عبدالله القحطاني
10-Nov-2006, 11:27 AM
-الرَّابِعُ : أَنَّ هَذَا العِلْمَ أَصْلٌ لِلْعِلْمِ بِكُلِّ مَعْلُوْمٍ .
قَالَ ابْنُ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ _ رَحِمَهُ اللهُ _ (ت751) : " 000 وَ كَمَا أَنَّ العِلْمَ بِهِ أَجَلُّ العُلُوْمِ ، وَ أَشْرَفُهَا : فَهُو أَصْلُهَا كُلِّهَا ، كَمَا أَنَّ كُلَّ مَوْجُوْدٍ فَهُو مُسْتَنِدٌ فِي وُجُوْدِهِ إِلَى المَلِكِ الحَقِّ المُبِيْنِ ، وَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ فِي تَحْقِيْقِ ذَاتِهِ وَ أَبْنِيَتِهِ ، وَ كُلّ عِلْمٍ فَهُو تَابِعٌ لِلْعِلْمِ بِهِ ، وَ مُفْتَقِرٌ فِي تَحْقِيْقِ ذَاتِهِ إِلَيْهِ ، فَالعِلْمُ بِهِ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ ؛ كَمَا أَنَّهُ _ سُبْحَانَهُ _ رَبُّ كُلِّ شَئٍ ، وَ مَلِيْكُهُ ، وَ مُوْجِدُهُ .
وَ لا رَيْبَ أَنَّ كَمَالَ العِلْمِ بِالسَّبَبِ التَّامِّ ، وَ كَوْنهُ سَبَباً : يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِمُسَبَّبِهِ ، كَمَا أَنَّ العِلْمَ بِالعِلَّةِ التَّامَّةِ ، وَ المَعْرِفَةَ بِكَوْنِهَا عِلَّةً : يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِمَعْلُوْلِِهِ .
وَ كُلُّ مَوْجُوْدٍ سِوَى اللهِ فَهُو مُسْتَنِدٌ فِي وُجُوْدِهِ إِلَيه اسْتِنَادَ المَصْنُوْعِ إِلَى صَانِعِهِ ، وَ المَفْعُوْلِ إِلَى فَاعِلِهِ ؛ فَالعِلْمُ بِذَاتِهِ _ سُبْحَانَه ُ _ ، وَ صِفَاتِهِ ، وَ أَفْعَالِهِ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِمَاسِوَاهُ ؛ فَهُو فِي ذَاتِهِ رَبُّ كُلِّ شَئٍ ، وَ مَلِيْكُهُ ، وَ العِلْمُ بِهِ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ ، وَ مَنْشَؤُهُ ؛ فَمَنْ عَرَفَ اللهَ عَرَفَ مَا سِوَاهُ ، وَ مَنْ جَهِلَ رَبَّهُ فَهُو لِمَا سِوَاهُ أَجْهَلُ ؛ قَالَ _ تَعَالَى _ : " وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِيْنَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ "[الحشر:19] ؛ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الآيَةَ تَجِدْ تَحْتَهَا مَعْنَى شَرِيْفَاً عَظِيْمَاً ، وَ هُو أَنَّ مَنْ نَسِيَ رَبَّهُ أَنْسَاهُ ذَاتَهَ و َ نَفْسَهُ ؛ فَلَمْ يَعْرِفْ حَقِيْقَتَهُ ، وَ لا مَصَالِحَهُ ، بَلْ نَسِيَ مَا بِهِ صَلَاحُهُ وَ فَلَاحُهُ فِي مَعَاشِهِ وَ مَعَادِهِ ؛ فَصَار مُعَطَّلاً مُهْمَلاً بِمَنْزِلَةِ الأَنْعَامِ السَّائِبَةِ ، بَلْ رُبَّمَا كَانَت الأَنْعَامُ أَخْبَرَ بِمَصَالِحِهَا مِنْهُ ؛ لِبَقَاءِ هُدَاهَا _ الذِي أَعْطَاهَا إِيَّاهُ خَالِقُهَا _ ، وَ أَمَّا هَذَا فَخَرَجَ عَنْ فِطْرَتِهِ _ التِي خُلِقَ عَلَيْهَا _ ؛ فَنَسِيَ رَبَّهُ ؛ فَأَنْسَاهُ نَفْسَهُ وَ صِفَاتِهَا ، وَ مَا تَكْمَلُ بِهِ ، وَ تَزْكُو بِهِ ، وَ تَسْتَعِدُّ بِهِ فِي مَعَاشِهَا وَ مَعَادِهَا ؛ قَالَ اللهُ _ تَعِالَى _ : " وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَ كَانَ أَمْرُهُ فُرُطَاً "[الكهف:28] ، فَغَفَلَ عَن ذِكْر ِ رَبِّهِ ، فَانْفَرَطَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَ قَلْبُهُ ، فَلا التِفَاتَ إِلَى مَصَالِحِهِ و َكَمَالِهِ ، وَ مَا تَزْكُو بهِ ِنَفْسُهُ وَ قَلْبُهُ ، بَلْ هُو مُشَتَّتُ القَلْبِ ، مُضَيَّعُهُ ، مُفْرَطُ الأَمْرِ ، حَيْرَانُ ، لا يَهْتَدِي سَبِيْلاً .
وَ المَقْصُودُ أَنَّ العِلْمَ بِاللهِ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ ، وَ هُو أَصْلُ عِلْمِ العَبْدِ بِسَعَادَتِهِ وَكََمَالِهِ وَ مَصَالِحِ دُنْيَاهُ وَ آخِرَتِهِ .
