأبعاد ، وأنها متكونة من أجزاء وأبعاض سواءً قبلت التفريق أم لا .
والحمد لله .
محمد الغانم
16-Feb-2007, 01:04 AM
الأخ الفاضل عزام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وأشكرك على حسن خلقك في تعاملك معيّ ، واسأل الله تعالى أن يعينني على ذلك معك .
أما بالنسبة لجوابك عليّ ، واسألتك لي فستجد ما يزيل الإشكال عندك بإذن الله .
وقبل أن أجيب على اسألتك لا بدّ من إيضاح عدة أمور ، ثم الجواب عن اسألتك .
أولا ً : قلت بأنك لست بأشعري وأنك ذكرت الأشاعرة على جهة الإلزام .. ثم قلت( فتأمل) :
تأملت ، وبعد التأمل وجدت أن هذا لا يخرج عن أحد الاحتمالات الآتية :
1 ـ إما أنك تلزمنا بمذهب الأشاعرة .
2 ـ أو أنك تصحح مذهبهم .
3 ـ أو أنك تلزم الأشاعرة بشيء قد ألتزموا لازمه وملزومه .
وإلا لماذا تقول : ومن فهم منها صفات ذاتية لا تقتضي التركيب والتبعيض فهو مثبت على الجادة تماما . كما أن الأشاعرة يثبتون العلم والحياة على الحقيقة وينفون كونها أعراضا ً .
ثانيا ً : عدم تسليمي لك هو بسبب أنك أعتمدت في فهمك للصفات الذاتية شبهة التركيب والتجسيم والتعدد .. سواء بالنفي أو الإثبات فكلها سواء .
وهذا حفظك الله خلاف منهج السلف الصالح الذين يجتنبون الألفاظ البدعية والمجملة التي لم يأت بها الشرع ، ويلتزمون في مصطلحاتهم في تقرير العقيدة على القرآن والسنة الصحيحة لا غير .
وإنما ذكري للتجسيم على سبيل المثال ، فقد عزوت لك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأحلتك إلى كتب كثيرة من كبته فيها الكفاية والبيان ، ولو ترجع لها يا أخي الكريم تجد ما يشفيك ويجيبك عما بيننا من خلاف ، ففي هذه الإحالات ستجد نقولات وإجماعات يضيق الوقت بنقلها .
وسبق أن قدمت لك بمقدمات في الجواب السابق عن قواعد السلف في باب الأسماء والصفات لعلك لم تتأملها وتعطها حقها ، ولا بأس أن أذكّرك ببعضها :
1 ـ السلف رحمهم الله يصفون الله بما في الكتاب والسنة .
4 ـ لا يجوز النفي عند السلف رحمهم الله إلا بدليل وكذلك الإثبات .
وأعطني دليلا ً صحيحا ً يسوغ لك نفي الجسم وهو لفظ لا يجوز إطلاقه نفيا ً ولا إثباتا ً .
6 ـ أن السلف رحمهم الله يثبتون إثباتا ً مفصلا ً وينفون نفيا ً مجملا ً ، وهذه هي طريقة القرآن الكريم وهي التقديس والتنزيه الحق .
ونفي الجسم من الإثبات المفصل ـ إن سلمنا لك بهذا اللفظ ـ
وتنزيه الله عن النقائص لا يكون بالتفصيل فلا نقول ليس بكذا ولا بكذا .. ثم نذكر الجسم والجوهر والعرض والحيز والتراكيب وغيرها .
7 ـ أن صفات السلب عند السلف تتضمن إثبات كمال الضد ، فنفي الظلم يثبت به كمال العدل ، ونفي السنة يثبت به كمال القيومية ، ونفي العجز يثبت كمال القدرة .
فلمّا تنفي الجسم تثبت كمال ماذا ؟
ثالثا ً : عجيب أمرك يا عزام ..
قولك بأن نفي الجسم هو مذهب السلف ... ثم تزعم بأن هذا مذهب السلف الصالح ونقَلَه عنهم الثقاتُ من التابعين لهم بإحسان ومثلت بالدارمي والتميمي والقاضي من الحنابلة .
أقول لك : هل تقصد بالدارمي الإمام عثمان بن سعيد الدارمي المتوفى سنة 280 هـ . صاحب كتاب الرد على الجهمية ، وأيضا ً الرد على المريسي .
فأرجوا أن تعزوا هذا لي من كلام الإمام الدارمي باسم الكتاب والجزء والصفحة والطبعة .
أما التميمي فلا أدري من تقصد به .
أما قولك القاضي ، فأي قاض تريد؟ أتريد به القاضي أبي يعلى ؟ فإن كان هو فلا تفرح كثيرا ً فإنه رحمه الله عليه مآخذ في الصفات أنتقدها عليه الجهابذة المحققون من أهل العلم أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
وأريدك كذلك أن تثبت لي أن نفي الجسم هو مذهب السلف الصالح أهل السنة والجماعة من كتبهم لا من كتب غيرهم .
وإن أردت أن أحرر لك القول في الجسم والعرض والجوهر والتركيب والأبعاض فلك ذلك .
رابعا ً : جواب الأسئلة
1 ـ أما سؤالك الأول فجوابه أن ما يقال في الجسم يقال في التراكيب والأجزاء ، وسبق أن نقلت لك قول شيخ الإسلام ، وخلاصته أن بعد الاستفصال عن مراد القائل بالجسم أو بنفي الجسم إن قال بمعنى صحيح قبلنا المعنى الصحيح ورددنا اللفظ لأنه مجمل ...
2 ـ أما سؤالك الثاني فجوابه أن إثبات السلف لليد والوجه والساق والعين وغيرها إثبات صفات حقيقية لائقة بالله تعالى من غير تشبيه أو تمثيل أو تحريف أو تعطيل ، بل يقولون ساق لائقة بالله تعالى لا نعلم كيف هي ولا تشبه سوق المخلوقين ، ويد لائقة بالله تعالى لا نعلم كيف هي لا تشبه يد المخلوق ... وهكذا .
أما الأجزاء والأبعاض وغيرها فلا نتعرض لها أبدا ً ، وسبق أن بينت لك بالنقل أن هذه عكاز المعتزلة ومن وافقهم لنفي الصفات عن الله تعالى .
أما قولك : أم إثبات صفات ذاتية من جنس الذات اللامركبة ....
فأنت تسأل عن الكيفية وتخوض فيها ، وأنى لك هذا وقد نهينا عن الخوض في ذات الله ، فاتق الله رعاك الله ودع عنك الخوض في الكيفية لئلا تتوهم التشبيه ثم تقدم على التعطيل ، فيصيبك ما أصاب القوم إن كنت لست منهم .
وأخيرا ً فإن لي تنبيه على تنبيهك :
أقول لك من قلب ناصح لأخيه المسلم أترك الكلام في الذات حفظك الله ورعاك ، لأن هذا الذي تقوله في تنبيهك كلام في الذات ، والله سبحانه وتعالى أخبرنا بأنه ( ليس كمثله شيء ) فلماذا نخوض ونقول هل هو مركب أم غير مركب قابل لكذا أم لا ....
واعلم أن العلم بكيفية الذات لا يحصل إلا بحصول أحد هذه الأمور الثلاثة :
الأول : مشاهدة الذات ، ولم يحصل هذا .
الثاني : مشاهدة مثيل هذه الذات ، والله سبحانه ( ليس كمثله شيء )
الثالث : وجود الخبر المعصوم من كتاب الله أو سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف كيفية الذات ، وهذا لا يوجد ، بل الموجود ترك الخوض في التفكر في ذات الله .
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
أخوك في الله : محمد الغانم .
أبو عبدالله الحضرمي
16-Feb-2007, 01:50 AM
بارك الله فيك اخي محمد الغانم
و العجب من البعض الذين لا هم لهم إلا النفي الذي يرون انه هو الصحيح - و لا اقصد شخصا بعينه - فيقولون : الله ليس بجسم و لا بكذ و لا ............ألخ
بالله عليكم أليس هذا من قلة الادب مع الذات الالهية ؟؟؟
و اي مدح في هذا الكلام ؟
هل يستطيع احد ان يدخل على ملك و يقول له على سبيل المدح : انت لست بزبال و لا بكناس و لا بسكران و لا و لا ..........الخ و ينفي جميع الامور القبيحة
هل سيرضى عنه الملك أم لا ؟؟
فكيف يقال مثل هذا الكلام في الله تعالى؟؟؟
بل ان الغزالي و هو من ائمة الاشاعرة استحضر ان نفي الجسم عن الله كأنه !!!! سوء أدب , و هو و الله سوء أدب
و العجب من بعض الاخوة المخالفين لهدي السلف الصالح يتكلم في الذات الالهية و كأنه يتكلم عن صديق و العياذ بالله !!! ألهذه الدرجة قلّت خشية الله عند هؤلاء ؟؟؟ فلا استحضار للأدب مع ذاته تعالى ؟؟؟
و احد هؤلاء المخالفين - و لن أسميه - قال في احد كتبه التي يهاجم فيها شيخ الإسلام التقي ابن تيمية رحمه الله و يزعم انه سينقض عقيدته ! :
( وأما كون الله لا يُؤكل أي كون الله لا يأكله غيره أي لا يذوقه غيره فلأن ذلك يستلزم انقسام جزء منه وهذا باطل لأن أجزاءه لا تنفصل عنه حتى يأكلها غيره .. ) .
فانظروا اخواني الى هذا الكلام الباطل الذي لا يصدر عن عاقل بل عن عاطل , و لو استحضر صاحب هذا الكلام عظمة الله تعالى في نفسه و انه تعالى ليس كمثله شيء لما قال مثل هذا الكلام , بل و الله انني استحي من إيراده , فالى الله المشتكى
فليستحضر الاخوة هذا الكلام و هم يتحدثون عن ذات الله تعالى , فلا يجوز الحديث عن الله تعالى إلا في إطار : ( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير )
محمد الغانم
16-Feb-2007, 06:44 PM
جزاك الله خيرا ً يا أبا عبدالله ونفع الله بك
فالمتكلمون لما قدّموا عقولهم وفهموا بها أصول الدين وتركوا الكتاب والسنة ، بل أخضعوا الكتاب والسنة على العقل واستخدموا الحجج العقلية والمنطقية والفلسفة ولما كانت العقول متفاوتة ظهر الاضطراب فيهم وكثر بينهم الاختلاف والتناقض ومات من مات منهم وهو شاك حائر .
يا أهل الكلام والمنطق : العقول متفاوتة ، فأي عقل نحكم ونرجع إليه . أين العصمة يا أهل الكلام أفي العقول المخلوقة التي يعتريها النقص أم في الوحي الذي من عند الله ؟
بل الأدهى والأمر أنهم يسمون نصوص الصفات النصوص الموهمة للتشبيه . ثم يقومون بتأويلها ( تحريفها ) سبحان الله جعلوا كلام الله متشابها وكلامهم هو المحكم .
والويل الويل لمن أعتقد ظاهر النصوص عندهم ، وأذكر كلاما ً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رد هذا يحفظ بماء العيون . قال رحمه الله : فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين ، أو ماهو من خصائصهم ، فلا ريب أن هذا غير مراد .
ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرا ، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرا ً وباطلا ، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ماهو كفر وضلال . اهـ . التدمرية ص 69
عزام
17-Feb-2007, 12:40 PM
أخي الكريم / محمد الغانم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..
وبعد
1-
لتعلم منهج من تحاور ، ويسهل عليك مخاطبته ؛ فأنا حنبلي أثري ، على عقيدة سادتي الحنابلة ابتداءً بالإمام أحمد رحمه الله ، ومروراً بحملة مذهبه كالتميميين ، والقاضي وابنه ، وابن حامد ، وابن الزاغوني ، ( مع مخالفتي لبعض هؤلاء في الحشو ) والكلوذاني ، وابن حمدان ، والجيلاني ، وابن هبيرة ، وابن رجب ، والكرمي ، والسفاريني ، والمواهبي ، وابن بدران ..
2-
الأشاعرة يتأولون الوجه واليد ونحوها خوفاً من لزوم التركيب والأعضاء والأجزاء .. وأنا أردتُ إلزامهم بصحة إثبات هذه الصفات لا على وجه الأعضاء والأجزاء والتركيب ؛ تماماً كإثبات العلم والحياة ونحوها لا على وجه العرضية والتركيب كذلك . وهذا لازمٌ لهم لا يستطيعون الانفكاك عنه ، وهم يقرون بصحته من حيث الأصل ، وهو الذي عليه متقدمو الأشاعرة كأبي الحسن والباقلاني والخطابي والبيهقي ونحوهم . يثبتون الصفات وينفون الجارحة والجسم ، ولا يتأولون .. فيقولون : يد لا من حيث الجارحة ولا من حيث القدرة ، بل صفة ذاتية لا تشبه صفات المخلوقين .
3-
اعلم أخي الكريم ؛ أن التوقف في نفي الجسم ليس منهجاً للسلف أبداً ، بلا أعلم قائلاً به قبل شيخ الإسلام ابن تيمية ، مع تناقضه في ذلك ، فقد نفى التجسيم بنفسه ، وكفّر المجسمة .
والسلف وإن لم يتلفظوا بمثل هذه الكلمات ، فمنهجهم دالٌ عليها ، وعموم كلامهم يقتضي ذلك النفي كما سأبينه ، ومن ثَمّ فالنقالون عنهم المعروفون باتباعهم ؛ حكوا ذلك عنهم ، ولم يرد عن أمثالهم مخالفةً لهم في ذلك ، فلزم الإقرار بما قالوه أو التزام ضلالهم قروناً عديدةً وجهلهم بمذهب السلف حتى زمن من صحّح لهم ذلك الضلال .
4-
الدارمي هو من ذكرتَ ، وكلامه في الرد على بشر ، وقد جعل القول بأن الله ذو أجزاء وأبعاض كفراً ، ونفى أن يكون الله تعالى جسماً أو أن تكون عينه جارحة أو عضواً ،، ونحو ذلك .. وأنا ليس عندي الآن المرجع حاضراً ، فإن تيسر لك البحث فيه فحسنٌ .
والتميمي هو عبد الواحد ، وكلامه في ( اعتقاد الإمام أحمد ) .. والقاضي هو من ذكرتَ ، وأنا على منهجه حاشا الحشو الذي عنده وبعض المسائل الأخرى المنبنية عليه .
5-
الذين نفوا التجسيم من الكثرة بمكان ، فمنهم : ابن جرير ، والطحاوي ، والإسماعيلي في اعتقاد أهل الحديث ، والسجزي ، وأبو الخطاب ، وابن حمدان ، والكرمي ، والمواهبي ، والسفاريني وغيرهم كثير .
6-
اللفظ المجمل لا يتوقف في نفيه وإثباته إلا في حال كونه مجملاً أما بعد الاستفصال ، فالجزم بأحد معنييه لازم ، وإن توقف في نفس اللفظ .
