المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تَوحِيدُالأسمَاءوَالصفَاتِ:منزلتُه،أصولُه،خصائصُهُ (الحلقة السادسة) -الرد على المفوضة-


عبدالله القحطاني
13-Dec-2006, 12:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه الحلقة السادسة من هذه السلسلة المباركة،و قد خصصتها للرد على مذهب التفويض ؛ بمناسبة الكلام على نوع الإثبات الذي عليه أهل السنة والجماعة،و أعتذر عن تأخرها عن سابقتها؛نظراً لبعض العوارض،و بالله التوفيق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ
المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : بَيَانُ نَوْعِ هَذَا الإثْـبَاتِ ، وَهُو إِثْبَاتُ أَلْفَاظِ الأَسْمَاءِ ، وَ الصِّفَاتِ الوَارِدَةِ فِي الكِتَابِ وَالسُّـنَّةِ مَع مَا تَضَمَّـنَتْهُ مِن المَعَانِي ؛ خِلافَـاً لأَهْلِ التَّحْرِيْفِ ( التَّـأْويْلِ ) ، وَ التَّفْوِيْضِ :

-إنَّ إثبات الأسماء و الصفات الواردة في الكتاب و السنة يتضمن : إثبات ألفاظها كما وردت من غير زيادة و لا نقصان ، و اعتقاد ما تدل عليه من المعاني اللائقة بالله -تعالى- ؛ بحسب مقتضى اللسان العربي ، و دلالة السياق ؛ فليست معانيها مما لا يُمكن للمكلَّف فهمه كما يقول أرباب التفويض ، و ليست بعيدةً عن مُقْتَضَى اللسان العربي ، و لا عن سياق الكلام كما يقول أرباب التحريف (التأويل)؛لا سيما وأنها أكثر علوم القرآن ذكراً،و قد تنوعت دلالته عليها ما لم تتنوع على الدلالة على ما سواها؛"فقد تطابقتْ نصوص الكتاب و السنة و الآثار على إثبات الصفات لله ،و تنوعت دلالتها عليها أنواعاً تُوجب العلم الضروري بثبوتها ،و إرادة المتكلِّم اعتقادَ ما دلت عليه.
-و القرآن مملوءٌ من ذِكْر الصفات ،و السنة ناطقةٌ بمثل ما نطق به القرآن ،مقرِّرة له ،مصدقة له ،مشتملة على زيادة في الإثبات :
-فتارة بذِكْر الاسم المشتمل على الصفة كالسميع ،البصير ،العليم ،القدير، العزيز ،الحكيم.
-و تارة بذِكْر المصدر –و هو الوصف الذي اشتُقَّتْ منه تلك الصفةُ- كقوله : "أنزله بعلمه"[النساء:166]، و قوله : "إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين"[الذاريات:58]، و قوله : " إني اصطفيتك على الناس برسالاتي و بكلامي"[الأعراف:144]، و قوله : "قال فبعزتك لأغوينَّهم أجمعين"[ص:82]، و قوله –صلى الله عليه و سلم- في الحديث الصحيح : "حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ،و قوله في دعاء الاستخارة : "اللهم إني أستخيرك بعلمك ،و أستقدرك بقدرتك" ،و قوله : "أسألك بعلمك الغيب ،و قدرتك على الخلق" ،و قول عائشة : " الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات" ،و نحوه.
-و تارة يكون بذكْرِ حُكْم تلك الصفةِ كقوله –تعالى- : "قد سمع الله"[المجادلة:1]، و : "إنني معكما أسمع وأرى"[طه:46]، و قوله : "فقدرنا فنعم القادرون"[المرسلات:23]، و قوله : "علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم"[البقرة:187]، و نظائرِ ذلك.
و يصرِّح في الفوقية بلفظِها الخاصِّ ،و بلفظ "العلو" و "الاستواء" و "أنه في السماء" و "أنه ذو المعارج" و "أنه رفيع الدرجات" و "أنه تعرج إليه الملائكه" و "تنـزل من عنده" و "أنه ينزل إلى سماء الدنيا" و "أن المؤمنين يرونه بأبصارهم عياناً" من فوقهم ،إلى أضعاف أضعاف ذلك مما لو جُمعت النصوص ،و الآثار فيه لم تَنْقص عن نصوص الأحكام و آثارها".["الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"1/320-324]
ثم إنه –تعالى- يذكر صفاته، و يقرِّرها عند ذكر آلهة المشركين "-التي عبدوها من دونه ،و جعلوها شركاء له- ؛فيذكر –سبحانه- من صفات كماله ،و علوه على عرشه ،و تكلمه ،و تكليمه ،و إحاطة علمه ،و نفوذ مشيئته ما هو منتفٍ عن آلهتهم ؛فيكون ذلك من أدلِّ الدليل على بطلان إلهيتِها ،و فساد عبادتها من دونه.
و يذكر ذلك عند دعوته عبادَه إلى ذكره ،و شكْره ،و عبادته ؛ فيذكر لهم من أوصاف كماله ،و نعوت جلاله ما يجذب قلوبَهم إلى المبادرة إلى دعوته ،و المسارعة إلى طاعته ،و التنافس في القرب منه.
و يذكر صفاته –أيضاً- عند ترغيبه لهم ،و ترهيبه ،و تخويفه ؛لتعرف القلوب مَنْ تخافه ،و ترجوه ،و ترغب إليه ،و ترهب منه.
و يذكر صفاته –أيضاً- عند أحكامه ،و أوامره ،و نواهيه ،فقلَّ أَنْ تجد آية حُكْمٍ من أحكام المكلَّفين إلا و هي مختتمة بصفةٍ من صفاته ،أو صفتين ،و قد يَذْكر الصفة في أول الآية ،و وسطها ،و آخرها كقوله –تعالى- : "قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها و تشتكي إلى الله و الله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير"[المجادلة:1] ، فيذكر صفاته عند سؤال عباده لرسوله –صلى الله عليه و سلم- عنه ،و يذكرها عند سؤالهم له عن أحكامه حتى إنَّ الصلاة لا تنعقد إلا بذكر أسمائه و صفاته ؛فذِكْر أسمائه و صفاته روحها ،و سرها ،يصحبها من أولها إلى آخرها ،و إنما أمر بإقامتها ليذكر بأسمائه و صفاته .
