المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فروق العقيــــــــدة (الحلقة الثانية)


عبدالله القحطاني
03-Dec-2006, 01:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه الحلقة الثانية من فروق العقيدة من مؤلفات ابن قيم الجوزية - رحمه الله - ، و أبدؤها بآخر فرق في الحلقة السابقة ؛ لوجود إضافة إليه ، و الله ولي التوفيق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ

5- الفَرْقُ بَيْنَ : "الحَنِـيْفِيَّةِ" وَ "التَّـوْحِيْدِ" :

قال – رحمه الله - : "الحنِيْفُ : المقْبِل على اللهِ ، المعرض عن ما سواهُ .
و مَنْ فَسَّره بالمائل فلم يفسِّرْه بنفس موضوع اللفظ ، و إِنَّما فسَّره بلازم المعنى ؛ فَإِنَّ الحَنَفَ هو الإقْبَالُ ، و مَنْ أقبلَ على شئٍ مال عن غيره ، و "الحَنَفُ في الرِّجْلين" هو إقبال إحداهما على الأُخرى ، و يلزمُهُ مَيْلُها عن جهتها"ا.ه["جلاء الأفهام في الصلاة و السلام على خير الأنام"ص155]
و قال – أيضاً - : "الحنيفُ : المقبلُ على الله ، و يلزم هذا المعنى مَيْلُهُ عن ما سواه ، فالميل لازمُ معنى الحنيفِ ، لا أَنَّـه موضوعُهُ لغةً"ا.ه["مفتاح دار السعادة و منشور ولاية العلم و الإرادة"ص1/132]
و قال – أيضاً - : " "الحَنيفيَّةُ" و "التَّوحيدُ" : هي دين جميع الأنبياءِ – الذي لا يَقبل الله من أحدٍ ديناً سواه - ، و هو الفِطْرة – التي فَطَر الله عليها عبادَه - .
فمَنْ كان عليها فهو المهتدي ، لا مَنْ كان يهودياً ، أو نصرانياً ؛ فإِنَّ الحنيفيةَ تتضمَّن الإقبالَ على الله بالعبادةِ ، والإجلالِ ، و التعظيمِ ، و المحبةِ ، و الذلِّ .
والتَّـوحيدُ يتضمَّن إفرادَه بهذا الإقْـبَال دون غيره ؛ فيُـعْبَد وحده ، و يُحَب و حده ، و يُطَاع وحده ، ولا يُجْعَل معه إلهٌ آخرُ"ا.ه ["بدائع الفوائد"4/156]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

6-الفَرْقُ بَيْنَ : "الصِّـدْقِ" وَ "الإِخْـلاصِ" :

قَالَ - رحمه الله - : " "الصِّدْق" : هو حصول الشئ ، و تمامه ، و كمال قوته ، و اجتماع أجزائه ، كما يقال : "عزيمة صادقة" إذا كانت قويةً تامَّـةً ، و كذلك : "محبة صادقة" و "إرادة صادقة" ، و كذا قولُهم : "حلاوة صادقةٌ" إذا كانت قويةً ثابتةَ الحقيقةِ ، لم ينقص منها شئٌ .
و مِنْ هذا – أيضاً- : "صِدْقُ الخبرِ" ؛ لأنه وجود المُخْبَرِ بتمام حقيقتِهِ في ذهن السَّامع ؛ فالتَّمام ، و الوجود نوعان : خارجيٌّ ، و ذهنيٌّ ، فإذا أَخبرتَ المخاطَب بخبرٍ صادقٍ حَصَلت له حقيقة المخبَر عنه بكماله ، و تمامه في ذهنه .
و مِنْ هذا وصْفُهم الرُّمْـحَ بأنَّه صادق الكُعُوب إذا كانت كعوبةً صلبةً قويةً ممتلئةً"ا.ه["مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد و إياك نستعين"2/290-291]
و قال – أيضاً - : "و الفرق بينه – الصِّدْق – و بين "الإخلاص" : أنَّ للعبد مطلوباً و طلباً ، فالإخلاصُ توحيد مطلوبِهِ ، و الصدق توحيد طلبِهِ ؛ فالإخلاصُ أَنْ لا يكونَ المطلوب منقسماً ، و الصدق أَنْ لا يكون الطلب منقسماً، فالصدق بذْل الجهد ، و الإخلاص إفراد المطلوب"ا.ه["مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد و إياك نستعين"1/124،وانظر 2/101، "طريق الهجرتين و باب السعادتين"ص369، "جلاء الأفهام في الصلاة و السلام على خير الأنام"ص145]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

