المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل يستجيب الله للكافر إذا أخلص الدعاء لله ؟


زين العابدين
25-Nov-2006, 01:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


قال الله تعالى : {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (65) سورة العنكبوت

سؤالي هو : هل الله عز وجل نجاهم لأنهم أخلصوا الدعاء , أم لأن الله قدر لهم النجاة فقط سواءا أخلصوا أم لم يخلصوا ؟


وشكرا

عبدالله القحطاني
26-Nov-2006, 08:00 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد ذكر الله - تعالى - في مواضع من كتابه استجابته دعاء من يدعوه سواء كان مسلماً أو كافراً ؛ لوجود شرطه وهو الإخلاص ، و ذلك أن الدعاء متعلق بربوبيته - تعالى - ، وهي عامة للخلق ؛ فهو ربهم و خالقهم ، ورازقهم ، و مدبر شؤونهم، ...إلخ .
ومن ذلك دعاء الكافر ربَّـه - تعالى - عند الشدة ، قال - تعالى - : " قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء و تنسون ما تشركون " [الأنعام:41-42] ، و قال – تعالى - : " هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ " [يونس:22] ، و قال - تعالى - : " ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون " [النحل:54-55] ، و قال - تعالى - : " وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم و كان الإنسان كفوراً " [الإسراء:68] ، و قال – تعالى - : " وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل و جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار " [الزمر:9] ، و قال – تعالى - : " وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون " [العنكبوت:65] .
قال ابن جريرٍ – رحمه الله - (ت310) في تفسير آية الإسراء : " يقول - تعالـى ذكره - : وإذا نالتكم الشدّة والـجهد فـي البحر "ضلّ من تدعون" يقول : فَقَدتُـمْ من تدعون من دون الله من الأنداد والآلهة، و جار عن طريقكم ؛ فلـم يغثكم ، و لـم تـجدوا غير الله مغيثاً يغيثكم : دعوتـموه، فلـما دعوتـموه ؛ و أغاثكم ، و أجاب دعاءكم ، و نـجاكم من هول ما كنتـم فـيه فـي البحر: أعرضتـم عما دعاكم إلـيه ربكم من خـلع الأنداد، و البراءة من الآلهة ، و إفراده بـالألوهية ؛ كفراً منكم بنعمته " ا.ه.[ "جامع البيان عن تأويل آي القرآن"9/123]
و قال – رحمه الله - في تفسير آية العنكبوت : " يقول - تعالـى ذكْرُهُ - : فإذا ركب هؤلاء الـمشركون السفـينة فـي البحر ، فخافوا الغرق و الهلاك فـيه " دَعُوا اللّهَ مُخْـلِصِينَ لَهُ الدّينَ " يقول : أخـلصوا لله عند الشدّة التـي نزلت بهم التوحيدَ، وأفردوا له الطاعة ، و أذعنوا له بـالعبودة ، و لـم يستغيثوا بآلهتهم و أندادهم ، و لكن بـالله الذي خـلقهم " فلَـمَّا نَـجَّاهُمْ إلـى البَرّ " يقول : فلـما خـلصهم مـما كانوا فـيه وسلَّـمهم ، فصاروا إلـى البرّ إذا هم يجعلون مع الله شريكاً فـي عبـادتهم ، و يدعون الآلهة و الأوثان معه أربـابـاً.
حدثنا بشر ، قال: ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :" قوله : " فَلمَّا نجاهُم إلى البَر إذَا هُمْ يُشْرِكُونَ " فالخلق كلهم يقرّون لله أنه ربهم ، ثم يشركون بعد ذلك " ا.ه.[ "جامع البيان عن تأويل آي القرآن"11/13]
و قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-(ت728): "و الخلق كلهم يسألون الله : مؤمنهم ، و كافرهم ، و قد يجيب الله دعاء الكافر ؛ فإن الكفار يسألون الله الرزق ؛ فيرزقهم ، و يسقيهم ، وإذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون إلا إياه ، فلما نجاهم إلى البر أعرضوا ، وكان الإنسان كفوراً"ا.ه["مجموع الفتاوى"1/206].

و استجابته – تعالى - للكافر تكون في أمور الدنيا ، و أما في الآخرة فما لهم فيها من نصيب ؛ لعدم تحقق شرط القبول منهم – و هو الإيمان - ، قال ابن قيم الجوزية – رحمه الله - (ت751) : " التوحيد مفزع أعدائه و أوليائه :
فأما أعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا ، و شدائدها : " وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون " [العنكبوت:65] ، و أما أولياؤه فينجيهم من كربات الدنيا و الآخرة ، وشدائدها ، ولذلك فزع إليه يونس ؛ فنجاه الله من تلك الظلمات ، و فزع إليه أتباع الرسل ؛ فنجوا مما عُــذِّبَ به المشركون في الدنيا ، و ما أُعِـدَّ لهم في الآخرة .
و لما فزع إليه فرعون عند معاينة الهلاك ، و إدراك الغرق لم ينفعه ؛ لأن الإيمان عند المعاينة لا يقبل ؛ هذه سنة الله في عباده .
فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد ؛ و لذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد ، و دعوة ذي النون –التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد - ، فلا يلقي في الكُـرَب العظام إلا الشرك ، و لا ينجي منها إلا التوحيد ؛ فهو مفزع الخليقة ، و ملجؤها ، و حصنها ، و غياثها ، وبالله التوفيق "ا.ه. [ "الفوائد" ص69-70]

و أما قوله – تعالى - : " و ما دعا الكافرين إلا في ضلال "[الرعد:14] فالمراد : دعاؤهم أوثانَهم و أصنامَهم من دون الله –تعالى - كما يدل عليه سياق الآية ، و بالله التو فيق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ
تنبيه : " لا يخفى على الناظر في هذه الآية الكريمة: أنَّ الله ذم الكفار وعاتبهم بأنهم في وقت الشدائد و الأهوال خاصةً يخلصون العبادة له وحده ، و لا يصرفون شيئاً من حقه لمخلوق ، و في وقت الأمن و العافية يشركون به غيره في حقوقه الواجبة له وحده - التي هي عبادته وحده - في جميع أنواع العبادة ؛ و يعلم من ذلك أن بعض جهلة المتسمين باسم : "الإسلام" أسوأ حالاً من عبدة الأوثان ؛ فإنهم إذا دهمتهم الشدائد ، و غشيتهم الأهوال ، و الكروب التجؤوا إلى غير الله ممن يعتقدون فيه الصلاح ، في الوقت الذي يخلص فيه الكفار العبادة لله ، مع أنَّ الله - جل وعلا - أوضح في غير موضع : أنَّ إجابة المضطر ، و إنجاءه من الكرب من حقوقه - التي لا يشاركه فيها غيره - ، و من أوضح الأدلة في ذلك قوله - تعالى - في سورة "النمل " : "ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلَـٰهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَـٰهٌ مَّعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوۤءَ " [النمل:59-62] الآيات ، فتراه - جل وعل ا- في هذه الآيات الكريمات جعل إجابة المضطر إذا دعا ، و كشف السوء عنه من حقه الخالص - الذي لا يشاركه فيه أحد - كخلقه السموات والأرض ، و إنزاله الماء من السماء، و إنباته به الشجر ، و جعله الأرض قراراً ، و جعله خلالها أنهاراً ، و جعله لها رواسي ، و جعله بين البحرين حاجزاً ، إلى آخر ما ذكر في هذه الآيات من غرائب صنعه ، و عجائبه - التي لا يشاركه فيها أحد - ، سبحانه و تعالى عن ذلك علواً كبيراً "[ "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" للشنقيطي، وانظر :"كشف الشبهات"ص4] .

زين العابدين
26-Nov-2006, 03:35 PM
جزاك الله خير إجابة مقنعة بصراحة ومدعمة بالأدلة فبارك الله فيك أخي الكريم و وافهم من كلامك أن الكافر مثل المسلم إذا اخلص الدعاء فقد يستجيب الله له إذا شاء وقد لا يستجيب .

ولكن أرى أن هناك زلة قلم وقعت منك " بدون قصد " وهي قولك :.

( و ذلك أن الدعاء متعلق بربوبيته - تعالى - ، وهي عامة للخلق ؛ فهو ربهم و خالقهم ، ورازقهم ، و مدبر شؤونهم، ...إلخ .)

ولعلك تقصد أن الدعاء متعلق بأولواهيته , وإستجابة الدعاء متعلق بربوبيته وهي لجميع الخلق المسلم والكافر .

وشكرا

طالبة دراسات عليا
26-Nov-2006, 05:30 PM
التوحيد هو مفزع الأولياء كما هو مفزع الأعداء، فالمؤمن إذا حزبه أو همه أمر يفزع فيسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خالصاً من قلبه، فيتحقق له دعاؤه بتوحيد الله في الدعاء، أو بدعائه بأمر أخلص فيه فيدعوه وحده، ويدعوه بعمل طاعة أخلص فيها لله، فهذا مفزع أوليائه وأصفيائه، وهو كذلك مفزع أعدائه، فإذا حز بهم أو أهمهم أمر وأرادوا أن يستجاب لهم دعوا الله مخلصين له الدين فيستجاب لهم.
إذاً: التوحيد هو أساس كل خير، فهو الذي يحقق للإنسان الخير سواء كَانَ مؤمناً أو كافراً، لأن الكافر يخلص في تلك اللحظة لكنه بعدها ينتكس عَلَى عقبيه، وهذا أيضاً يكون للمؤمنين ولكن فيما دون الشرك بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
دعاء المسألة ودعاء العبادة للشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي ، من درس: الشفاعة (الحلقة السادسة)

زين العابدين
30-Nov-2006, 09:48 PM
إضافة رائعة اختي طالبة , بارك الله فيك ..