و أمر عباده أن يسألوه بأسمائه و صفاته ؛ففتح لهم باب الدعاء رغباً و رهباً ليذكره الداعي بأسمائه و صفاته ؛فيتوسل إليه بها ،و لهذا كان أفضل الدعاء ،و أجوبه ما توسل فيه الداعي إليه بأسمائه و صفاته ؛قال الله –تعالى- : "و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها"[الأعراف:180] ، و كان اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين آية الكرسي ،و فاتحة "آل عمران" لاشتمالهما على صفة "الحياة" المصحِّحَة لجميع الصفات ،و صفة "القيومية" المتضمنة لجميع الأفعال ؛و لهذا كانت سيدة آي القرآن ،و أفضلها ؛و لهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن ؛لأنها أُخلصت للخبر عن الرب –تعالى- و صفاته دون خلقه و أحكامه و ثوابه و عقابه ،و سمع النبي –صلى الله عليه و سلم- رجلاً يدعو : "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله -الذي لا إله إلا أنت ،المنان ،بديع السماوات و الأرض - ،ياذا الجلال و الإكرام ،يا حي يا قيوم" ،و سمع آخر يدعو : "اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله -الذي لا إله إلا أنت- ،الأحد ،الصمد -الذي لم يلد ،و لم يولد ،و لم يكن له كفوا أحد" ؛فقال لأحدهما : "لقد سألت الله باسمه الأعظم -الذي إذا دُعي به أجاب ،و إذا سُئل به أَعطى" ،و قال للآخر : "سَلْ تُعْطَه" ؛و ذلك لما تضمنه هذا الدعاء من أسماء الرب و صفاته ،و أحب ما دعاه الداعي به أسماؤه و صفاته ،و في الحديث الصحيح عنه أنه قال : "ما أصاب عبداً قط هم ،و لا حزن فقال : "اللهم إني عبدك ،و ابن عبدك ،و ابن أمتك ،ناصيتي بيدك ،ماضٍ فيَّ حكمك ،عدل فيَّ قضاؤك ،أسألك بكل اسم هو لك :سميت به نفسك ،أو علمته أحداً من خلقك ،أو استأثرت به في علم الغيب عندك أَنْ تجعل القرآن ربيع قلبي ،و نور صدري ،و جِلاء حزني ،و ذهاب همي و غمي" إلا أذهب الله همَّه و غمَّه ،و أبدله مكانه فرحاً" ؛قالوا : "أفلا نتعلمهن يا رسول الله؟ قال : "بلى ،ينبغي لمن يسمعهن أن يتعلمهن".
و قد نبه –سبحانه- على إثبات صفاته و أفعاله بطريق المعقول ؛فاستيقظت لتنبيهه العقول الحيَّة ،و استمرت على رقدتها العقول الميتة :
فقال الله –تعالى- في صفة "العلم" : "ألا يعلم مَنْ خلق و هو اللطيف الخبير"[الملك:14] ، فتأمَّل صحة هذا الدليل مع غاية إيجاز لفظه و اختصاره.
و قال –سبحانه- : "أفمن يخلق كمن لا يخلق"[ النحل:17] ، فما أصح هذا الدليل ،و ما أوجزه.
و قال –تعالى- في صفة "الكلام" : "و اتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم و لا يهديهم سبيلاً"[ الأعراف:148] ، نبه بهذا الدليل على أنَّ مَن لا يكلِّم ،و لا يَهدي لا يصلح أنْ يكون إلهاً ، و كذلك قوله في الآية الأخرى عن العجل: "أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً و لا يملك لهم ضراً و لا نفعاً"[طه:89] ،
فجعل امتناع صفة الكلام ،و التكليم ،و عدم ملك الضر و النفع دليلاً على عدم الإلهية ،و هذا دليل عقلي سمعي على أنَّ الإله لا بدَّ أَنْ يكلم ،و يتكلم ،و يملك لعابده الضر و النفع ،و إلا لم يكن إلهاً.
و قال –تعالى- : "ألم نجعل له عينين و لساناً و شفتين و هديناه النجدين"[البلد:8-10] ،نبَّهك بهذا الدليل العقليِّ القاطع أَنَّ الذي جعلك تبصر ،و تتكلم ،و تعلم أولى أَنْ يكون بصيراً ،متكلِّماً ،عالماً ؛فأيُّ دليل عقلي قطعي أقوى من هذا ،و أبين و أقرب إلى المعقول.
و قال –تعالى- في آلهة المشركين المعطِّلين : "ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيدٍ يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها"[الأعراف:195] ، فجعل –سبحانه- عدم البطش ،و المشي ،و السمع ،و البصر دليلاً على عدم إلهية مَنْ عدمت فيه هذه الصفات ،فالبطش و المشي من أنواع الأفعال ،و السمع و البصر من أنواع الصفات ،و قد وصف نفسه –سبحانه- بضدِّ صفة أربابهم ،و بضد ما وصفه به المعطِّلة و الجهمية ؛فوصف نفسه بالسمع و البصر و الفعل باليدين ،و المجيء و الإتيان وذلك ضد صفات الأصنام -التي جَعَل امتناعَ هذه الصفات عليها منافياً لإلهيتها- ؛فتأمل آيات التوحيد ،و الصفات في القرآن على كثرتها ،و تفننها ،و اتساعها ،و تنوعها :كيف تجدها كلَّها قد أثبتت الكمال للموصوف بها ،و أنه المتفرد بذلك الكمال ؛فليس له فيه شبهٌ و لا مثالٌ".["الصواعق المرسلة"3/910-916]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ
-و لا يلزم من إثبات هذه المعاني التمثيل أو التكييف ؛ فهما شئ وراء ذلك ، و سيأتي بيان ذلك بالتفصيل في الكلام على الأصلين : الثاني و الثالث بإذن الله –تعالى-.