والجسم إن سلمنا بأنه مجمل ، فالمعنى المراد منه قد وضحته لك ، وخلاصته : أنه ما يقبل فرض الأبعاد الثلاثة فيه ( الطول ، والعرض والعمق ) .. وهذا هو ما نفاه أهل السنة عن الله تعالى .. ولا أدري ما سبب الغموض الذي يكتنف كلامكم في مسألة الجسم .
فإن اللفظ وإن لم يرد عن السلف فالتوقف في نفس اللفظ لا معناه .
7-
دليل نفي الجسمية هو نص نفي المثلية .. ووجه الاستدلال أن المثل منفي عن الله تعالى في الذات والأفعال والصفات .
فلا ذات تشبه ذات الله تعالى .. ولا ذات مخلوقة إلا وهي جسم ، فالله تعالى ليس بجسمٍ . وإلا لزم التماثل وهو باطل .
8-
أتمنى أن تدلوني على كيفية قطعكم للمجسمة الذين يعتقدون بأن الله تعالى ذو أبعاد ، وهو جسم .. هل من حيث اللفظ فقط ، وتوافقونهم في المعنى أم بطلان قولهم عندكم في لفظه ومعناه ؟!
فعلى الأول : لمَ تكفيرهم والمسألة مسألة ألفاظٍ فقط . ولم اجتمع الأئمة على ذمهم ، ومنهم الإمام الدارمي في قصته مع ابن كرام المشهورة ؟!
وعلى الثاني : فبينوا لنا كيف تقطعونهم ؟!
9-
نفي الجسم ليس مما يخالف منهج الكتاب والسنة ، بل هو داخل تحت معاني النفي فيهما ، فمعنى نفي مماثلة ذات الله تعالى للذوات المخلوقة هو معنى نفي الجسم .. ولا مشاحة في الاصطلاح . والكمال المتضمن في هذا النفي هو كمال مخالفة الله تعالى للمخلوقات .
10 -
وعليه فما معنى أن تكون ذاته تعالى لا تماثل ولا تشبه ذوات المخلوقات .. هل هو عدم التماثل في الحقيقة التي تجمعها ( الجسمية ) أم ماذا ؟!
11-
أخي الكريم محمد
أنت لم تجب على أسئلتي ، بل اتخذت فيها الحيدة ..
فمقصدي بالتركيب ، والجسم قد وضحته بما لا داعي لمزيد الاستفصال عنه .
وقولك في الثاني أنك تثبت اليد حقيقة والوجه حقيقة ونحو ذلك .. ماذا تريد بمعنى الحقيقة .. لأنني أعرف أن اليد في لغة العرب إما أن يراد بها الحقيقة وهي الجارحة والعضو .. أو المجاز وهي القدرة والنعمة ونحوها ..
فإن كان مقصودك بالحقيقة كما هنا ، فكيف أثبت الجارحة ومنهجك هو عدم الكلام عنها ؟! ولا يعفيك أنك لم تذكر لفظها ، فالمعنى في اللفظين متحد ..
12-
أشكرك أخي الكريم على نصيحتك ، واعلم أنني لا أريد الكلام في الذات إلا لتحصيل التنزيه لا لمجرد الخوض أعاذني الله وإياك من ذلك .. فأنا أعتقد ذاتاً لا يمكن أن يخطر على القلب إدراكها ، وإحاطة العلم بها .. ولا يكون ذلك عندي إلا بنفي التجسيم الذي نفاه سادتي وأئمتي السابقين ، وما سوى ذلك فهو نقص في التنزيه .
أبو معاذ الأثري
17-Feb-2007, 03:05 PM
أخي الكريم / محمد الغانم
دليل نفي الجسمية هو نص نفي المثلية .. ووجه الاستدلال أن المثل منفي عن الله تعالى في الذات والأفعال والصفات .
فلا ذات تشبه ذات الله تعالى .. ولا ذات مخلوقة إلا وهي جسم ، فالله تعالى ليس بجسمٍ . وإلا لزم التماثل وهو باطل .
.
اعتقد أن استدلالك بنص نفي المثلية خاطئ ...
لأنه مثلا كل إنسان حي له حياة... فيلزم نفي المثلية ... فيرد على ذلك (( أن الله ليس بحي )) وهذا من أبطل الباطل ...
فليس المقصود نفي أصل الصفة ... بل للمخلوق حياة تناسبه وتليق بعجزه ونقصه
ولله تعالى وتقدس حياة تليق بكماله وجلاله
فهل لديك دليل صحيح في دلالته على ما ذكرت ؟؟
يزيد
17-Feb-2007, 06:23 PM
أخ عزام ،،
وهل ترى أن عقيدة ابن تيمية مخالفة لعقيدة الحنابلة؟ ولم ذكرت التميميين والكلوذاني وتجنبت البربهاري والخلال وابن بطة؟
عبدالله القحطاني
18-Feb-2007, 02:02 PM
الإخوة الفضلاء/محمد الغانم،أبو عبدالله الحضرمي،يزيد،أبو معاذ الأثري...
إن ردودكم العلمية الواضحة تتضمن مسائل متعددة؛مما يتيح لمن تناقشونه أن يختار منها ما يريد،ويدع ما لا مفرَّ له منه.
فما رأيكم أن نحدد نقطة واحدة؛لنحصر النقاش فيها حتى نصل إلى نتيجة واحدة،و سأطرح هذه النقطةبعد إذنكم،فما رأيكم؟
أنا في انتظار ردِّكم.....
أبو معاذ الأثري
18-Feb-2007, 02:49 PM
الإخوة الفضلاء/محمد الغانم،أبو عبدالله الحضرمي،يزيد،أبو معاذ الأثري...
إن ردودكم العلمية الواضحة تتضمن مسائل متعددة؛مما يتيح لمن تناقشونه أن يختار منها ما يريد،ويدع ما لا مفرَّ له منه.
فما رأيكم أن نحدد نقطة واحدة؛لنحصر النقاش فيها حتى نصل إلى نتيجة واحدة،و سأطرح هذه النقطةبعد إذنكم،فما رأيكم؟
أنا في انتظار ردِّكم.....
ممتاز ...
لنحصر النقاط ثم لنتفق على الجواب عن كل نقطة ثم ننتقل لما بعدها ...
والسكوت لمدة يوم كامل بمثابة الرضا عن الجواب أو التوقف فيه ...
ما رأيك شيخنا ؟
عبدالله القحطاني
18-Feb-2007, 03:14 PM
أحسنت يا شيخ/أبا معاذ ،و لا زلنا في انتظار البقية...
أبو عبدالله الحضرمي
18-Feb-2007, 03:19 PM
الإخوة الفضلاء/محمد الغانم،أبو عبدالله الحضرمي،يزيد،أبو معاذ الأثري...
إن ردودكم العلمية الواضحة تتضمن مسائل متعددة؛مما يتيح لمن تناقشونه أن يختار منها ما يريد،ويدع ما لا مفرَّ له منه.
فما رأيكم أن نحدد نقطة واحدة؛لنحصر النقاش فيها حتى نصل إلى نتيجة واحدة،و سأطرح هذه النقطةبعد إذنكم،فما رأيكم؟
أنا في انتظار ردِّكم.....
اقتراح جميل
على بركة الله
يزيد
18-Feb-2007, 09:59 PM
الإخوة الفضلاء/محمد الغانم،أبو عبدالله الحضرمي،يزيد،أبو معاذ الأثري...
إن ردودكم العلمية الواضحة تتضمن مسائل متعددة؛مما يتيح لمن تناقشونه أن يختار منها ما يريد،ويدع ما لا مفرَّ له منه.
فما رأيكم أن نحدد نقطة واحدة؛لنحصر النقاش فيها حتى نصل إلى نتيجة واحدة،و سأطرح هذه النقطةبعد إذنكم،فما رأيكم؟
أنا في انتظار ردِّكم.....
على بركة الله،،، وعجلة القيادة طوع يديك يا شيخ عبدالله!
عبدالله القحطاني
18-Feb-2007, 11:03 PM
الأخ/عزام ...
أكثرت من إطلاق لفظ "الجسم"،و"الجارحة"؛فهل استعمل السلف هذه الألفاظ؟
وتحقيق هذه المسألة ينسف ما بنيته عليها من أسِّه.
وإذا ادعيت استعمالهم لها فما معنى أقوالهم هذه:
قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ _ رَحِمَهُ اللهُ _ (ت240) : " لَقَدْ تَكَلَّمَ مُطَرِّفٌ عَلَى هَذِهِ الأَعْوَادِ بِكَلامٍ مَا قِيْلَ قَبْلَهُ ، وَ لا يُقَالُ بَعْدَهُ .
قَالُوْا : وَ مَا هُو يَا أَبَا سَعِيْدٍ ؟
قَالَ : " الحَمْدُ للهِ الذِي مِن الإيْمَانِ بِهِ الجَهْلُ بِغَيْرِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ " ا.ه. [ذكره ابن تيمية في : "نقض المنطق" ص5 ، و ابن قدامة : "في ذم التأويل" ص31]
وَ قَالَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ القَاسِمِ _ رَحِمَهُ اللهُ _: " لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَصِفَ اللهَ إِلا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي القُرْآنِ " ا.ه.
وَ قَالَ الشَّافِعِيُّ _ رَحِمَهُ اللهُ _ (ت204) : " للهِ _ تَعَالَى _ أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ جَاءَ بِهَا كِتَابُهُ ، وَ أَخْبَرَ بِهَا نَبِيُّهُ _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ _ ، لا يَسَعُ أَحَدَاً مِنْ خَلْقِ اللهِ _ تَعَالَى _ قَامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ رَدُّهَا ؛ لأَنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهَا ، وَ صَحَّ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ القَوْلُ بِهَا "ا.ه.[انظر : "ذم التأويل"ص235لابن قدامة]
وَ قَالَ الإمَامُ أَحْمَدُ _ رَحِمَهُ اللهُ _ (ت241) : " لا يُوْصَفُ اللهُ _ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى _ بِأَكْثَرَ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ، وَ لا يُتَعَدَّى القُرْآنُ وَ الحَدِيْثُ " ا.ه.[انظر : "إبطال التأويلات لأخبار الصفات" ص345،و: "المعتمد في أصول الدين"ص62كلاهما لأبي يعلى الحنبلي،ونقله ابن تيمية عنه بنحوه كما في : "مجموع الفتاوى"5/26، وابن قدامة في : "لمعة الاعتقاد"ص9]
وَ قَالَ عَبْدُالعَزِيْزِ الكِنَانِيُّ _ رَحِمَهُ اللهُ _ (ت240) : " إِنَّ عَلَى النَّاسِ جَمِيْعَاً أَنْ يُثْبِتُوْا مَا أَثْبَتَ اللهُ ، وَ يَنْفُوْا مَا نَفَى اللهُ ، وَ يُمْسِكُوْا عَمَّا أَمْسَكَ اللهُ عَنْهُ " ا.ه.[انظر : "الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن"ص47]
وَ قَالَ سَحْنُوْنُ _ رَحِمَهُ اللهُ _ (ت240) : " مِن العِلْمِ بِاللهِ السُّكُوْتُ عَنْ غَيْرِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ " ا.ه.
وَ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ _ رَحِمَهُ اللهُ _ (ت276) : " الوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَنْتَهِيَ فِي صِفَاتِ اللهِ إِلَى حَيْثُ انْتَهَى فِي صِفَاتِهِ ، أَوْ حَيْثُ انْتَهَى رَسُـوْلُهُ _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ _ " ا.هـ.[انظر : "الاختلاف في اللفظ" ص30]
وَ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ _ رَحِمَهُ اللهُ _ (ت 306 ) : " حَرَامٌ عَلَى العُقُوْلِ أَنْ تُمَثِّلَ اللهَ _ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى _ ، وَ عَلَى الأوْهَامِ أَنْ تَحُدَّهُ ، وَ عَلَى الظُّنُوْنِ أَنْ تَقْطَعَ ، وَ عَلَى الضَّمَائِرِ أَنْ تَعَمَّقَ ، وَ عَلَى النُّفُوْسِ أَنْ تُفَكِّرَ ، وَ عَلَى الأَفْكَارِ أَنْ تُحِيْطَ ، وَ عَلَى الأَلْبَابِ أَنْ تَصِفَ إِلا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ ، أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُوْلِهِ _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ _ " ا.هـ. [انظر:"العلو"ص125،و"كتاب الأربعين في صفات رب العالمين"-ضمن ست رسائل- ص115 كلاهما للذهبي،و "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية"ص170]
وَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ _ رَحِمَهُ اللهُ _ (ت275) : " سَمِعْتُ إِسْحَاقَ _ رَحِمَهُ اللهُ _ يَقُولُ : " إِنَّ اللهَ _ عَزَّ وَ جَلَّ _ وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ بِصِفَاتٍ اسْتَغْنَى الخَلْقُ أَنْ يَصِفُوْهُ بِغَيْرِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ " ا.هـ.[انظر : "الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة"2/451]
وَ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ _ رَحِمَهُ اللهُ _ (ت311) : " إِنَّا لا نَصِفُ مَعْبُوْدَنَا إِلا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ : إِمَّا فِي كِتَابِ اللهِ ، أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ _ بِنَقْلِ العَدْلِ عَن العَدْلِ مَوْصُوْلاً إِلَيْهِ ، لا نَحْتَجُّ بِالمَرَاسِيْلِ ، وَ لا بِالأَخْبَارِ الوَاهِيَةِ ، وَ لا نَحْتَجُّ _ أَيْضَاً _ فِي صِفَاتِ مَعْبُوْدِنَا بِالآرَاءِ وَ المَقَايِيسِ " ا.هـ.[انظر : "التوحيد و إثبات صفات الرب –عزوجل-"1/137،وانظر 1/51]
وَ قَالَ البَرْبَهَارِيُّ _ رَحِمَهُ اللهُ _ ( ت329) : " وَ اعْلَمْ _ رَحِمَكَ اللهُ _ أَنَّ الكَلامَ فِي الرَّبِّ _ تَعَالَى _ مُحْدَثٌ ، وَ هُو بِدْعَةٌ وَ ضَلالَةٌ ، وَ لا يُتَكَلَّمُ فِي الرَّبِّ إِلا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ _ عَزَّ وَ جَلَّ _ فِي القُرْآنِ ، وَ مَا بَيَّنَ رَسُوْلُ اللهِ _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ _ لأَصْحَابِهِ " ا.هـ.[انظر : "شرح السنة"ص24]
وَ قَالَ الإسْمَاعِيْلِيُّ _ رَحِمَهُ اللََّهُ _ (ت371) : " اعْلَمُوْا _ رَحِمَنَا اللهُ وَ إِيَّاكُمْ _ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الحَدِيْثِ _ أَهْلِ السُّنَّةِ وَ الجَمَاعَةِ _ الإقْرَارُ بِاللهِ ، وَ مَلائِكَتِهِ ، وَ كُتُبِهِ ، وَ رُسُلِهِ ، وَ قَبُوْلُ مَا نَطَقَ بِهِ كِتَابُ اللهِ _ تَعَالَى _ ، وَ صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ َسَلَّمَ _ ، لا مَعْدِلَ عَمَّا وَرَدَا بِهِ ، وَ لا سَبِيْلَ إِلَى رَدِّهِ ؛ إِذْ كَانُوْا مَأْمُوْرِيْنَ بِاتِّبَاعِ الكِتَابِ وَ السُّـنَّةِ ، وَ يَعْتَقِدُوْنَ أَنَّ اللهَ _ تَعَالَى _ مَدْعُـوٌّ بِأَسْمَائِهِ الحُسْنَى ، وَ مَوْصُوْفٌ بِصِفَاتِهِ _ التِي سَمَّى ، وَ وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ ، وَ وَصَفَهُ بِهَا نَبِيُّهُ _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ _ " ا.هـ.[أخرجه ابن قدامة في :"ذم التأويل"ص17،والذهبي في :"العلو"ص167،وفي:"كتاب الأربعين في صفات رب العالمين"-ضمن ست رسائل-ص118،وفي"سير أعلام النبلاء"16/295"،وفي"التذكرة"3/939]
وَ قَالَ الخَطَّابِيُّ _ رَحِمَهُ اللَّهُ _ (ت388) : " وَ مِنْ عِلْمِ هَذَا البَابِ _ أَعْنِي بَابَ الأَسْمَاءِ وَ الصِّفَاتِ _ ، وَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي أَحْكَامِهِ ، وَ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ شَرَائِطَ : أَنَّهُ لا يُتَجَاوَزُ فِيْهَا التَّوْقِيْفُ ، وَ لا يُسْتَعْمَلُ فِيْهَا القِيَاسُ ؛ فَيُلْحَقَ بِالشَّئِ نَظِيْرُهُ فِي ظَاهِرِ وَضْعِ اللغَةِ ، وَ مُتَعَارَفِ الكَلامِ ... .
