المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الترحم على أهل البدع


عجلان بن محمد العجلان
29-Oct-2008, 09:55 AM
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد تباينت الآراء في مسألة الترحم على أهل البدع ، وودت أن أسهم برأي حول هذه المسألة طامعاً في تقويمه وتسديده من أصحاب الفضيلة ورواد الملتقى فأقول مستعيناً بالله:
الميت من أهل البدع لا يخلو من أحوال:
الأول: من كانت بدعته مكفرة، وقد قامت عليه الحجة:
فهولاء لا يجوز الترحم عليهم؛ لقوله تعالى: { وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ } [التوبة: 84]، وقوله تعالى:{ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم}[التوبة: 113].

الثاني: من كانت بدعته غير مكفرة، ولا تخرجه بدعته عن الإسلام :
فهذا حكمه حكم عامة المسلمين تجوز الصلاة عليه، ويُدعى له بالمغفرة و الرحمة.
والأصل في ذلك أنّ كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولم نعلم عنه كفراً ظاهراً فإنه يصلى عليه، ويستغفر له، فإن الله تعالى حينما منع الاستغفار للمشركين في الآية المتقدمة دّل ذلك على جواز الاستغفار والترحم على أهل البدع من أهل القبلة، ولا يزال المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يصلون على كل من أظهر الإسلام ويترحمون عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع فتاواه (24/ 286)": وكل من لم يعلم منه النفاق وهو مسلم يجوز الاستغفار له والصلاة عليه بل يشرع ذلك ويؤمر به كما قال تعالى {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات}".

ولكن قد يقال: إنّ بعض أئمة السلف امتنع من الصلاة عليهم، فالجواب :
أنّ هذا للمصلحة المرجوة في انزجار النّاس عن بدعهم ، ولهذا نظائر في الشرع، فقد ثبت في صحيح مسلم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على قاتل نفسه.
وترك الصلاة على الذي عليه دين و لم يترك وفاءً، وقال للمسلمين: (صلوا على صاحبكم).
قال شيخ الإسلام في منهاج السنة (5/235):"فكل مسلم لم يعلم أنه منافق جاز الاستغفار له، والصلاة عليه وإن كان فيه بدعة أو فسق لكن لايجب على كل أحد أن يصلي عليه، وإذا كان في ترك الصلاة على الداعي إلى البدعة و المظهر للفجور مصلحة من جهة انزجار الناس فالكف عن الصلاة كان مشروعاً لمن كان يؤثر ترك صلاته في الزجر بأن لا يصلى عليه".

وكثيراً ما تُشكل مسألة الترحم على أهل البدع غير المكفرة على أصحاب الدراسات والرسائل العلمية وخصوصاً المتعلقة بأشخاص المبتدعة ، فحينما ترد بعض تقريراتهم ودعواتهم لمذهب المبتدعة يجد الباحث في نفسه شيئاً من الترحم عليهم، وله في ذلك سلفٌ من فعل السلف حينما تركوا الصلاة والترحم على أرباب البدع.

والذي ارتضيته وانتهجته في ذلك أنّ الأمر يختلف باختلاف المقام الذي وردت فيه مقالات المبتدع.

فإن كانت المقالة موافقة لما عليه الدليل من الكتاب والسنة وفق منهج السلف الصالح فإنّ المقام يقتضي الدعاء والترحم على قائلها بما يُشعر للقارئ الثناء على صاحبها.
وأمّا إن كانت المقالة مخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة فإن الواجب الإنكار والزجر عن تلك المقالة، وعدم الدعاء لصاحبها بما يُوحي للقارئ ثناءً عليه وعلى مقالاته، إلا أنْ يكون الدعاء له بالعفو والمغفرة مما يُفهم منه الشفقة عليه وعدم الرضى بما ذهب إليه، فيقال: عفا الله عنه، غفر الله له بما يدّل على نقد قوله وعدم قبوله.
ويؤيد ذلك منهج أهل العلم في الدعاء للمخالفين والمجانبين للحق زمناً والمنقادين إليه زمناً آخر، ومن ذلك الترضي عن أبي سفيان - رضي الله عنه-
فأهل العلم لا يتبعون اسمه بالترضي عنه حينما يوردون مواقفه وعداوته السابقة للرسول صلى الله عليه وسلم وكفره قبل إسلامه، لعدم مناسبة المقام ، وإن كان غير ذلك ترضوا عنه..
وقد تتداخل المقامات فيغلب ما حقه التأخير لترجيح ما أو مصحة ما.