-و سأذكر هنا الأدلة على التمكُّن من فهم هذه المعاني ، و أبيِّن أن هذا مما أجمع عليه السلف -رحمهم الله- ، و أذكر شبه المفوِّضة ، و الردَّ عليها مستعيناً بالله –تعالى-.

-و قبل البدء في ذلك أُنَـبِّه إلى أنَّ مما يحول بين القلب وبين فهم القرآن عموماً ، وفهم نصوص الأسماء والصفات خصوصاً ما أشربه القلب من المعاصي والبدع ؛ كما قال ابن قيم الجوزية -رحمه الله-(ت751)و هو يفسر قوله –تعالى- :"لا يمسه إلا المطهرون"[الواقعة:79]: "و دلت الآية بإشارتها ،و إيمائها على أنه لا يدرك معانيه ،و لا يفهمه إلا القلوب الطاهرة ،و حرام على القلب المتلوِّث بنجاسة البدع ،و المخالفات أن ينال معانيه ،و أن يفهمه كما ينبغي ،قال البخاري في صحيحه في هذه الآية : "لا يجد طعمه إلا مَنْ آمن به"،و هذا –أيضاً- من إشارة الآية ،و تنبيهها ،و هو أنه لا يلتذ به ،و بقراءته ،و فهمه ،و تدبره إلا من شهد أنه كلام الله ،تكلم به حقاً ،و أنزله على رسوله –صلى الله عليه و سلم- وحياً ،و لا ينال معانيه إلا مَنْ لم يكن في قلبه حرجٌ منه بوجه من الوجوه ؛فمَنْ لم يؤمن بأنه حقٌّ من عند الله ففي قلبه منه حرج ،و من لم يؤمن بأن الله –سبحانه- تكلم به وحياً ،و ليس مخلوقاً من جملة مخلوقاته ففي قلبه منه حرج ،و من قال : "إنَّ له باطناً يخالف ظاهره ،و إنَّ له تأويلاً يخالف ما يُفهم منه" ففي قلبه منه حرج ،و من قال : "إنَّ له تأويلاً لا نفهمه ،و لا نعلمه ؛و إنما نتلوه متعبدين بألفاظه" ففي قلبه منه حرج ،و من سلَّط عليه آراء الآرائيين ،و هذيان المتكلمين ،و سفسطة المسفسطين ،و خيالات المتصوفين ففي قلبه منه حرج ،و من جعله تابعاً لنحلته ،و مذهبه ،و قول مَنْ قلده دينه ؛ ينـزِّله على أقواله ،و يتكلف حمله عليها ففي قلبه منه حرج ،و من لم يحكِّمه ظاهراً و باطناً في أصول الدين و فروعه ،و يسلم ،و ينقاد لحكمه أين كان ففي قلبه منه حرج ،و من لم يأْتَمِر بأوامره ،وينـزجر عن زواجره ،و يصدق جميع أخباره ،و يحكم أمره و نهيه و خبره ،و يَرُدّ له كلَّ أَمْر و نَهْي و خَبَرٍ خالفه ففي قلبه منه حرج ،و كل هؤلاء لم تمس قلوبهم معانيه ،و لا يفهمونه كما ينبغي أن يفهم ،و لا يجدون من لذة حلاوته و طعمه ما وجده الصحابة و من تبعهم.
و أنت إذا تأملت قوله : "لا يمسه إلا المطهرون" ،و أعطيت الآية حقَّها من دلالة اللفظ ،و إيمائه و إشارته و تنبيهه و قياس الشيء على نظيره و اعتباره بمشاكله ،و تأملت المشابهة -التي عقدها الله –سبحانه- ،و ربطها بين الظاهر و الباطن - فهمت هذه المعاني كلَّها من الآية ،و بالله التوفيق"ا.ه["التبيان في أقسام القرآن"ص143-144]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ
أدلة فهم معاني الأسماءوالصفات:

