د.محمد هشام طاهري
09-Sep-2008, 03:29 PM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن المسلم مأمور بأن يحرص على عقيدته ويحافظ عليها؛ فهي الجوهرة التي إن ضيعها لم يكن له عوض عنها، والتوحيد الخالص هو مفتاح الجنة، والاعتقاد الصحيح هو الطريق الموصل إلى الجنة، وأهم ما يبنى عليه الاعتقاد أمران، وهما:
الأمر الأول: عبادة الله وحده لا شريك له.
الأمر الثاني: عبادة الله تعالى بالكيفية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم.
فمن كان مخلصاً لله تعالى في دينه وعبادته لربه، متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يكون ناجياً بإذن الله تعالى.
ونصحا لله تبارك وتعالى ولرسوله عليه الصلاة والسلام ولدينه وللمسلمين، وحبا في الإسهام بالخير أردت أن أذكر بعض المخالفات العقدية التي يقع فيها البعض حتى يحذرها المسلمون، وليكون إيماننا نقياً، واتباعنا صافياً ريَّا، ومن هذه المخالفات:
1- وقوع بعض الناس في الرياء؛ سواء في صومه، أو في قيامه، أو في قراءته؛ وقد يكون هذا الرياء كلياً شاملاً العبادة من أولها إلى آخرها، وقد يكون الرياء فيها يسيراً، والواجب البعد عن الرياء كله، سواء كان مشوباً للعبادة كلها مثل الذي لا يصوم إلا لأجل الناس، أو لا يصوم إلا صحة، أو لا يصوم إلا تبعاً لعادات الناس، أو كان الرياء جزئيا مثل الذي يخبر أنه عطش اليوم جداً حتى يرى الناس كم تحمله شديد، أو يقول: قرأت اليوم عشرة أجزاء ليعلم الناس جلده في القراءة، ونحو ذلك، والأدلة كثيرة في الحذر من الرياء، قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}، وقال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ!؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ -يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ-: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً" [رواه الإمام أحمد في المسند، وصححه الألباني في الصحيحة].
2- مخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض العبادات؛ كتأخير الفطور، وتعجيل السحور؛ فإن هذا ينقص في الاتباع، وقد ينقضه، قال عليه الصلاة والسلام: "وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم"[رواه مسلم]، وقال: "عليكم بسنتي..."[أخرجه أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح، وابن ماجه]، وقد عد أهل العلم المتبعون للسنة تأخير الفطور حتى تظهر النجوم بدعة محدثة في الدين، ويأثم الإنسان على ذلك؛ لأنه يعبد الله تعالى بما لم يشرعه.
3- اعتقاد أن القرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان مرة واحدة، وهذا خطأ بدلالة النص والواقع؛ فإن القرآن الكريم لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم جملة واحدة؛ بل نزل متفرقاً على ثلاث وعشرين سنة؛ كما قال تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا}، وقال: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَّاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا}.
وأما قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} وقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وقوله: {إِنَّا أنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}؛ فهذا إما المراد به: أن ابتداء نزول القرآن كان على النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة المباركة وهي ليلة القدر في شهر رمضان وهو قول سعيد بن جبير وغيره، وإما أن يكون المراد: إخبار الله تعالى بإنزال القرآن إلى السماء الدنيا ليقرأه أهل السماء للدلالة على قرب مبعث النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وهذا قول ابن عباس.
4- اعتقاد بعض الناس أن القرآن نزل به جبريل من بيت العزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهذا باطل؛ لأن القرآن لم ينزل به جبريل عليه الصلاة والسلام من السماء الدنيا من بيت العزة؛ بل ولا من اللوح المحفوظ فوق السماء السابعة؛ وإنما سمعه من الله تبارك وتعالى مباشرة بلا واسطة، ولهذا قال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَّبِّكَ}، وقال: {تَنْزِيلُ مِّنْ رَّبِّ الْعَالَمِينَ} فلم يقل من اللوح، ولا من السماء؛ فدل أن جبريل سمع من الله تعالى الوحي ثم نزل به على النبي صلى الله عليه وسلم؛ وبهذا يكون إسناد المسلمين في الوحي أعلى؛ فإن نبيهم أخذ عن جبريل عن الله تعالى، وأما من أنزل الإسناد فيقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عن جبريل وجبريل عن اللوح المحفوظ أو عن بيت العزة؛ فهذا إسناد نازل، وفيه نكارة حيث إنه يشعر بأن الله تعالى لم يتكلم بالقرآن، وعقيدة المسلمين أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، سمعه جبريل من الله تعالى، وبلغه النبي عليه الصلاة والسلام، وبلغ النبي عليه الصلاة والسلام أمته.