وَ هَذَا البَابُ يَجِبُ أَنْ يُرَاعَى ، وَ لا يُـغْفَلَ ؛ فَإِنَّ عَائِدَتَهُ عَظِيْمَةٌ ، وَ الجَهْل بِهِ ضَارٌّ ، وَ بِاللهِ التَّوْفِـيْقُ " ا.هـ.[لنظر : "شأن الدعاء"ص111]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِيْن _ رَحِمَهُ اللهُ _ (ت399) : " وَ اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ بِاللهِ ، وَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ أَنْبِيَاؤهُ وَرُسُلُهُ يَرَوْنَ الجَهْلَ بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ _ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى _ عَنْ نَفْسِهِ عِلْمَاً ، وَ العَجْزَ عَمَّا لَمْ يدع إِلَيْهِ إِيْمَانَاً، وَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَنْتَهُوْنَ مِنْ وَصْفِهِ بِصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ إِلَى حَيْثُ انْـتَـهَى فِي كِتَابِهِ ، وَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ _ " ا.هـ.
وَ قَالَ أَبُو الحَسَنِ القَابِسِيُّ المالكي_ رَحِمَهُ اللهُ _ (ت403) : " أَسْمَاءُ اللهِ وَ صِفَاتُهُ لا تُعْلَمُ إِلا بِالتَّوْقِيْفِ مِن الكِتَابِ أَو السُّـنَّةِ أَو الإجْمَاعِ ، وَ لا يَدْخُلُ فِيْهَا القِيَاسُ " ا.هـ.[نقله عنه الحافظ ابن حجر في :"فتح الباري"11/217]
وَ قَالَ أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ _ رَحِمَهُ اللهُ _ (ت444) : " وَ قَد اتَّفَقَت الأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الصِّفَاتِ لا تُؤْخَذُ إِلا تَوْقِيْفَاً ، وَ كَذَلِكَ شَرْحُهَا لا يَجُوْزُ إِلا بِتَوْقِيْفٍ ؛ فَقَوْلُ المُتَكَلِّمِيْنَ فِي نَفْي الصِّفَاتِ ، أَوْ إِثْبَاتِهَا بِمُجَرَّدِ العَقْلِ ، أَوْ حَمْلِهَا عَلَى تَأْوِيْلٍ مُخَالِفٍ لِلظَّاهِرِ : ضَلالٌ .
وَ لا يَجُوْزُ أَنْ يُوْصَفَ اللهُ _ سُبْحَانَهُ _ إِلا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ، أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُوْلُهُ _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ _ ؛ وَ ذَاكَ إِذَا ثَبَتَ الحَدِيْثُ ، وَلَمْ يَبْقَ شُبْهَةٌ فِي صِحَّتِهِ ، فَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ مِن الرِّوَايَاتِ المَعْلُوْلَةِ ، وَ الطُّرُقِ الوَاهِيَةِ فَلا يَجُوْزُ أَنْ يُعْتَقَدَ فِي ذَاتِ اللهِ _ سُبْحَانَهُ _ ، وَ لا فِي صِفَاتِهِ مَا يُوْجَدُ فِيْهَا بِاتِّـفَاقِ العُلَمَاءِ بِالأَثَـرِ " ا.هـ.[انظر :"رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت"ص121،وانظر ص161]
وَ قَالَ ابن عبدالبر-رحمه الله-(463):"إن الله –عزوجل-لا يوصف عند الجماعة-أهل السنة-إلا بما وصف به نفسه،أو وصفه بِهِ رَسُوْلُ اللهِ _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ _ ، أَوْ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّـةُ " ا.هـ. [ انظر : "جامع بيان العلم وفضله" 2/92]
وَ قَالَ _ أَيْضَـاً_ : " لَيْسَ فِي الاعْتِقَادِ كُلِّهِ فِي صِفَاتِ اللهِ ، وَ أَسْمَائِهِ إِلا مَا جَاءَ مَنْصُوْصَاً فِي كِتَابِ اللهِ ، أَوْ صَحَّ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ _ ، أَوْ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّـةُ .
وَ مَا جَاءَ مِنْ أَخْـبَارِ الآحَادِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، أَوْ نَحْوِهِ يُسَلَّمُ لَهُ ، وَ لا يُنَاظَـرُ فِيْهِ " ا.هـ. [ انظر المرجع السابق 2/96]
وقال-أيضاً-:"لا نسميه ،ولا نصفه ،ولا نطلق عليه إلا ما سمى به نفسه...،ولا ندفع ما وصف به نفسه لأنه دفع للقرآن"ا.ه.["التمهيد"7/137]
وقال –أيضاً-:"فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر ،ولا خبر في صفات الله إلا ما وصف نفسه به في كتابه،أو على لسان رسوله-صلى الله عليه وسلم-"ا.ه.["التمهيد"7/145]
وَ قَالَ أَبُو القَاسِمِ القُشَـيْرِيُّ _ رَحِمَهُ اللهُ _ (ت465) : " أَسْمِاءُ اللهِ تُوْجَدُ تَوْقِـيْفَاً ، وَ يُرَاعَى فِيْهَا الكِتَابُ وَالسُّـنَّةُ وَالإجْمَاعُ ، فَكُلُّ اسْمٍ وَرَدَ فِي هَذِهِ الأُصُوْلِ وَجَبَ إِطْـلاقُهُ فِي وَصْفِهِ _ تَعَالَى _ ، وَ مَا لَمْ يَرِدْ فِيْهَا لا يَجُوْزُ إِطْلاقُهُ فِي وَصْفِهِ _ تَعَالَى _ وَإِنْ صَحَّ مَعْنَاهُ " ا.ه. [نقله عنه الملا علي القاري في : " مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح"5/71].
وَ قَالَ قَوَّامُ السُّـنَّةِ الأَصْبَهَانِيُّ _ رَحِمَهُ اللهُ _ (ت535) : " فَلا يُسَمَّى إِلا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ ، أَوْ سَمَّاهُ بِهِ رَسُوْلُهُ _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ _ ، وَ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ ، وَ أَجْمَعَتْ الأُمَّةُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ بِهِ ، وَ لا يُوْصَفُ إِلا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ , أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُوْلُهُ _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ _ ، أَوْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُوْنَ ؛ فَمَنْ وَصَفَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُو ضَالٌّ " ا.ه.[انظر : "الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة"2/383]
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ – رَحِمَهُ اللهُ –(ت620) : "إِنَّ مُعْتَمَدَنَا فِي صِفَاتِ اللهِ – تَعَالَى – مَا صَحَّ بِهِ النَّقْلُ عَن اللهِ – تَعَالَى - ، وَ عَنْ رَسُـوْلِ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ - ، وَ نَصِفُ اللهَ – تَعَالَى – بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ، أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُوْلُهُ ، وَ لا نَتَـعَدَّى"ا.ه ["البرهان في بيان القرآن"ص88]
وَقاَلَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ – رَحِمَهُ اللهُ – (ت728): "القَوْلُ الشَّامِلُ فِي جَمِيْعِ بَابَ أَسْمَاءِ اللهِ وَ صِفَاتِهِ أَنْ يُوْصَفَ اللهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ، أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُوْلُهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ - ، وَ بِمَا وَصَفَهُ بِهِ السَّابِقُوْنَ الأوَّلُوْنَ ، لا يُتَجَاوَزُ القُرْآنُ وَ الحَدِيْثُ " ا.ه .[ "مجموع الفتاوى"5/26،و انظر 3/160، 7/663، "الجواب الفاصل بتمييز الحق من الباطل"ص13،22]
وقال-أيضاً-:"الصواب عند السلف والأئمة وجماهير المسلمين أنه لا يجوز النفي إلا بدليل كالإثبات"ا.ه["بيان تلبيس الجهمية"1/79،وانظر1/248]
وَ قَالَ عَبْدُاللطِيْفِ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ – رَحِمَهُ اللهُ – (ت1293) : " وَ مِن الأُصُوْلِ المُعْتَبَرَةِ ، وَ القَوَاعِدِ المُقَرَّرَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّـنَّةِ وَ الجَمَاعَةِ أَنَّ اللهَ – تَعَالَى – لا يُوْصَفُ إِلا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُوْلُهُ ، لا يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ أَهْلُ العِلْمِ وَالإيْمَانِ ، وَ لا يَتَكَلَّفُوْنَ عِلْمَ مَا لَمْ يَصِفْ الرَّبُّ – تَبَارَكَ وَ تَعَالَى – بِهِ نَفْسَهُ ، وَ مَا لَمْ يَصِفْهُ بِهِ رَسُوْلُهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ - ؛ وَ اللهُ أَكْبَرُ وَ أَجَلُّ وَ أَعْظَمُ فِي صُدُوْرِ أَوْلِيَائِهِ وَ عِبَادِهِ المُـؤْمِنِيْنَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمُوْا فِي صِفَاتِهِ بِمُجَرَّدِ آرَائِهِمْ وَ اصْطِلاحَاتِهِمْ ، وَ عِبَارَاتِ مُتَكَلِّمِـيْهِمْ " ا.ه.[انظر : "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية لبعض علماء نجد الأعلام" 3/113]
محمد الغانم
19-Feb-2007, 02:36 AM
شيخنا الفاضل عبدالله القحطاني أشكرك على المشاركة ، وأشكر جميع الإخوة , وأعتذر لتأخر الرد ، وما دام أنك دخلت في النقاش يا شيخنا فسر بنا ونحن معك .
عبدالله القحطاني
19-Feb-2007, 12:19 PM
بارك الله فيك يا شيخ /محمد ...
والنقاش مفتوح للجميع،وآمل مشاركتك...
عزام
19-Feb-2007, 06:05 PM
أخي الكريم / عبد الله
1-
أتفق معك على تنظيم الحوار بما ذكرتَ سوى اشتراط الرد في فترة يومٍ كامل فلا ألتزمه ؛ لانشغالي باختبارات الجامعة ، ولأني لا أكتب من بيتي .. فأرى تمديد الفترة احتياطاً مع العزم على الالتزام بها مني بقدر الاستطاعة ..
2-
أرجو منك ومن الإخوة جميعاً النظر إلى الحوار على أساس أنه نقاشٌ في طلب الحق لا مناظرة المقصود منها إفحام الخصم أو إسكاته ..
3-
سألتني : هل استعمل السلف إطلاق لفظ الجسم والجارحة ..
وجعلت تحقيق هذه المسألة ناسفاً لكلامي من أسه ..
وافترضت أن أدعي استعمالهم لها ، وكان محصل ردك على ذلك الإدعاء المفترض هو استشكال بعض الكلمات الواردة عنهم في ضرورة وصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم !!( مع العلم أن بعض من نقلت عنهم هم ممن استخدم هذه الألفاظ بعينها وليس مهماً الكلام عن ذلك الآن ).
4-
وقبل الجواب عن سؤالك أريد - وهو من حقي - أن أستفسرك حتى يكون جوابي مطابقاً لمرادك من السؤال .
1- من تقصد بالسلف في سؤالك ؟! بمعنى ما هو ضابط السلف الذين إن أتيتك بكلامهم قبلتَه ؟!
2- الجواب عن استعمال السلف لهذه الكلمات هل يلزم فيه النقل بنص أقوالهم أم يكفي نقل الأتباع المتفق على جلالتهم ومعرفتهم بمنهج السلف ؟! وأرجو إن اخترتَ أحد هذين الأمرين أن يكون اختياراً علمياً تلتزمه في جميع النقاش الآتي لا اشتراطاً خاصاً في مناظرةٍ معينة .
3- لو افترضنا عدم استعمال السلف لهذه الألفاظ ، فما حكم استعمالها عندك .. ؟! وهل تلتزم هذا الحكم في جميع الألفاظ المستخدمة في الكلام عن الذات الإلهية التي لم يستعملها السلف ؟! أم أنك تستفصل عن المعنى فتقر حقّه وترد باطله ؟!
5-
بعد إجابتك عن استفساراتي أجيب عن سؤالك .. وأسأل الله تعالى أن يقيمنا في محلّ حبه ورضاه .
عبدالله القحطاني
20-Feb-2007, 01:28 AM
أخي الفاضل ...
أنا ملتزم بما اقترحته أولاً ؛ فلن أزيد على سؤالي السابق، وهو واضح :
[ أكثرت من إطلاق لفظ "الجسم"، و"الجارحة"؛ فهل استعمل السلف هذه الألفاظ؟
وتحقيق هذه المسألة ينسف ما بنيته عليها من أُسِّه.