7-الفَرْقُ " بَيْنَ : "الحكْمِ المنَـزَّلِ" وَ "الحُكْمِ المُـؤَوَّلِ" وَ "الحُكْمِ المُبَـدَّلِ" :

قَالَ - رحمه الله - : "و الفرق بين "الحُكْم المنـزَّل - الواجب الاتباع -" و "الحكم المؤَوَّل - الذي غايته أَنْ يكون جائزَ الاتِّـبَاع - " : أَنَّ الحكم المنـزَّل هو الذي أنزله الله على رسوله- صلى الله عليه و سلم - ، و حَكَمَ به بين عباده ، و هو حكمُهُ - الذي لا حكم له سواه -.
و أَمَّا الحكم المؤوَّل : فهو أقوال المجتهدين المختلفة التي لا يجب اتباعُها ، و لا يكفر ، و لا يفسق مَنْ خالفها ؛ فإنَّ أصحابها لم يقولوا : "هذا حُكْم الله ، و رسولِهِِ" ، بل قالوا : "اجتهدنا برأينا ، فمَن شاء قبله ، و من شاء لم يقبله" ، و لم يُلزموا به الأمة ، بل قال أبو حنيفة : "هذا رأيي ، فمَنْ جاءني بخير منه قبلناه" ، و لو كان هو عَيْنَ حُكْم الله لَمَا ساغ لأَبي يوسف ، و محمدٍ ، و غيرِهما مخالفتُهُ فيه.
و كذلك مالكٌ ، استشاره الرشيدُ أَنْ يَحْمِل الناس على ما في الموطأ ؛ فمنعه من ذلك ، و قال : "قد تفرق أصحابُ رسولِ الله-صلى الله عليه وسلم- في البلاد ، و صار عند كلِّ قوم علم غير ما عند الآخرين" ، و هذا الشافعيُّ ينهى أصحابه عن تقليده ، و يوصيهم بترْك قولِهِ إذا جاء الحديث بخلافه ، و هذا الإمام أحمدُ يُنْـكر على مَنْ كتب فتاويه ، و دوَّنها ، و يقول : "لا تقلدني ، و لا تقلدْ فلاناً ، و لا فلاناً ، و خُذْ مِنْ حيث أخذوا" ، و لو علموا - رضي الله عنهم - أَنَّ أقوالهم يجب اتباعها لحرَّموا على أصحابهم مخالفتَهم ، و لَمَا ساغ لأصحابهم أَنْ يفتوا بخلافهم في شيء ، و لَمَا كان أحدُهم يقول القولَ ، ثم يفتي بخلافه ؛ فيُـرْوَى عنه في المسألة القولان ، و الثلاثة ، و أكثرُ من ذلك ؛ فالرأي و الاجتهاد أحسنُ أحواله أَنْ يسوغ اتباعه ، و الحكم المنـزَّل لا يحل لمسلمٍ أَنْ يخالفه ، و لا يخرج عنه.
و أما "الحكم المبَدَّلُ" - و هو الحكم بغير ما أنزل الله - فلا يَحِلُّ تنفيذه ، و لا العمل به ، و لا يسوغ اتباعه ، و صاحبُهُ بين الكفر و الفسوق و الظُّلم"ا.ه["الروح"ص394]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

8-الفَرْقُ بَيْنَ : "بَابِ الأَسْمَـاءِ" وَ "بَابِ الأَفْعَـالِ" :