-لقد دل على ذلك النقل والعقل ،أما النقل فمن عدة أوجه :

الوجه الأول : أَنَّ الله –تعالى- أخبر أنه أنزل القرآن للتدبُّر ؛فقال –تعالى- : "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته و ليتذكر أولوا الألباب "[ص:29].
و أنكر على مَنْ لم يتدبرْه ؛فقال -تعالى- : "أفلا يتدبرون القران ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً"[النساء:82]، و قال -تعالى- : "أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين" [المؤمنون:68] ،و قال -تعالى- : "أفلا يتدبرون القران أم على قلوب أقفالها" [محمد:24].
و توعَّد مَنْ أعرض عن ذلك ؛فقال –تعالى- : "ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه "[الكهف:57] ،و قال -تعالى- : "و من أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون"[السجدة:22]، و قال -تعالى- : "من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً" [طه:100].
و أنكر على من لم يفقهه ؛فقال -تعالى- : "فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً"[النساء:78].
و ذمَّه كذلك ؛فقال –تعالى- : " و منهم من يستمع إليك و جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه و في آذانهم وقراً و إن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين" [الأنعام:25] ، و قال -تعالى- : " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه و في آذانهم و قراً و إذا ذكرت ربك في القران وحده ولوا على أدبارهم نفوراً" [الإسراء:46]،و قال -تعالى- : "إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه و في آذانهم وقراً و إن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً"[الكهف:57].
و ذمَّ مَنْ كان حظُّه منه سماع الصوت ،و التلاوة دون فهم المعنى ؛فقال -تعالى- : "وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ"[البقرة:171]،و قال -تعالى- : " أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً"[الفرقان:44]،و قال -تعالى- : " وَ مِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ"[محمد:16] ،و قال -تعالى- : "وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ"[البقرة::78].

و وجه الدّلالة مِنْ ذلك من وجهين :

الوجه الأول :أَنَّ هذه النصوص تتضمن الحثَّ على تدبُّر القرآن كلِّه ، لا بعضِهِ ،و منه نصوص الأسماء و الصفات.
و التدبر يستلزم التمكُّن من فَهْم معانيه كلِّها ؛ كما يقول ابن جرير –(ت310) -رحمه الله- : "محال أنْ يُقَال لمن لا يَفهم ما يُقَال له ،و لا يَعْقِل تأويلَه : "اعتبرْ بِما لا فَهْم لك به ،و لا مَعْرفة مِن القيل و البيان" إلا على معنى الأمْرِ بأنْ يَفْهَمه ،و يفقهه ،ثم يتدبره ،و يعتبر به ،فأَمَّا قَبْل ذلك فمستحيلٌ أَمْرُهُ بتدبُّره ،و هو بمعناه جاهِلٌ ؛كما محالٌ أَنْ يُقَال لبعض أصناف الأُمم -الذين لا يعقلون كلام العرب ،و لا يفهمونه ؛لو أنشدت قصيدةَ شِعْرٍ مِنْ أَشْعار العرب ،ذات أمثال ،و مواعظ ،و حِكَمٍ- : "اعتبرْ بِما فيها من الأمثال ،و ادَّكِرْ بِما فيها من المواعظ" إلا بمعنى الأمر لهم بِفَهْم كلام العرب ،و معرفته"ا.ه.["جامع البيان عن تأويل آي القرآن"1/36-37].
و قال الخازن -رحمه الله –(741) : "أصل التدبر : النظر في عواقب الأمور ،و التفكر في أدبارها ،ثم استعمل في كل تفكر و تأمل ،و يقال : "تدبرتُ الشيءَ" أي : نظرت في عاقبته ،و معنى تدبُّر القرآنِ تأَمُّلُ معانيه ،و التفكر في حِكَمِهِ ،و تبصُّرُ ما فيه من الآيات"ا.ه.["لباب التأويل في معاني التنزيل"1/402 ،وانظر:"مدارك التنـزيل وحقائق التأويل"1/236 للنسفي].
و قال الشوكاني -رحمه الله-(ت1250) : "إِنَّ التدبر هو التأمُّل ؛لفهم المعنى ،يقال : "تدبرتُ الشيءَ" : تفكرتُ في عاقبته ،و تأملته،ثم استعمل في كل تأمُّل،و التدبير: أَنْ يدبر الإنسانُ أمْرَه ،كأنه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته".ا.ه.["فتح القدير"1/491].
و قال السعدي -رحمه الله-(ت1376) : "يأمر –تعالى- بتدبر كتابه،و هو التأمُّل في معانيه،و تحديق الفكر فيه،و في مبادئه و عواقبه،و لوازم ذلك ؛فإن تدبر كتاب الله مفتاحٌ للعلوم و المعارف،و به يُستنتج كل خير ،و تُستخرج منه جميع العلوم،و به يزداد الإيمان في القلب ،و ترسخ شجرته ؛فإنه يعرِّف بالرب المعبود،و ما له من صفات الكمال;و ما ينـزَّه عنه من سمات النقص،و يعرِّف الطريق الموصلة إليه ،و صفة أهلها،و ما لهم عند القدوم عليه،و يعرِّف العدوَّ -الذي هو العدو على الحقيقة-،و الطريق الموصلة إلى العذاب،و صفة أهلها،و ما لهم عند وجود أسباب العقاب.
و كلما ازداد العبد تأمُّلاً فيه ازداد علماً و عملاً و بصيرةً، لذلك أمر الله بذلك ،و حثَّ عليه ،و أخبر أنه[ هو] المقصود بإنزال القرآن،كما قال –تعالى- : "كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ"[ص:29]،و قال –تعالى- : "أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا"[محمد:24]"ا.ه.["تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"ص189-190،وانظر ص712،788].
و قال الشنقيطي –رحمه الله –(ت1393) : "و معلومٌ أن كل من لم يشتغل بتدبر آيات هذا القرآن العظيم –أي: تصفحها ،و تفهمها ،و إدراك معانيها ،و العمل بها- فإنه معرضٌ عنها،غيرُ متدبرٍ لها ،فيستحق الإنكار ،و التوبيخ المذكور في الآيات –إِنْ كان الله أعطاه فهماً ؛يقدر به على التدبر ،و قد شكا النبي –صلى الله عليه و سلم- إلى ربِّه من هجْر قومه هذا القرآنَ كما قال –تعالى- : "و قال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً"[الفرقان:].
و هذه الآيات المذكورة تدل على أن تدبر القرآن ،و تفهمه ،و تعلمه ،و العمل به أمرٌ لا بدَّ منه للمسلمين"ا.ه.["أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن"7/429]