وإذا ادعيت استعمالهم لها فما معنى أقوالهم هذه ]
عزام
20-Feb-2007, 08:37 AM
أخي الكريم / عبد الله
1-
امتناعك عن الإجابة على استفساراتي هو عدم التزلمٌ منك بآداب الحوار والمناظرة ، فمن حق المحاور لك أن يستفسرك عن مجمل كلامك ، ويستوضح مرادك ، ومن الواجب عليك أن تجيبه في ذلك ، ولا أظن مثل هذا يخفى عليك .
وأنا لم أقصد باستفساري إلا محاولة ضبط الحوار وضمان عدم تشتته .. وسترى أنت والإخوة الآخرين أهمية جوابك عما سئلتك الآن بعد جوابي . وعندها تعلم حسن نيتي .
2-
جواب سؤالك :
نعم استعمل السلف هذه الألفاظ .. والاستدلال على ذلك من عدة جهات :
الأولى : منطوق كلامهم .. وذلك في كلام الإمام الطحاوي في المتن المشهور . والإمام الدارمي في الرد على بشر المريسي ، وكلام أبي حنيفة في الفقه الأكبر وغيرهامن الكتب المنسوبة إليه ( إن كنتَ تصحح نسبتها أو بعضها إليه ، وإلا فاعتبرني متنازلاً عنه ومستمسكاً بالطحاوي ) .
الثانية : مفهوم كلامهم .. إذ أنه قد تواتر عنهم نفي الكيف عن الذات والصفات ، والجسم داخل في كيف الذات ، والجارحة داخلةٌ في كيف اليد .. ومن جهة أخرى ، فإنكم تقولون بإثبات المعنى ونفي الكيف . والجسم إن أن يكون من معن الذات أو من كيفها ، والجارحة إما أن تكون من معنى اليد أو من كيفها .. فيلزمكم إما الإثبات أو النفي ، ويبطل التوقف وهو المطلوب .
الثالثة : نقل الثقات العارفين بمنهج السلف، واستعمالهم لتلك الألفاظ على الوجه الذي قررناه .. فمنهم الإمام الدارمي في الرد على بشر ، وابن عبد البر في التمهيد ، والإسماعيلي في معتقد أهل الحديث ، والسجزي في رسالة أهل زبيد ، وغيرهم .
الرابعة : أننا لو افترضنا عدم الورود ، فليس هو حكمٌ بالعدم ، بل احتمال وقوعه وعدم بلوغه لنا جائزٌ ، وليس عند المخالف ما يثبت العكس علىالجهة التي نقررها نحن هنا .
الخامسة : أن المهم في إثبات االألفاظ أو نفيها هو معانيها .. والجسم والجارحة إما أن يكون معنى نفيها مقبولاً أو باطلاً ، فعلى الأول فالمشاحةفي الألفاظ سهلةٌ ولا كبير ضير فيها . وعلى الثاني فيجب عليكم إثبات اللفظ لأن نفي معناه عندكم باطل ، فيلزم إثبات لفظه ، وعلى كلا التقديرين يبطل التوقف ، وهو المطلوب .
تتمة :
المخالف لنا متناقض ، والتناقض دليل بطلانه القائل به ، فشيخ الإسلام يجزم بنفي ما لم يرد في الشرع الكلام عنه ، وكذا ما لم يرد عن السلف الكلام عنه .
ومثال ذلك في نفس موضوعنا :
قوله في مجموع الفتاوى المجلد السادس : قلت له: فالقائل إن زعم أنه ليس له يد من جنس أيدي المخلوقين، وأن يده ليست جارحة، فهذا حق. اهـ
والحق لا يكون باطلاً ولا بدعةً .
وقوله : وكذلك اذا قيل: هو جسم؛ بمعنى انه مركب من الجواهر المنفردة، او المادة والصورة، فهذا باطل...اهـ
وفي موضعٍ آخر قال بأن ذلك منفيٌ عن الله تعالى قطعاً .
ومعلومٌ أنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا كلام السلف أن الله تعالى ليس مركباً من الجواهر المنفردة أو المادة والصورة ، فكيف نفاها ؟!!
وقال نحوه ابن القيم كما في مختصر الصواعق المرسلة .
( ملاحظة ) لا توجد عندي كتب ، فأرجو عدم طلب التوثيق إلا فيما تجزم ببطلانه ، فهناألتزم لك بتوثيقه .
وبهذه الأوجه ؛ يصح قولنا . والله أعلم .
3-
أما استشكالك إن ثبت اتعمال السلف لتلك الألفاظ بما أوردتَه من كلام بعضهم ؛ فالجواب :
أنه ليس في كلامهم ما يدعو إلى الاستشكال ، فغاية ما فيه وصف الله تعالى بما وصف نفسه وعدم تجاوز ذلك ..ونفي الجسم والجارحة هو مماوصف الله نفسه في نفيه المماثلة ، ونفيه النقص عن نفسه . وإثبات الجسم والجارحة تمثيل ونقصٌ فوجب نفيه .
ولذلك فإن ممن ذكرتهم كالاسماعيلي وابن عبدالبر هم قائلون بالنفي الذي نقول به ، فاتضح أنه لو دعت الحاجةإلى نفي معانٍ باطلة بألفاظ لم يرد بها نص الشارع ، فذلك جائزٌ . وقد دعت الحاجة إلى نفي الجسم والجاحة لوجود من يثبتها من المجسمة والمشبهة ، وذلك نقصٌ بلا ريب ؛ لذا نفينا .
وهذا مما لا يستطيع الانفكاك عنه حتى الخصم ، فهو يثبت تسلسل نوع الحوادث في الأزل ، مع إقراره بأن السلف لم يتلفظوا به ، غاية ما يظنه وارداً عنهم هوقولهم بأن الله فعال لما يريد ، وهو خلاف لفظه وقد جوز لنفسه ذلك اللفظ ، وهوالمطلوب هنا . ومثله يقال في حلول الحوادث .. ونحوها من المسائل .
وعليه فالواجب عليك هو البحث في معاني هذه الألفاظ لا في نفس اللفظ ، وبه تعلم أن استعمال السلف لنفس الألفاظ أو عدم استعمالهم لا يوجب نسفي كلامي ؛ لأننا سنعود إلى الكلام عن معنى تلك الألفاظ وسيكون هو الأصل .
والله أعلم .
عبدالله القحطاني
20-Feb-2007, 01:27 PM
أخي الفاضل ...
أنا ملتزم بما اقترحته أولاً ؛ فلن أزيد على سؤالي السابق، وهو واضح :
[ أكثرت من إطلاق لفظ "الجسم"، و"الجارحة"؛ فهل استعمل السلف هذه الألفاظ؟
وتحقيق هذه المسألة ينسف ما بنيته عليها من أُسِّه.
وإذا ادعيت استعمالهم لها فما معنى أقوالهم هذه ]
فإنكم تقولون بإثبات المعنى ونفي الكيف .
فأين أنت؟
هل أنت تثبت لصفات الله -تعالى- معاني أم لا ؟
وهذا مما لا يستطيع الانفكاك عنه حتى الخصم ، فهو يثبت تسلسل نوع الحوادث في الأزل
أهو شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-؟!
عبدالله القحطاني
20-Feb-2007, 03:40 PM
أما استشكالك إن ثبت اتعمال السلف لتلك الألفاظ بما أوردتَه من كلام بعضهم ؛ فالجواب :
أنه ليس في كلامهم ما يدعو إلى الاستشكال ، فغاية ما فيه وصف الله تعالى بما وصف نفسه وعدم تجاوز ذلك ..ونفي الجسم والجارحة هو مماوصف الله نفسه في نفيه المماثلة ، ونفيه النقص عن نفسه . وإثبات الجسم والجارحة تمثيل ونقصٌ فوجب نفيه .
لو قال لك المعتزلي:"إن إثبات الصفات كلها تجسيم؛فأنا أنفيها بناء على ذلك"،فما جوابك له؛فحجتكما واحدة؟!
ولو قال لك الجهمي:"إن إثبات الأسماء والصفات تجسيم؛فأنا أنفيها كلها بناء على ذلك؛فما جوابك له؛فحجتكما واحدة؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-:"الاعتماد في تنزيه الباري على نفي الجسم طريقة مبتدعة في الشرع ،متناقضة في العقل؛ فلا تصح لا شرعا ولا عقلا:
أما الشرع فإنه لم يرد بذلك كتاب ولا سنة ولا قول أحد من السلف والأئمة ،بل الكلام في صفات الله بنفي الجسم أو إثباته بدعة عند السلف والأئمة ،ولو كان ذلك مما يعتمد في الشرع لدل الشرع عليه ؛وقد عاب الله على اليهود ما وصفوه به من النقائص كقولهم :"إن الله فقير" وقولهم :"يد الله مغلولة" وقولهم :"استراح "،والتوراة مملوءة من الصفات فلم يعب عليهم ما فيها ولا ذكر أنهم حرفوا ذلك.
وكثير من أهل الكلام يرد على اليهود بالطريقة المبتدعة ،ويدع طريقة القرآن .
وأما التناقض في العقل؛ فإنه ما من أحد يثبت شيئا وينفي شيئا لكونه مستلزما للتجسيم إلا أمكن النافي أن يقول له فيما أثبته نظير ما قاله له فيما نفاه،
وهذه عادة الطوائف بعضها مع بعض:
فالمعتزلة لما قالت للصفاتية من الأشعرية وغيرهم :"إذا قلتم إن لله حياة وعلما وقدرة وكلاما فلا تعقل هذه المعاني إلا أعراضا ،والعرض لا يقوم إلا بجسم"،
فقالت لهم الصفاتية :"نحن وأنتم متفقون على أن الله حي عليم قدير ،ونحن لا نعقل حيا عليما قديرا إلا جسما ،فإذا جاز إثبات حي عليم قدير ليس بجسم فكذلك قد يجوز إثبات حياة وقدرة تقوم به وليست عرضا وليس هو جسما"
وطائفة من الباطنية والفلاسفة قالت للمعتزلة :"إذا قلتم إن الله حي عليم قدير فلا نعقل مسمى بهذه الأسماء إلا جسما"، فقالت لهم المعتزلة :"وأنتم قلتم إن الله موجود قائم بنفسه ،ولا يعقل موجود قائم بنفسه إلا جسما ،فإن جاز إثبات موجود قائم بنفسه ليس بجسم جاز إثبات كونه حيا عليما قديرا ولا يكون جسما".
وقالت معتزلة الصفاتية الذين ينفون الصفات الخبرية كصاحب الإرشاد وأتباعه لأئمتهم كأبي الحسن الأشعري وأبي عبدالله ابن مجاهد والقاضي أبي بكر وأبي إسحاق الإسفراييني وأبي بكر بن فورك وأبي القاسم القشيري وغيرهم :"واليد لا تعقل إلا أبعاض الجسم ،فإذا أثبتموها وقلتم ليست أبعاض جسم كان هذا غير معقول"، فقال المثبتون :"كما أنا لا نعقل حياة وعلما وقدرة وكلاما وسمعا وبصرا إلا عرضا قائما بجسم ،ثم أثبتنا هذه الصفات ،وقلنا جميعا نحن وأنتم :إنها ليست أعراضنا فكذلك نثبت هذه الصفات ونقول ليست أبعاضا ،فليس نفي الأعراض عن هذه بأولى من نفي الأبعاض عن هذه".
ثم إن المثبتة دارت على النفاة فقالوا للمعتزلة :"إذا أثبتم حيا عليما قديرا بلا حياة ولا علم ولا قدرة كان هذا تناقضا مثل إثبات أسود بلا سواد وأبيض بلا بياض وطويلا بلا طول وجميلا بلا جمال ؛فإن اسم الفعل المشتق يستلزم ثبوت ما منه الإشتقاق، فإثبات اسم فاعل بلا مسمى مصدر تناقض عقلا وسمعا".
وقالوا للفلاسفة إ:"ذا قلتم موجود ومعقول وعاقل وعقل وعاشق ومعشوق ولذيذ وملتذ وجعلتم هذا كله واحدا فهذا مكابرة للعقل ،وإذا قلتم العشق هو العاشق واللذة هو الملتذ به والعلم هو العالم، فهذا أعظم تناقضا، فمن جعل الصفة هي الموصوف ،أو هذه الصفة هي تلك كان مكابرا للعقل".
وقال المثبتون للصفات الشرعية لنفاتها :"لماذا نفيتم أن الله يرضى ويغضب ويحب ويفرح ونحو ذلك مما نطق به الكتاب والسنة".
قالوا :"لأن هذه الصفات تستلزم التجسيم والتشبيه ؛فإنا لا نعقل الغضب إلا غليان دم القلب لطلب الإنتقام أو ما يحصل عنه الغليان وكذلك سائرها".
قالوا:" وكذلك إثبات السمع والبصر والكلام والإرادة ونحو ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم فإنا لا نعقل الإرادة إلا ميل المريد إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره ،أو ما يلازم هذا المعنى وإلا فإرادة لمراد لا ينفع صاحبه ولا يضره لا يعقل في الشاهد".
قالوا:"إرادة الحق لا تشبه إرادة المخلوقين".
قالوا :"وكذلك غضب الحق ورضاه لا يشبه غضب خلقه ورضاهم؛ فالقول في أحدهما كالقول في الآخر ،أما تجويز أحدهما ومنع الآخر فهو مكابرة".
قالوا :"الدليل العقلي دل على إثبات الإرادة دون الغضب".
قالوا:" فالدليل لا ينعكس ؛فلا يلزم من عدم الدليل المعين عدم المدلول ،ونحن أنكرنا عليكم نفيكم لما لم يقم دليل على نفيه، فكيف إذا دل السمع على إثباته. وأيضا فيمكن أن تثبت هذه بأدلة عقلية من جنس أدلة تلك الصفات ؛فإن الفعل دل على القدرة ،والإحكام دل على العلم ،والتخصيص دل على الإرادة ،وإكرام المطيع وعقوبة العاصي دل على الحب والبغض ،والرضا والغضب ،أو يقال :هذه صفات كمال لا نقص فيها ؛فيجب اتصاف الرب بها ،ونحو ذلك من الطرق العقلية ،ولهذا وصف الرب بالرضا والغضب والحب والبغض والفرح ،ولم يوصف بالحزن والبكاء ؛فإن هذه صفات نقص تستلزم العجز ،وأما الأولى فصفات كمال تستلزم القدرة وغيرها من صفات الكمال"ا.هـ["الصفدية"ص327]
عبدالله القحطاني
20-Feb-2007, 04:39 PM
ونفي الجسم والجارحة هو مماوصف الله نفسه في نفيه المماثلة
لم تكتف بنسبة إطلاق الجسم إلى السلف حتى نسبتها إلى كلام الله -تعالى- ورسوله-صلى الله عليه وسلم-!
انقل لنا عن الصحابة أو التابعين أنهم فسروا قوله-تعالى-:"ليس كمثله شئ" بعدم التجسيم!!
