أبو مهند
12-Nov-2006, 10:01 PM
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، _صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيراً_.
أما بعد:
فإن العلم من المصالح الضرورية التي تقوم عليه حياة الأمة بمجموعها وآحادها، فلا يستقيم نظام الحياة مع الإخلال بها، بحيث لو فاتت تلك المصالح الضرورية لآلت حال الأمة إلى الفساد، ولحادت عن الطريق الذي أراده لها الشارع. ( )
يقول الإمام الشاطبي - رحمه الله -: "والحفظ لها – أي: للمصالح الضرورية - يكون بأمرين:
أحدهما: ما يقيم أركانها، ويثبت قواعدها، وذلك بمراعاتها من جانب الوجود.
والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم" ( ).
والعلم - بلا ريب - يسلك في هذه المصالح الضرورية التي تجب مراعاتها من الجانبين المذكورين، وذلك للأسباب التالية:
أسباب كون العلم ضرورة شرعية
1- لأن حاجتنا إليه لا تقل عن حاجتنا إلى المأكل والمشرب والملبس والدواء، إذ به قوام الدين والدنيا.
2- لأن المستعمرين - بل المحتلين الحاقدين - إنما احتلوا بلاد المسلمين لأسباب كثيرة، بيد أن من أهمها جهل المسلمين.
3- انتشار المذاهب الهدامة، والنحل الباطلة، وما حدث ذلك إلا لأنها وجدت قلوباً خالية، فتمكنت منها، فإن القلوب التي لا تتحصن بالعلم الشـرعي، تكون عرضة للانخداع بالضلالات، والوقوع في الانحرافات.
وهنا أنبه إلى أن الصحوة الإسلامية اليوم بحاجة إلى طلاب العلم، فلقـد التقيت بكثير من الشبـاب الأخيار، في هذه البلاد وفي غيرها، فآلمني أن العلم الشرعي ينقص كثيراً منهم. بالرغم من حرصهم على الخير، وحماسهم للدعوة، وغيرتهم على الدين.
ومن ذلك: أنني ذهبت إلى بلد من البلدان، فوجدت فيها صحوة إسلامية مباركة، فسرني ذلك وأفرحني، ولكن ساءني كثيراً أني وجدت هناك جرأة على الفتوى، وألفيت قيادات كثير من الشباب هناك بعيدة كل البعد عن العلم الشرعي!! فتساءلت: هل تقاد الدعوات بقيادات غير متمكنة من العلم الشرعي؟! وما مصير تلك الجماعات والحركات؟!
لا شك أنه لا يصح أن تقاد الدعوات بأولئك، وأن جهود هذه الدعوات وآمالها سوف تذهب هدراً ؛ لأن القيادة عندما تكون جاهلة بأمر دينها، جاهلة بكتاب ربها، وسنة نبيها؛ فإنها تعجز عاجلاً أو آجلاً عن القيام بواجبات الدعوة.
إن من العجيب أن يتفق الناس على أنه لا يمكن لأحد أن يصمم بيتاً إلا أن يكون مهندساً، عالماً بهذا الفن، في حين يتساهلون في أمر في غاية الأهمية، وهو: أمر الدعوة، فيقودها رجال ينقصهم العلم الشرعي!!
4- إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
لعل هذه هي أهم الأسباب التي تجعل العلم ضرورة شرعية -بإيجاز-.
أسباب ضعف المسلمين في هذا العصر
يمكن تلخيص تلك الأسباب فيما يلي:
1- غياب تأثير المسجد: فإن المسجد في كثير من بلاد المسلمين اليوم تؤدى فيـه الصلوات الخمس فحسب، بل لقد رأيت في بعض المساجد أن المؤذن يؤذن قبل أن يفتح المسجد، وإذا أراد أحد أن يتنفل كثيراً بعد الصلاة قال له المؤذن: جزاك الله خيراً، صل في بيتك.
هكذا أصبح المسجد لأداء هذه الركعات فقط، فغابت مهمة المسجد عن حياة الأمة، فوصلت الأمة إلى حال يرثى لها، على حين كان المسجد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم هو منطلق القيادة، والريادة، والتخطيط، والعلم والتعليم.
2- قلة العلماء العاملين: الذين ينذرون أنفسهم لبذل العلم ونشره، إنك اليوم تجد في كل بلد من بلاد المسلمين آلافاً من حملة المؤهلات العليا (الماجستير، والدكتوراه)، في التخصصات الشرعية، ولكن عندما تبحث عن العلماء العاملين المبلغين، الذين يجاهدون بعلمهم في سبيل الله ، لرفع الجهل عن الأمة، فإنك تجدهم قلة يعدون على الأصابع.
بل إنني لم أجـد في بعض بلاد المسلمين ما أعده على الأصابع من أولئك العلماء، فلقد سألت عن العلماء هنـاك، فقيل لي: هنا العالم فلان، والعالم فلان، و...، فذهبت إليهم - وليتني لم أذهب، "تسمـع بالمعيدي خير من أن تراه!!"- وجدت فيهم إخلالاً وعدم التزام، وضحالة وضعفاً، حقا إن أحدهم قد يحفظ بعض النصـوص، لكننـا لسنـا بحاجة إلى حفظة نصوص، ولسنا بحاجة إلى العلماء الذين اهتموا بالمناصب، وأهملوا العلم الذي تعلّموه، وإنما نحن بحاجة إلى العلماء العاملين الأكْفَاء المجاهدين.
3- سوء خطط التعليم في مراحل الدراسة المختلفة في البلاد الإسلامية: فإن خطط التعليم في كثير من البلاد الإسلامية سيئة للغاية: إما خطط علمانية،أو يسارية، مستوردة من الشرق أو الغرب، والقليل منها ما يوجد في خططها بصيص من نور.
4- ضعف الهمم والعزائم: فتجد أن الشيخ يبدأ في درس من الدروس العلمية ومعه عدد كبير من الطلاب، ثم يأخذ العدد في التناقص، حتى لا يبقى مع الشيخ إلا قلة يعدون على أصابع اليد.
والعلة في هذه الظاهرة أن الحماس هو الذي يطغى على حياتنا، ويحكم تصرفاتنا، وقل بيننا من يتصف بالثبات، وبعد النظر، وسعة الأفق، والتصرف عن اقتناع وتأمل مع الجدية وتحمل المصاعب.
5- انفتاح الدنيا، والانشغال بملذاتها وحطامها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم " ( ) فأصبح الكثير يحزن لما يصبه في دنياه أكثر من حزنه لما يصيب آخرته.
6- كثرة وسائل الترفيه واللهو ونحوها من المعوقات التي تقعد بالمرء عن معالي الأمور، وتشغله عن الغايات السامية.
إن الشباب والفراغ والجده
مفســدة للمـرء أي مفسـده
7- التخصصات الجزئية التي أضعفت العلوم الشرعية: لقد كان العالم في السابق عالماً بعامة فنون الشريعة: من تفسير، وحديث، وعقيدة، وأصول، وفقه...، أما الآن فالفقه -مثلاً- ينقسم قسمين: فهناك متخصصون في الفقه، ومتخصصون آخرون في أصول الفقه، وعلى هذه الشاكلة فصلت علوم الشريعة بعضها عن بعض، وأصبحت الجامعات تخرج لنا أنصاف متعلمين، تسأل أحدهم، فيعتذر عن الإجابة بأن ذلك ليس من تخصصه، والمصيبة أن ذلك صار أمراً مستسـاغاً مسلماً ( ).
فلنلق نظرة خاطفة إلى ما كان عليه بعض علماء الأمة السابقين، كالطبري -مثلاً- الذي إن نظرت إليه في التفسير فهو في القمة، أو في الحديث فهو في الذروة، أو في اللغة فهو قوي العبارة، سليم الأسلوب، وهكذا.
وكابن تيمية الذي نجد كتبه تحقق في أقسام مختلفة من أقسام الكليات الشرعية، فبعضها في قسم التفسير، وبعضها في قسم الحديث، وبعضها في قسم العقيدة، وبعضها في قسم الفقه، وبعضها في القضاء، وفي الدعوة، وفي التاريخ، وفي السياسة الشرعية.
فتأمل وقارن بين علم هؤلاء وعلم أولئك.
8- الانهزام النفسي أمام بعض العلوم المادية، والنظر إلى التخصصات الشرعية نظرة دونية: فمثلاً يجتمـع بعض الشبـاب في مجلس، ويسأل بعضهم بعضاً: أين تدرس؟ فيقول بكل زهو وافتخار: أدرس في كلية الطب، ثم يرفع الآخر رأسه، ويقول: أدرس في كلية الهندسة، ثم يطأطئ الثالث رأسه، ويقول: معدلي ضعيف؛ فدخلت كلية الشريعة ( ).