و دعوى استثناءِ نصوص الأسماء و الصفات من ذلك باطلةٌ لأمرين :
الأمر الأول : أنَّها دعوى لا دليل عليها.
الأمر الثاني : أنه يلزم منها كون نصوص التدبُّر عامَّـةً يُرَاد بها الأقلُّ –و هو ما عدا نصوص الأسماء و الصفات- ، لا الكلُّ ،و لا الأكثرُ-و هو نصوص الأسماء و الصفات- ،و لا يخفى بطلان هذا.

الوجه الثاني : أَنَّ الخطاب في الآيات السابقة للكفار ،و المنافقين ؛ فدل على إمْكان فهمهم لمعاني القرآن ؛فإمكان فَهْم المؤمنين لها أولى.[انظر:"مجموع الفتاوى"4/157-158،"التحرير و التنوير" 1/450 لابن عاشور]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ
تنبيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه :

قال الشنقيطي –رحمه الله-(ت1393) : "اعلم أن قول بعض متأخري الأصوليين : "إِنَّ تدبر هذا القرآن العظيم، و تفهمه ،و العمل به لا يجوز إلا للمجتهدين خاصةً،و أن كل مَنْ لم يبلغ درجة الاجتهاد المطلق بشروطه المقررة –عندهم ،التي لم يستند اشتراطُ كثيرٍ منها إلى دليلٍ من كتاب و لا سنة و لا إجماع و لا قياس جلي،و لا أثر عن الصحابة-، قول لا مستند له من دليلٍ شرعيٍ أصلاً ،بل الحق -الذي لا شك فيه- أَنَّ كل من له قدرةٌ من المسلمين على التعلُّم و التفهم،و إدراك معانى الكتاب و السنة يجب عليه تعلمُهما،والعملُ بما علم منهما.
أمَّا العمل بهما مع الجهل بما يعمل به منهما فممنوعٌ إجماعاً.
وأمَّا ما علمه منهما علماً صحيحاً ناشئاً عن تعلُّمٍ صحيح فله أَنْ يعمل به ،و لو آية واحدة ،أو حديثاً واحداً.
و معلوم أَنَّ هذا الذمَّ ،و الإنكار على مَن لم يتدبر كتاب الله عامٌّ لجميع الناس.
و مِمَّا يوضِّح ذلك أَنَّ المخاطبين الأولين به -الذين نزل فيهم- هم المنافقون ،و الكفار،ليس أحد منهم مستكملاً لشروط الاجتهاد المقررة عند أهل الأصول،بل ليس عندهم شيء منها أصلاً، فلو كان القرآن لا يجوز أن ينتفع بالعمل به،و الاهتداء بهديه إلا المجتهدون بالإصطلاح الأصولي لَمَا وبَّخ الله الكفار ،و أنكر عليهم عدم الاهتداء بهداه،و لَمَا أقام عليهم الحجة به حتى يحصِّلوا شروط الاجتهاد المقررة عند متأخري الأصوليين،كما ترى.
و معلوم أنَّ من المقرَّر فى الأصول أنَّ صورة سبب النـزول قطعية الدخول،و إذاً فدخول الكفار و المنافقين في الآيات المذكورة قطعيٌّ،و لو كان لا يصح الانتفاع بهدي القرآن إلا لخصوص المجتهدين لَمَا أنكر الله على الكفار عدم تدبرهم كتاب الله،و عدم عملهم به.
و قد علمتَ أَنَّ الواقع خلاف ذلك قطعاً،و لا يخفى أن شروط الاجتهاد لا تشترط إلا فيما فيه مجال للاجتهاد،و الأمور المنصوصة في نصوص صحيحة من الكتاب و السنة لا يجوز الاجتهاد فيها لأحدٍ،حتى تُشْتَرَط فيها شروط الاجتهاد،بل ليس فيها إلا الاتباع،و بذلك تَعْلم أنَّ ما ذكره صاحب مراقي السعود تبعاً للقرافي من قوله:
"من لم يكن مجتهداً فالعملُ منه بمعنى النص مما يحظلُ"ا.ه