أبو عبدالله الحضرمي
20-Feb-2007, 08:47 PM
بارك الله فيك يا شيخ عبدالله
====================================
اخي عزام , هذه نقاط مبدئية تبيّن مجانبتك للصواب فيما كتبته :
1- ذكرت ان الدارمي و غيره نفى الجسم , فأعطنا كلامهم , فلكل مقام مقال , علماً بأن :
الامام الدارمي كان في مقام الرد -على شبهات المريسي و قد اتى المريسي بشبهات فجة لم يعتادها اهل ذاك الزمان , و معلوم ان مقام الرد ليس نفسه مقام التقرير , فأحيانا تحصل من بعض الائمة الزامات للخصم , فائتنا بنص الامام الدارمي كاملا لنراه
2- قلت انك لا تملك كتبا للتوثيق , و هذه مشكلتك , فكيف نحاورك على كلام انت فهمته من كلام اهل العلم و تنقله لنا بالمعنى , فعليك ان تأتي بكلام كل عالم تستدل به , و إلا : فكلامك يبقى انشائيا لا عبرة به ,,,,
3- قلتَ : ( مفهوم كلامهم .. إذ أنه قد تواتر عنهم نفي الكيف عن الذات والصفات ، والجسم داخل في كيف الذات ، والجارحة داخلةٌ في كيف اليد .. ..الخ )
اذاً انتَ عندك توسع في النفي , و هذا لم يرد عن السلف الصالح, فلم يرد عنهم التفصيل في النفي : فلم يقولوا : الله ليس بجسم و لا بعرض و لا بكذا و لا بكذا .......ألخ
و قد اتيت بكلام الغزالي الأشعري في اعتبار نفي الجسم كأنه سوء ادب فتأمله مليا
4- قولك : ( أننا لو افترضنا عدم الورود ، فليس هو حكمٌ بالعدم ، بل احتمال وقوعه وعدم بلوغه لنا جائزٌ ، وليس عند المخالف ما يثبت العكس علىالجهة التي نقررها نحن هنا . )
هذا كلام انشائي مردود من وجوه منها : انه ورد عن السلف قولهم : " لا يوصَفُ الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، ولا يتجاوز القرآن والحديث " و هذا كلام الامام احمد , و لهم عبارات مشابهة لهذا الكلام , و هذا كاف في الرد على كلامك , فأنت الان في مقام الوصف تصف الله تعالى بأنه ليس بجسم , فهل هذا من وصف الله تعالى لنفسه ؟؟ ام انك تجاوزت القرآن و الحديث ؟؟
5- بيّنتُ لك انك في مقام الوصف تصف ربك بأنه : ليس بجسم و لا بكذا ...ألخ ثم تزعم ان السلف على منهجك و قد انتقض كلامك هذا من كلام الامام احمد نفسه اعلاه , و كلامه رحمه الله واضح
و يكفي ان الامام احمد لما وقعت له المحنة اعترضه البعض بمثل هذه الالفاظ الموهمة كالجسم و غيره فقد قال رضي الله عنه : " وقد تكلم معي ابن غوث بكلام طويل ذكر فيه الجسم وغيره بما لا فائدة فيه، فقلت: لا ادري ما تقول، الا اني اعلم ان الله احد صمد، وليس كمثله شيء، فسكت عني " تاريخ الحافظ ابن كثير
فانظر الى كلام الامام احمد فلم يقل له ان الله ليس بجسم ! بل قال له : لا ادري ما تقول !
6- قلتَ : ( أن المهم في إثبات االألفاظ أو نفيها هو معانيها .. والجسم والجارحة إما أن يكون معنى نفيها مقبولاً أو باطلاً ، فعلى الأول فالمشاحةفي الألفاظ سهلةٌ ولا كبير ضير فيها . وعلى الثاني فيجب عليكم إثبات اللفظ لأن نفي معناه عندكم باطل ، فيلزم إثبات لفظه ، وعلى كلا التقديرين يبطل التوقف ، وهو المطلوب . )
و الجواب:
المعنى صحيح هو المطلوب , و لكن انت الان في مقام وصف ربك - جل في علاه - فتنبه بارك الله فيك ! لستَ في مقام آخر !
مرة اخرى اكرر :
انت في مقام وصف الله جل و علا !! فكيف تصفه بما لم يصف به نفسه ؟؟؟
لذلك كان بعض الحاذقين من الائمة المقررين لعقيدة السلف حذرين من وصف ربهم بما لم يصف به نفسه او لم يصفه نبيه صلى الله عليه و سلم بذلك و منهم شيخ الإسلام رحمه الله , الذي افترع أباطيل المعطلة من هذه الالفاظ التي يراد بها باطل مختلط مع حق
7- قولك : ( المخالف لنا متناقض ، والتناقض دليل بطلانه القائل به ، فشيخ الإسلام يجزم بنفي ما لم يرد في الشرع الكلام عنه ، وكذا ما لم يرد عن السلف الكلام عنه . )
طبعا تقصد شيخ الإسلام رحمه الله , فأنت اتيت باسماء بعض الحنابلة و ادعيت انك على عقيدتهم , رغم ان بعضهم مخالف للبعض الاخر , فبعضهم يميل الى الكلابية و بعضهم يميل الى التفويض و بعضهم سلفي
و من المعيب ان تجعل شيخ الاسلام مخالفا لمعتقد الحنابلة - الا ان كنتَ تقصد مخالفته لبعض المخالفين من الحنبلية لعقيدة الامام احمد فهذا صحيح - و هو الذي قام بنصرة عقيدة السلف و اصرّ ان امامه احمد بن حنبل ليس له اختصاص بهذه العقيدة بل هي عقيدة السلف , رغم ان بعض المخالفين حاول اقناعه بأن يقول بأن هذه عقيدة الامام احمد فيحصل بذلك دفع الخصوم بأن هذه عقيدة مذهب متبوع فأبى رضي الله عنه , فلاقى في سبيل ذلك الأمرين و لم يكن الحنابلة يقولون عنه انه مخالف في العقيدة كما تقول انت عنه
اما ادعاؤك انه ينفي مالم يرد في الشرع فهل جاء على السبيل الإخبار أم الوصف ؟؟؟
تعالى لنرَ :
نقلتَ عنه قوله : ( قلت له: فالقائل إن زعم أنه ليس له يد من جنس أيدي المخلوقين، وأن يده ليست جارحة، فهذا حق. اهـ
و هذا شيء معلوم , فيده تعالى ليست كأيدي خلقه مكونة من عظم و لحم - تعالى الله عن ذلك - فشيخ الاسلام في مقام الإخبار لا في مقام الوصف , فكلامه عن نفي المشابهة بين يد الخالق تعالى و يد خلقه , و هذا واضح
و نقلتَ عنه قوله : ( وقوله : وكذلك اذا قيل: هو جسم؛ بمعنى انه مركب من الجواهر المنفردة، او المادة والصورة، فهذا باطل...) ثم قلتَ : ( معلومٌ أنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا كلام السلف أن الله تعالى ليس مركباً من الجواهر المنفردة أو المادة والصورة ، فكيف نفاها ؟!!)
فما الإشكال هنا ؟؟ هو يفصّل المعنى , فإن كان حقا قبلنا و لم نثبت اللفظ و ان كان باطلا رددناه هو و اللفظ
فالجسم له معان كثيرة عند اهل الكلام , و مرادهم منه نفي امور كثيرة كعلوه تعالى على العرش و اثبات صفاته و غيرها
و لم يتفطن كثير من اهل العلم لما يقصده اهل الكلام من نفي الجسم , و قد نقل ابو الحسن الاشعري في مقالاته معنى الجسم لدى الطوائف وهي كثيرة جدا
و هذا اللفظ يتوسل به اهل الكلام لنفي صفاته تعالى و لهم فيه عجائب كثيرة
فمن قائل : ان كان فوق العرش فهو جسم فإما ان يكون اكبر او اصغر او مساويا له !
و من قائل: ان نزوله تعالى من لوازمه الانتقال و الانتقال من صفات الاجسام !!!!!
و هلمّ جرا !
فلذلك أحرقهم شيخ الإسلام رحمه الله بالتفصيل , و بيّن تلاعبهم بالألفاظ و خلطهم للحق مع الباطل وكل ذلك و هو لا يصف ربه بشيء لم يصف نفسه به او لم يأت الشرع بوصفه بذلك فتنبه
و عقيدته واضحة في كتبه العقدية فراجعها
8- قولك : ( أنه ليس في كلامهم ما يدعو إلى الاستشكال ، فغاية ما فيه وصف الله تعالى بما وصف نفسه وعدم تجاوز ذلك ..ونفي الجسم والجارحة هو مماوصف الله نفسه في نفيه المماثلة ، ونفيه النقص عن نفسه . وإثبات الجسم والجارحة تمثيل ونقصٌ فوجب نفيه . )
على رسلك اخي الكريم ! فأين وصف الله نفسه بأن ليس بجسم ؟؟ و اظن ما كتبته لك اعلاه واضح جدا , من كلام الامام احمد في عدم وصف الله تعالى الا بما يصف به نفسه و عدم مجاوزة القران و الحديث و كذا ما حصل له في محنته ورفضه لكلامهم حول الجسم و قوله لهم : لا ادري ما تقولون , و يكفي تلاعب اهل الكلام عليكم بالالفاظ , فانتبهوا لمقاصدهم و لا تدعوهم يتلاعبوا عليكم بهذه الالفاظ بارك الله فيكم
و الله الموفق
عبدالله القحطاني
21-Feb-2007, 12:47 AM
بارك الله فيك أباعبدالله...
وهذه بعض النقول عن بعض أهل العلم في ذم طريقة التجسيم والأعراض:
قال أبو حنيفة-رحمه الله-و قد قيل له:"ما تقول فيما أحث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ "مقالات الفلاسفة؛عليك بالأثر وطريقة السلف،وإياك وكل محدثة؛فإنها بدعة"ا.هـ[أخرجه أبوالفضل المقرئ في:"ذم الكلام"ص197،والهروي في "ذم الكلام"ص96،وذكره السيوطي في"صون المنطق والكلام"ص32،59،60]
وقال أيضاً:"لغن الله عمرو بن عبيد؛فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعينهم من الكلام"ا.هـ[أخرجه الهروي في "ذم الكلام وأهله"ص96]
وقال ابن سريج-رحمه الله-:"وأما توحيد أهل الباطل فهو الخوض في الجواهر والأعراض،وإنما بعث الله النبي-صلى الله عليه وسلم- بإنكار ذلك"ا.هـ[أخرجه الهروي في "ذم الكلام وأهله"ص113،ونقله عنه السيوطي في"صون المنطق والكلام"ص75]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- بعد نقله هذا الكلام:" و لم يرد بذلك أنه أنكر هذين اللفظين فإنهما لم يكونا قد أحدثا فى زمنه و إنما أراد إنكار ما يعنى بهما من المعاني الباطلة فإن أول من أحدثهما الجهمية و المعتزلة و قصدهم بذلك إنكار صفات الله تعالى أو أن يرى أو أن يكون له كلام يتصف به و أنكرت الجهمية أسماءه أيضا
و أول من عرف عنه إنكار ذلك الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبدالله القسري بواسط و قال يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فانى مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ ابراهيم خليلا و لم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه"ا.هـ["مجموع الفتاوى"17/305]
وقال أبو الحسن الأشعري-رحمه الله-:" ومعلوم عند سائر العقلاء أن ما دعا النبي إليه من واجهه من أمته من اعتقاد حدثهم ومعرفة المحدث لهم وتوحيده ومعرفة أسمائه الحسنى وما هو عليه من صفات نفسه وصفات فعله وتصديقه فيما بلغهم من رسالته مما لا يصح أن يؤخر عنهم البيان فيه لأنه لم يجعل لهم فيما كلفهم من ذلك من مهلة ولا أمرهم بفعله في الزمن المتراخي عنه وإنما أمرهم بفعل ذلك على الفور
وإذا كان ذلك من قبل أنه لو أخر ذلك عنهم لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إلى فعله وألزمهم ما لا طريق لهم إلى الطاعة فيه وهذا غير جائز عليه لما يقتضيه ذلك من بطلان أمره وسقوط طاعته
وهذا المعنى لم تجد عن احد من صحابته خلاف في شيء مما وقف عليه السلام جماعتهم عليه ولا شك في شيء منه ولا نقل عنهم كلام في شيء من ذلك ولا زيادة على ما نبههم عليه من الحجج بل نصوا جميعا رحمة الله عليهم على ذلك وهم متفقون لا يختلفون في حدثهم ولا في توحيد المحدث لهم وأسمائه وصفاته وتسليم جميع المقادير إليه والرضا فيها بأقسامه لما قد ثلجت به صدورهم وتبينوا وجوه الأدلة
التي نبههم عليها عند دعائه لهم إليها وعرفوا بها صدقه في جميع ما أخبرهم به وإنما تكلفوا البحث والنظر فيما كلفوه من الاجتهاد في حوادث الأحكام عند نزولها بهم وحدوثها فيهم وردها إلى معاني الأصول التي وقفهم عليها ونبههم بالإشارة على ما فيها فكان منهم رحمة الله عليهم في ذلك ما نقل إلينا من طريق الاجتهاد التي اتفقوا عليها والطرق التي اختلفوا فيها ولم يقلد بعضهم بعضا فيما صاروا
إليه من جميع ذلك لما كلفوه من الاجتهاد وأمروا به
