المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلاقة بين الفطرة والعقل


علي القرني
12-Dec-2006, 08:53 PM
ص/1

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله الأمين أما بعد :
فالحديث عن العلاقة بين العقل والفطرة سيكون من وجهين:

الأول: علاقة الفطرة بالعقل الغريزي:

1- أن مبادئ هذا العقل فطرية ويمكن أن يقال عنها بعبارة أخرى بدهية أو قبلية أو ضرورية.
ومعنى قولنا فطرية: "أن الله -سبحانه- خلقها في النفس البشرية قبل مباشرتها أي معرفة خارجية، ومع كونها تتضح بعد ذلك، ويكون هذا الوضوح سائقاً للنفس نحو مقتضياتها، إلا أنها قد تتأثر بعوامل خارجية، فتغفل النفس عن شيء منها، أو يخفت وضوحها وهي مع ذلك مضمرة في النفس، تعود لوضوحها كلما انجلى غشاؤها بالتذكير أو بزوال العامل الحاجب ونحوه"(1).
ومع هذا فلا "يلزم من القول بفطريتها أن تكون متحققة بالفعل، بل يمكن أن تكون فطريّة مع أن وجودها إنما هو بالقوة لا بالفعل، بمعنى أن الإنسان مفطور على التسليم بها بمجرد تصورها بحيث لا يحتاج في ذلك إلى برهان، فهي فطرّية لا بمعنى أنها كامنة في النفس، وإنما بمعنى أن الغريزة العقلية تقتضيها بالضرورة، وعلى هذا فليست فطريتها هي مجرد إمكانها، بل هي وجوب تحققها مع سلامة الحواس والغريزة العقلية"(2).
أما قولنا بدهية فيعني أنها لا "تحتاج بعد توجه العقل إلى شيء أصلاً"(3).
ومعنى قبليتها "تقدمها المطلق على التجربة"(4).
والمراد بكونها ضروريّة أنه لا يمكن دفع ما سلّمت به عن النفس، لأن العلم الضروري "هو الذي يلزم نفس العبد لزوماً لا يمكن معه دفعه عن نفسه"(5).
وقد فسر المعلمي-رحمه الله- الفطرة بهذا المعنى في حديثه عن مآخذ العقائد الإسلامية فقال: "أما الفطرة فأريد بها ما يعم الهداية الفطرية، والشعور الفطري، والقضايا التي يسميها أهل النظر ضروريات وبدهيات، والنظر العقلي العادي، وأعني به ما يتيسر للأميين ونحوهم ممن لم يعرف علم الكلام ولا الفلسفة"(6).

-------------------------------------------
(1) مصادر المعرفة للزنيدي: 330.
(2) المعرفة في الإسلام للقرني: 310-311.
(3) تعريفات الجرجاني: 63.
(4) مصادر المعرفة للزنيدي: 331.
(5) الدرء: 6/106.
(6) القائد إلى تصحيح العقائد للمعلمي: 203.
----------------------------------------------------------------------------


ص/2

وهذا يكون إذا أريدت الفطرة بمعناها العام، أما إذا أريد جانب خاص من جوانبها وهو فطرية التدين، فإن الفطرة بهذا المعنى تكون جزءاً من المبادئ والأفكار الأولية، بل هي أوضح أجزائها لأنها "من العلوم الضرورية اللازمة التي لم يخل منها بشر قط، بخلاف كثير من العلوم التي قد تكون ضرورية ولكن قد يغفل عنها كثير من بني آدم، من علوم العدد والحساب وغير ذلك، فإنها إذا تُصوِرَت كانت علوماً ضرورية، لكن كثير من الناس غافل عنها"(1).


2- أن مبادئ هذا العقل تتسم أيضاً بالعمومية:
ومعنى هذا "شمول هذه المبادئ القبلية ومقتضياتها لكل العقول بحيث تكون الحقيقة واحدة عند جميع الناس العاقلين على السواء، ولا تتوقف على مزاج أحد، ولا تنسحب على فردٍ دون فرد"(2).
لكن هل هذه العمومية لكل العقول بدرجة واحدة من الحضور والوضوح والبداهة أو أنهم يتفاوتون في ذلك؟
هذا ما اختلف فيه الباحثون من المسلمين وغيرهم، والحق –إن شاء الله تعالى- ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- من أن المبادئ الفطرية قد تضمر فتكون باهتة وقد تكون واضحة بأسباب اضطرارية أو كسبية، ومن هنا: تكون البداهة شيئاً نسبياً تختلف من شخص لآخر، لأنه من المعلوم "أن الناس يتفاوتون في قوى الأذهان أعظم من تفاوتهم في قوى الأبدان"(3).


الثاني: علاقة الفطرة بالعقل المكتسب:
بعد بيان علاقة الفطرة بالعقل الذي يطلق على الأوليات والبدهيات التي يحصل بها للإنسان اليقين بالمقدمات الصادقة الضرورية، لا عن قياس أصلاً ولا عن فكر، وبيان أن كلاً منهما جزء من الآخر أو يقوم عليه، يأتي الآن بيان العلاقة بين الفطرة والعقل المكتسب الذي يتكون من حقائق مكتسبة ومقولات كرّسها الاستعمال، وقيم مقبولة بالاشتراك ونحو ذلك من الاستنباطات والقياسات.