لا يصح على إطلاقه بحالٍ ؛لمعارضته لآيات و أحاديث كثيرة من غير استناد إلى دليل.
و من المعلوم أنه لا يصح تخصيص عمومات الكتاب و السنة إلا بدليلٍ يجب الرجوع إليه.
و من المعلوم أيضاً أن عمومات الآيات و الأحاديث الدَّالة على حثِّ جميع الناس على العمل بكتاب الله،و سنة رسوله –صلى الله عليه و سلم- أكثر من أن تحصى،كقوله -صلى الله عليه و سلم- : "تركت فيكم ما إِنْ تمسكتم به لنْ تضلوا كتاب الله و سنتي" ،و قوله -صلى الله عليه وسلم- : "عليكم بسنتي" الحديث،و نحو ذلك مما لا يحصى،فتخصيص جميع تلك النصوص بخصوص المجتهدين ،و تحريم الانتفاع بهدي الكتاب و السنة على غيرهم تحريماً باتَّاً يحتاج إلى دليلٍ من كتاب الله ،أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-،و لا يصح تخصيص تلك النصوص بآراء جماعات من المتأخرين المقرِّين على أنفسهم بأنهم من المقلدين.
و معلوم أن المقلد الصِّرف لا يجوز عدُّه من العلماء ،و لا من ورثة الأنبياء .
و قال صاحب مراقي السعود في : "نشر البنود" في شرحه لبيته المذكور آنفاً ما نصه : "يعني : أن غير المجتهد، "يُحظل له" أي : يُمنع أن يعمل بمعنى نصٍّ من كتاب أو سنة –و إنْ صح سندها- ؛لاحتمال عوارضه من نسخ ،و تقييد، و تخصيص ،و غير ذلك من العوارض -التي لا يضبطها إلا المجتهد-،فلا يخلصه من الله إلا تقليد مجتهد"، قاله القرافي" ا.هـ. محل الغرض منه بلفظه.
و به تعلم أنه لا مستند له،و لا للقرافي الذي تبعه في منع جميع المسلمين غير المجتهدين من العمل بكتاب الله،و سنة رسوله إلا مطلق احتمال العوارض -التي تعرض لنصوص الكتاب و السنة من نسخ ،أو تخصيص ،أو تقييد ،ونحو ذلك-،و هو مردودٌ من وجهين :

الأول : أنَّ الأصل السلامة من النسخ حتى يثبت ورود الناسخ ،و العام ظاهرٌ في العموم حتى يثبت ورود المخصص، و المطلق ظاهرٌ في الإطلاق حتى يثبت ورود المقيّد ،و النص يجب العمل به حتى يثبت النسخ بدليل شرعي،و الظاهر يجب العمل به عموماً كان ،أو إطلاقاً ،أو غيرهما حتى يرد دليل صارف عنه إلى المحتمل المرجوح،كما هو معروف في محلِّه.
و أول مَنْ زعم أنه لا يجوز العمل بالعام حتى يُبْحَث عن المخصِّص فلا يوجد ،و نحو ذلك أبو العباس ابن سريج ،و تبعه جماعاتٌ من المتأخرين،حتى حكوا على ذلك الإجماعَ حكايةً لا أساس لها.
و قد أوضح ابن القاسم العبادي في : "الآيات البينات" غلطَهم في ذلك في كلامه على شرح المحلي لقول ابن السبكي في : "جمع الجوامع" : "ويُتمسك بالعامِّ في حياة النبي -صلى الله عليه و سلم- قبل البحث عن المخصِّص،و كذا بعد الوفاة،خلافاً لابن سريج"ا.هـ.
و على كل حال فظواهر النصوص من عموم ،و إطلاق،و نحو ذلك لا يجوز تركها إلا لدليل يجب الرجوع إليه من مخصص ،أو مقيد،لا لمجرَّد مطلق الاحتمال،كما هو معلوم في محله.
فادِّعاء كثير من المتأخرين أنه يجب ترك العمل به حتى يُبْحَث عن المخصِّص،و المقيد مثلاً خلاف التحقيق.