فأما ما دعاهم إليه من معرفة حدثهم والمعرفة بمحدثهم ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا وعدله
وحكمته فقد بين لهم وجوه الأدلة في جميعه حتى ثلجت صدورهم به وامتنعوا عن استئناف الأدله فيه وبلغوا جميع ما وقفوا عليه من ذلك واتفقوا عليه من بعدهم فكان عذرهم فيما دعوا إليه من ذلك مقطوعا بما نبههم النبي من الدلالة على ذلك وما شاهدوه من آيات الدلالة على صدقه
وعذر سائر من تأخر عنه مقطوع بنقلهم ذلك إليهم ونقل أهل كل زمانه حجة على من بعدهم من غير أن يحتاج أرشدكم الله في المعرفة لسائر ما دعينا إلى اعتقاده إلى استئناف أدلة غير الأدلة التي نبه النبي عليها ودعا سائر أمته إلى تأملها
إذ كان من المستحيل أن يأتي بعد ذلك أحد بأهدى مما أتى أو يصلوا من ذلك إلى ما بعد عنه وجميع
ما اتفقوا عليه من الأصول مشهور في أهل النقل الذين عنوا بحفظ ذلك وانقطعوا إلىالاحتياط في طلب الطرق الصحيحة إليه من المحدثين والفقهاء
يعلمه أكابرهم أصاغرهم ويدرسونه صبيانهم في كتاتيبهم ليقرو ذلك عندهم وشهرته فيهم واستغناؤهم في العلم بصحة جميع ذلك بالأدلة التي نبههم صاحب الشريعة عليها في وقت دعوته واعلموا أرشدكم الله إنما دل على صدق النبي من المعجزات بعد تنبيهه لسائر المكلفين على حدثهم ووجود المحدث لهم قد أوجب صحة أخباره ودل على أنما أتى به من الكتاب والسنة من عند الله تعالى
وإذا أثبت بالآيات صدقة فقد علم صحة كل ما أخبر به النبي عنه وصارت أخباره أدلة على صحة سائر ما دعانا إليه من الأمور الغائبة عن حواسنا وصفات فعله وصار خبره عليه السلام عن ذلك سبيلا إلى إدراكه وطريقا إلى العلم بحقيقته
وكان ما يستدل به من أخباره على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة ومن اتبعها من القدرية وأهل البدع المنحرفين عن الرسل عليهم السلام
من قبل أن الأعراض لا يصح الاستدلال بها إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها ويدق الكلام عليها فمنها ما يحتاج إليه في الاستدلال على وجودها والمعرفة بفساد شبه المنكرين لها والمعرفة بمخالفتها للجواهر في كونها لا تقوم بنفسها ولا يجوز
ذلك على شيء منها والمعرفة بأنها لا تبقى والمعرفة بإختلاف أجناسها وأنه لا يصح انتقالها من محالها والمعرفة بأن ما لا ينفك منها فحكمه في الحدث حكمها ومعرفة ما يوجب ذلك من الأدلة وما يفسد به شبه المخالفين في جميع ذلك حتى يمكن الاستدلال بها على ما هي أدلة عليه عند مخالفينا الذين يعتمدون في الاستدلال على ما ذكرناه بها لأن العلم بذلك لا يصح عندهم إلا بعد المعرفة بسائر ما ذكرناه آنفا وفي كل مرتبة مما ذكرنا فرق تخالف فيها ويطول الكلام معهم عليها
وليس يحتاج أرشدكم الله في الاستدلال بخبر الرسول على ما ذكرناه من المعرفة بالأمر الغائب عن حواسنا إلى مثل ذلك لأن آياته والأدلة الدالة على صدقه
محسوسة مشاهدة قد أزعجت القلوب وبعثت الخواطر على النظر في صحة ما يدعو إليه وتأمل ما استشهد به على صدقه والمعرفة بأن آياته من قبل الله تدرك بيسير الفكر فيها وانها لا يصح أن تكون من البشر لوضوح الطرق إلى ذلك
ولا سيما مع إزعاج الله تعالى قلوب سائر من أرسل إليه النبي على النظر في آياته بخرق عوائدهم له وحلول ما يعدهم من النقم عند إعراضهم عنه ومخالفتهم له على ما ذكرنا مما كان من ذلك عند عودة موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام وإذا كان ذلك على ما وصفنا بان لكم أرشدكم الله أن طريق الاستدلال بأخبارهم عليهم السلام على سائر ما دعينا إلى معرفته مما لا يدرك بالحواس أوضح من الاستدلال بالأعراض إذ كانت أقرب إلى البيان على حكم ما شوهد من أدلتهم المحسوسة مما اعتمدت عليه الفلاسفة ومن اتبعهم من أهل الأهواء واغتروا بها
لبعدها عن الشبه كما ذكرنا وقرب من أخلد ممن ذكرنا إلى الاستدلال به من الشبه ولذلك ما منع الله رسله من الاعتماد عليه لغموض ذلك على كثير ممن أمروا بدعائهم وكلفوا عليهم السلام إلزامهم فرضه
فأخلد سلفنا رضي الله عنهم ومن اتبعهم من الخلف الصالح بعد ما عرفوه من صدق النبي فيما دعاهم إليه من العلم بحدثهم ووجود المحدث لهم بما نبههم عليه من الأدلة إلى التمسك بالكتاب والسنة وطلب الحق في سائر ما دعوا إلى معرفته منها والعدول عن كل ما خالفها لثبوت نبوته عندهم ونبههم بصدقه فيما أخبرهم به عن ربهم لما وثقته الدلالة لهم فيه وكفتهم العبرة بما ذكرناه له
وأعرضوا عما صارت إليه الفلاسفة ومن اتبعهم من القدرية وغيرهم من أهل البدع من الاستدلال بذلك على ما كلفوا معرفته لاستغنائهم بالأدلة الواضحة في ذلك عنه وإنما صار من أثبت حدث العالم والمحدث له من الفلاسفة إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر لدفعهم الرسل وإنكارهم لجواز مجيئهم
وإذا كان العلم قد حصل لنا بجواز مجيئهم في العقول وغلط من دفع ذلك وبان صدقهم بالآيات التي ظهرت عليهم لم يسع لمن عرف من ذلك ما عرفه أن يعدل عن طرقهم إلى طرق من دفعهم وأحال مجيئهم
فلما كان هذا واجبا كما ذكرناه عند سلف الأمة والخلف رحمة الله عليهم كان اجتهاد الخلف في طلب أخبار
النبي والاحتياط في عدالة الرواة لها واجبا عندهم ليكونوا فيما يعتقدونه من ذلك على يقين
ولذلك كان أحدهم يرحل إلى البلاد البعيدة في طلب الكلمة تبلغه عن رسول الله حرصا عل معرفة الحق من وجهه وطلبا للأدلة الصحيحة فيه حتى تثلج صدورهم بما يعتقدونه وتسكن نفوسهم إلى ما يتدينون به
ويفارقوا بذلك من ذمة الله في تقليده لمن يعظمه في سادته بغير دلالة تقتضي ذلك ولما كلفهم الله تعالى ذلك وجعل أخبار نبيه طريقا إلى المعارف بما كلفهم إلى آخر الزمان حفظ أخباره في سائر الأزمنة ومنع من تطرق الشبه عليها حتى لا يروم أحد تغيير شيء منها أو تبديل معنى كلمة قالها إلا كشف الله عز
وجل سره وأظهر في الأمة أمره حتى يرد ذلك عليه العربي والعجمي ومن قد أهل لحفظ ذلك من حملة علمه والمبلغين عنه
كما حفظ كتابه حتى لا ينطق أحد من أهل الزيغ على تحريك حرف ساكن أو تسكين حرف متحرك إلا تبادر القراء في رد ذلك عليه مع اختلاف لغاتهم وتباين أوطانهم لما أراده الله تعالى من صحة الأداء عنه
ووقوع التبليغ لما أتى به نبينا إلى من يأتي في آخر الزمان لانقطاع الرسل بعده واستحالة خلوهم من حجة الله عليهم
حتى قد ظهرذلك بينهم وأيست من نيله خواطر المنحرفين عنه
وجعل الله ما حفظه من ذلك وجمع القلوب عليه حجة على من تعبد بعده بشريعته ودلالة لمن دعا إلى قبول ذلك ممن لم يشاهد الأخبار وأكمل الله تعالى لجميعهم طرق الدين وأغناهم عن التطلع إلى غيرها من البراهين ودل
على ذلك بقوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا وليس يجوز أن
يخبر الله تعالى عن إكماله الدين مع الحاجة إلى غير ما أكمل لهم الدين به
وبين النبي معنى ذلك في حجة الوداع لمن كان بحضرته من الجم الغفير من أمته عنداقتراب أجله ومفارقته لهم بقوله اللهم هل بلغت
فلو كنا نحتاج مع ما كان منه في معرفة ما دعانا إليه إلى ما رتبه أهل البدع من طرق الاستدلال لما كان مبلغا إذ كنا نحتاج في المعرفة بصحة ما دعانا إليه إلى علم ما لم يبينه لنا من هذه الطرق التي ذكروها ولو كان هذا كما قالوا لكان فيما دعا إليه وقوله بمنزلة اللغو ولو كان ذلك كذلك لعارضه المنافقون وسائرالمرصدين لعداوته في ذلك ولم يمنعهم منه مانع كما لم يمنعهم من تعنيته في طلب الآيات ومجادلته في سائر الأوقات ولكنهم لم يجدوا سبيلا إلى الطعن لأنه لم يدع شيئا مما تهم الحاجة إليه في معرفة سائر ما دعاهم إلى اعتقاده أو مثل فعله إلا وقد بينه لهم
ويزيد هذا وضوحا قوله إني قد تركتكم على مثل الواضحة ليلها كنهارها وإذا كان هذا على ما رضينا
علم أنه لم يبق بعد ذلك عتب لزائغ ولا طعن لمبتدع إذ كان قد أقام الدين بعد أن أرسى أوتاده وأحكم أطنابه
ولم يدع لسائر من دعاه إلى توحيد الله حاجة إلى غيره ولا لزائغ طعنا عليه ثم مضى محمودا بعد إقامته الحجة وتبليغ الرسالة وأداء الأمانة والنصيحة لسائر الأمة حتى لم يحوج أحدا من أمته البحث عن شيء قد أغفله هو مما
ذكره لهم أو معنى أسره إلى أحد من أمته بل قد قال في المقام الذي لم ينكتم قوله فيه لاستحالة كتمانه على من حضره أوطى شيء منه على من شهده إني خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي ولعمري إن فيهما
الشفاء من كل أمر مشكل والبرء من كل داء معضل وإن في حراستهما من الباطل على ما تقدم ذكرنا له آية لمن نصح نفسه ودلالة لمن كان الحق قصده وفيما ذكرنا دلالة على صحة ما استندوا إلى الاستدلال وقوة لما عرفوا الحق منه
فإذا كان ذلك على ما وصفنا فقد علمتم بهت أهل البدع لهم في نسبتهم لهم إلى التقليد وسوء اختيارهم في المفارقة لهم والعدول عما كانوا عليه معهم وبالله التوفيق" ا.هـ["رسالة إلى أهل الثغر"ص5ـ7]
وقال الخطابي-رحمه الله-:" فإن قال هؤلاء القوم : فإنكم قد أنكرتم الكلام ومنعتم استعمال أدلة العقول فما الذي تعتمدون عليه في صحة أصول دينكم ومن أي طريق تتوصلون إلى معرفة حقائقها وقد علمتم أن الكتاب لم يعلم حقه وأن الرسول لم يثبت صدقة إلا بأدلة العقول وأنتم قد نفيتموها ؟ )
قال أبو سليمان : ( قلنا : إنا لا ننكر أدلة العقول والتوصل بها إلى المعارف ولكنا لا نذهب في استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها على حدوث العالم وإثبات الصانع ونرغب عنها إلى ما هو أوضح بيانا وأصح برهانا وإنما هو شيء أخذتموه عن الفلاسفة وتابعتموهم عليه وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون النبوات ولا يرون لها حقيقة فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء فأما مثبتوا النبوات فقد أغناهم الله تعالى عن ذلك وكفاهم كلفة المؤونة في ركوب هذه الطريقة المنعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها والإيداع والانقطاع على سالكها "ا.هـ["الغنية عن الكلام وأهله"بواسطة "درء تعارض العقل والنقل"424،ونقله عنه السيوطي في"صون المنطق والكلام"ص94]
وقال الغزالي-رحمه الله-:"فليت شعري متى نقل عن النبي –صلى الله عليه وسلم-أو عن الصحابة –رضي الله عنهم-إحضار أعرابي أسلم،وقوله له:"الدليل على أن العالم حادث أنه لا يخلو عن الأعراض،وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث"ا.هـ["فيصل التفرقة"ص127،وانظر ص202،203]
وقال الآمدي-رحمه الله-بعد أن عرض دليل الأعراض وحدوث الأجسام:"وهو عند التحقيق سراب غير حقيق"ا.هـ["غاية المرام"ص187-191]
وانظر كلام ابن رشد الحفيد في:"الكشف عن مناهج الأدلة"ص43...
أبو عبدالله الحضرمي
21-Feb-2007, 02:15 AM
بارك الله فيك أباعبدالله...
وهذه بعض النقول عن بعض أهل العلم في ذم طريقة التجسيم والأعراض:
قال أبو حنيفة-رحمه الله-و قد قيل له:"ما تقول فيما أحث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ "مقالات الفلاسفة؛عليك بالأثر وطريقة السلف،وإياك وكل محدثة؛فإنها بدعة"ا.هـ[أخرجه أبوالفضل المقرئ في:"ذم الكلام"ص197،والهروي في "ذم الكلام"ص96،وذكره السيوطي في"صون المنطق والكلام"ص32،59،60]
وقال أيضاً:"لغن الله عمرو بن عبيد؛فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعينهم من الكلام"ا.هـ[أخرجه الهروي في "ذم الكلام وأهله"ص96]
وقال ابن سريج-رحمه الله-:"وأما توحيد أهل الباطل فهو الخوض في الجواهر والأعراض،وإنما بعث الله النبي-صلى الله عليه وسلم- بإنكار ذلك"ا.هـ[أخرجه الهروي في "ذم الكلام وأهله"ص113،ونقله عنه السيوطي في"صون المنطق والكلام"ص75]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- بعد نقله هذا الكلام:" و لم يرد بذلك أنه أنكر هذين اللفظين فإنهما لم يكونا قد أحدثا فى زمنه و إنما أراد إنكار ما يعنى بهما من المعاني الباطلة فإن أول من أحدثهما الجهمية و المعتزلة و قصدهم بذلك إنكار صفات الله تعالى أو أن يرى أو أن يكون له كلام يتصف به و أنكرت الجهمية أسماءه أيضا
و أول من عرف عنه إنكار ذلك الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبدالله القسري بواسط و قال يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فانى مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ ابراهيم خليلا و لم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه"ا.هـ["مجموع الفتاوى"17/305]
وقال أبو الحسن الأشعري-رحمه الله-:" ومعلوم عند سائر العقلاء أن ما دعا النبي إليه من واجهه من أمته من اعتقاد حدثهم ومعرفة المحدث لهم وتوحيده ومعرفة أسمائه الحسنى وما هو عليه من صفات نفسه وصفات فعله وتصديقه فيما بلغهم من رسالته مما لا يصح أن يؤخر عنهم البيان فيه لأنه لم يجعل لهم فيما كلفهم من ذلك من مهلة ولا أمرهم بفعله في الزمن المتراخي عنه وإنما أمرهم بفعل ذلك على الفور
وإذا كان ذلك من قبل أنه لو أخر ذلك عنهم لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إلى فعله وألزمهم ما لا طريق لهم إلى الطاعة فيه وهذا غير جائز عليه لما يقتضيه ذلك من بطلان أمره وسقوط طاعته
وهذا المعنى لم تجد عن احد من صحابته خلاف في شيء مما وقف عليه السلام جماعتهم عليه ولا شك في شيء منه ولا نقل عنهم كلام في شيء من ذلك ولا زيادة على ما نبههم عليه من الحجج بل نصوا جميعا رحمة الله عليهم على ذلك وهم متفقون لا يختلفون في حدثهم ولا في توحيد المحدث لهم وأسمائه وصفاته وتسليم جميع المقادير إليه والرضا فيها بأقسامه لما قد ثلجت به صدورهم وتبينوا وجوه الأدلة
التي نبههم عليها عند دعائه لهم إليها وعرفوا بها صدقه في جميع ما أخبرهم به وإنما تكلفوا البحث والنظر فيما كلفوه من الاجتهاد في حوادث الأحكام عند نزولها بهم وحدوثها فيهم وردها إلى معاني الأصول التي وقفهم عليها ونبههم بالإشارة على ما فيها فكان منهم رحمة الله عليهم في ذلك ما نقل إلينا من طريق الاجتهاد التي اتفقوا عليها والطرق التي اختلفوا فيها ولم يقلد بعضهم بعضا فيما صاروا
إليه من جميع ذلك لما كلفوه من الاجتهاد وأمروا به
فأما ما دعاهم إليه من معرفة حدثهم والمعرفة بمحدثهم ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا وعدله
وحكمته فقد بين لهم وجوه الأدلة في جميعه حتى ثلجت صدورهم به وامتنعوا عن استئناف الأدله فيه وبلغوا جميع ما وقفوا عليه من ذلك واتفقوا عليه من بعدهم فكان عذرهم فيما دعوا إليه من ذلك مقطوعا بما نبههم النبي من الدلالة على ذلك وما شاهدوه من آيات الدلالة على صدقه
وعذر سائر من تأخر عنه مقطوع بنقلهم ذلك إليهم ونقل أهل كل زمانه حجة على من بعدهم من غير أن يحتاج أرشدكم الله في المعرفة لسائر ما دعينا إلى اعتقاده إلى استئناف أدلة غير الأدلة التي نبه النبي عليها ودعا سائر أمته إلى تأملها
إذ كان من المستحيل أن يأتي بعد ذلك أحد بأهدى مما أتى أو يصلوا من ذلك إلى ما بعد عنه وجميع
ما اتفقوا عليه من الأصول مشهور في أهل النقل الذين عنوا بحفظ ذلك وانقطعوا إلىالاحتياط في طلب الطرق الصحيحة إليه من المحدثين والفقهاء
يعلمه أكابرهم أصاغرهم ويدرسونه صبيانهم في كتاتيبهم ليقرو ذلك عندهم وشهرته فيهم واستغناؤهم في العلم بصحة جميع ذلك بالأدلة التي نبههم صاحب الشريعة عليها في وقت دعوته واعلموا أرشدكم الله إنما دل على صدق النبي من المعجزات بعد تنبيهه لسائر المكلفين على حدثهم ووجود المحدث لهم قد أوجب صحة أخباره ودل على أنما أتى به من الكتاب والسنة من عند الله تعالى
وإذا أثبت بالآيات صدقة فقد علم صحة كل ما أخبر به النبي عنه وصارت أخباره أدلة على صحة سائر ما دعانا إليه من الأمور الغائبة عن حواسنا وصفات فعله وصار خبره عليه السلام عن ذلك سبيلا إلى إدراكه وطريقا إلى العلم بحقيقته
وكان ما يستدل به من أخباره على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة ومن اتبعها من القدرية وأهل البدع المنحرفين عن الرسل عليهم السلام
من قبل أن الأعراض لا يصح الاستدلال بها إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها ويدق الكلام عليها فمنها ما يحتاج إليه في الاستدلال على وجودها والمعرفة بفساد شبه المنكرين لها والمعرفة بمخالفتها للجواهر في كونها لا تقوم بنفسها ولا يجوز
ذلك على شيء منها والمعرفة بأنها لا تبقى والمعرفة بإختلاف أجناسها وأنه لا يصح انتقالها من محالها والمعرفة بأن ما لا ينفك منها فحكمه في الحدث حكمها ومعرفة ما يوجب ذلك من الأدلة وما يفسد به شبه المخالفين في جميع ذلك حتى يمكن الاستدلال بها على ما هي أدلة عليه عند مخالفينا الذين يعتمدون في الاستدلال على ما ذكرناه بها لأن العلم بذلك لا يصح عندهم إلا بعد المعرفة بسائر ما ذكرناه آنفا وفي كل مرتبة مما ذكرنا فرق تخالف فيها ويطول الكلام معهم عليها
وليس يحتاج أرشدكم الله في الاستدلال بخبر الرسول على ما ذكرناه من المعرفة بالأمر الغائب عن حواسنا إلى مثل ذلك لأن آياته والأدلة الدالة على صدقه
محسوسة مشاهدة قد أزعجت القلوب وبعثت الخواطر على النظر في صحة ما يدعو إليه وتأمل ما استشهد به على صدقه والمعرفة بأن آياته من قبل الله تدرك بيسير الفكر فيها وانها لا يصح أن تكون من البشر لوضوح الطرق إلى ذلك
ولا سيما مع إزعاج الله تعالى قلوب سائر من أرسل إليه النبي على النظر في آياته بخرق عوائدهم له وحلول ما يعدهم من النقم عند إعراضهم عنه ومخالفتهم له على ما ذكرنا مما كان من ذلك عند عودة موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام وإذا كان ذلك على ما وصفنا بان لكم أرشدكم الله أن طريق الاستدلال بأخبارهم عليهم السلام على سائر ما دعينا إلى معرفته مما لا يدرك بالحواس أوضح من الاستدلال بالأعراض إذ كانت أقرب إلى البيان على حكم ما شوهد من أدلتهم المحسوسة مما اعتمدت عليه الفلاسفة ومن اتبعهم من أهل الأهواء واغتروا بها
لبعدها عن الشبه كما ذكرنا وقرب من أخلد ممن ذكرنا إلى الاستدلال به من الشبه ولذلك ما منع الله رسله من الاعتماد عليه لغموض ذلك على كثير ممن أمروا بدعائهم وكلفوا عليهم السلام إلزامهم فرضه
فأخلد سلفنا رضي الله عنهم ومن اتبعهم من الخلف الصالح بعد ما عرفوه من صدق النبي فيما دعاهم إليه من العلم بحدثهم ووجود المحدث لهم بما نبههم عليه من الأدلة إلى التمسك بالكتاب والسنة وطلب الحق في سائر ما دعوا إلى معرفته منها والعدول عن كل ما خالفها لثبوت نبوته عندهم ونبههم بصدقه فيما أخبرهم به عن ربهم لما وثقته الدلالة لهم فيه وكفتهم العبرة بما ذكرناه له
وأعرضوا عما صارت إليه الفلاسفة ومن اتبعهم من القدرية وغيرهم من أهل البدع من الاستدلال بذلك على ما كلفوا معرفته لاستغنائهم بالأدلة الواضحة في ذلك عنه وإنما صار من أثبت حدث العالم والمحدث له من الفلاسفة إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر لدفعهم الرسل وإنكارهم لجواز مجيئهم
وإذا كان العلم قد حصل لنا بجواز مجيئهم في العقول وغلط من دفع ذلك وبان صدقهم بالآيات التي ظهرت عليهم لم يسع لمن عرف من ذلك ما عرفه أن يعدل عن طرقهم إلى طرق من دفعهم وأحال مجيئهم
فلما كان هذا واجبا كما ذكرناه عند سلف الأمة والخلف رحمة الله عليهم كان اجتهاد الخلف في طلب أخبار
النبي والاحتياط في عدالة الرواة لها واجبا عندهم ليكونوا فيما يعتقدونه من ذلك على يقين
ولذلك كان أحدهم يرحل إلى البلاد البعيدة في طلب الكلمة تبلغه عن رسول الله حرصا عل معرفة الحق من وجهه وطلبا للأدلة الصحيحة فيه حتى تثلج صدورهم بما يعتقدونه وتسكن نفوسهم إلى ما يتدينون به
ويفارقوا بذلك من ذمة الله في تقليده لمن يعظمه في سادته بغير دلالة تقتضي ذلك ولما كلفهم الله تعالى ذلك وجعل أخبار نبيه طريقا إلى المعارف بما كلفهم إلى آخر الزمان حفظ أخباره في سائر الأزمنة ومنع من تطرق الشبه عليها حتى لا يروم أحد تغيير شيء منها أو تبديل معنى كلمة قالها إلا كشف الله عز
وجل سره وأظهر في الأمة أمره حتى يرد ذلك عليه العربي والعجمي ومن قد أهل لحفظ ذلك من حملة علمه والمبلغين عنه
كما حفظ كتابه حتى لا ينطق أحد من أهل الزيغ على تحريك حرف ساكن أو تسكين حرف متحرك إلا تبادر القراء في رد ذلك عليه مع اختلاف لغاتهم وتباين أوطانهم لما أراده الله تعالى من صحة الأداء عنه
ووقوع التبليغ لما أتى به نبينا إلى من يأتي في آخر الزمان لانقطاع الرسل بعده واستحالة خلوهم من حجة الله عليهم
حتى قد ظهرذلك بينهم وأيست من نيله خواطر المنحرفين عنه
وجعل الله ما حفظه من ذلك وجمع القلوب عليه حجة على من تعبد بعده بشريعته ودلالة لمن دعا إلى قبول ذلك ممن لم يشاهد الأخبار وأكمل الله تعالى لجميعهم طرق الدين وأغناهم عن التطلع إلى غيرها من البراهين ودل
على ذلك بقوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا وليس يجوز أن
يخبر الله تعالى عن إكماله الدين مع الحاجة إلى غير ما أكمل لهم الدين به
وبين النبي معنى ذلك في حجة الوداع لمن كان بحضرته من الجم الغفير من أمته عنداقتراب أجله ومفارقته لهم بقوله اللهم هل بلغت
فلو كنا نحتاج مع ما كان منه في معرفة ما دعانا إليه إلى ما رتبه أهل البدع من طرق الاستدلال لما كان مبلغا إذ كنا نحتاج في المعرفة بصحة ما دعانا إليه إلى علم ما لم يبينه لنا من هذه الطرق التي ذكروها ولو كان هذا كما قالوا لكان فيما دعا إليه وقوله بمنزلة اللغو ولو كان ذلك كذلك لعارضه المنافقون وسائرالمرصدين لعداوته في ذلك ولم يمنعهم منه مانع كما لم يمنعهم من تعنيته في طلب الآيات ومجادلته في سائر الأوقات ولكنهم لم يجدوا سبيلا إلى الطعن لأنه لم يدع شيئا مما تهم الحاجة إليه في معرفة سائر ما دعاهم إلى اعتقاده أو مثل فعله إلا وقد بينه لهم
ويزيد هذا وضوحا قوله إني قد تركتكم على مثل الواضحة ليلها كنهارها وإذا كان هذا على ما رضينا
علم أنه لم يبق بعد ذلك عتب لزائغ ولا طعن لمبتدع إذ كان قد أقام الدين بعد أن أرسى أوتاده وأحكم أطنابه
ولم يدع لسائر من دعاه إلى توحيد الله حاجة إلى غيره ولا لزائغ طعنا عليه ثم مضى محمودا بعد إقامته الحجة وتبليغ الرسالة وأداء الأمانة والنصيحة لسائر الأمة حتى لم يحوج أحدا من أمته البحث عن شيء قد أغفله هو مما
ذكره لهم أو معنى أسره إلى أحد من أمته بل قد قال في المقام الذي لم ينكتم قوله فيه لاستحالة كتمانه على من حضره أوطى شيء منه على من شهده إني خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي ولعمري إن فيهما
الشفاء من كل أمر مشكل والبرء من كل داء معضل وإن في حراستهما من الباطل على ما تقدم ذكرنا له آية لمن نصح نفسه ودلالة لمن كان الحق قصده وفيما ذكرنا دلالة على صحة ما استندوا إلى الاستدلال وقوة لما عرفوا الحق منه
فإذا كان ذلك على ما وصفنا فقد علمتم بهت أهل البدع لهم في نسبتهم لهم إلى التقليد وسوء اختيارهم في المفارقة لهم والعدول عما كانوا عليه معهم وبالله التوفيق" ا.هـ["رسالة إلى أهل الثغر"ص5ـ7]
وقال الخطابي-رحمه الله-:" فإن قال هؤلاء القوم : فإنكم قد أنكرتم الكلام ومنعتم استعمال أدلة العقول فما الذي تعتمدون عليه في صحة أصول دينكم ومن أي طريق تتوصلون إلى معرفة حقائقها وقد علمتم أن الكتاب لم يعلم حقه وأن الرسول لم يثبت صدقة إلا بأدلة العقول وأنتم قد نفيتموها ؟ )
قال أبو سليمان : ( قلنا : إنا لا ننكر أدلة العقول والتوصل بها إلى المعارف ولكنا لا نذهب في استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها على حدوث العالم وإثبات الصانع ونرغب عنها إلى ما هو أوضح بيانا وأصح برهانا وإنما هو شيء أخذتموه عن الفلاسفة وتابعتموهم عليه وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون النبوات ولا يرون لها حقيقة فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء فأما مثبتوا النبوات فقد أغناهم الله تعالى عن ذلك وكفاهم كلفة المؤونة في ركوب هذه الطريقة المنعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها والإيداع والانقطاع على سالكها "ا.هـ["الغنية عن الكلام وأهله"بواسطة "درء تعارض العقل والنقل"424،ونقله عنه السيوطي في"صون المنطق والكلام"ص94]
وقال الغزالي-رحمه الله-:"فليت شعري متى نقل عن النبي –صلى الله عليه وسلم-أو عن الصحابة –رضي الله عنهم-إحضار أعرابي أسلم،وقوله له:"الدليل على أن العالم حادث أنه لا يخلو عن الأعراض،وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث"ا.هـ["فيصل التفرقة"ص127،وانظر ص202،203]
وقال الآمدي-رحمه الله-بعد أن عرض دليل الأعراض وحدوث الأجسام:"وهو عند التحقيق سراب غير حقيق"ا.هـ["غاية المرام"ص187-191]
وانظر كلام ابن رشد الحفيد في:"الكشف عن مناهج الأدلة"ص43...
بارك الله فيكم , نقولات قيّمة جدا و فيها فوائد جليلة
عزام
21-Feb-2007, 08:30 AM
أخي الكريم عبد الله
لقد أردتَ تنظيم الحوار ، وجعلتَ سببه أنني آخذ ما أحب الرد عليه وأدع ما لا مفر لي منه .. وسكتُ عنك بغية الهدف المتفق عليه وهو تنظيم الحوار .
والآن أنت تقع فيما اتهمتني به ، فتأخذ من كلامي ما يحلو لك ، وتدع معظمه وأصله .
أما الأخ أبو عبد الله ، فأنا لن أجيب عنك أخي الكريم حتى لا يتشتت الحوار ويكثر الكلام ، فنعود إلى ما اتفقنا على تركه .
أنا أريد محاوراً واحداً ، وليكن الشيخ عبد الله أو من تختارونه .
لقد سألتموني عن استعمال السلف للفظ الجارحة والجسم ، وأنا أجبت بالإيجاب وذكرت دلائل قولي .
والواجب عليكم أن تنقضوا ما ذكرتُه واحداً واحداً ثم تعارضوني بما أردتم .. أو تقروا بصحة قولي ، أو تضعوا نقاط الاتفاق من كلامي معكم ، وتحددوا نقاط الاختلاف .
أما أن تدعوا أكثر كلامي ، وتعارضوني بنقولات في غير محل النزاع ، أو نقولات قد أجبتُ عنها ولم تنقضوا جوابي ؛ فهذا ليس من أدب الحوار ولا من فقه المحاورة .
ملاحظة :
* في كلامك أخي أبو عبد الله الحضرمي ما هو مطلب حق كنص كلام الدارمي لكن لن أجيبك حتى ينتظم الحوار بما طلبتُه منكم ، والنص عندي وسآتيك به .
* غداً عندي اختبار جامعي ، وسأجيب عليكم بعده إن شاء الله تعالى ، فأرجو المعذرة إن تأخرت .
أكرر طلبي ورجائي بالنظر إلى سؤالكم الذي حددتموه لتنظيم الحوار ، ثم إلى جوابي ونقضه كله على نفس الترتيب الذي كتبت به الجواب .
وجزاكم الله خيراً .
عبدالله القحطاني
21-Feb-2007, 04:43 PM
أيها الإخوة الكرام...
هذا كلام الإمام الدارمي-رحمه الله- الذي يدعي أخونا عزام أنه لا يتوقف في إطلاق لفظ"الجسم"و"الجارحة"ونحوها؛واحكموا حيئذٍ أينا ....؟!
"وأما قولك كجسم على جسم فإنا لا نقول إنه كجسم على جسم لكنا نقول رب عظيم وملك كبير نور السموات والأرض وإله السموات والأرض على عرش مخلوق عظيم فوق السماء السابعة دون ما سواها من الأماكن من لم يعرفه بذلك كان كافرا به وبعرشه والأنوار المخلوقة ليس منها نور إلا وله ضوء ساطع ومنظر رائع فكيف النور الأعظم خالق الأنوار الذي ليس كمثله شيء"ا.هـ["نقض الإمام الدارمي"ص422]
"فيقال لهذا المعارض أما ما ادعيت أن قوما يزعمون أن لله عينا فإنا نقوله لأن الله قاله ورسوله وأما جارح كجارح العين من الإنسان على التركيب فهذا كذب ادعيته عمدا لما أنك تعلم أن أحدا لا يقوله غير أنك لا تألو ما شنعت ليكون أنجع لضلالتك في قلوب الجهال والكذب لا يصلح منه جد ولا هزل فمن أي الناس سمعت أنه قال جارح مركب فأشر إليه فإن قائله كافر فكم تكرر قولك جسم مركب وأعضاء وجوارح وأجزاء كأنك تهول بهذا التشنيع علينا أن نكف عن وصف الله بما وصف نفسه في كتابه وما وصفه الرسول
ونحن وإن لم نصف الله بجسم كأجسام المخلوقين ولا بعضو ولا بجارحة لكنا نصفه بما يغيظك من هذه الصفات التي أنت ودعاتك لها منكرون فنقول إنه الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ذو الوجه الكريم والسمع السميع والبصر البصير نور السموات والأرض وكما وصفه الرسول"ا.هـ[ص828]
"وأما قول من زعم أنه خرج من جسم فهو كافر فليس يقال كذلك ولا أراك سمعت أحدا يتفوه به كما ادعيت غير أنا لا نشك أنه خرج من الله تبارك وتعالى دون من سواه وذكر الجسم والفم واللسان خرافات وفضول مرفوعة عنا لم نكلفه في ديننا ولا يشك أحد أن الكلام يخرج من المتكلم
وأما قولك إنه جزء منه فهذا أيضا من تلك الفضول وما رأينا أحدا بصفه بالأجزاء والأعضاء جل عن هذا الوصف وتعالى والكلام صفة المتكلم لا يشبه الصفات من الوجه واليد والسمع والبصر ولا يشبه الكلام من الخالق والمخلوق سائر الصفات وقد فسرنا لك في صدر هذا الكتاب تفسيرا فيه شفاء إن شاء الله"ا.ه.[ص899]
"وهذا الذي تكرره مرة بعد مرة جارح وعضو وما أشبهه حشو وخرافات وتشنيع لا يقوله أحد من العالمين وقد روينا روايات السمع والبصر والعين في صدر هذا الكتاب بأسانيدها وألفاظها عن رسول الله فنقول كما قال ونعني بها كما عنى والتكييف عنا مرفوع وذكر الجوارح والأعضاء تكلف منك وتشنيع"ا.هـ[ص689]
مع مراعاة ما ذكره الشيخ/أبو عبدالله الحضرمي أولاً من التفريق بين مقام الرد والمناقشة الذي يستدعي التحليل و الاستفسار عن المعاني،ومقام التسمية والوصف والتأصيل...
محمد الغانم
22-Feb-2007, 01:21 AM
جزاك الله خيرا ً يا شيخنا الفاضل عبدالله القحطاني ، وجزاك الله خيرا ً يا أبا عبدالله الحضرمي .. وجميع الإخوة المشاركين .
وأعتذر للانقطاع بسبب انشغالي برسالة علمية اسأل الله سبحانه أن يتمها على ّ بأحسن وجه .
أخي الكريم عزام : لا أدري كيف أبدأ معك ؟ عجيب أمرك لا تنهى عن خلق وتأتي مثله .
وأعلم قبل كل شيء أننا لا نريد المكابرة ووالله لو أتضح الحق فأنا ( و الإخوة فيما أحسبهم ) أول من يرجع له ، ولا نريد النقاش للانتصار لرأي أو للنفس ، بل إننا محاسبون فيما نكتب ، وأريد جميع الإخوة أن يستحضروا فيما يكتبون أن من العظائم القول على الله بلا علم قال الله تعالى : (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ) وقال الله تعالى ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) وقال الله تعالى : ( وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) والآيات والأحاديث كثيرة جدا ً في هذا المعنى وهذا الوعيد الشديد .
وأريد أن أنبهك إلى أمور
أولا ً : لا تخوفنا من كل شيء تخاف منه تقول فيه هذا ليس من أدب الحوار . يسألك الشيخ عبدالله ثم لا تجيبه وتسأله سؤال آخر ثم لما لم يجبك يقول أنا ملتزم بما سألتك به ، قلت هذا ليس من آداب الحوار . أرجع للنقاش وتـأمل .
فالذي لا يروق لك لا تصنفه من المخلات بأدب الحوار .
ثانيا ً : اسألك وأنا جاد في سؤالي هل تقرأ جميع ما يكتب من رد أم تتصفحه بشكل سريع ؟
والذي حملني على سؤالي هذا أن في الردود عليك اسألة وأشياء كثيرة تتجاهلها وتغفلها ، ثم تزعم أننا نغفل ما لا نريد الإجابة عنه .
ثالثا ً : في ردودك السابقة على ّ قلت أنني استفصل في الكيف للتنزيه ( ولا أعرف طريقة الاقتباس وإلا أتيت بكلامك ) سبحان الله ما فائدة نقاشي لك ألم أقل لك أن الخوض في الكيف ممنوع ، ألم أوضح لك أن السلف قالوا بأن طرق معرفة الكيفية ثلاثة وكلها لم تحصل و أن الله ( ليس كمثله شيء ) ماذا تريد بعد هذا ألا يكفيك القرآن ؟
رابعا ً : دائما ً تكثر من المراوغة ، يرد عليك في كلامك ثم تعيده بصياغة أخرى .
والأعظم من هذا أنه كما يقال " رمتني بدائها وانسلت " تشتت الحوار وتراوغ ثم تقول إننا شتتنا الحوار وتلومنا ، والشيخ عبدالله ما شتت الحوار إلا بعد ما رأى منك كثرة الخروج عن المعنى المقصود .
خامسا ً : كيف تطالبنا بعدم مطالبتك بالعزو من الكتب ؟ الشيخ عبدالله أكثر لك من النقول عن السلف ، فأنت لما تزعم أن هذا مذهب السلف هات كلامهم من كتبهم ودع عنك الكلام الإنشائي . ونريد العزو بالكتاب والجزء والصفحة والطبعة ليسهل الرجوع لها . وهذا بعد أن تنتهي من اختباراتك عسى الله أن يوفقك ويسددك ويهديك وينفع بك المسلمين .
سادسا ً : قولك : ( لو افترضنا عدم استعمال السلف لهذه الألفاظ ، فما حكم استعمالها عندك )
السلف لم يستعملوا هذه الألفاظ ، ونقل لك الشيخ عبدالله أن السلف يحذرون من وصف الله بما لم يصف به نفسه نفيا ً أو إثباتا ً .
وهات هذه الألفاظ من الكتاب أو السنة أن كانت جائزة في حق الله سبحانه وتعالى .
سابعا ً : قولك : ( مفهوم كلامهم .. إذ أنه قد تواتر عنهم نفي الكيف عن الذات والصفات ، والجسم داخل في كيف الذات ، والجارحة داخلةٌ في كيف اليد .. ومن جهة أخرى ، فإنكم تقولون بإثبات المعنى ونفي الكيف . والجسم إن أن يكون من معن الذات أو من كيفها ، والجارحة إما أن تكون من معنى اليد أو من كيفها .. فيلزمكم إما الإثبات أو النفي ، ويبطل التوقف وهو المطلوب ).
سبق أن قلت قبل هذا منظوق كلامهم .. وطالبناك بالنقل ، ونحن ننتظر .
أما قولك مفهوم كلامهم فهذا أعجب ما عندك ، وسؤالي لك أهو مفهوم موافقة أم مفهوم مخالفة ؟
أما قولك تواتر عنهم نفي الكيف عن الذات والصفات ، فنعم . والجسم داخل في كيف الذات فلا ، ونقول عادت حليمة لعادتها القديمة وسبق أن قلت لك هذا خوض في الذات وهو منهي عنه فأنت بهذه الطريقة شبهت قبل أن تنفي الجسم أشعرت أم لم تشعر .
أما قولك بأن الجارحة من معنى اليد أو من كيفها ، فأطالبك بأثبات هذا في اللغة ، أما الكيف فسبق الكلام عليه مرارا ً أتركه .
ثامنا ً : قولك : ( نقل الثقات العارفين بمنهج السلف، واستعمالهم لتلك الألفاظ على الوجه الذي قررناه .. فمنهم الإمام الدارمي في الرد على بشر ، وابن عبد البر في التمهيد ، والإسماعيلي في معتقد أهل الحديث ، والسجزي في رسالة أهل زبيد ، وغيرهم ).
هات نص كلامهم مع العزو ولو بعد حين فالوقت موسع لك .
تاسعا ً : قولك : ( أننا لو افترضنا عدم الورود ، فليس هو حكمٌ بالعدم ، بل احتمال وقوعه وعدم بلوغه لنا جائزٌ ، وليس عند المخالف ما يثبت العكس علىالجهة التي نقررها نحن هنا ). قد أجابك أخونا أبا عبدالله الحضرمي فلا أعيد .
عاشرا ً : قولك : "أن المهم في إثبات االألفاظ أو نفيها هو معانيها .. والجسم والجارحة إما أن يكون معنى نفيها مقبولاً أو باطلاً ، فعلى الأول فالمشاحةفي الألفاظ سهلةٌ ولا كبير ضير فيها . وعلى الثاني فيجب عليكم إثبات اللفظ لأن نفي معناه عندكم باطل ، فيلزم إثبات لفظه ، وعلى كلا التقديرين يبطل التوقف ، وهو المطلوب "
لا ، ولا نسلم لك هذا أبدا ً الألفاظ الشرعية لها حرمتها ، وقد أهتم السلف بالإلتزام بالألفاظ الشرعية ، سبق أن نقل لك الشيخ عبدالله عدة نقول .
وأعلم للفائدة أن الباطنية طولوا وعرضوا في حجة باهته زائفة قالوا المعاني هي التي توضح اللفظ ثم استعملوا تأويلهم الباطني المعروف الذي كفرهم به علماء الإسلام .
الحادي عشر : في نقلك كلام شيخ الإسلام بتر واضح ، فإن كان هذا نقل منك مباشرة فانتبه أن بهذه الطريقة لن تتوصل إلى الحق ، أما إن كان هذا من حفظك أو مرجع آخر ينقل عنه أو يرد عليه فليس هذا من أسلوب البحث في شيء .
الثاني عشر : قولك : " أنه ليس في كلامهم ما يدعو إلى الاستشكال ، فغاية ما فيه وصف الله تعالى بما وصف نفسه وعدم تجاوز ذلك ..ونفي الجسم والجارحة هو مماوصف الله نفسه في نفيه المماثلة ، ونفيه النقص عن نفسه . وإثبات الجسم والجارحة تمثيل ونقصٌ فوجب نفيه ".
أسالك هل أنت تكابر هداك الله ؟ وفي كلامك هذا أدنت نفسك بقولك " فغاية ما فيه وصف الله تعالى بما وصف نفسه وعدم تجاوز ذلك . نعم هذا هو الذي نطالبك به . ثم قلت ونفي الجسم والجارحة هو مما وصف الله نفسه في نفي المماثلة .. لا حول ولا قوة إلا بالله أنى لك هذا . قال الشاعر :
يقضى على المرء في إيام محنته ... حتى يرى حسنا ً ما ليس بحسن
فأنت يا أخي متشبع بأسلوب المناطقة تأتي بمقدمة صحيحة ثم تخرج نتيجة فاسدة .
وتقول وإثبات الجسم والجارحة تمثيل ونقص فوجب نفيه ... ما رأيك لو قلت لك ونفي الجسم والجارحة تعطيل وإنكار لأسماء الله وصفاته ... فلو قلت لي لا يلزم هذا ، لقلت لك وردُّ اللفظ من أساسه لا يلزم منه التمثيل والنقص ..
عموما الكلام يطول في الرد على احتجاجتك .
أما طلبك بأن يكون النقاش مع أحدنا فلماذا ؟ أنت دخلت في الحوار ونحن موجودون فيه .
وإن أردت هذا فبعد أن يأذن لي شيخي عبدالله القحطاني فأنا أول من يمتنع .
وأنا أقترح إعادة النقاش من البداية حول قواعد السلف أهل السنة في باب الصفات ثم تطبيقها على الإثبات والنفي .
وفي الختام أقول : اللهم أرنا الحق حقا ً وأرزقنا أتباعه ، وأرنا الباطل باطلا ً وأرزقنا أجتنابه .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آلـه وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
عبدالله القحطاني
22-Feb-2007, 01:49 AM
شكر الله لكم فضيلة الشيخ/محمد الغانم على هذه المناقشة العلمية؛و أسأله -تعالى- أن يرينا الحق حقاً؛ويرزقنا اتباعه،ويرينا الباطل باطلاً؛ويرزقنا اجتنابه...
vBulletin® v3.8.5, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir
منتديات