-----------------------------------------------
(1) الدرء: 8/489.
(2) مصادر المعرفة للزنيدي: 334.
(3) الرد على المنطقيين لابن تيمية: 89، وانظر: الاستقامة لابن تيمية: 1/30.
---------------------------------


ص/3

ويمكن تلخيص هذه العلاقة فيما يلي:
1- أن العمليات العقلية تقوم على الفطرة وتعتمد عليها:
فالعلوم العقلية تعتمد على الأوليات الضرورية فلا يمكن إقامة أي حكم عقلي إلا بعد بنائه على تلك الأوليات العقلية، وهي الأمور الفطرية والمدركات الحسـية الظاهرة والباطنة(1).
وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في أكثر من موضع أن مقدمات الأقيسة العقلية تكون مقدمات فطرية، وبناءً على ذلك تفيد الأقيسة اليقين(2).
وبيّن -رحمه الله- أن الأمور الفطرية هي أصل الأقيسة العقلية إذ الأقيسة تتكون من المقدمات الفطرية فقال: "إن مبنى العقل على صحة الفطرة وسلامتها"(3).
ومما يؤكد قوة هذه العلاقة بين الفطرة والعقل المكتسب قول أحد الفلاسفة: "إن من الصعب أن نضع حدّاً فاصلاً بين الأحكام الأولية التي يقول بها العقل بفطرته، والأحكام المكتسبة من التجربة"(4) ، فالعقل إذاً ليس مستقلاً بل "إن الدوافع الفطرية والعضوية والنفسية تعتبر قوة ضاغطة على [عقل] الإنسان توجهه لإشباعها.. ولها دور في توجيه وتوظيف العمليات العقلية"(5).

2- أن الفطرة تُقَدّم على العقل عند التعارض:
وممن أكد هذا شيخ الإسلام -رحمه الله- حيث بيّن أن الفطرة لا تُرد بما دلت عليه مقاييس العقل ولا تعارض بها لأنها يقينية ومقاييس العقل قد تكون ظنية ولأنها لو كانت يقينية لم تعارضها، لأن اليقينيات لا يمكن أن تتعارض لوجوب كونها حقاً واستحالة خطأ أحدهما(6).

--------------------------------------------
(1) انظر: الدرء: 5/62.
(2) انظر: منهاج السنة لابن تيمية 2/150-151 و644، والـرد على المنطقيين لابن تيميـة: ص 115-116 و206 و315-316.
(3) الرد على المنطقيين لابن تيمية: 323.
(4) المدخل إلى الفلسفة لأزفولد كولبة: 274، نقلاً عن: مصادر المعرفة للزنيدي: 383.
(5) الإنسان، للمطرودي: 252.
(6) انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية 2/252-254.
-----------------------------------------


ص/4

وتُقدّم الفطرة -أيضاً- لأن الحق في الأقيسة العقلية فطري مدرك بالفطرة(1).
ومن أسباب تقديمها –أيضاً- أن العقل لا يمكن أن يستقل بالخوض في بعض الميادين "فالمنهج العقلي الكلامي لم يستطع أن يقدم حلولاً جذرية لكثير من المسائل التي تَعرّض لها في الجانب الإلهي، إذ أن الأقيسة العقلية كقياس الغائب على الشاهد بجوامعه، ومسالك إثبات العلة فيه والقياس الأرسطي، قد قضي عليها بالفشل كطرق إلى المطالب الإلهية، وبذلك تقف المناهج التي أبدعها العقل الإنساني تعلن عن فشله في الوصول إلى اليقين في المطالب الإلهية"(2).

3- أن الفطرة تفيد ما لا يفيده القياس(3):
لأن "ما وضعه أرسطو والمناطقة من بعده من أدلة منطقية كانت نتيجة استقراء لما في الفطرة البشرية، حيث صيغ في مواد كلامية بعد أن كانت الفطرة تحسه وتتعامل مع الأشياء على أساسه، لكن هذا الاستقراء جهد بشري ليس معصوماً ومن هنا كان ورود الخطأ فيه"(4).
ومما يؤكد أنها تفيد ما لا يفيده القياس أنها تدرك كيفية تركيبه وارتباط مقدماته بعضها على بعض بغير تعليم، وإن كان لا يجري على طرق المناطقة فالناس بفطرتهم يتكلمون الأنواع الثلاثة: التداخل والتلازم والتقسيم، كما يتكلمون بالحساب وغيره، وبذلك يرتبون النتائج على المقدمات الصادقة(5).