قَالَ - رحمه الله - : "إِنَّه لا يلزم من الإخبار عنه بالفِعْل مُقَيَّداً أَنْ يُشتق له منه اسمٌ مطلقٌ كما غلط بعضُ المتأخرين ؛ فجعل مِن أسمائه الحسنى "المضل" ، "الفاتن" ، "الماكر" - تعالى الله عن قولِهِ - ؛ فإِنَّ هذه الأسماءَ لم يُطْلَقْ عليه – سبحانه - منها إلا أفعالٌ مخصوصةٌ معينةٌ ؛ فلا يجوز أَنْ يُسمَّى بأسمائها المطلَقَة ، والله أعلم"ا.ه["بدائع الفوائد"1/162]
وقال – أيضاً - : "إِنَّ الفعل أوسعُ من الاسم ؛ و لهذا أطلق اللهُ على نفسه أفعالاً لم يتسم منها بأسماء الفاعل كأراد ، و شاء ، و أحدث ، و لم يسم بالمريد ، و الشائي ، و المحْدِث ، كما لم يسمِّ نفسَه بالصانع ، و الفاعل ، و المتقن ، و غيرِ ذلك من الأسماء - التي أطلق أفعالها على نفسه - ؛ فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء.
و قد أخطأ أقبح خطأ مَن اشتقَّ له مِنْ كل فعلٍ اسماً ، و بلغ بأسْمائه زيادةً على الألف ، فسمَّاه الماكرَ ، و المخادعَ ، و الفاتنَ ، و الكائدَ ، و نحوَ ذلك"ا.ه ["مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد و إياك نستعين"3/433]
و قال - أيضاً - : "عليك بمراعاة ما أطلقه – سبحانه - على نفسه من الأسماء و الصفات ، و الوقوفِ معها ، و عدمِ إطْـلاق ما لم يطلقه على نفسه ما لم يكن مطابقاً لمعنى أسمائه و صفاته ، و حينئذٍ فيُطْلَق المعنى لمطابقته له دون اللفظ ، و لا سيما إذا كان مجملاً ، أو منقسماً إلى ما يُمْدَح به و غيره ؛ فإِنَّه لا يجوز إطلاقه إلا مقيداً ، و هذا كلفظ "الفاعل" و "الصانع" ؛ فإنه لا يطلق عليه في أَسْمائه الحسنى إلا إطلاقاً مقيَّداً أطلقه الله على نفسه كقوله – تعالى - : " فعال لما يريد"[البروج:16] ، "و يفعل الله ما يشاء"[إبراهيم:27] ، و قولِهِ : "صنع الله الذي أتقن كل شيء"[النمل:88] ؛ فإن اسم "الفاعل" و "الصانع" منقسم المعنى إلى ما يُمدح عليه و يذم ؛ و لهذا المعنى - و الله أعلم - لم يجىء في الأسماء الحسنى "المريد" كما جاء "السميع" ، "البصير" ، و لا "المتكلم" ، و لا "الآمر الناهي" ؛ لانقسام مُسَمَّى هذه الأسماء ، بل وصف نفسه بكمالاتِهَا ، و أشرفِ أنواعها.
و مِن هنا يُعلم غلط بعض المتأخرين ، و زلقُهُ الفاحشُ في اشتقاقه له – سبحانه - مِنْ كُلِّ فعلٍ أخبر به عن نفسه اسماً مطلقاً ، فأدخله في أسمائه الحسنى ؛ فاشتق له اسم "الماكر" و "الخادع" و "الفاتن" و "المضل" و "الكاتب" و نحوَها مِنْ قوله : "و يمكر الله"[الأنفال:30] ، و من قوله : "و هو خادعهم"[النساء:142] ، و من قوله : "لنفتنهم فيه"[طه:131] ، و من قوله : "يضل من يشاء"[الرعد:27] ، و قوله – تعالى - : "كتب الله لأغلبن"[المجادلة:21] ، و هذا خطأ من وجوهٍ :
أحدها : أَنَّه – سبحانه - لم يطلق على نفسه هذه الأسماءَ ؛ فإطلاقها عليه لا يجوز.
الثاني : أنه – سبحانه - أخبر عن نفسه بأفعالٍ مختصةٍ مقيدةٍ ؛ فلا يجوز أَنْ يُنْسَبَ إليه مُسَمَّى الاسم عند الإطلاق.
الثالث : أَنَّ مُسَمَّى هذه الأسماء منقسم إلى ما يُمدح عليه المسمَّى به ، و إلى ما يُذَمُّ ، فيحسن في موضعٍ ، و يقبح في موضعٍ ؛ فيمتنع إطلاقُهُ عليه – سبحانه - من غير تفصيلٍ.
الرابع : أَنَّ هذه ليست من الأسماء الحسنى - الذي يُسَمَّى بها سبحانه - ، فلا يجوز أَنْ يُسمى بها ، فإنَّ أسماء الرب - سبحانه - كلها حسنى ، كما قال – تعالى - : "و لله الأسماء الحسنى"[الأعراف:180] ، و هي التي يحب – سبحانه - أن يُثْـنَى عليه ، و يُحمد بها دون غيرها.
الخامس : أَنَّ هذا القائل لو سُمِّي بهذه الأسماء ؛ و قيل له : "هذه مدحتك ، و ثناء عليك ؛ فأنت الماكر ، الفاتن ، المخادع ، المضل ، اللاعن ، الفاعل ، الصانع ، و نحوها" لَمَا كان يرضى بإطلاق هذه الأسماء عليه ، و يعدُّها مدحة ، و لله المثل الأعلى – سبحانه و تعالى عما يقول الجاهلون به علواً كبيراً -.
السادس : أَنَّ هذا القائل يلزمه أَنْ يَجعل من أسمائه "اللاعن" و "الجائي" و "الآتي" و "الذاهب" و "التارك" و "المقاتل" و "الصادق" و "المنـزل" و "النازل" و "المدمدم" و "المدمر" ، و أضعاف ذلك ؛ فيشتق له اسماً من كلِّ فعلٍ أخبر به عن نفسه ، وإلا تناقض تناقضاً بيِّـناً .
و لا أحد من العقلاء طَرَدَ ذلك ؛ فعُـلم بطلانُ قولِهِ ، و الحمد لله رب العالمين"ا.ه["طريق الهجرتين و باب السعادتين"ص329]