وأخيراً فإني أختم هذه المقالة بكلام نفيس لشيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى (3/18)، وسأورده بطوله لنفاسته وأهميته في الموضوع، قال رحمه الله:
" مَنْ عُلِمَ مِنْهُ النِّفَاقُ وَالزَّنْدَقَةُ فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ لِمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُظْهِرًا لِلإِسْلامِ فَإِنَّ اللَّهَ نَهَى نَبِيَّهُ عَنْ الصَّلاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ. فَقَالَ: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} وَقَالَ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْت لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}. وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُظْهِرًا لِلْفِسْقِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الإِيمَانِ كَأَهْلِ الْكَبَائِرِ، فَهَؤُلاءِ لا بُدَّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ. وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الصَّلاةِ عَلَى أَحَدِهِمْ زَجْرًا لأَمْثَالِهِ عَنْ مِثْلِ مَا فَعَلَهُ، كَمَا امْتَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلاةِ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ، وَعَلَى الْغَالِّ، وَعَلَى الْمَدِينِ الَّذِي لا وَفَاءَ لَهُ، وَكَمَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ يَمْتَنِعُونَ مِنْ الصَّلاةِ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ - كَانَ عَمَلُهُ بِهَذِهِ السُّنَّةِ حَسَنًا.
وَقَدْ قَالَ لِجُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ابْنُهُ: إنِّي لَمْ أَنَمْ الْبَارِحَةَ بَشَمًا، فَقَالَ: أَمَا إنَّك لَوْ مِتّ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْك، كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَتَلْت نَفْسَك بِكَثْرَةِ الأَكْلِ، وَهَذَا مِنْ جِنْسِ هَجْرِ الْمُظْهِرِينَ لِلْكَبَائِرِ حَتَّى يَتُوبُوا، فَإِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مِثْلُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا، وَمَنْ صَلَّى عَلَى أَحَدِهِمْ يَرْجُو لَهُ رَحْمَةَ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ امْتِنَاعُهُ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً، كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا، وَلَوْ امْتَنَعَ فِي الظَّاهِرِ وَدَعَا لَهُ فِي الْبَاطِنِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ كَانَ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَتَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَفْوِيتِ إحْدَاهُمَا.
وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ النِّفَاقُ وَهُوَ مُسْلِمٌ يَجُوزُ الاسْتِغْفَارُ لَهُ، وَالصَّلاةُ عَلَيْهِ، بَلْ يُشْرَعُ ذَلِكَ، وَيُؤْمَرُ بِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} وَكُلُّ مَنْ أَظْهَرَ الْكَبَائِرَ فَإِنَّهُ تُسَوَّغُ عُقُوبَتُهُ بِالْهَجْرِ وَغَيْرِهِ، حَتَّى مِمَّنْ فِي هَجْرِهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ رَاجِحَةٌ فَتَحْصُلُ الْمَصَالِحُ الشَّرْعِيَّةُ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ الإِمْكَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" ا.هـ كلامه رحمه الله.

عبدالله القحطاني
29-Oct-2008, 11:37 AM
بارك الله فيكم،ونفع بكم؛بحث محقق،ورأي مسدَّد

زين العابدين
29-Oct-2008, 03:31 PM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

عجلان بن محمد العجلان
30-Oct-2008, 06:56 AM
بارك الله فيكم،ونفع بكم؛بحث محقق،ورأي مسدَّد
وفيك بارك فضيلة الشيخ عبدالله، وأسأل الله أن يسدد أعمالنا وأعمالكم ويبارك في أعماركم، وينفع بكم.
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
والشكر موصول لك أخي الفاضل زين العابدين الذي يزين كل موضوع بإضافتك عليه، وأتمنى أن لا تطول فترة غيابك عن الملتقى، وأسأل الله أن ييسر أمرك ويشرح صدرك ويوفقك لما يحبه ويرضاه.

محمد الفلسطيني
30-Oct-2008, 07:53 AM
جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم

روضة الناظر
30-Oct-2008, 08:10 AM
فائدة قيّمة ... جزاكم الله خيرا .
* قال الإمام أحمد - رحمه الله - : " الرافضة والجهمية لا يُصلّى عليهم " ... وقال أيضاً : " أهل البدع إن مرِضوا فلا تعودوهم ، وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على من به دون ذلك ، فالأولى أن تُترك الصلاة عليهم " ..