4- أن الأدلة العقلية تجلي الفطرة وتوقظها:
تقرر -فيما سبق- أن الفطرة هي أصل الأقيسة العقلية وأنها تقُدّم عليها عند التعارض وأنها تفيد مالا تفيده تلك الأقيسة، إلا أن الفطرة تتأثر بمؤثرات عدة فتخبو وتضعف أمام تلك المؤثرات فجعل الله هناك أموراً توقظها وتجليها(6)ومنها الأدلة العقلية التي سلكها القرآن الكريم في إيقاظه لفطر المخالفين للحق والمعرضين عنه.

-----------------------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية 9/68-69.
(2) مصادر المعرفة للزنيدي: 387-388.
(3) انظر: الرد على المنطقيين لابن تيمية: 381
(4) مصادر المعرفة للزنيدي: 400.
(5) انظر: الرد على المنطقيين لابن تيمية: 297.
(6) انظر : الفطرة حقيقتها ومذاهب الناس فيها للقرني ص 176.
-----------------------------------------------------------


ص/5

وهذه الأدلة التي سـلكها القرآن الكريم تميزت بأمـور عدة جعلتها مؤثرة بخلاف أدلة المناطقة والمتكلمين، ومن هذه الأمور(1):
أ- أنها أدلة تخاطب الفطرة مباشرة بعيداً عن الأقيسة ذات المقدمات الطويلة والمعاني التجريدية، فمثلاً استدل القرآن على الألوهية بأعيان مشخصة كخلق السماوات والأرض وما بينهما والعناية بهما وتدبيرهما.
ب- أنها تمتاز بقوة الإقناع حيث تلجئ الإنسان إلى فطرته، وإلى العالم المشاهد فلا يبقى أمامه إلا التسليم والإذعان أو الإنقطاع والانسحاب، كما حصل في قصة إبراهيم -عليه السلام- مع النمرود، قال تعالى : ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك ............... الآية )( سورة البقرة 258 ) .
ج- أنها سلكت طرقاً كثيرة مؤدية إلى الحق، تناسب تفاوت العقول البشرية بخلاف المنطق الأرسطي الذي حصر الأدلة المؤدية للعلم في القياس البرهاني.
د- أن غاية أدلة القرآن العقلية الإيمان والعمل، الإيمان الحق والعمل به في واقع الحياة، بخلاف غاية الفلاسفة وهي المعرفة المجردة.
وبهذه الميزات جعل القرآن الكريم الأدلة العقلية التي هي قائمة أصلاً على الفطرة سبباً في جلاء الفطرة ويقضتها عن ضعفها وخفائها.
-----------------------------------
(1) انظر: مصادر المعرفة للزنيدي: 400-403.
---------------------------------


هذا فيما يتعلق بعلاقة الفطرة بالعقل وسيتبعه - إن شاء الله - قريبا مسائل أخرى حول الفطرة .

سعد الماجد
22-Dec-2006, 05:21 PM
أشكر أخي الشيخ علي القرني وفقه الله
على طرحه هذا الموضوع المهم وأرجو المزيد من العطاء والتألق.
كما أحب أن أذكر أن رسالة الشيخ علي بن عبدالله القرني
في الماجستير كانت بعنوان : ( الفطرة ومذاهب الناس فيها ) ( هذا فيما أذكر)؟
وقد طبعت الرسالة عن دار المسلم ، الرياض
ولعل الشيخ يتحفنا بأهمية موضوعة وفهرس إجمالي ويكون ذلك في منتدى مكتبة العقيدة والمذاهب المعاصرة

الزبير
18-Mar-2007, 01:02 PM
جزاك الله يا شيخنا خير الجزاء
والله انة لموضوع جديد وغريب وشيق لم ارى احد يتطرق اليو من قبل
اسأل الله ان يكون فى ميزان حسناتك

الحسين أبو خولة
20-May-2008, 12:39 PM
السلام عليكم من فضلكم ساعدوني أنا أبحث عن أربعة كتب لمؤلفين معاصرين يتحدثون عن ميثاق الفطرة وميثاق الرسل من فضلكم ساعدوني

عبدالله القحطاني
20-May-2008, 03:49 PM
جزاكم الله خيراً،ونفع بكم...

عبد الرحمان الظاهري
02-Jul-2008, 03:33 AM
هناك إمامين جليلين اهتما بالفطرة ودلالتها اهتماما عظيما :
1 _ الإمام الفحل ابن الوزير اليماني رضي الله عنه ...وترى ذلك جليا في كته خاصة في كتابه الرائع : إيثار الحق على الخلق ....
2_ وارث علم ابن الوزير الإمام النظار الأمير الصنعاني ...وترى ذلك واضحا في كتابه ايقاظ الفكرة...

عبدالله القحطاني
02-Jul-2008, 10:51 AM
هناك إمامين جليلين
بارك الله فيك أخي/عبدالرحمن على هذه الفائدة...
وودي أن تنقل الألف من"عبدالرحمان"إلى"إمامين جليلين"؛لتصبح هكذا:"إمامان جليلان"؛لتوافق المشهور...

النخلة
02-Jan-2011, 09:11 PM
جزاك الله خيرا .. تسجيل حضور وللعودة إن شاء الله

العقل والنقل (http://www.asha3ira.co.cc/2010/12/blog-post_778.html)