أم سلمة
10-Nov-2008, 08:44 PM
جزااكم الله خيرا ً..

لكن لم يتبين لي مراده من هذه الجملة :

في الفرق السادس : الفرق بين الصدق والإخلاص :

" أنَّ للعبد مطلوباً و طلباً ، فالإخلاصُ توحيد مطلوبِهِ ، و الصدق توحيد طلبِهِ ؛ فالإخلاصُ أَنْ لا يكونَ المطلوب منقسماً ، و الصدق أَنْ لا يكون الطلب منقسماً، فالصدق بذْل الجهد ، و الإخلاص إفراد المطلوب"ا.ه..

عبدالله القحطاني
11-Nov-2008, 08:33 AM
جزااكم الله خيرا ً..

لكن لم يتبين لي مراده من هذه الجملة :

في الفرق السادس : الفرق بين الصدق والإخلاص :

" أنَّ للعبد مطلوباً و طلباً ، فالإخلاصُ توحيد مطلوبِهِ ، و الصدق توحيد طلبِهِ ؛ فالإخلاصُ أَنْ لا يكونَ المطلوب منقسماً ، و الصدق أَنْ لا يكون الطلب منقسماً، فالصدق بذْل الجهد ، و الإخلاص إفراد المطلوب"ا.ه..

(إن للعبد مطلوباً)أي:مقصوداً بالعبادة،(وطلباً)وهو بذل الجهد فيها(فالإخلاص)هو (توحيد)أي:إفراد(مطلوبه)وهو المقصود بالعبادة؛وذلك بأن يكون قصده بالعبادة وجه الله-تعالى-،(والصدق)وهو بذل الجهد في تحقيق العبادة ظاهراً وباطناً(توحيد)أي:إفراد(طلبه)أي:جهده في تحقيقها؛وذلك بأن يكون الجهد متوجهاً كله إلى ذلك(فالإخلاص أن لا يكون المطلوب)وهو المقصود بالعبادة(منقسماً)أي:أن لا تكون العبادة لله-تعالى-ولغيره(والصدق أن لا يكون الطلب)وهو بذل الجهد في تحقيق العبادة ظاهراً وباطناً(منقسماً)أي:ليس متوجهاً إلى شئ واحد،وهو تحقيق العبادة ظاهراً وباطناً بل بعضه متوجه إلى العبادة وبعضه متوجه إلى غيرها من شؤون الدنيا(فالصدق بذل الجهد،والإخلاص إفراد المطلوب)وهو الله-تعالى-.

أم سلمة
11-Nov-2008, 10:05 AM
جزااكم الله خيرااا..

ونفع بكم

شرح واافي ..وكافي ..