***

أبو القاسم المقدسي
30-Oct-2008, 03:39 PM
شكر الله لك على هذا التأصيل السديد أيها الشيخ النبيل
ويشبه هذا في كلام العلماء أنهم حين يذكرون -مثلا-أبا سفيان رضي الله عنه
وكان الكلام عن مواقف عداوته السابقة وكفره قبل إسلامه....لم يتبعوا اسمه بالترضي لعدم مناسبة المقام
وإن كان غير ذلك ترضوا عنه..
وقد تتداخل المقامات فيغلب ما حقه التأخير لترجيح ما
أو مصحة ما..
والله أعلم

زين العابدين
30-Oct-2008, 09:19 PM
جزاك الله شيخنا العجلان على حسن مشاعرك .

ناصر غرقود
01-Nov-2008, 12:17 AM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

عجلان بن محمد العجلان
01-Nov-2008, 08:09 AM
محمد الفلسطيني..
جزاك الله خيراً على مرورك ودعائك.


روضة الناظر..
جُزيت خيراً على هذه الإفادة والإضافة، وليتك تتكرمين علينا بالإحالة لمصدرها من كلام الإمام أحمد -رحمه الله-


أبو القاسم المقدسي..
وأنا أشكرك أيها الشيخ الفاضل على هذه الفائدة المهمة ، وقد اعتدنا منك -وفقك الله- مثل هذه الإضافات الماتعة وأستأذنك أن أجعلها في أصل الموضوع.


شكر الله لك على هذا التأصيل السديد أيها الشيخ النبيل


ويشبه هذا في كلام العلماء أنهم حين يذكرون -مثلا-أبا سفيان رضي الله عنه

وكان الكلام عن مواقف عداوته السابقة وكفره قبل إسلامه....لم يتبعوا اسمه بالترضي لعدم مناسبة المقام
وإن كان غير ذلك ترضوا عنه..
وقد تتداخل المقامات فيغلب ما حقه التأخير لترجيح ما
أو مصحة ما..
والله أعلم







زين العابدين..

هذا أقل الواجب تجاه أمثالك، وفقك الله.




ناصر غرقود..
وأنا أشكرك أيضاً لمرورك وتحيتك.

روضة الناظر
02-Nov-2008, 08:17 AM
روضة الناظر..
جُزيت خيراً على هذه الإفادة والإضافة، وليتك تتكرمين علينا بالإحالة لمصدرها من كلام الإمام أحمد -رحمه الله-



كلام الإمام أحمد - رحمه الله - نقلته من حاشية ابن قاسم - رحمه الله - على الروض المُربع ،،، كتاب الجنائز ( 3 / 97 ) ...

** ويوجد تفصيل جيّد أيضا حول هذه المسألة - الدعاء للمبتدع ،،، والصلاة عليه - في كتاب ( منهج أهل الاتباع في التعامل مع أهل الابتداع ) ؛؛ تأليف : وليد بن راشد بن سعيدان .. وهو موجود على الرابط الآتي :

http://saaid.net/Doat/wled/47.doc

صالح على
03-Nov-2008, 02:40 PM
جزا الله الجميع خير الجزاء

أبو نور الخزعلي
03-Nov-2008, 10:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي الكريم بوركت على هذا البحث القيم ولكن من الناحية المنطقية ينبغي أن تبين معنى أهل البدع حتى يكون الحكم واضحاً
وبعد التوضيح فإن لي وقفات علمية في كل ما ذكرت وان كنت قد أتفق معك في النتيجة
تقبل خالص تحياتي

عجلان بن محمد العجلان
04-Nov-2008, 07:36 PM
روضة الناظر..
شكر الله لك استجابتك، ونفع الله بك.


صالح علي..
أشكر لك مرورك الكريم ، وجزاك الله خيراً.


أبو نور الخزعلي..
وبارك الله فيك يا أخي، ونرحب بك في ملتقانا، سائلين الله أن يرزقنا وإياك اتباع خير المرسلين ..

وأمّا طلبته بقولك:

بسم الله الرحمن الرحيم


أخي الكريم بوركت على هذا البحث القيم ولكن من الناحية المنطقية ينبغي أن تبين معنى أهل البدع حتى يكون الحكم واضحاً

وبعد التوضيح فإن لي وقفات علمية في كل ما ذكرت وان كنت قد أتفق معك في النتيجة

تقبل خالص تحياتي









أخي الكريم..