ولا تعارض بين كون القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا لأهل السماء، وبين كونه نزل على النبي صلى الله عليه وسلم مفرقاً من الله تعالى بحسب الوقائع؛ فإن ذلك نزول الكتاب منسوخاً من اللوح، وهذا نزول الكلام مسموعاً من الله تعالى من قبل جبريل وبلغه النبي صلى الله عليه وسلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وما جاء عن ابن عباس-رضي الله عنهما-وغيره من السلف في تفسير قوله-تعالى-: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} أنه أنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزله بعد ذلك منجما مفرقا بحسب الحوادث، لا ينافي أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله، كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ* فِي لَوْحٍٍ مَّحْفُوظٍ}..؛ فإن كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ، وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة لا ينافي أن يكون جبريل نزل به من الله، سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل أو بعد ذلك، وإذا كان قد أنزله مكتوبا إلى بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر، فقد كتبه كله قبل أن ينـزله...فلا يكون بينهما تفاوت هكذا قال ابن عباس وغيره من السلف-وهو حق-..)[مجموع الفتاوى 12/126-127، وانظر منه: 15/223-224].
وقال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-: (والمنقول عن السلف اتفاقهم على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، تلقاه جبريل عن الله، وبلغه جبريل إلى محمد-صلى الله عليه وسلم-، وبلغه-صلى الله عليه وسلم-إلى أمته)[فتح الباري 13/471].
5- الاستهانة بالصوم؛ فإن الاستهانة بأمر الله تعالى، وما أوجبه أمر خطير، ينبغي للمسلم أن يحذر منه أشد الحذر، وأن يحذر من تحت سلطته من ذلك؛ فيحث على تعظيم أوامر الله تعالى عموماً، وتعظيم أركان الإسلام وشعار الدين على وجه الخصوص؛ فإن الصوم من شعائر الدين ومن أركانه، ومن يستهين بالصوم استهزاء أو سخرية أو لا مبالاة؛ فإنه يخشى عليه من الخروج عن الإسلام –عياذا بالله-؛ فالحذر الحذر من قول بعض الناس، وليش الصوم؟ ليش أحرم نفسي الطعام؟ أو ليش أعذب نفسي؛ فهذه عبارات تنبي عن فساد في الاعتقاد، وعدم إذعان للخالق جل وعلا.
6- الاستهزاء بالمتعبدين؛ فتسمع بعض الناس –من حيث يدري أو لا يدري- يقول: (شوف فلان مسوي نفسه مطوع، وترى فلان يقرأ القرآن رياء، وفلان مسوي نفسه خاشع..الخ) وهذا من مداخل الشيطان على الإنسان؛ فإياك أخي المسلم أن تستهزئ بالمتعبدين، ودع الخالق لباريهم ونياتهم، وإياك والطعن في عباداتهم والدخول في ضمائرهم، وقد كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم منافقون يستهزئون ببعض المتعبدين لله بالصدقة؛ فقد جاء "عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ.. فَتَصَدَّقَ رَجُلٌ بِنِصْفِ صَاعٍ..، وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْهُ؛ فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الْآخَرُ إِلَّا رِيَاءً؛ فَنَزَلَتْ؛: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ}" [متفق عليه بنحوه] فاحذر أخي المسلم من هذه الصفة الذميمة فإنك إن فتحت هذا الباب لم يكن لك منه مخرج.
7- مسح الوجه بعد الفراغ من دعاء القنوت بدعة: فإن ذلك لم يثبت عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لا في دعاء القنوت ولا في غيره، وإنما ثبت عنه في قنوت النازلة أنه كان يرفع يديه ويدعو، ولم يأت في حديث صحيح أنه مسح وجهه بعد الدعاء لا في الصلاة ولا في خارجها؛ والمتواتر عنه صلى الله عليه وسلم رفع اليدين دون المسح.