الوجه الثاني : أن غير المجتهد إذا تعلَّم بعض آيات القرآن،أَو بعض أحاديث النبي -صلى الله عليه و سلم- ؛ ليعمل بها تعلم ذلك النص العام،أو المطلق،و تعلم معه مخصِّصَه ،و مقيِّدَه -إِنْ كان مخصَّصاً ،أو مقيَّداً-،و تعلَّم ناسخه -إن كان منسوخاً-،و تعلُّم ذلك سهل جداً بسؤال العلماء العارفين به،و مراجعة كتب التفسير ،و الحديث المعتدِّ بها في ذلك، و الصحابة كانوا في العصر الأول يتعلم أحدهم آية فيعمل بها،وحديثاً فيعمل به،و لا يمتنع من العمل بذلك حتى يحصِّل رتبة الاجتهاد المطلق،و ربما عمل الإنسان بما علم ؛فعلَّمَه ما لم يكن يعلم كما يشير له قوله –تعالى- : "وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ"[البقرة: 282] ،و قوله –تعالى- : "يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً"[الأنفال: 29] على القول بأن الفرقان هو العلم النافع -الذي يفرق به بين الحق و الباطل-،و قوله –تعالى- : "يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ"[الحديد: 28] الآية،و هذه التقوى التي دلت الآيات على أن الله يُعَلِّم صاحبها بسببها ما لم يكن يعلم لا تزيد على عمله بما علم من أمر الله ؛و عليه فهي عمل ببعض ما علم زاده الله به علم ما لم يكن يعلم.
فالقول بمنع العمل بما عَلِم من الكتاب و السنة حتى يحصِّل رتبة الاجتهاد المطلق هو عين السعي في حرمان جميع المسلمين من الانتفاع بنور القرآن حتى يحصِّلوا شرطاً مفقوداً فى اعتقاد القائلين بذلك،و ادِّعاء مثل هذا على الله ،و على كتابه ،و على سنة رسوله-صلى الله عليه و سلم- هو كما ترى"ا.ه.[أضواء البيان"7/430-434]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجه الثاني : أَنَّ الله –تعالى- أخبر أنه يسَّر القرآن ؛ ليتذكر به العباد ؛ فقال –تعالى- : " و لقد يسرنا القران للذكر فهل من مدكر"[القمر:17،22،32،40]، "أي : و لقد يسرنا ،و سهلنا هذا القرآن الكريم : ألفاظَه للحفظ و الأداء، و معانيَهُ للفهم و العلم،لأنه أحسن الكلام لفظاً،و أصدقه معنى،و أبينه تفسيراً،فكل مَنْ أقبل عليه يسر الله عليه مطلوبه غاية التيسير،و سهله عليه.
و الذكر شامل لكل ما يتذكر به العاملون من الحلال و الحرام،و أحكام الأمر و النهي،و أحكام الجزاء و المواعظ و العبر،و العقائد النافعة ،و الأخبار الصادقة،ولهذا كان علم القرآن حفظاً ،و تفسيراً أسهل العلوم،و أجلها على الإطلاق، و هو العلم النافع -الذي إذا طلبه العبد أعين عليه،قال بعض السلف عند هذه الآية: "هل من طالب علم ؛فيعانَ[ عليه ]؟ ،و لهذا يدعو الله عباده إلى الإقبال عليه ،و التذكر بقوله : "فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ" "ا.ه.["تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"ص825-826]