اختلفت عبارات النّاس في بيان معنى البدعة تبعاً لاختلاف تصورهم لماهية البدعة التي جاء النهي عنها، ومن هذه التعريفات الجامعة لحقيقة البدعة في الشرع تعريف الإمام الشاطبي - رحمه الله- حيث عرّفها بقوله: ((البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يُقصد بالسلوك عليها ما يُقصد بالطريقة الشرعية)).



وبكل حال فالكلام على معنى البدع وضوابطها قد تقدّم في مواضيع كثيرة في هذا الملتقى فلعلك ترجع إليها في مظانها، ودونك بعض الروابط التي قد تفيدك في ذلك.







الاتباع والابتداع (http://www.alagidah.com/vb/showthread.php?t=2799&highlight=%C7%E1%C8%CF%DA)





معالم في منهج أهل السنة مع أهل (http://www.alagidah.com/vb/www.alagidah.com/vb/showthread.php?t=1198)البدع (http://www.alagidah.com/vb/www.alagidah.com/vb/showthread.php?t=1198)



قاعدة في معرفة البدعة (http://www.alagidah.com/vb/showthread.php?t=697)


أهم ضوابط التبديع . (http://www.alagidah.com/vb/showthread.php?t=1711)






مراتب البدع (http://www.alagidah.com/vb/showthread.php?t=1710)




أقسام (http://www.alagidah.com/vb/showthread.php?t=1712)البدع . (http://www.alagidah.com/vb/showthread.php?t=1712)







البدعة وأثرها في الانحراف في الاعتقاد. (http://www.alagidah.com/vb/showthread.php?t=1488)




تحقيق المتابعة (http://www.alagidah.com/vb/showthread.php?t=1009)

موسى العنزي
17-Nov-2008, 05:30 PM
جزاك الله خيراَ ياشيخ عجلان وسدد الله خطاك

علي الاكبر
04-Dec-2008, 03:16 PM
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد تباينت الآراء في مسألة الترحم على أهل البدع ، وودت أن أسهم برأي حول هذه المسألة طامعاً في تقويمه وتسديده من أصحاب الفضيلة ورواد الملتقى فأقول مستعيناً بالله:
الميت من أهل البدع لا يخلو من أحوال:
الأول: من كانت بدعته مكفرة، وقد قامت عليه الحجة:
فهولاء لا يجوز الترحم عليهم؛ لقوله تعالى: { وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ } [التوبة: 84]، وقوله تعالى:{ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم}[التوبة: 113].

الثاني: من كانت بدعته غير مكفرة، ولا تخرجه بدعته عن الإسلام :
فهذا حكمه حكم عامة المسلمين تجوز الصلاة عليه، ويُدعى له بالمغفرة و الرحمة.
والأصل في ذلك أنّ كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولم نعلم عنه كفراً ظاهراً فإنه يصلى عليه، ويستغفر له، فإن الله تعالى حينما منع الاستغفار للمشركين في الآية المتقدمة دّل ذلك على جواز الاستغفار والترحم على أهل البدع من أهل القبلة، ولا يزال المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يصلون على كل من أظهر الإسلام ويترحمون عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع فتاواه (24/ 286)": وكل من لم يعلم منه النفاق وهو مسلم يجوز الاستغفار له والصلاة عليه بل يشرع ذلك ويؤمر به كما قال تعالى {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات}".

ولكن قد يقال: إنّ بعض أئمة السلف امتنع من الصلاة عليهم، فالجواب :
أنّ هذا للمصلحة المرجوة في انزجار النّاس عن بدعهم ، ولهذا نظائر في الشرع، فقد ثبت في صحيح مسلم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على قاتل نفسه.
وترك الصلاة على الذي عليه دين و لم يترك وفاءً، وقال للمسلمين: (صلوا على صاحبكم).
قال شيخ الإسلام في منهاج السنة (5/235):"فكل مسلم لم يعلم أنه منافق جاز الاستغفار له، والصلاة عليه وإن كان فيه بدعة أو فسق لكن لايجب على كل أحد أن يصلي عليه، وإذا كان في ترك الصلاة على الداعي إلى البدعة و المظهر للفجور مصلحة من جهة انزجار الناس فالكف عن الصلاة كان مشروعاً لمن كان يؤثر ترك صلاته في الزجر بأن لا يصلى عليه".