هذه مأساة لا بد أن نعترف بها في واقعنا المؤلم في أغلب بلادنا الإسلامية.
لقد كنت أتحدث مع عدد من المتخصصين، فكان مما قالوا: من المآسي التي رأيناها أن بعض علماء الأزهر يفتخـرون أن أبنـاءهم يدرسـون في كليات الـطب والهندسة، وهذا نابع من خلل في نفوسهم، وانهزام في قلوبهم، ووهن في نظرتهم إلى انتمائهم وتخصصهم، فقد تسأل بعضهم عن أبنائه، أين يدرسون؟ فيقول: أحدهم في الطب، والثاني في العلوم، والثالث في الطب أيضاً، والرابع في الحقوق.
ومن عجـائب انقلاب المفهومات أنك تسأل بعض المتعلمين: أين تخرجت؟ فيقول: تخرجت في أمريكا - يقولها بكل اعتزاز - وتسأل الآخر السؤال نفسه، فيقول: لم يسـمـح لي أبي، فدرست في داخل بلدي - يقولها بمرارة -.
هذا كله ناجم عن الهزيمة النفسية التي أدت إلى تشوه التصورات، وتحول النظرات، فصرنا إلى حال من الضعف والتأخر يرثى لها.
إن العزة كل العزة في دراسة العلوم الشرعية، والعناية بكتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولكن الطعنات النُّجل التي وجهتها وسائل التغريب إلى جسد الأمة، التي ما زالت ترجـع القهقري عن مقومات عزها، وأسباب ريادتها؛ أقـول: إن هذه الطعنات أدت إلى الهزيمة النفسية المقيتة؛ فأفرزت ما أفرزت من الويلات.
أقسام العلم الشرعي من حيث الحكم
العلم الشرعي ثلاثة أقسام:
أولها: فرض العين: وهو تعلم المكلف ما لا يتأدى الواجب -الذي يتعين عليه فعله- إلا به، كأركان الإسلام والإيمان ونحوهما.
ثانيهما: فرض الكفاية: وهو تحصيل ما لا بد للناس منه في إقامة أمور دينهم ودنياهم، فإذا قام به بعضهم سقط عن الباقين.
ثالثها: المستحب: وهو التبحر في أصول الأدلة، والإمعان فيما وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية، ومن تخصص في علم وجوباً، أصبح غيره من العلوم له نفلاً.
نصوص في فضل العلم وأهله
قال الله _تعالى_: "وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً" (طـه: من الآية114). "هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" (الزمر: من الآية9). "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ" (المجادلة: من الآية11). "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (فاطر: من الآية28).
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم :" من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين " متفق عليه ( ).
وإن في هذا الحديث لدحضاً للمفهومات الخاطئة تجاه العلوم الشرعية لدى كثير من شباب المسلمين المصابين بالهزيمة النفسية.
ويقول صلى الله عليه وسلم :" بلغوا عني ولو آية " ( )، ويقول: " من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة " ( ).
ويقول -عليه الصلاة والسلام-: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ( ).
ويقول: " طلب العلم فريضة على كل مسلم " ( ). ويقول -صلوات الله وسلامه عليه-: " ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله - تعالى - وما والاه، وعالم أو متعلم " ( ) ويقول: " من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع " ( ).
ويقول: " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم " ثم قال: " إن الله وملائكته وأهل السماء والأرض، حتى النملة في حجرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير " ( ).
ويقول صلى الله عليه وسلم " فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر " ( ).
طلب العلم في الصغر، وبعض أقوال العلماء فيه
إن من أنفس النصائح التي نقدمها للشباب أن نحثهم على الإقبال على العلم في هذه السن، فإنها فرصة حري بالعاقل اغتنامها، فقد يعجز في المستقبل عما يستطيعه اليوم.
وللعلماء في ذلك أقوال كثيرة، توحي بأهمية الطلب في الصغر، وتميزه عن الطلب في الكبر. قال الحسن: "طلب العلم في الصغر كالنقش في الحجر" ( ).
وقال علقمة: "أما ما حفظت وأنا شاب، فكأني أنظر إليه في قرطاسة أو ورقة" ( ) وذلك من قوة حفظه له.
وقال الحسن بن علي لبنيه وبني أخيه: "تعلموا العلم، فإنكم إن تكونوا صغار قوم تكونوا كبارهم غداً، فمن لم يحفظ فليكتب" ( ).
الـعلم صيد والكـتـابـة قـيـده
فمـن الحماقــة أن تصيد غزاله
قيـد صيـودك بالحبـال الواثقه
وتتركهـا بيـن الخلائق طالقـه
وقال عروة بن الزبير لبنيه: "هلموا إلي فتعلموا مني، فإنكم توشكون أن تكونوا كبار قوم. إني كنت صغيراً لا ينظر إلي، فلما أدركت من السن ما أدركت جعل الناس يسألونني، وما شيء أشد على امرئ من أن يسأل عن شيء من أمر دينه فيجهله" ( ).
وروي عن لقمان أنـه قال لابنه: "يا بني جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بالحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء" ( ).
وقال: "يا بني لا تتعلم العلم لتباهي به العلماء، وتماري به السفهاء، وترائي به في المجالس، ( ) ولا تدع العلم زهداً فيه، ورغبـة في الجهالة، يا بني اختر المجـالس على عينك، فإذا رأيت قوماً يذكرون الله فاجلس معهم، فإنك إن تك عالماً ينفعك علمك، وإن تك جاهلاًَ يعلموك، ولعل الله يطلع عليهم برحمة فتصيبك معهم، وإذا رأيت قوماً لا يذكرون الله فلا تجلس معهم، فإنك إن تك عالماً لا ينفعك علمك، وإن تك جاهلاً يزيدوك غياً" ( ).
وقال: "يا بني إن الحكمة أجلست المساكين في مجالس الملوك" ( ).
وهذا القول الأخير واضح تماماً لمن قرأ التاريخ وسير العلماء، فإن أكثرهم كانوا من المساكين والضعفاء الذين لا يؤبه لهم، ومع ذلك جلسوا في مجالس الملوك، فلئن جلس الملوك بالقوة الحسية، فقد جلس العلماء بالقوة المعنوية على قلوب الناس.
وقال: "كما ترك الملوك لكم الحكمة – أي: العلم - فاتركوا لهم الدنيا" ( ).
الرحلات في طلب العلم
الرحلة في طلب العلم أمر معروف عبر التاريخ، وبخاصة في هذه الأمة، وعلى وجه أخص عند السلف - رضي الله عنهم -.
ومن أقوى الرحلات التي خلدها القرآن الكريم، رحلة موسى -عليه السلام- إلى الخضر، كما في سورة الكهف.
ومن النماذج الرائعة في هذا الباب:
رحلة جابر بن عبد الله رضي الله عنه إلى بلاد الشام مسيرة شهر؛ ليسمع حديثاً واحداً من عبد الله بن أنيس، وهو: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً " ( ).
رحلة أبي أيوب الأنصاري من المـدينـة إلى عقبة بن عامر بمصر؛ ليسمع حديثاً واحداً، وهو: " من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة " ( ).
وسمع الحديث فور وصوله إلى مصر، ورجع مباشرة إلى المدينة.
وقال بسر بن عبيد الله: "إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد".
وقال أبو العالية: "كنا نسمع الحديث عن الصحابة، فلا نرضى حتى نركب إليهم فنسمعه منهم"، وذلك لإرادة علو الإسناد.
واليوم لو دعي بعض طلبة العلم إلى محاضرة لقالوا: يكفينا أن نذهب إلى محلات التسجيل، ونشتري المحاضرة بعد أن يتم تسجيلها.
فليقـارن طلبـة العلم اليوم حالهم بحال أولئك الأفذاذ، أولي الهمم العالية، فلعله أن يكون في ذلك حافز لهم على الجد والتشمير.
حال السلف الصالح في طلب العلم
لقد كان حال سلف الأمة في طلب العلم حالاً عجيباًاستثمروا فيه أوقاتهم، وأفنوا شبابهم؛ فحصلوا منه ما يدعو إلى الدهشة، ويبهر الألباب، ويستنهض الهمم.
قال أبو زرعة: "كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث (أي: مليونـاً)، فقيل له: ما يدريك؟ قال: ذاكرته وأخذت عليه الأبواب" ( ).
وأنا أسأل: كم منا من يحفظ ألف حديث؟!
بل كم منا من يحفظ الأربعين النووية حفظاً دقيقاً؟!
وقال سليمان بن شعبة: "كتبوا عن أبي داود أربعين ألف حديث، وليس معه كتاب".