8- الذهاب والنظر لما يعرف بالعروض السحرية؛ فتنتشر في رمضان –مع الأسف الشديد- ما يسمى بالخيمة الرمضانية؛ وفيها بعض العروض السحرية، سواء من قبل سحرة حقيقيين، أو من قبل سحرة بهلوانيين؛ فيخسر الإنسان دينه بالذهاب إلى السحرة، ووقته الثمين في رمضان فينشغل عن الطاعة بالمعصية، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"[رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني 3387].
9- حلف بعض الناس بغير الله تعالى؛ وهذا إذا كان موجوداً في غير رمضان فإنك تراه يكثر في رمضان؛ فهذا يحلف بأبيه لأجل إفطار، وهذا يحلف بالنعمة لأجل غبقة، وهذا يحلف بالأمانة لأجل عشاء، ونحو ذلك؛ وهذا من الشرك؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ" [رواه مسلم]، وقال: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ" [رواه أبو داود، والترمذي وحسنه]، وقال: "مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا" [رواه أبو داود، وصححه الألباني كما في السلسلة].
10- قول بعض الناس إذا عطش أو جاع: (الله يلعن ها اليوم، والله يقلع ها اليوم..الخ) وهذا كله محرم لا يجوز؛ فإن اليوم والزمن كله بيد الله تعالى يقلبها كيف شاء، والواجب الصبر على المقدور، بل الرضا بما هو كائن من الأمور؛ فإنها بتقدير اللطيف الخبير، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَقُولُ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ!؟ فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ؛ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ؛ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ؛ فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا"[رواه مسلم].
11- اعتقاد بعض الناس أن ثم أعياداً للمسلمين غير عيد الفطر والأضحى، وهذا مخالف للعقيدة الصحيحة؛ فأهل الإسلام ليس لهم أعياد دينية إلا هذين العيدين: الأضحى والفطر، وأما الأعياد الملصقة بالدين؛ كعيد المولد، وعيد الإسراء والمعراج، ونحو ذلك من الأعياد فهذه كلها بدع؛ لا يجوز اعتقاد صحتها فضلا عن العمل بمقتضاها؛ فَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: "قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا؛ فَقَالَ: مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ"[رواه أبو داود].
هذا وأسأل الله تعالى أن ينفعنا بما نسمع ونقول ونقرأ، وأن يجعل ذلك حجة لنا لا علينا، وأن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
فإن المسلم مأمور بأن يحرص على عقيدته ويحافظ عليها؛ فهي الجوهرة التي إن ضيعها لم يكن له عوض عنها، والتوحيد الخالص هو مفتاح الجنة، والاعتقاد الصحيح هو الطريق الموصل إلى الجنة، وأهم ما يبنى عليه الاعتقاد أمران، وهما:
الأمر الأول: عبادة الله وحده لا شريك له.
الأمر الثاني: عبادة الله تعالى بالكيفية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم.
فمن كان مخلصاً لله تعالى في دينه وعبادته لربه، متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يكون ناجياً بإذن الله تعالى.
ونصحا لله تبارك وتعالى ولرسوله عليه الصلاة والسلام ولدينه وللمسلمين، وحبا في الإسهام بالخير أردت أن أذكر بعض المخالفات العقدية التي يقع فيها البعض حتى يحذرها المسلمون، وليكون إيماننا نقياً، واتباعنا صافياً ريَّا، ومن هذه المخالفات:
1- وقوع بعض الناس في الرياء؛ سواء في صومه، أو في قيامه، أو في قراءته؛ وقد يكون هذا الرياء كلياً شاملاً العبادة من أولها إلى آخرها، وقد يكون الرياء فيها يسيراً، والواجب البعد عن الرياء كله، سواء كان مشوباً للعبادة كلها مثل الذي لا يصوم إلا لأجل الناس، أو لا يصوم إلا صحة، أو لا يصوم إلا تبعاً لعادات الناس، أو كان الرياء جزئيا مثل الذي يخبر أنه عطش اليوم جداً حتى يرى الناس كم تحمله شديد، أو يقول: قرأت اليوم عشرة أجزاء ليعلم الناس جلده في القراءة، ونحو ذلك، والأدلة كثيرة في الحذر من الرياء، قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}، وقال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ!؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ -يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ-: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً" [رواه الإمام أحمد في المسند، وصححه الألباني في الصحيحة].
2- مخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض العبادات؛ كتأخير الفطور، وتعجيل السحور؛ فإن هذا ينقص في الاتباع، وقد ينقضه، قال عليه الصلاة والسلام: "وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم"[رواه مسلم]، وقال: "عليكم بسنتي..."[أخرجه أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح، وابن ماجه]، وقد عد أهل العلم المتبعون للسنة تأخير الفطور حتى تظهر النجوم بدعة محدثة في الدين، ويأثم الإنسان على ذلك؛ لأنه يعبد الله تعالى بما لم يشرعه.
3- اعتقاد أن القرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان مرة واحدة، وهذا خطأ بدلالة النص والواقع؛ فإن القرآن الكريم لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم جملة واحدة؛ بل نزل متفرقاً على ثلاث وعشرين سنة؛ كما قال تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا}، وقال: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَّاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا}.
وأما قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} وقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وقوله: {إِنَّا أنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}؛ فهذا إما المراد به: أن ابتداء نزول القرآن كان على النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة المباركة وهي ليلة القدر في شهر رمضان وهو قول سعيد بن جبير وغيره، وإما أن يكون المراد: إخبار الله تعالى بإنزال القرآن إلى السماء الدنيا ليقرأه أهل السماء للدلالة على قرب مبعث النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وهذا قول ابن عباس.
4- اعتقاد بعض الناس أن القرآن نزل به جبريل من بيت العزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهذا باطل؛ لأن القرآن لم ينزل به جبريل عليه الصلاة والسلام من السماء الدنيا من بيت العزة؛ بل ولا من اللوح المحفوظ فوق السماء السابعة؛ وإنما سمعه من الله تبارك وتعالى مباشرة بلا واسطة، ولهذا قال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَّبِّكَ}، وقال: {تَنْزِيلُ مِّنْ رَّبِّ الْعَالَمِينَ} فلم يقل من اللوح، ولا من السماء؛ فدل أن جبريل سمع من الله تعالى الوحي ثم نزل به على النبي صلى الله عليه وسلم؛ وبهذا يكون إسناد المسلمين في الوحي أعلى؛ فإن نبيهم أخذ عن جبريل عن الله تعالى، وأما من أنزل الإسناد فيقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عن جبريل وجبريل عن اللوح المحفوظ أو عن بيت العزة؛ فهذا إسناد نازل، وفيه نكارة حيث إنه يشعر بأن الله تعالى لم يتكلم بالقرآن، وعقيدة المسلمين أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، سمعه جبريل من الله تعالى، وبلغه النبي عليه الصلاة والسلام، وبلغ النبي عليه الصلاة والسلام أمته.
ولا تعارض بين كون القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا لأهل السماء، وبين كونه نزل على النبي صلى الله عليه وسلم مفرقاً من الله تعالى بحسب الوقائع؛ فإن ذلك نزول الكتاب منسوخاً من اللوح، وهذا نزول الكلام مسموعاً من الله تعالى من قبل جبريل وبلغه النبي صلى الله عليه وسلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وما جاء عن ابن عباس-رضي الله عنهما-وغيره من السلف في تفسير قوله-تعالى-: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} أنه أنزله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزله بعد ذلك منجما مفرقا بحسب الحوادث، لا ينافي أنه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله، كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ* فِي لَوْحٍٍ مَّحْفُوظٍ}..؛ فإن كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ، وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة لا ينافي أن يكون جبريل نزل به من الله، سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل أو بعد ذلك، وإذا كان قد أنزله مكتوبا إلى بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر، فقد كتبه كله قبل أن ينـزله...فلا يكون بينهما تفاوت هكذا قال ابن عباس وغيره من السلف-وهو حق-..)[مجموع الفتاوى 12/126-127، وانظر منه: 15/223-224].
وقال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-: (والمنقول عن السلف اتفاقهم على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، تلقاه جبريل عن الله، وبلغه جبريل إلى محمد-صلى الله عليه وسلم-، وبلغه-صلى الله عليه وسلم-إلى أمته)[فتح الباري 13/471].
5- الاستهانة بالصوم؛ فإن الاستهانة بأمر الله تعالى، وما أوجبه أمر خطير، ينبغي للمسلم أن يحذر منه أشد الحذر، وأن يحذر من تحت سلطته من ذلك؛ فيحث على تعظيم أوامر الله تعالى عموماً، وتعظيم أركان الإسلام وشعار الدين على وجه الخصوص؛ فإن الصوم من شعائر الدين ومن أركانه، ومن يستهين بالصوم استهزاء أو سخرية أو لا مبالاة؛ فإنه يخشى عليه من الخروج عن الإسلام –عياذا بالله-؛ فالحذر الحذر من قول بعض الناس، وليش الصوم؟ ليش أحرم نفسي الطعام؟ أو ليش أعذب نفسي؛ فهذه عبارات تنبي عن فساد في الاعتقاد، وعدم إذعان للخالق جل وعلا.