و وجه الدلالة من ذلك : أَنَّ الله –تعالى- جعل القرآن كلَّه ميسَّراً : لفظاً و معنى ؛ فدل على التمكُّن من فهم معانيه ، و على عدم وجود ما يتعسر فهمه ،فضلاً عن ما لا يمكن فهمه ،و بخاصة في أعظم أخباره،و أشرفها،و أكثرها ذكراً،و هو الأخبار عن أسماء الله ،و صفاته.
قال ابن قيم الجوزية –رحمه الله- (ت751) : "و تيسيره للذكر يتضمن أنواعاً من التيسير :
إحداها : تيسير ألفاظه للحفظ.
الثانِي : تيسير معانيه للفهم.
الثالث : تيسير أوامره ،و نواهيه للامتثال.
و معلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المخاطب لم يكن ميسَّراً له ، بل كان معسرا عليه ،فهكذا إذا أُريد من المخاطَب أن يَفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من المعاني ،أو يدل على خلافه ،فهذا من أشد التعسير ،و هو منافٍ للتيسير ؛فإنه لا شيء أعسر على الأمة من أن يُرَاد منهم أن يفهموا كونه -سبحانه- لا داخل العالم ،و لا خارجه ،و لا متصلاً به ،و لا منفصلاً عنه ،و لا مبايناً له ،و لا محايثاً ،و لا يُرَى بالأبصار عياناً ،و لا له وجه ،و لا يد من قوله : "قل هو الله أحد"[الإخلاص:1] ،و من قول رسوله – صلى الله عليه و سلم - : "لا تفضلوني على يونس بن متى" ،و من قوله –تعالى- : "الذين يحملون العرش و من حوله يسبحون بحمد ربهم و يؤمنون به"[غافر:7] ، و أنْ يجهدوا أنفسهم ، و يكابدوا أعظم المشقة في طلب أنواع الاستعارات ، و ضروب المجازات ،و وحشي اللغات ؛ ليحملوا عليه آيات الصفات وأخبارها ؛ فيصرفوا قلوبهم ، و أفهامهم عما تدل عليه ،و يفهموا منها ما لا تدل عليه ، بل تدل على خلافه ،و يقول : "اعلموا يا عبادي أني أردت منكم أن تعلموا أني لست فوق العالم ، و لا تحته ، و لا فوق عرشي ، و لا ترفع الأيدي إلي ، و لا يعرج إلي شيء ، و لا ينـزل من عندي شيء من قولي : "الرحمن على العرش استوى"[طه:5] ، و من قولي : "يخافون ربهم من فوقهم"[النحل:50] ، و من قولي : "تعرج الملائكة و الروح إليه"[المعارج:4] ، و من قولي : "بل رفعه الله إليه"[النساء:158] ، و من قولي : "رفيع الدرجات ذو العرش"[غافر:15] ، و من قولي : "وهو العلي العظيم"[البقرة:255] ، و من قولي : "سبح اسم ربك الأعلى"[الأعلى:1] ، و من قولي : "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"[القيامة:23 – 22] ، و من قولي : "ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض"[الملك:16] ، و من قولي "تنزيل من حكيم حميد"[فصلت:42] ، و من قولي : "قل نزله روح القدس من ربك بالحق"[النحل:102] ، و أن تفهموا أنه ليس لي يدان من قولي : "لما خلقت بيدي"[ص:75] ، و من قولي : "بل يداه مبسوطتان"[المائدة:64] ، و لا عين من قولي : "ولتصنع على عيني"[طه:39] ؛ فإنكم إذا فهمتم من هذه الألفاظ حقائقها ،و ظواهرها فهمتم خلاف مرادي منها ، بل مرادي منكم أن تفهموا منها ما يدل على خلاف حقائقها ، و ظواهرها !
فأي تيسير يكون هناك ؟! وأي تعقيد ،و تعسير لم يحصل بذلك ؟!
و معلوم أنَّ خطاب الرجل بما لا يفهمه إلا بترجمة أيسر عليه من خطابه بما كُلِّف أن يَفهم منه خلاف موضوعه و حقيقته بكثير ؛ فإن تيسير القرآن منافٍ لطريقة النفاة المحرِّفين أعظم منافاة ؛ و لهذا لما عسر عليهم أن يفهموا منه النفي ، و عَزَّ عليهم ذلك عوَّلوا فيه على الشبه الخيالية - التي سموها قواطع عقلية ، و قواعد يقينية - ،و إذا تأملها من نور الله قلبه ، و كحل عين بصيرته بمرود الإيمان رآها لحم جمل غث على رأس جبل وعر ، لا سهل ؛ فيرتقى ، و لا سمين ؛ فينتقل ، و هي من جنس خيالات الممرورين ، و أصحاب الهوس ، و قد سودوا بها القلوب ، و الأوراق.
فطريقتهم ضد طريقة القرآن من كل وجه ؛ إذ طريقة القرآن حق بأحسن تفسير ، و أبين عبارة ، و طريقتهم معان باطلة بأعقد عبارة ، و أطولها ، و أبعدها من الفهم ، فيجهد الرجل الظمآن نفسه وراءهم حتى تنفذ قواه ، فإذا هو قد اطلع على سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا و وجد الله عنده فوفاه حسابه و الله سريع الحساب ، أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ،و من لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
و الله يعلم أنا لم نقل ذلك تقليداً لغيرنا ، بل إخباراً عما شاهدناه ،و رأيناه ،و إذا أحببت أن تعلم حقيقة ذلك فتأمل عامة مطالبهم ، و أدلتهم عليها ،و كيف تجدها مطالب بعد التعب الشديد ،و الجهد الجهيد لا تحصل منها على مطلب صحيح" ا.ه.["الصواعق المرسلة"1/332]

عبدالله القحطاني
13-Dec-2006, 03:22 AM
و للحديث بقيـــــــــــــــــــــــــــــــــة في الحلقات القادمــــــــــــــــــــــــــــــــة بإذن الله.

عجلان بن محمد العجلان
14-Dec-2006, 01:40 PM
واصل يا رعاك الله ، ولعل الإخوة المستشكلين لحال المفوضة وخطر مذهبهم ، أن يتابعواهذه الحلقات ، ويستفيدوا منها ..

لا حرمك الله الأجر ، وجعل ذلك في موازين حسناتك ..

أبو عمر الدوسري
14-Dec-2006, 02:18 PM
بارك الله فيك، موضوع مهم، وترتيب رائع ..

زين العابدين
16-Dec-2006, 01:17 AM
استمر بارك الله فيك ..

عبدالله القحطاني
22-Dec-2006, 11:40 PM
أشكر لكم تواضعكم ، جزاكــــــــــم الله خيراً.