وقـال أبو زرعة الرازي: "أحفظ مائتي ألف حديث كما يحفظ الإنسان " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" (الإخلاص:1)، وفي المذاكرة ثلاثمائة ألف حديث" ( ).
وألف الإمام أبو بكر بن العربي تفسيره الكبير في ثمانين جزءاً، وله عدة مؤلفات: كـ (شرح الترمذي)، و(الموطأ)، و(أحكام القرآن الكبرى والصغرى)، و(العواصم من القواصم)، و(المحصول في الأصول)، وكلها تصانيف من أعلى طبقة.
وترك ابن أبي الدنيا ألف مؤلف.
وألف الحاكم - صاحب المستدرك - ما يزيد على ألف جزء.
وألف ابن عساكر تاريخه في ثمانين مجلداً.
وقال عنه أبو المواهب: لم أر مثله، ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه؛ من لزوم طريقة واحدة مدة أربعين سنة.
وسمع محمد بن إسحاق من ألف وسبعمائة شيخ، وقـد رحل في طلب العلم وعمره عشرون سنة، ورجع وعمره خمس وستون سنة.
أما الإمام البخاري فقد رحل إلـى كثير من البلدان، وسمع من أكثر من ألف شيخ. وكان يستيقظ من النوم، فيوقد السراج، ويكتب الفائدة تمر بخاطره، ثم ينام، ثم ينتبه حتى إنه في بعض الليالي يعمل هذا عشرين مرة.
وأما ابن تيمية فيكفي ما قال عنه الذهبي: إنه أشهر من أن يُعرَّف به.
وقـال الحـافظ ابن رجب الحنبلي، عن أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي: "كان من أفاضل العالم، وأذكياء بني آدم، مفرط الذكـاء، متسع الدائرة، كان يقول: إني لا يَحِلُّ لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن مطالعة؛ أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره. وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عمر الثمانين ما كنت أجد وأنا ابن عشرين سنة".
ونحن إذا بلغ أحدنا ستين سنة قيل له: "مت قاعدا".
وكـان ابن عقيل هذا يقول: وإن أَجَلَّ تحصيل عند العلماء بإجماع العلماء هو الوقت، فهو غنيمة تنتهز فيه الفرص، فالتكاليف كثيرة.
وقد ألف - رحمه الله - كتابه (الفنون) في ثمانمائة مجلد، وله كتاب صغير في عشرين مجلدا!!
وقال ابن عقيل الوراق: "إن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه وتلاميذه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة. قالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال لهم: أتنشطون لكتابة تاريخ العالم من وقت آدم -عليه السلام- إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم يكون قدره؟ فذكر نحوا مما ذكره في التفسير، فردوا بمثل ذلك. فقال: إنا لله... ماتت الهمم. فاختصره في نحو ما اختصر التفسير".
فإن كان تلاميذ ابن جرير الطبري قد ماتت هممهم، فهل نجد في القاموس وصفا معبرا نطلقه على طلاب اليوم؟.. طلاب اليوم الذين إذا كتب الأستاذ وريقات معدودة تكاسلوا عن الكتابة معه، ومتابعته وتدوين شرحه، ثم إذا جاء آخر السنة صوروا ما اجتمع ببضعة ريالات، ثم حفـظوه في بضـع ساعـات، وألقوه في أوراق الامتحانات، وهذا آخر عهدهم به - إلا من وفقه الله -
قال الخطيب: "وسمعت السمسمي يحكي أن أبا جعفر الطبري مكث أربعين سنة يكتب كل يوم أربعين ورقة".
وهذا الذي يكتبه علم قوي عميق، قد نظل في فهم بعض عباراته أوقاتا طويلة، في حين أن عامة طلبة اليوم - برغم تفرغهم - يكتب أحدهم في أربعة أشهر أربعين ورقة، نقلا ضعيفا مهلهلا.
ويقول محمد كرد علي في كتابه (كنوز الأجداد) في ترجمة ابن جرير: "وما أثر عنه أنه أضاع دقيقة من حياته في غير الإفادة والاستفادة".
والبرهان على ذلك ما رواه المعافى بن زكريا عن بعض الثقات أنه كان بحضرة ابن جرير قبل موته، فذكر له دعاء عن جعفر بن محمد، فاستدعى محبرة وصحيفة فكتبه، فقيل له: أفي مثل هذه الحال؟ فقال: ينبغي للإنسان ألا يدع اقتباس العلم حتى الممات، ثم توفي بعد ذلك بنحو ساعة أو أقل منها - رحمه الله -.
فقارن هذه الحال بحال بعض طلبة الجامعات عندنا اليوم، فإن أحدهم إذا أصيب بزكـام طلب إجازة ثلاثة أيام، فإذا جاء آخـر السنة فوجئ الأستاذ بالأعذار الشـرعية، وغير الشـرعية، تنهال عليه من الطلاب، يعتـذرون عن طلب العلم، وفي كليات شرعية لأسبـاب واهية.
وقال الفارسي: سمعت أبا المعالي الجويني يقول: أنا لا أنام ولا آكل عادة، إنما أنام إذا غلبني النوم، ليلا كان أم نهارا، وآكل إذا اشتهيت الطعام في أي وقت كان، وكانت لذته ونـزهته في مذاكرته للعلم، وطلب الفائدة، من أي نوع كان.
وأذكر في ختام هذه النماذج مثالا من حياة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - كما كتبها أحد تلاميذه: ( )
كان - رحمه الله - يشغل جل وقته في تعليمه، وتلقينه لطلابه، على اختلاف مراتبهم، وتباعد درجاتهم.
فكان يجلس في مسجد الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بعد صلاة الصبح لصغار الطلاب، فيدرسون عليه مبادئ النحو في (الآجرومية)، ثم يأتي بعدهم المتوسطون في العمر، ثم يأتي من بعدهم الكبار بالألفية.
وكل واحد من هذه الطوائف الثلاث يعطى ما يناسبه من المسائل، والبحث، والدروس.
فإذا انتهت دروس النحو شرع في دروس الفقه، فأخذ الطلاب يقرءون عليه (مختصر المقنع)، عن ظهر قلب، ثم يشرع في شرحه وبيان معانيه، ثم يعيدون الدرس بعد شرحه بقراءة أحدهم، واستماع الباقين.
وبعد انتهائهم من درس الفقه، يشرعون في درس الحديث، والكتاب المفضل لديهم هو (بلوغ المرام)، لمطابقته لكتب الأحكـام، وسيره معها، فهو دليلها ومستمد أحكامها، ومستند تفريعها، فيوضح ألفاظه، ويبين أحكامه، ويبرز فوائده.
وكل ما تقدم من دروس النحو، والفقه، والحديث في جلسة واحدة من جلساته، والتلاميذ على حلقته الكبيرة ما بين وارد وصادر، وهو في مجلسه كالنبـع الصافي، والمورد العذب الذي لا ينضب، على كثرة الواردين، وازدحام الناهلين، ثم يذهب إلى بيته، فيلبث فيه بقدر ما يفرغ من حاجاته الضرورية، ثم يعود إلى مجلسه في المسجد ضحى، فيأتي كبار الطلاب، ويشرعون في القراءة عليه في الكتب الكبار، والمراجع الضخام، ثم يعود إلى بيته قبل الظهر، ويستريح فيه حتى تحين صلاة الظهر.
وبعد الفراغ من الصلاة يقام الدرس بحضور كبار التلاميذ وصغارهم بأحد الأمهات الست، وبعد الفراغ منها يقرأ عليه الطلاب في كتب العقيدة؛ ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكتب غيرهما في عقائد السلف.
ويستمر الدرس حتى صلاة العصر، وبعد الصلاة إلى قرب المغرب، وهو في جلسة واحدة؛ لاستقبال الطلاب فوجا بعد الآخر، وهم ما بين الكتب: في التوحيد، أو الحديث، أو الفقه، أو النحو.
وبعد صلاة المغرب يخصص وقتا لعلم الفرائض، فإذا قرب العشاء شرع في درس عام، فقرأ عليه القارئ تفسير ابن كثير، وهـو يعلق على التفسير والآيات الكريمات بما يرى الحاجة تدعو إلى ذكره وإلحاقه، حتى صلاة العشاء، وبعد صلاة العشاء يبدأ في استقبال بعض حاجات الناس، ثم ينام، ثم يقوم ليصلي الليل.
وهكذا.. فقد فرغ كل أوقاته، وصرف جميع حالاته؛ في خدمة العلم وتحصيله ونشره.
هذا.. واستمر على هذه الحالة من عام 1339هـ إلى عام 1382هـ، إلا في حالات أسفاره، أو مرضه، إلا أنه في السنـوات العشر الأخيرة بدأت المسئوليات تأخذ بعض وقته ( ).
فرحم الله أولئك الأفذاذ الذين عطروا تاريخ الأمة عبر عصوره المتلاحقة.
مقارنة بين العلم والمال
عقد ابن القيم - رحمه الله تعالى - مقارنة بين العلم والمال، يحسن إيرادها في هذا المقام، فقد فضل العلم على المال من عدة وجوه، أهمها:
أن العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الملوك والأغنياء.
أن العلم يحرس صاحبه، وصاحب المال يحرس ماله.
أن العلم يزداد بالبذل والعطاء، والمال تذهبه النفقات - عدا الصدقة -.
أن العلم يرافق صاحبه حتى في قبره، والمال يفارقه بعد موته، إلا ما كان من صدقة جارية.
أن العلم يحكم على المـال، فالعلم حاكم، والمال محكوم عليه.
أن المال يحصل للبر والفاجر، والمسلم والكافر، أما العلم النافع فلا يحصل إلا للمؤمن.
أن العالِم يحتاج إليه الملوك ومن دونهم، وصاحب المال يحتاج إليه أهل العدم والفاقة والحاجة.
أن صاحب المال قد يصبح معدما فقيرا بين عشية وضحاها، والعلم لا يخشى عليه الفناء، إلا بتفريط صاحبه.
أن المال يُعَبِّدُ الإنسان للدنيا، والعلم يدعوه لعبادة ربه.
أن المال قد يكون سببا في هلاك صاحبه، فكم اختطف من الأغنياء بسبب مالهم!! أما العلم ففيه حياة لصاحبه، حتى بعد موته.
سعادة العلم دائمة، وسعادة المال زائلة.
أن العالِم قدره وقيمته في ذاته، أما الغني فقيمته في ماله.
أن الغني يدعو الناس بماله إلى الدنيا، والعالِم يدعو الناس بعلمه إلى الآخرة.
فانظر - يرعاك الله - أي هذين الطريقين تختار !!
آثار الجهل على الأمم وفضائل العلم عليها
إن أمة ترضى بالجهـل، وتتقـاعس عن العلم، وتنصرف عن العناية به وبأهله؛ إنها لخليقة بأن تدفع الثمن غاليا، والضريبة مضاعفة.
فلقد شهدت السنن الربانية، وسطر التاريخ، ونطق الواقع، بأن للجهل آثارا ضخمة وخيمة على الأمة، سواء على مستوى الفرد، أو على مستوى المجتمع، ومن أبرزها:
1- ضعف الإيمان وقلة التقوى، فإن الجاهل لا يدري ماذا يتقي، ولا يعلم الطريق إلى نجاته على بصيرة.
2- ازدياد المعاصي، وانتشار الفواحش والفتن والحسد وعبادة الدنيا، وظهور سائر الآفات.
لقـد اطلعت على تقرير عن إحـدى المؤسسات الإصـلاحية، وفيه إحصـائية عجيبـة عن نـزلاء تلك الإصلاحية - وكلهم ممن ارتكب جرما أخلاقيا أو نحوه - فوجدت أغلبهم من العوائل التي يكثر فيها الجهل، في حين وجدت أن بعض الأحياء التي فيها نسبة عالية من المتعلمين تقل فيها الجريمة، بل إن الجرائم التي تحدث فيها غالبا ليست من أهلها.
3- الجهل يؤدي إلى ضعف الهيبة أمام الأعداء، ويقود إلى الحاجة إليهم، وإلى ما يحملونه من انحرافات في الفكر والسلوك.
4- الجهل يقيد الأمة بأغلال التخلف في جميع المجـالات: العقدية، والأخلاقية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والصناعية... وغيرها.
5- وبسبب الجهل تكثر المشكلات الأسرية، وتضعف التربية، ويضيع الأبناء، ويجني المجتمع ثمارا شائكة مرة من جراء ذلك.
6- الخمول والكسل وضعف الهمم والقصور عن إدراك المعالي وهي نتائج حتمية للجهل.
ومـن يتهيـب صعـود الجبال
يعش أبـد الدهر بين الحفر
أما الأمة التي تولي العلم وأهله عناية فائقة، فتقبل على التحصيل، وتسخر طاقاتها في سبيله، وتجعل من أهل العلم موجهين لها؛ فإنها تعيش في ظلال العلم الوارفة، وتتقلب في رياضه الغناء، ممثلا ذلك في:
1- الإيمان بالله، المبني على العلم والعمل بمقتضى الدليل.
2- معرفة الله حق المعرفة، وخوفه ورجائه، ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف.
3- اجتناب المنكرات؛ للعلم بعواقبها الوخيمة، وآثارها الأليمة عاجلا وآجلا، وإنقاذ الأمة من الهلاك، مع الالتزام بالطاعات والقربات.
4- القيام بحقوق كل ذي حق: من الوالدين، والأرحام، والجيران، وغيرهم؛ لأن العلم بحقوقهم يحمل المرء على أدائها والوفاء بها.
5- السعادة النفسية، واللذة الحسية، الدنيوية والأخروية.
6- تحكيم شريعة الله في جميع شئون الحياة: فشتان ما بين أمة عالمة، بصيرة، وأمة جاهلة، حقيرة.
وسائل التعلم
1- تقوى الله - سبحـانه وتعالى - قال الله عز وجـل (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) (البقرة: من الآية282). وهي أهم الوسائل وأعظمها، فبدونها لا تجدي الوسائل الأخرى.
2- ملازمة العلماء والمشايخ في المساجد والبيوت، وإني لأحث طلاب العلم على العناية بهذه الوسيلة، واغتنام فرصة كثرة العلماء، وطلاب العلم الكبار في هذا البلد، فلقد كنا منذ نحو عشرين عاما نتمنى أن نجد هذه الأعداد من العلماء الذين جلسوا للتعليم، فلا نجد في الرياض مثلا إلا اثنين أو ثلاثة.
ولقد ذهبت إلى كثير من بلدان المسلمين فلم أجد للعلماء حضورا مذكورا في الساحة، وإن وجد قلة منهم، فقد تُلفِيَ لديهم خللا في العقيدة، وخللا في السلوك ( ).
ومن هنا فإني أخص الإخوة المقيمين في هذا البلد من طلاب العلم بالحض على اهتبال الفرصة، واستغلال فترة وجودهم في هذا الجو العلمي العاطر.
3- المدارس والمعاهد والجامعات، وأخص الشرعية منها.
4- القراءة مع الزملاء والأصدقاء وطلاب العلم.
5- كثرة الاطلاع والقراءات الخاصة المرتبة المنتقاة، والاسترشاد في هذا السبيل بآراء ذوي العلم والرأي، مع الحزم في التنفيذ والمتابعة.
6- إعداد البحوث الدقيقة التي يتم فيها تحرير المسائل، واستخلاص النتائج، وسبر أغوار القضايا.
7- المحافظة على الأوقات، وحسن ترتيبهـا، والحرص على استغلالها، بحيث يعطى كل ذي حق حقه، بدون غلو ولا جفاء.
8- الاستماع إلى ما في أشرطة التسجيل من محاضرات وندوات ودروس علمية، فهي وسيلة معينة على طلب العلم، وإن كانت غير خاصة به.
هذه الوسائل بمجموعها يمكن بها تحقيق طلب العلم، وأما الاقتصار على بعضها فقد يكون غير كاف لتحقيقه على الوجه المطلوب.
بعض صفات طالب العلم
الإخلاص لله - تعالى - وذلك بأن يبتغي بعلمه وجه الله والدار الآخرة، لا أن يبتغي به الرياء، أو السمعة، أو عرضا من الدنيا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجـل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا؛ لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة " ( ) ( ).
وعلى طالب العلم أن يقرن الإخلاص بتقوى الله ومراقبته، (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) (البقرة: من الآية282).
الصبر وتحمل المشاق وسعة الصدر فإن العلم جهاد لا شهوة، وما أحسن ما قال الشاعر:
إذا كان يؤذيك حر المصـيف
ويلهيـك حسن زمان الربيع
ويبس الخريف وبرد الشتا
فأخذك للعلم قـل لي مـتى؟!
التواضع في طلب العلم، والحـذر من الكبر والغرور، فإنه لا ينال العلم مستح ولا مستكبر.
ومـن لم يذق ذل التعلم ساعة
تجـرع كأس الجهـل طول حياته
التفرغ للعلم، والإقبـال عليـه، والانصراف إلى تحصيله؛ فإن العلم إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه.
توقير العلماء، وحفظ مكانتهم، وعدم تجريحهم، أو انتقاضهم ( ).
أن يكون شعار الطالب: "الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها".
التأدب مع مشايخه ومدرسيه، وحسن الإصغاء والتلقي، ولباقة النقاش وإتقانه.
البعد عن الجدال والمراء العقيم، " لا جدال إلا بالحق". يتبع
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، _صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيراً_.
أما بعد:
فإن العلم من المصالح الضرورية التي تقوم عليه حياة الأمة بمجموعها وآحادها، فلا يستقيم نظام الحياة مع الإخلال بها، بحيث لو فاتت تلك المصالح الضرورية لآلت حال الأمة إلى الفساد، ولحادت عن الطريق الذي أراده لها الشارع. ( )
يقول الإمام الشاطبي - رحمه الله -: "والحفظ لها – أي: للمصالح الضرورية - يكون بأمرين:
أحدهما: ما يقيم أركانها، ويثبت قواعدها، وذلك بمراعاتها من جانب الوجود.
والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم" ( ).
والعلم - بلا ريب - يسلك في هذه المصالح الضرورية التي تجب مراعاتها من الجانبين المذكورين، وذلك للأسباب التالية:
أسباب كون العلم ضرورة شرعية
1- لأن حاجتنا إليه لا تقل عن حاجتنا إلى المأكل والمشرب والملبس والدواء، إذ به قوام الدين والدنيا.
2- لأن المستعمرين - بل المحتلين الحاقدين - إنما احتلوا بلاد المسلمين لأسباب كثيرة، بيد أن من أهمها جهل المسلمين.
3- انتشار المذاهب الهدامة، والنحل الباطلة، وما حدث ذلك إلا لأنها وجدت قلوباً خالية، فتمكنت منها، فإن القلوب التي لا تتحصن بالعلم الشـرعي، تكون عرضة للانخداع بالضلالات، والوقوع في الانحرافات.
وهنا أنبه إلى أن الصحوة الإسلامية اليوم بحاجة إلى طلاب العلم، فلقـد التقيت بكثير من الشبـاب الأخيار، في هذه البلاد وفي غيرها، فآلمني أن العلم الشرعي ينقص كثيراً منهم. بالرغم من حرصهم على الخير، وحماسهم للدعوة، وغيرتهم على الدين.
ومن ذلك: أنني ذهبت إلى بلد من البلدان، فوجدت فيها صحوة إسلامية مباركة، فسرني ذلك وأفرحني، ولكن ساءني كثيراً أني وجدت هناك جرأة على الفتوى، وألفيت قيادات كثير من الشباب هناك بعيدة كل البعد عن العلم الشرعي!! فتساءلت: هل تقاد الدعوات بقيادات غير متمكنة من العلم الشرعي؟! وما مصير تلك الجماعات والحركات؟!
لا شك أنه لا يصح أن تقاد الدعوات بأولئك، وأن جهود هذه الدعوات وآمالها سوف تذهب هدراً ؛ لأن القيادة عندما تكون جاهلة بأمر دينها، جاهلة بكتاب ربها، وسنة نبيها؛ فإنها تعجز عاجلاً أو آجلاً عن القيام بواجبات الدعوة.
إن من العجيب أن يتفق الناس على أنه لا يمكن لأحد أن يصمم بيتاً إلا أن يكون مهندساً، عالماً بهذا الفن، في حين يتساهلون في أمر في غاية الأهمية، وهو: أمر الدعوة، فيقودها رجال ينقصهم العلم الشرعي!!
4- إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
لعل هذه هي أهم الأسباب التي تجعل العلم ضرورة شرعية -بإيجاز-.
أسباب ضعف المسلمين في هذا العصر
يمكن تلخيص تلك الأسباب فيما يلي:
1- غياب تأثير المسجد: فإن المسجد في كثير من بلاد المسلمين اليوم تؤدى فيـه الصلوات الخمس فحسب، بل لقد رأيت في بعض المساجد أن المؤذن يؤذن قبل أن يفتح المسجد، وإذا أراد أحد أن يتنفل كثيراً بعد الصلاة قال له المؤذن: جزاك الله خيراً، صل في بيتك.
هكذا أصبح المسجد لأداء هذه الركعات فقط، فغابت مهمة المسجد عن حياة الأمة، فوصلت الأمة إلى حال يرثى لها، على حين كان المسجد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم هو منطلق القيادة، والريادة، والتخطيط، والعلم والتعليم.
2- قلة العلماء العاملين: الذين ينذرون أنفسهم لبذل العلم ونشره، إنك اليوم تجد في كل بلد من بلاد المسلمين آلافاً من حملة المؤهلات العليا (الماجستير، والدكتوراه)، في التخصصات الشرعية، ولكن عندما تبحث عن العلماء العاملين المبلغين، الذين يجاهدون بعلمهم في سبيل الله ، لرفع الجهل عن الأمة، فإنك تجدهم قلة يعدون على الأصابع.
بل إنني لم أجـد في بعض بلاد المسلمين ما أعده على الأصابع من أولئك العلماء، فلقد سألت عن العلماء هنـاك، فقيل لي: هنا العالم فلان، والعالم فلان، و...، فذهبت إليهم - وليتني لم أذهب، "تسمـع بالمعيدي خير من أن تراه!!"- وجدت فيهم إخلالاً وعدم التزام، وضحالة وضعفاً، حقا إن أحدهم قد يحفظ بعض النصـوص، لكننـا لسنـا بحاجة إلى حفظة نصوص، ولسنا بحاجة إلى العلماء الذين اهتموا بالمناصب، وأهملوا العلم الذي تعلّموه، وإنما نحن بحاجة إلى العلماء العاملين الأكْفَاء المجاهدين.
3- سوء خطط التعليم في مراحل الدراسة المختلفة في البلاد الإسلامية: فإن خطط التعليم في كثير من البلاد الإسلامية سيئة للغاية: إما خطط علمانية،أو يسارية، مستوردة من الشرق أو الغرب، والقليل منها ما يوجد في خططها بصيص من نور.
4- ضعف الهمم والعزائم: فتجد أن الشيخ يبدأ في درس من الدروس العلمية ومعه عدد كبير من الطلاب، ثم يأخذ العدد في التناقص، حتى لا يبقى مع الشيخ إلا قلة يعدون على أصابع اليد.
والعلة في هذه الظاهرة أن الحماس هو الذي يطغى على حياتنا، ويحكم تصرفاتنا، وقل بيننا من يتصف بالثبات، وبعد النظر، وسعة الأفق، والتصرف عن اقتناع وتأمل مع الجدية وتحمل المصاعب.
5- انفتاح الدنيا، والانشغال بملذاتها وحطامها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم " ( ) فأصبح الكثير يحزن لما يصبه في دنياه أكثر من حزنه لما يصيب آخرته.
6- كثرة وسائل الترفيه واللهو ونحوها من المعوقات التي تقعد بالمرء عن معالي الأمور، وتشغله عن الغايات السامية.
إن الشباب والفراغ والجده
مفســدة للمـرء أي مفسـده
7- التخصصات الجزئية التي أضعفت العلوم الشرعية: لقد كان العالم في السابق عالماً بعامة فنون الشريعة: من تفسير، وحديث، وعقيدة، وأصول، وفقه...، أما الآن فالفقه -مثلاً- ينقسم قسمين: فهناك متخصصون في الفقه، ومتخصصون آخرون في أصول الفقه، وعلى هذه الشاكلة فصلت علوم الشريعة بعضها عن بعض، وأصبحت الجامعات تخرج لنا أنصاف متعلمين، تسأل أحدهم، فيعتذر عن الإجابة بأن ذلك ليس من تخصصه، والمصيبة أن ذلك صار أمراً مستسـاغاً مسلماً ( ).
فلنلق نظرة خاطفة إلى ما كان عليه بعض علماء الأمة السابقين، كالطبري -مثلاً- الذي إن نظرت إليه في التفسير فهو في القمة، أو في الحديث فهو في الذروة، أو في اللغة فهو قوي العبارة، سليم الأسلوب، وهكذا.
وكابن تيمية الذي نجد كتبه تحقق في أقسام مختلفة من أقسام الكليات الشرعية، فبعضها في قسم التفسير، وبعضها في قسم الحديث، وبعضها في قسم العقيدة، وبعضها في قسم الفقه، وبعضها في القضاء، وفي الدعوة، وفي التاريخ، وفي السياسة الشرعية.
فتأمل وقارن بين علم هؤلاء وعلم أولئك.
8- الانهزام النفسي أمام بعض العلوم المادية، والنظر إلى التخصصات الشرعية نظرة دونية: فمثلاً يجتمـع بعض الشبـاب في مجلس، ويسأل بعضهم بعضاً: أين تدرس؟ فيقول بكل زهو وافتخار: أدرس في كلية الطب، ثم يرفع الآخر رأسه، ويقول: أدرس في كلية الهندسة، ثم يطأطئ الثالث رأسه، ويقول: معدلي ضعيف؛ فدخلت كلية الشريعة ( ).
هذه مأساة لا بد أن نعترف بها في واقعنا المؤلم في أغلب بلادنا الإسلامية.
لقد كنت أتحدث مع عدد من المتخصصين، فكان مما قالوا: من المآسي التي رأيناها أن بعض علماء الأزهر يفتخـرون أن أبنـاءهم يدرسـون في كليات الـطب والهندسة، وهذا نابع من خلل في نفوسهم، وانهزام في قلوبهم، ووهن في نظرتهم إلى انتمائهم وتخصصهم، فقد تسأل بعضهم عن أبنائه، أين يدرسون؟ فيقول: أحدهم في الطب، والثاني في العلوم، والثالث في الطب أيضاً، والرابع في الحقوق.
ومن عجـائب انقلاب المفهومات أنك تسأل بعض المتعلمين: أين تخرجت؟ فيقول: تخرجت في أمريكا - يقولها بكل اعتزاز - وتسأل الآخر السؤال نفسه، فيقول: لم يسـمـح لي أبي، فدرست في داخل بلدي - يقولها بمرارة -.
هذا كله ناجم عن الهزيمة النفسية التي أدت إلى تشوه التصورات، وتحول النظرات، فصرنا إلى حال من الضعف والتأخر يرثى لها.
إن العزة كل العزة في دراسة العلوم الشرعية، والعناية بكتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولكن الطعنات النُّجل التي وجهتها وسائل التغريب إلى جسد الأمة، التي ما زالت ترجـع القهقري عن مقومات عزها، وأسباب ريادتها؛ أقـول: إن هذه الطعنات أدت إلى الهزيمة النفسية المقيتة؛ فأفرزت ما أفرزت من الويلات.
أقسام العلم الشرعي من حيث الحكم
العلم الشرعي ثلاثة أقسام:
أولها: فرض العين: وهو تعلم المكلف ما لا يتأدى الواجب -الذي يتعين عليه فعله- إلا به، كأركان الإسلام والإيمان ونحوهما.
ثانيهما: فرض الكفاية: وهو تحصيل ما لا بد للناس منه في إقامة أمور دينهم ودنياهم، فإذا قام به بعضهم سقط عن الباقين.
ثالثها: المستحب: وهو التبحر في أصول الأدلة، والإمعان فيما وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية، ومن تخصص في علم وجوباً، أصبح غيره من العلوم له نفلاً.
نصوص في فضل العلم وأهله
قال الله _تعالى_: "وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً" (طـه: من الآية114). "هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" (الزمر: من الآية9). "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ" (المجادلة: من الآية11). "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (فاطر: من الآية28).
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم :" من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين " متفق عليه ( ).
وإن في هذا الحديث لدحضاً للمفهومات الخاطئة تجاه العلوم الشرعية لدى كثير من شباب المسلمين المصابين بالهزيمة النفسية.
ويقول صلى الله عليه وسلم :" بلغوا عني ولو آية " ( )، ويقول: " من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة " ( ).
ويقول -عليه الصلاة والسلام-: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ( ).
ويقول: " طلب العلم فريضة على كل مسلم " ( ). ويقول -صلوات الله وسلامه عليه-: " ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله - تعالى - وما والاه، وعالم أو متعلم " ( ) ويقول: " من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع " ( ).
ويقول: " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم " ثم قال: " إن الله وملائكته وأهل السماء والأرض، حتى النملة في حجرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير " ( ).
ويقول صلى الله عليه وسلم " فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر " ( ).
طلب العلم في الصغر، وبعض أقوال العلماء فيه
إن من أنفس النصائح التي نقدمها للشباب أن نحثهم على الإقبال على العلم في هذه السن، فإنها فرصة حري بالعاقل اغتنامها، فقد يعجز في المستقبل عما يستطيعه اليوم.
وللعلماء في ذلك أقوال كثيرة، توحي بأهمية الطلب في الصغر، وتميزه عن الطلب في الكبر. قال الحسن: "طلب العلم في الصغر كالنقش في الحجر" ( ).
وقال علقمة: "أما ما حفظت وأنا شاب، فكأني أنظر إليه في قرطاسة أو ورقة" ( ) وذلك من قوة حفظه له.
وقال الحسن بن علي لبنيه وبني أخيه: "تعلموا العلم، فإنكم إن تكونوا صغار قوم تكونوا كبارهم غداً، فمن لم يحفظ فليكتب" ( ).
الـعلم صيد والكـتـابـة قـيـده
فمـن الحماقــة أن تصيد غزاله
قيـد صيـودك بالحبـال الواثقه
وتتركهـا بيـن الخلائق طالقـه
وقال عروة بن الزبير لبنيه: "هلموا إلي فتعلموا مني، فإنكم توشكون أن تكونوا كبار قوم. إني كنت صغيراً لا ينظر إلي، فلما أدركت من السن ما أدركت جعل الناس يسألونني، وما شيء أشد على امرئ من أن يسأل عن شيء من أمر دينه فيجهله" ( ).
وروي عن لقمان أنـه قال لابنه: "يا بني جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بالحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء" ( ).
وقال: "يا بني لا تتعلم العلم لتباهي به العلماء، وتماري به السفهاء، وترائي به في المجالس، ( ) ولا تدع العلم زهداً فيه، ورغبـة في الجهالة، يا بني اختر المجـالس على عينك، فإذا رأيت قوماً يذكرون الله فاجلس معهم، فإنك إن تك عالماً ينفعك علمك، وإن تك جاهلاًَ يعلموك، ولعل الله يطلع عليهم برحمة فتصيبك معهم، وإذا رأيت قوماً لا يذكرون الله فلا تجلس معهم، فإنك إن تك عالماً لا ينفعك علمك، وإن تك جاهلاً يزيدوك غياً" ( ).
وقال: "يا بني إن الحكمة أجلست المساكين في مجالس الملوك" ( ).
وهذا القول الأخير واضح تماماً لمن قرأ التاريخ وسير العلماء، فإن أكثرهم كانوا من المساكين والضعفاء الذين لا يؤبه لهم، ومع ذلك جلسوا في مجالس الملوك، فلئن جلس الملوك بالقوة الحسية، فقد جلس العلماء بالقوة المعنوية على قلوب الناس.
وقال: "كما ترك الملوك لكم الحكمة – أي: العلم - فاتركوا لهم الدنيا" ( ).
الرحلات في طلب العلم
الرحلة في طلب العلم أمر معروف عبر التاريخ، وبخاصة في هذه الأمة، وعلى وجه أخص عند السلف - رضي الله عنهم -.
ومن أقوى الرحلات التي خلدها القرآن الكريم، رحلة موسى -عليه السلام- إلى الخضر، كما في سورة الكهف.
ومن النماذج الرائعة في هذا الباب:
رحلة جابر بن عبد الله رضي الله عنه إلى بلاد الشام مسيرة شهر؛ ليسمع حديثاً واحداً من عبد الله بن أنيس، وهو: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً " ( ).
رحلة أبي أيوب الأنصاري من المـدينـة إلى عقبة بن عامر بمصر؛ ليسمع حديثاً واحداً، وهو: " من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة " ( ).
وسمع الحديث فور وصوله إلى مصر، ورجع مباشرة إلى المدينة.
وقال بسر بن عبيد الله: "إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد".
وقال أبو العالية: "كنا نسمع الحديث عن الصحابة، فلا نرضى حتى نركب إليهم فنسمعه منهم"، وذلك لإرادة علو الإسناد.
واليوم لو دعي بعض طلبة العلم إلى محاضرة لقالوا: يكفينا أن نذهب إلى محلات التسجيل، ونشتري المحاضرة بعد أن يتم تسجيلها.
فليقـارن طلبـة العلم اليوم حالهم بحال أولئك الأفذاذ، أولي الهمم العالية، فلعله أن يكون في ذلك حافز لهم على الجد والتشمير.
حال السلف الصالح في طلب العلم
لقد كان حال سلف الأمة في طلب العلم حالاً عجيباًاستثمروا فيه أوقاتهم، وأفنوا شبابهم؛ فحصلوا منه ما يدعو إلى الدهشة، ويبهر الألباب، ويستنهض الهمم.
قال أبو زرعة: "كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث (أي: مليونـاً)، فقيل له: ما يدريك؟ قال: ذاكرته وأخذت عليه الأبواب" ( ).
وأنا أسأل: كم منا من يحفظ ألف حديث؟!
بل كم منا من يحفظ الأربعين النووية حفظاً دقيقاً؟!
وقال سليمان بن شعبة: "كتبوا عن أبي داود أربعين ألف حديث، وليس معه كتاب".
وقـال أبو زرعة الرازي: "أحفظ مائتي ألف حديث كما يحفظ الإنسان " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" (الإخلاص:1)، وفي المذاكرة ثلاثمائة ألف حديث" ( ).
وألف الإمام أبو بكر بن العربي تفسيره الكبير في ثمانين جزءاً، وله عدة مؤلفات: كـ (شرح الترمذي)، و(الموطأ)، و(أحكام القرآن الكبرى والصغرى)، و(العواصم من القواصم)، و(المحصول في الأصول)، وكلها تصانيف من أعلى طبقة.
وترك ابن أبي الدنيا ألف مؤلف.
وألف الحاكم - صاحب المستدرك - ما يزيد على ألف جزء.
وألف ابن عساكر تاريخه في ثمانين مجلداً.
وقال عنه أبو المواهب: لم أر مثله، ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه؛ من لزوم طريقة واحدة مدة أربعين سنة.
وسمع محمد بن إسحاق من ألف وسبعمائة شيخ، وقـد رحل في طلب العلم وعمره عشرون سنة، ورجع وعمره خمس وستون سنة.
أما الإمام البخاري فقد رحل إلـى كثير من البلدان، وسمع من أكثر من ألف شيخ. وكان يستيقظ من النوم، فيوقد السراج، ويكتب الفائدة تمر بخاطره، ثم ينام، ثم ينتبه حتى إنه في بعض الليالي يعمل هذا عشرين مرة.
وأما ابن تيمية فيكفي ما قال عنه الذهبي: إنه أشهر من أن يُعرَّف به.
وقـال الحـافظ ابن رجب الحنبلي، عن أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي: "كان من أفاضل العالم، وأذكياء بني آدم، مفرط الذكـاء، متسع الدائرة، كان يقول: إني لا يَحِلُّ لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة أو مناظرة، وبصري عن مطالعة؛ أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره. وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عمر الثمانين ما كنت أجد وأنا ابن عشرين سنة".
ونحن إذا بلغ أحدنا ستين سنة قيل له: "مت قاعدا".
وكـان ابن عقيل هذا يقول: وإن أَجَلَّ تحصيل عند العلماء بإجماع العلماء هو الوقت، فهو غنيمة تنتهز فيه الفرص، فالتكاليف كثيرة.
وقد ألف - رحمه الله - كتابه (الفنون) في ثمانمائة مجلد، وله كتاب صغير في عشرين مجلدا!!
وقال ابن عقيل الوراق: "إن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه وتلاميذه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة. قالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال لهم: أتنشطون لكتابة تاريخ العالم من وقت آدم -عليه السلام- إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم يكون قدره؟ فذكر نحوا مما ذكره في التفسير، فردوا بمثل ذلك. فقال: إنا لله... ماتت الهمم. فاختصره في نحو ما اختصر التفسير".
فإن كان تلاميذ ابن جرير الطبري قد ماتت هممهم، فهل نجد في القاموس وصفا معبرا نطلقه على طلاب اليوم؟.. طلاب اليوم الذين إذا كتب الأستاذ وريقات معدودة تكاسلوا عن الكتابة معه، ومتابعته وتدوين شرحه، ثم إذا جاء آخر السنة صوروا ما اجتمع ببضعة ريالات، ثم حفـظوه في بضـع ساعـات، وألقوه في أوراق الامتحانات، وهذا آخر عهدهم به - إلا من وفقه الله -
قال الخطيب: "وسمعت السمسمي يحكي أن أبا جعفر الطبري مكث أربعين سنة يكتب كل يوم أربعين ورقة".
وهذا الذي يكتبه علم قوي عميق، قد نظل في فهم بعض عباراته أوقاتا طويلة، في حين أن عامة طلبة اليوم - برغم تفرغهم - يكتب أحدهم في أربعة أشهر أربعين ورقة، نقلا ضعيفا مهلهلا.
ويقول محمد كرد علي في كتابه (كنوز الأجداد) في ترجمة ابن جرير: "وما أثر عنه أنه أضاع دقيقة من حياته في غير الإفادة والاستفادة".
والبرهان على ذلك ما رواه المعافى بن زكريا عن بعض الثقات أنه كان بحضرة ابن جرير قبل موته، فذكر له دعاء عن جعفر بن محمد، فاستدعى محبرة وصحيفة فكتبه، فقيل له: أفي مثل هذه الحال؟ فقال: ينبغي للإنسان ألا يدع اقتباس العلم حتى الممات، ثم توفي بعد ذلك بنحو ساعة أو أقل منها - رحمه الله -.
فقارن هذه الحال بحال بعض طلبة الجامعات عندنا اليوم، فإن أحدهم إذا أصيب بزكـام طلب إجازة ثلاثة أيام، فإذا جاء آخـر السنة فوجئ الأستاذ بالأعذار الشـرعية، وغير الشـرعية، تنهال عليه من الطلاب، يعتـذرون عن طلب العلم، وفي كليات شرعية لأسبـاب واهية.
وقال الفارسي: سمعت أبا المعالي الجويني يقول: أنا لا أنام ولا آكل عادة، إنما أنام إذا غلبني النوم، ليلا كان أم نهارا، وآكل إذا اشتهيت الطعام في أي وقت كان، وكانت لذته ونـزهته في مذاكرته للعلم، وطلب الفائدة، من أي نوع كان.
وأذكر في ختام هذه النماذج مثالا من حياة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - كما كتبها أحد تلاميذه: ( )
كان - رحمه الله - يشغل جل وقته في تعليمه، وتلقينه لطلابه، على اختلاف مراتبهم، وتباعد درجاتهم.
فكان يجلس في مسجد الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بعد صلاة الصبح لصغار الطلاب، فيدرسون عليه مبادئ النحو في (الآجرومية)، ثم يأتي بعدهم المتوسطون في العمر، ثم يأتي من بعدهم الكبار بالألفية.
وكل واحد من هذه الطوائف الثلاث يعطى ما يناسبه من المسائل، والبحث، والدروس.
فإذا انتهت دروس النحو شرع في دروس الفقه، فأخذ الطلاب يقرءون عليه (مختصر المقنع)، عن ظهر قلب، ثم يشرع في شرحه وبيان معانيه، ثم يعيدون الدرس بعد شرحه بقراءة أحدهم، واستماع الباقين.
وبعد انتهائهم من درس الفقه، يشرعون في درس الحديث، والكتاب المفضل لديهم هو (بلوغ المرام)، لمطابقته لكتب الأحكـام، وسيره معها، فهو دليلها ومستمد أحكامها، ومستند تفريعها، فيوضح ألفاظه، ويبين أحكامه، ويبرز فوائده.
وكل ما تقدم من دروس النحو، والفقه، والحديث في جلسة واحدة من جلساته، والتلاميذ على حلقته الكبيرة ما بين وارد وصادر، وهو في مجلسه كالنبـع الصافي، والمورد العذب الذي لا ينضب، على كثرة الواردين، وازدحام الناهلين، ثم يذهب إلى بيته، فيلبث فيه بقدر ما يفرغ من حاجاته الضرورية، ثم يعود إلى مجلسه في المسجد ضحى، فيأتي كبار الطلاب، ويشرعون في القراءة عليه في الكتب الكبار، والمراجع الضخام، ثم يعود إلى بيته قبل الظهر، ويستريح فيه حتى تحين صلاة الظهر.
وبعد الفراغ من الصلاة يقام الدرس بحضور كبار التلاميذ وصغارهم بأحد الأمهات الست، وبعد الفراغ منها يقرأ عليه الطلاب في كتب العقيدة؛ ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكتب غيرهما في عقائد السلف.
ويستمر الدرس حتى صلاة العصر، وبعد الصلاة إلى قرب المغرب، وهو في جلسة واحدة؛ لاستقبال الطلاب فوجا بعد الآخر، وهم ما بين الكتب: في التوحيد، أو الحديث، أو الفقه، أو النحو.
وبعد صلاة المغرب يخصص وقتا لعلم الفرائض، فإذا قرب العشاء شرع في درس عام، فقرأ عليه القارئ تفسير ابن كثير، وهـو يعلق على التفسير والآيات الكريمات بما يرى الحاجة تدعو إلى ذكره وإلحاقه، حتى صلاة العشاء، وبعد صلاة العشاء يبدأ في استقبال بعض حاجات الناس، ثم ينام، ثم يقوم ليصلي الليل.
وهكذا.. فقد فرغ كل أوقاته، وصرف جميع حالاته؛ في خدمة العلم وتحصيله ونشره.
هذا.. واستمر على هذه الحالة من عام 1339هـ إلى عام 1382هـ، إلا في حالات أسفاره، أو مرضه، إلا أنه في السنـوات العشر الأخيرة بدأت المسئوليات تأخذ بعض وقته ( ).
فرحم الله أولئك الأفذاذ الذين عطروا تاريخ الأمة عبر عصوره المتلاحقة.