6- الاستهزاء بالمتعبدين؛ فتسمع بعض الناس –من حيث يدري أو لا يدري- يقول: (شوف فلان مسوي نفسه مطوع، وترى فلان يقرأ القرآن رياء، وفلان مسوي نفسه خاشع..الخ) وهذا من مداخل الشيطان على الإنسان؛ فإياك أخي المسلم أن تستهزئ بالمتعبدين، ودع الخالق لباريهم ونياتهم، وإياك والطعن في عباداتهم والدخول في ضمائرهم، وقد كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم منافقون يستهزئون ببعض المتعبدين لله بالصدقة؛ فقد جاء "عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ.. فَتَصَدَّقَ رَجُلٌ بِنِصْفِ صَاعٍ..، وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْهُ؛ فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الْآخَرُ إِلَّا رِيَاءً؛ فَنَزَلَتْ؛: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ}" [متفق عليه بنحوه] فاحذر أخي المسلم من هذه الصفة الذميمة فإنك إن فتحت هذا الباب لم يكن لك منه مخرج.
7- مسح الوجه بعد الفراغ من دعاء القنوت بدعة: فإن ذلك لم يثبت عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لا في دعاء القنوت ولا في غيره، وإنما ثبت عنه في قنوت النازلة أنه كان يرفع يديه ويدعو، ولم يأت في حديث صحيح أنه مسح وجهه بعد الدعاء لا في الصلاة ولا في خارجها؛ والمتواتر عنه صلى الله عليه وسلم رفع اليدين دون المسح.
8- الذهاب والنظر لما يعرف بالعروض السحرية؛ فتنتشر في رمضان –مع الأسف الشديد- ما يسمى بالخيمة الرمضانية؛ وفيها بعض العروض السحرية، سواء من قبل سحرة حقيقيين، أو من قبل سحرة بهلوانيين؛ فيخسر الإنسان دينه بالذهاب إلى السحرة، ووقته الثمين في رمضان فينشغل عن الطاعة بالمعصية، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"[رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني 3387].
9- حلف بعض الناس بغير الله تعالى؛ وهذا إذا كان موجوداً في غير رمضان فإنك تراه يكثر في رمضان؛ فهذا يحلف بأبيه لأجل إفطار، وهذا يحلف بالنعمة لأجل غبقة، وهذا يحلف بالأمانة لأجل عشاء، ونحو ذلك؛ وهذا من الشرك؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ" [رواه مسلم]، وقال: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ" [رواه أبو داود، والترمذي وحسنه]، وقال: "مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا" [رواه أبو داود، وصححه الألباني كما في السلسلة].
10- قول بعض الناس إذا عطش أو جاع: (الله يلعن ها اليوم، والله يقلع ها اليوم..الخ) وهذا كله محرم لا يجوز؛ فإن اليوم والزمن كله بيد الله تعالى يقلبها كيف شاء، والواجب الصبر على المقدور، بل الرضا بما هو كائن من الأمور؛ فإنها بتقدير اللطيف الخبير، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَقُولُ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ!؟ فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ؛ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ؛ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ؛ فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا"[رواه مسلم].
11- اعتقاد بعض الناس أن ثم أعياداً للمسلمين غير عيد الفطر والأضحى، وهذا مخالف للعقيدة الصحيحة؛ فأهل الإسلام ليس لهم أعياد دينية إلا هذين العيدين: الأضحى والفطر، وأما الأعياد الملصقة بالدين؛ كعيد المولد، وعيد الإسراء والمعراج، ونحو ذلك من الأعياد فهذه كلها بدع؛ لا يجوز اعتقاد صحتها فضلا عن العمل بمقتضاها؛ فَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: "قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا؛ فَقَالَ: مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ"[رواه أبو داود].
هذا وأسأل الله تعالى أن ينفعنا بما نسمع ونقول ونقرأ، وأن يجعل ذلك حجة لنا لا علينا، وأن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.