وكثيراً ما تُشكل مسألة الترحم على أهل البدع غير المكفرة على أصحاب الدراسات والرسائل العلمية وخصوصاً المتعلقة بأشخاص المبتدعة ، فحينما ترد بعض تقريراتهم ودعواتهم لمذهب المبتدعة يجد الباحث في نفسه شيئاً من الترحم عليهم، وله في ذلك سلفٌ من فعل السلف حينما تركوا الصلاة والترحم على أرباب البدع.

والذي ارتضيته وانتهجته في ذلك أنّ الأمر يختلف باختلاف المقام الذي وردت فيه مقالات المبتدع.

فإن كانت المقالة موافقة لما عليه الدليل من الكتاب والسنة وفق منهج السلف الصالح فإنّ المقام يقتضي الدعاء والترحم على قائلها بما يُشعر للقارئ الثناء على صاحبها.
وأمّا إن كانت المقالة مخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة فإن الواجب الإنكار والزجر عن تلك المقالة، وعدم الدعاء لصاحبها بما يُوحي للقارئ ثناءً عليه وعلى مقالاته، إلا أنْ يكون الدعاء له بالعفو والمغفرة مما يُفهم منه الشفقة عليه وعدم الرضى بما ذهب إليه، فيقال: عفا الله عنه، غفر الله له بما يدّل على نقد قوله وعدم قبوله.
ويؤيد ذلك منهج أهل العلم في الدعاء للمخالفين والمجانبين للحق زمناً والمنقادين إليه زمناً آخر، ومن ذلك الترضي عن أبي سفيان - رضي الله عنه-
فأهل العلم لا يتبعون اسمه بالترضي عنه حينما يوردون مواقفه وعداوته السابقة للرسول صلى الله عليه وسلم وكفره قبل إسلامه، لعدم مناسبة المقام ، وإن كان غير ذلك ترضوا عنه..
وقد تتداخل المقامات فيغلب ما حقه التأخير لترجيح ما أو مصحة ما.

وأخيراً فإني أختم هذه المقالة بكلام نفيس لشيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى (3/18)، وسأورده بطوله لنفاسته وأهميته في الموضوع، قال رحمه الله:
" مَنْ عُلِمَ مِنْهُ النِّفَاقُ وَالزَّنْدَقَةُ فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ لِمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُظْهِرًا لِلإِسْلامِ فَإِنَّ اللَّهَ نَهَى نَبِيَّهُ عَنْ الصَّلاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ. فَقَالَ: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} وَقَالَ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْت لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}. وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُظْهِرًا لِلْفِسْقِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الإِيمَانِ كَأَهْلِ الْكَبَائِرِ، فَهَؤُلاءِ لا بُدَّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ. وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الصَّلاةِ عَلَى أَحَدِهِمْ زَجْرًا لأَمْثَالِهِ عَنْ مِثْلِ مَا فَعَلَهُ، كَمَا امْتَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلاةِ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ، وَعَلَى الْغَالِّ، وَعَلَى الْمَدِينِ الَّذِي لا وَفَاءَ لَهُ، وَكَمَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ يَمْتَنِعُونَ مِنْ الصَّلاةِ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ - كَانَ عَمَلُهُ بِهَذِهِ السُّنَّةِ حَسَنًا.
وَقَدْ قَالَ لِجُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ابْنُهُ: إنِّي لَمْ أَنَمْ الْبَارِحَةَ بَشَمًا، فَقَالَ: أَمَا إنَّك لَوْ مِتّ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْك، كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَتَلْت نَفْسَك بِكَثْرَةِ الأَكْلِ، وَهَذَا مِنْ جِنْسِ هَجْرِ الْمُظْهِرِينَ لِلْكَبَائِرِ حَتَّى يَتُوبُوا، فَإِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مِثْلُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا، وَمَنْ صَلَّى عَلَى أَحَدِهِمْ يَرْجُو لَهُ رَحْمَةَ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ امْتِنَاعُهُ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً، كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا، وَلَوْ امْتَنَعَ فِي الظَّاهِرِ وَدَعَا لَهُ فِي الْبَاطِنِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ كَانَ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَتَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَفْوِيتِ إحْدَاهُمَا.
وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ النِّفَاقُ وَهُوَ مُسْلِمٌ يَجُوزُ الاسْتِغْفَارُ لَهُ، وَالصَّلاةُ عَلَيْهِ، بَلْ يُشْرَعُ ذَلِكَ، وَيُؤْمَرُ بِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} وَكُلُّ مَنْ أَظْهَرَ الْكَبَائِرَ فَإِنَّهُ تُسَوَّغُ عُقُوبَتُهُ بِالْهَجْرِ وَغَيْرِهِ، حَتَّى مِمَّنْ فِي هَجْرِهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ رَاجِحَةٌ فَتَحْصُلُ الْمَصَالِحُ الشَّرْعِيَّةُ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ الإِمْكَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" ا.هـ كلامه رحمه الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شكرا لك اخي الكريم على هدا الموضوع القيم ....ونفع الله بك.:012:

عجلان بن محمد العجلان
09-Dec-2008, 12:28 AM
الفاضلين / موسى العنزي ، وعلي الأكبر..

سعدت بمروركما وأسأل الله أن يوفقكما لما يحبه ويرضاه.

محمد بن مسفر
24-Dec-2008, 01:19 PM
بارك الله فيكم اخوتي ، وأحيلكم على كتاب مفيد جدا عنوانه "قواعد معرفة البدع" ( تأليف محمد بن حسين الجيزاني ) .
زادكم الله علما نافعا ..

محمد الفلسطيني
27-Dec-2008, 09:28 AM
جزيتم خيرا على هذه الفوائد الطيبة

د.محمد هشام طاهري
30-Dec-2008, 09:59 AM
شكر الله لك هذا التأصيل المختصر المفيد، ونفع الله بك العبيد
وللفائدة فإن كتاب الشيخ الدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي رئيس قسم العقيدة في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية سابقاً كتاب ماتع، وهو بعنوان:
موقف أهل السنة من أهل الأهواء
وفيه فصول نافعة، وتفصيلات بديعة رائعة، وتأصيلات شرعية مسددة.
والله نسأل أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، وأن يثبتنا على الحق القويم.

عجلان بن محمد العجلان
20-Dec-2009, 07:30 PM
الفضلاء المُحمّدون!
أشكر لكم جميعاً مروركم الكريم وإضافاتكم الماتعة فجزاكم الله عنّا خيراً!

عجلان بن محمد العجلان
20-Dec-2009, 07:39 PM
أرسل إليّ عبر البريد الإلكتروني الشيخ الفاضل/ أبو معاذ بدر بن ناصر العواد حفظه الله نُكتة لطيفة في الترحم على أهل البدع للإمام الذهبي رحمه الله ، وأنا أنقلها هنا للفائدة مع الدعاء لناقلها بأن ينفع به ويجزيه عنّا خيراً ..
جاء في سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ـ رحمه الله ـ (13/535) :
" ثَابِتُ بْنُ أَسْلَمَ الْعَلامَةُ أَبُو الْحَسَنِ الْحَلَبِيُّ ، فَقِيهُ الشِّيعَةِ ، وَنَحْوِيُّ حَلَبَ وَمِنْ كِبَارِ تَلامِذَةِ الشَّيْخِ أَبِي الصَّلاحِ .
تَصَدَّرَ لِلإِفَادَةِ ، وَلَهُ مُصَنَّفٌ فِي كَشْفِ عُوَارِ الإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَبَدْءِ دَعْوَتِهِمْ ، وَأَنَّهَا عَلَى الْمَخَارِيقِ ، فَأَخْذَهُ دَاعِي الْقَوْمِ ، وَحُمِلَ إِلَى مِصْرَ، فَصَلَبَهُ الْمُسْتَنْصِرُ فَلا رَضِيَ اللَّهُ عَمَّنْ قَتَلَهُ ، وَأُحْرِقَتْ لِذَلِكَ خِزَانَةُ الْكُتُبِ بِحَلَبَ ، وَكَانَ فِيهَا عَشْرَةُ آلافِ مُجَلَّدَةٍ ،
فَرَحِمَ اللَّهُ هَذَا الْمُبْتَدِعَ الَّذِي ذَبَّ عَنِ الْمِلَّةِ"

خلف الشهيد
20-Dec-2009, 10:32 PM
بسم الله الرحمان الرحيم

و الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ،،

وَلَوْ امْتَنَعَ فِي الظَّاهِرِ وَدَعَا لَهُ فِي الْبَاطِنِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ كَانَ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَتَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَفْوِيتِ إحْدَاهُمَا.

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .