المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : براءة المغيرة بن شعبة رضي الله عنه من تهمة الزنا


سعد الماجد
18-Nov-2006, 08:21 PM
براءة المغيرة بن شعبة رضي الله عنه من تهمة الزنا

المغيرة بن شعبة رضي الله عنه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وممن له جهاد وتضحية في سبيل الله ورفعة لهذا الدين وقد شارك مع النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من غزواته ، وبعد وفاته مع الصحابة رضي الله عنهم في حرب الفرس وغيرهم ، وقد تعرضت سيرته لكثير من التشويه والقدح من أعداء الدين وخاصة الرافضة ، وكان أعظم ما رمي به : الزنا؟!!
وهذه التهمة موجودة في كتب التاريخ ؟... ولذا انتهزها الرافضة في القدح في سيرة الصحابي الجليل رضي الله عنه :وشنعوا عليه في حسينياتهم ونواديهم ومنتدياتهم فما موقفنا من ذلك ؟ !
هل نسلِّم لهم بذلك ونقر به أم نراجع هذه المصادر وندرسها مع رواتها؟؟
لذا كانت الثانية وقد حاولت الوقوف على بعض هذه الروايات ولا أزعم أني قد أستقصيتها كلها ولكن هذا الجهد بحسب الاستطاعة،ولا اعدم من أخ باحث أن يشاركني هذا الأجر وهذا البحث.

وقد حصرت ما نسب إلى المغيرة رضي الله عنه في الروايات التالية:
الرواية الأولى:
أوردها الطبري في تاريخه، وفيها سيف بن عمر التميمي قال: (كان الذي حدث بين أبي بكرة والمغيرة بن شعبة أن المغيرة كان يناغيه( )، وكان أبو بكر ينافره( ) عند كل ما يكون منه، وكانا بالبصرة، وكانا متجاورين بينهما طريق، وكانا في مشربتين( ) متقابلتين لهما في داريهما في كل واحدة منهما كُوة( ) مقابلة للأخرى، فاجتمع إلى أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته، فهبت ريح، ففتحت باب الكوة، فقام أبو بكرة ليصفقه، فبصر بالمغيرة وقد فتحت الريح باب كوة مشربته، وهو بين رجلي امرأة، فقال للنفر: قوموا فانظروا، فقاموا فنظروا، ثم قال: اشهدوا، قالوا: من هذه؟ قال: أم جميل ابنة الأفقم – وكانت أم جميل إحدى بني عامر بن صعصعة وكانت غاشية للمغيرة، وتغشى الأمراء والأشراف – وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها – فقالوا: إنما رأينا أعجازاً، ولا ندري ما الوجه؟
ثم إنهم صمموا حين قامت، فلما خرج المغيرة إلى الصلاة حال أبو بكرة بينه وبين الصلاة وقال: لا تصل بنا. فكتبوا إلى عمر بذلك، وتكاتبوا، فبعث عمر إلى أبي موسى، فقال: يا أبا موسى إني مستعملك، إني أبعثك إلى أرض قد باض بها الشيطان وفرخ، فالزم ما تعرف، ولا تستبدل فيستبدل الله بك. فقال: يا أمير المؤمنين، أعني بعدة من أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار، فإني وجدتهم في هذه الأمة وهذه الأعمال كالملح لا يصلح الطعام إلا به، فاستعن بمن أحببت، فاستعان بتسعة وعشرين رجلاً... ثم خرج أبو موسى فيهم حتى أناخ بالمربد( )، وبلغ المغيرة أن أبا موسى قد أناخ بالمربد فقال: والله ما جاء أبو موسى زائراً، ولا تاجراً، ولكنه جاء أميراً.
--------------------------
( ) يناغيه: يحادثه، كتاب النهاية في غريب الحديث (5/75)، مادة: (نغا).
(2) ينافره: يغلبه. المصدر السابق (5/80)، مادة: (نفر).
(3) مشربتين: مثنى مشربة: بالضم والفتح: الغرفة. المصدر السابق (2/408)، مادة: (شرب).
(4) كوة: نافذة، ينظر: كتاب مختار الصحاح (ص 316)، مادة: (ك و ى).
(5) المربَد: بالكسر ثم السكون وفتح الباء الموحدة ودال مهملة: اسم موضع، قال الأصمعي: المربد كل شيء حبست فيه الإبل، ولهذا قيل: مربد النعم بالمدينة وبه سُمي مربد البصرة.
وهو من أشهر محال البصرة، وكان سوق الإبل فيه قديماً، ثم صار محلة عظيمة سكنها الناس، وبه كانت مفاخرات الشعراء ومجالس الخطباء، وبينه وبين البصرة نحو ثلاثة أميال. ينظر: معجم البلدان (4/242)، مادة: (المربد).
فإنهم لفي ذلك إذا جاء أبو موسى حتى دخل عليهم، فدفع إليه أبو موسى كتاباً من عمر، وإنه لأوجز كتاب كتب به أحد من الناس، أربعُ كلِم: عزل فيها، وعاتب، واستحث، وأمّر: أما بعد:
فإنه بلغني نبأ عظيم، فبعثت أبا موسى أميراً، فسلّم إليه ما في يدك، والعجل.
... وأهدى له المغيرة: وليدةً( ) من مولدات الطائف تُدعى عقيلة، وقال: إني قد رضيتها لك – وكانت فارهة – وارتحل المغيرة وأبو بكرة، ونافع( ) بن كلدة وزياد( ) وشبل( ) بن معبد البجلي حتى قدموا على عمر، فجمع بينهم وبين المغيرة، فقال المغيرة: سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني، مستقبلهم أو مستدبرهم؟ وكيف رأوا المرأة أو عرفوها؟ فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر، أو مستدبري فبأي شيء استحلوا النظر إلي في منزلي على امرأتي! والله ما أتيت إلا امرأتي – وكانت شبهها – فبدأ بأبي بكرة، فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة، قال: كيف رأيتها؟ قال مستدبرهما، قال: فكيف استثبت رأسها؟ قال: تحاملت؟!
ثم دعا بشبْل بن معبد، فشهد بمثل ذلك فقال: استدبرتهما أو استقبلتهما؟ قال: استقبلتهما. وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة، ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم؛

( 1 وليدة: جارية، والمولَّدة: التي وُلدت بين العرب ونشأت مع أولادهم، وتأدبت بآدابهم. ينظر: كتاب النهاية في غريب الحديث (5/195)، مادة: (ولد).
(2) هو نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي، أخو أبي بكرة لأمه، أمه سمية مولاة الحارث.
ينظر: كتاب الاستيعاب (ص 719)، رقم (2579)، وكتاب الإصابة (ص 1311)، رقم (8931).
(3) هو زياد بن أبيه، ويقال ابن أبي سفيان، وابن سُمية، وكان يقال له قبل الاستلحاق: زياد بن عُبيد الثقفي، وأمه سمية جارية الحارث بن كلدة، ويُكنى أبا المغيرة، ليست له صحبة، ولا

رواية، وكان رجلاً عاقلاً، داهية خطيباً، توفي سنة 53هـ. =
=ينظر: كتاب الاستيعاب (ص 254) رقم (837)، وكتاب الإصابة (ص 438)، رقم (2979).
(4) شبل بن معبد بن عبيد البجلي الأحمسي، أمه سمية والدة أبي بكرة وزياد، مختلف في صحبته وقال الدارقطني: تابعي.
ينظر: كتاب الاستيعاب (ص 334) رقم (1176)، وكتاب الإصابة، (ص 568)، رقم (3977).


قال: رأيته جالساً بين رجلي امرأة، فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان( )، وأستين( ) مكشوفتين، وسمعت حفزاناً( ) شديداً.

قال: هل رأيت كالميل في المكحلة؟ قال: لا. قال: فهل تعرف المرأة؟ قال: لا، ولكن أشبّهها، قال: فتنح، وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد، وقرأ:( لولا جاءو عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) [النور: 13]. فقال المغيرة: اشفني من الأعبد، فقال: اسكت أسكت الله نامتك! أما والله لو تمت الشهادة لرجمتك بأحجارك) ( ).
الرواية الثانية:
أوردها اليعقوبي في تاريخه، ومنها قوله: (فشهد الثلاثة، وأقبل زياد، فلما رآه عمر قال: أرى وجه رجل لا يخزي الله به رجلاً من أصحاب محمد، فلما دنا قال: ما عندك يا سَلْحَ العقاب؟
قال: رأيت أمراً قبيحاً، وسمعتُ نفساً عالياً، ورأيت أرجلاً مختلفة، ولم أر الذي مثل الميل في المكحلة.
فجلد عُمر أبا بكرة، ونافعاً، وشبل بن معبد، فقام أبو بكرة وقال: أشهد أن المغيرة زانٍ، فأراد عمر أن يجلده ثانية، فقال له علي: إذاً توفي صاحبك حجارة.
وكان عمر إذا رأى المغيرة قال: يا مغيرة! ما رأيتك قط إلا خشيت أن يرجمني الله بالحجارة)( ).
------------------------


( ) تخفقان: تتحركان. ينظر: كتاب النهاية في غريب الحديث (2/53) مادة (خفق).
( ) أستين: مثنى أُست، وهو العجز، وقد يراد بها حلقة الدبر. المصدر السابق (2/385)، مادة: (سه).
( ) حفزاناً: دفعاً، ينظر: كتاب معجم مقاييس اللغة، (ص 256)، مادة: (حفز)، ومختار الصحاح (ص 89)، مادة (ح ف ز).
( ) تاريخ الطبري (2/492)، وينظر: تاريخ ابن الجوزي (4/231)، مختصراً، وتاريخ ابن الأثير (ص340)، وتاريخ أبي الفداء (1/227)، وتاريخ ابن كثير (4/87).
( ) كتاب تاريخ اليعقوبي (2/100).

الرواية الثالثة:أوردها أبو الفرج الأصفهاني وفيها قال:
(إن المغيرة بن شعبة كان يخرج من دار الإمارة وسط النهار، وكان أبو بكرة يلقاه فيقول له: أين يذهب الأمير؟ فيقول: آتي حاجة، فيقول له: حاجة ماذا؟ إن الأمير يزار ولا يزور.
قال: وكانت المرأة التي يأتيها جارة لأبي بكرة، قال: فبينا أبو بكرة في غُرفة له مع أصحابه وأخويه نافع وزياد، ورجل آخر، يقال له شبل بن معبد، وكانت غرفة جارته تلك بحذاء غرفة أبي بكرة، فضربت الريح باب المرأة ففتحته، فنظر القوم فإذا هُم بالمغيرة ينكحها؟!
فقال أبو بكرة: هذه بلية ابتليتم بها فانظروا.
فنظروا حتى أثبتوا.
فنزل أبو بكرة فجلس حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة، فقال له: إنه كان من أمرك ما قد علمت، فاعتزلنا...) ( ) إلخ.


ويمكن النقد لهذه الروايات بالأمور التالية:-
من جهة الإسناد الرواية الأولى: فيها سيف بن عمر التميمي، وهو ضعيف متروك( ).
- والرواية الثانية فيها اليعقوبي، وهو شيعي تالف.
- والرواية الثالثة فيها أبو الفرج الأصفهاني، شيعي أيضاً.
وعمدة من نقل هذه الرواية اعتمد على الرواية التي في تاريخ الطبري، ونقلها عنه ابن الجوزي، وابن الأثير، وأبي الفداء، وابن كثير. وأشار إلى ذلك أيضاً خليفة بن خياط في تاريخه( )، والذهبي( ) من غير إسناد مختصراً. وعلى ذلك الخبر لا يصح لضعف رواته.

- ومن جهة المتن يلاحظ الأمور التالية:-
أن القارئ لهذا الخبر يشعر وكأنه أمام قصة أدبية، مصنوعة في مقدمتها، والعقدة أو حبكة القصة في وسطها، والنتيجة في نهايتها، كما أن هناك أمور مشكلة.
أن القصة تشمل رجالاً لهم صلة بثقيف إما نسباً أو ولادة، فالمغيرة
---------------------------
(15) كتاب الأغاني (16/95).
(16) ينظر: كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، لابن الوزير اليماني (3/253).
(17) ينظر: تاريخ خليفة بن خياط (ص 74).
(19) ينظر: كتاب الخلفاء الراشدون (تاريخ الإسلام) (ص 102).


- بن شعبة، وأبي بكرة، ونافع بن كلدة من ثقيف، وزياد بن أبيه نسب أولاً إلى ثقيف، وشبل بن معبد أمه سمية، كانت أمة لرجل من ثقيف، كما أن الأربعة غير المغيرة بن شعبة أمهم سمية مولاة الحارث من ثقيف؟ بل والمرأة المتهمة من ثقيف؟ فهل القصد من القصة شتم قبيلة ثقيف؟ وتلويث سمعتها بالزنا؟
- في الرواية الأولى: قالوا عن رؤيتهم لما حصل في بيت المغيرة: (إنما رأينا أعجازاً، ولا ندري ما الوجه؟).
- ثم إنهم صمموا حيث قامت، هذا يعني أنهم لم يروا وجه الفاعل والمفعول به؟ فلماذا شهدوا إذاً؟ هل أجمعوا على شهادة الزور؟
- في الرواية الأولى تقول عن المغيرة أنه: (أهدى لأبي موسى الأشعري عندما جاء بكتاب عزله عن البصرة وليدةً من مولدات الطائف... وقال: إني قد رضيتها لك..).
- فالقصة لم تذكر هل قَبِل أبو موسى الأشعري هذه الهبة أم لا؟ وهل تعتبر من الرشوة؟ وعند قدوم المغيرة بن شعبة على عمر لم يحاسبه على هذه الهبة، مع شدة عمر رضي الله عنه المعروفة في محاسبته لعماله على الأمصار؟
- في نهاية هذه القصة لماذا شتم عمر رضي الله عنه المغيرة بن شعبة فهل كان يتهمه أيضاً؟
- وفي الرواية الثانية: تتهم عمر رضي الله عنه بأنه ألمح لزياد بأن لا يشهد بالحق؟ وهل ذلك يتفق مع ما عرف عن عمر رضي الله عنه من أنه كان لا تأخذه في الله لومة لائم؟
- كما أن هذه الرواية تحاول إقحام ذكر اسم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وتجعله القاضي مكان عمر رضي الله عنه؟

- وأخيراً:
قول هذه الرواية: وكان عمر إذا رأى المغيرة قال: يا مغيرة ما رأيتك قط إلا خشيت أن يرجمني الله بالحجارة. وهذا اتهام لعمر رضي الله عنه بأنه حال بين تطبيق شرع الله، وهذا من أبطل الباطل، من تشويه سير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما عُرف من عدالتهم، وصدقهم وقوة إيمانهم وبعدهم عن المحاباة أو المداهنة في شرع الله.
أما في الرواية الثالثة: فهي مخالفة للروايتين، وفيها إصرار على اتهام المغيرة رضي الله عنه من بداية الرواية؟
والخلاصة: أن خبر اتهام المغيرة بن شعبة رضي الله عنه على ضوء هذه الروايات باطل جملة وتفصيلا ، كما أنها اشتملت على معاني؛ باطلة، بعيدة عن حياة خير القرون، وماعرف عنهم رضي الله عنهم من العفاف والطهر ، والبعد عن كل ما يدنس العرض.

عبدالله القحطاني
09-Feb-2007, 01:20 AM
وفقك الله يا دكتور/سعد،وجزاك خيراً على ما تقدمه لإخوانك.

زين العابدين
09-Feb-2007, 06:50 AM
بارك الله فيك ونفع الله بك