مقارنة بين العلم والمال
عقد ابن القيم - رحمه الله تعالى - مقارنة بين العلم والمال، يحسن إيرادها في هذا المقام، فقد فضل العلم على المال من عدة وجوه، أهمها:
أن العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الملوك والأغنياء.
أن العلم يحرس صاحبه، وصاحب المال يحرس ماله.
أن العلم يزداد بالبذل والعطاء، والمال تذهبه النفقات - عدا الصدقة -.
أن العلم يرافق صاحبه حتى في قبره، والمال يفارقه بعد موته، إلا ما كان من صدقة جارية.
أن العلم يحكم على المـال، فالعلم حاكم، والمال محكوم عليه.
أن المال يحصل للبر والفاجر، والمسلم والكافر، أما العلم النافع فلا يحصل إلا للمؤمن.
أن العالِم يحتاج إليه الملوك ومن دونهم، وصاحب المال يحتاج إليه أهل العدم والفاقة والحاجة.
أن صاحب المال قد يصبح معدما فقيرا بين عشية وضحاها، والعلم لا يخشى عليه الفناء، إلا بتفريط صاحبه.
أن المال يُعَبِّدُ الإنسان للدنيا، والعلم يدعوه لعبادة ربه.
أن المال قد يكون سببا في هلاك صاحبه، فكم اختطف من الأغنياء بسبب مالهم!! أما العلم ففيه حياة لصاحبه، حتى بعد موته.
سعادة العلم دائمة، وسعادة المال زائلة.
أن العالِم قدره وقيمته في ذاته، أما الغني فقيمته في ماله.
أن الغني يدعو الناس بماله إلى الدنيا، والعالِم يدعو الناس بعلمه إلى الآخرة.
فانظر - يرعاك الله - أي هذين الطريقين تختار !!
آثار الجهل على الأمم وفضائل العلم عليها
إن أمة ترضى بالجهـل، وتتقـاعس عن العلم، وتنصرف عن العناية به وبأهله؛ إنها لخليقة بأن تدفع الثمن غاليا، والضريبة مضاعفة.
فلقد شهدت السنن الربانية، وسطر التاريخ، ونطق الواقع، بأن للجهل آثارا ضخمة وخيمة على الأمة، سواء على مستوى الفرد، أو على مستوى المجتمع، ومن أبرزها:
1- ضعف الإيمان وقلة التقوى، فإن الجاهل لا يدري ماذا يتقي، ولا يعلم الطريق إلى نجاته على بصيرة.
2- ازدياد المعاصي، وانتشار الفواحش والفتن والحسد وعبادة الدنيا، وظهور سائر الآفات.
لقـد اطلعت على تقرير عن إحـدى المؤسسات الإصـلاحية، وفيه إحصـائية عجيبـة عن نـزلاء تلك الإصلاحية - وكلهم ممن ارتكب جرما أخلاقيا أو نحوه - فوجدت أغلبهم من العوائل التي يكثر فيها الجهل، في حين وجدت أن بعض الأحياء التي فيها نسبة عالية من المتعلمين تقل فيها الجريمة، بل إن الجرائم التي تحدث فيها غالبا ليست من أهلها.
3- الجهل يؤدي إلى ضعف الهيبة أمام الأعداء، ويقود إلى الحاجة إليهم، وإلى ما يحملونه من انحرافات في الفكر والسلوك.
4- الجهل يقيد الأمة بأغلال التخلف في جميع المجـالات: العقدية، والأخلاقية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والصناعية... وغيرها.
5- وبسبب الجهل تكثر المشكلات الأسرية، وتضعف التربية، ويضيع الأبناء، ويجني المجتمع ثمارا شائكة مرة من جراء ذلك.
6- الخمول والكسل وضعف الهمم والقصور عن إدراك المعالي وهي نتائج حتمية للجهل.
ومـن يتهيـب صعـود الجبال
يعش أبـد الدهر بين الحفر
أما الأمة التي تولي العلم وأهله عناية فائقة، فتقبل على التحصيل، وتسخر طاقاتها في سبيله، وتجعل من أهل العلم موجهين لها؛ فإنها تعيش في ظلال العلم الوارفة، وتتقلب في رياضه الغناء، ممثلا ذلك في:
1- الإيمان بالله، المبني على العلم والعمل بمقتضى الدليل.
2- معرفة الله حق المعرفة، وخوفه ورجائه، ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف.
3- اجتناب المنكرات؛ للعلم بعواقبها الوخيمة، وآثارها الأليمة عاجلا وآجلا، وإنقاذ الأمة من الهلاك، مع الالتزام بالطاعات والقربات.
4- القيام بحقوق كل ذي حق: من الوالدين، والأرحام، والجيران، وغيرهم؛ لأن العلم بحقوقهم يحمل المرء على أدائها والوفاء بها.
5- السعادة النفسية، واللذة الحسية، الدنيوية والأخروية.
6- تحكيم شريعة الله في جميع شئون الحياة: فشتان ما بين أمة عالمة، بصيرة، وأمة جاهلة، حقيرة.
وسائل التعلم
1- تقوى الله - سبحـانه وتعالى - قال الله عز وجـل (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) (البقرة: من الآية282). وهي أهم الوسائل وأعظمها، فبدونها لا تجدي الوسائل الأخرى.
2- ملازمة العلماء والمشايخ في المساجد والبيوت، وإني لأحث طلاب العلم على العناية بهذه الوسيلة، واغتنام فرصة كثرة العلماء، وطلاب العلم الكبار في هذا البلد، فلقد كنا منذ نحو عشرين عاما نتمنى أن نجد هذه الأعداد من العلماء الذين جلسوا للتعليم، فلا نجد في الرياض مثلا إلا اثنين أو ثلاثة.
ولقد ذهبت إلى كثير من بلدان المسلمين فلم أجد للعلماء حضورا مذكورا في الساحة، وإن وجد قلة منهم، فقد تُلفِيَ لديهم خللا في العقيدة، وخللا في السلوك ( ).
ومن هنا فإني أخص الإخوة المقيمين في هذا البلد من طلاب العلم بالحض على اهتبال الفرصة، واستغلال فترة وجودهم في هذا الجو العلمي العاطر.
3- المدارس والمعاهد والجامعات، وأخص الشرعية منها.
4- القراءة مع الزملاء والأصدقاء وطلاب العلم.
5- كثرة الاطلاع والقراءات الخاصة المرتبة المنتقاة، والاسترشاد في هذا السبيل بآراء ذوي العلم والرأي، مع الحزم في التنفيذ والمتابعة.
6- إعداد البحوث الدقيقة التي يتم فيها تحرير المسائل، واستخلاص النتائج، وسبر أغوار القضايا.
7- المحافظة على الأوقات، وحسن ترتيبهـا، والحرص على استغلالها، بحيث يعطى كل ذي حق حقه، بدون غلو ولا جفاء.
8- الاستماع إلى ما في أشرطة التسجيل من محاضرات وندوات ودروس علمية، فهي وسيلة معينة على طلب العلم، وإن كانت غير خاصة به.
هذه الوسائل بمجموعها يمكن بها تحقيق طلب العلم، وأما الاقتصار على بعضها فقد يكون غير كاف لتحقيقه على الوجه المطلوب.
بعض صفات طالب العلم
الإخلاص لله - تعالى - وذلك بأن يبتغي بعلمه وجه الله والدار الآخرة، لا أن يبتغي به الرياء، أو السمعة، أو عرضا من الدنيا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجـل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا؛ لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة " ( ) ( ).
وعلى طالب العلم أن يقرن الإخلاص بتقوى الله ومراقبته، (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) (البقرة: من الآية282).
الصبر وتحمل المشاق وسعة الصدر فإن العلم جهاد لا شهوة، وما أحسن ما قال الشاعر:
إذا كان يؤذيك حر المصـيف
ويلهيـك حسن زمان الربيع
ويبس الخريف وبرد الشتا
فأخذك للعلم قـل لي مـتى؟!
التواضع في طلب العلم، والحـذر من الكبر والغرور، فإنه لا ينال العلم مستح ولا مستكبر.
ومـن لم يذق ذل التعلم ساعة
تجـرع كأس الجهـل طول حياته
التفرغ للعلم، والإقبـال عليـه، والانصراف إلى تحصيله؛ فإن العلم إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه.
توقير العلماء، وحفظ مكانتهم، وعدم تجريحهم، أو انتقاضهم ( ).
أن يكون شعار الطالب: "الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها".
التأدب مع مشايخه ومدرسيه، وحسن الإصغاء والتلقي، ولباقة النقاش وإتقانه.
البعد عن الجدال والمراء العقيم، " لا جدال إلا بالحق". يتبع