وَ الجَهْلُ بِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَهْلِ بِنَفْسِهِ وَ مَصَالِحِهَا وَ كَمَالِهَا وَ مَا تَزْكُو بِهِ ، وَ تُفْلِحُ بِهِ ؛ فَالعِلْمُ بِهِ أَصْلُ سَعَادَةِ العَبْدِ ، وَ الجَهْلُ بِهِ أَصْلُ شَقَاوَتِهِ " ا.ه [انظر:"مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة"ص107]
وَ قَالَ _ أَيْضَاً _ : " إِحْصَاءُ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى ، وَ العِلْم ُ بِهَا أَصْلٌ لِلْعِلْمِ بِكُلّ ِ مَعْلُوْمٍ ؛ فَإِنَّ المَعْلُوْمَاتِ سِوَاهُ :
إِمَّا أَنْ تَكُوْنَ خَلْقَاً لَهُ _ تَعَالَى _ ، أَوْ أَمْرَاً ، إِمَّا عِلْمٌ بِمَا كَوَّنَهُ ، أَوْ عِلْمٌ بِمَا شَرَعَهُ .
وَ مَصْدَرُ الخَلْقِ ، وَ الأَمْرِ عَنْ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى ، وَ هُمَا مُرْتَبِطَانِ بِهَا ارْتِبَاطَ المُقتَضَى بِمُقْتَضِيْهِ ؛ فَالأَمْرُ كُلُّهُ مَصْدَرُهُ عَنْ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى ، وَ هَذَا كُلُّهُ حَسَنٌ ، لا يَخْرُجُ عَنْ مَصَالِحِ العِبَادِ ، وَ الرَّأْفَةِ ، وَ الرَّحْمَةِ بِهِمْ ، وَ الإحْسَانِ إِلَيْهِمْ بِتَكْمِيْلِهِمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ ، وَ نَهَاهُمْ عَنْهُ ، فَأَمْرُهُ كُلُّهُ مَصْلَحَةٌ و َحِكْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَ لُطْفٌ وَ إِحْسَانٌ ؛ إِذْ مَصْدَرُهُ أَسْمَاؤهُ الحُسْنَى .
وَ فِعْلُهُ كُلُّهُ لا يَخْرُجُ عَن العَدْلِ وَ الحِكْمَةِ وَ المَصْلَحَةِ ؛ إِذْ مَصْدَرُهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى ، فَلا تَفَاوُتَ فِي خَلْقِهِ ، وَ لا عَبَثَ ، وَلَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ بَاطِلاً ، وَ لا سُدَىً ، وَ لا عَبَثَاً .
وَ كَمَا أَنَّ كُلَّ مَوْجُوْدٍ سِوَاهُ فَبِإِيْجَادِهِ فَوُجُوْدُ مَا سِوَاهُ تَابِعٌ لِوُجُوْدِهِ تَبَعَ المَفْعُوْلِ المَخْلُوْقِ لِخَالِقِهِ : فَكَذَلِكَ العِلْمُ بِهَا أَصْلٌ لِلْعِلْمِ بِكُلِّ مَا سِوَاهُ .ُ
فَالعِلْمُ بِأَسْمَائِهِ ، وَ إِحْصَاؤهَا أَصْلٌ لِسَائِرِ العُلُوْمِ ؛ فَمَنْ أَحْصَى أَسْمَاءَهُ كَمَا يَنْبَغِي لِلْمَخْلُوْقِ أَحْصَى جَمِيْعَ العُلُوْمِ ؛ إِذْ إِحْصَاءُ أَسْمَائِهِ أَصْلٌ لإِحْصَاءِ كُلِّ مَعْلُوْمٍ ؛ لأَنَّ المَعْلُوْمَاتِ هِي مِنْ مُقْتَضَاهَا ، وَ مُرْتَبِطَةٌ بِهَا .
وَ تَأَمَّلْ صُدُوْرَ الخَلْقِ وَ الأَمْرِ عَنْ عِلْمِهِ وَ حِكْمَتِهِ _ تَعَالَى _ ؛ وَ لِهَذَا لا تَجِدُ فِيْهَا خَلَلاً ، وَ لا تَفَاوُتَاً ؛ لأَنَّ الخَلَلَ الوَاقِعَ فِيْمَا يَأْمُرُ بِهِ العَبْدُ ، أَوْ يَفْعَلُهُ : إِمَّا أَنْ يَكُوْنَ لِجَهْلِهِ بِهِ ، أَوْ لِعَدَمِ حِكْمَتِهِ .
وَ أَمَّا الرَّبُّ _ تَعَالَى _ فَهُو العَلِيْمُ الحَكِيْمُ ؛ فَلَا يَلْحَقُ فِعْلَهُ ، وَ لا أَمْرَهُ خَلَلٌ ، وَ لا تَفَاوُتٌ ، وَ لا تَنَاقُضٌ ا.ه .[انظر:"بدائع الفوئد"1/163]
وَ قَالَ _ أَيْضَاً _ : " ... وَ مَنْ كَانَ لَهُ نَصِيْبٌ مِنْ مَعْرِفَةِ أَسْمَائِه ِ الحُسْنَى ، وَ اسْتِقْرَاءِ آثَارِهَا فِي الخَلْقِ و َ الأَمْرِ : رَأَى الخَلْقَ وَ الأَمْرَ مُنْتَظِمَيْنِ بِهَا أَكْمَلَ انْتِظَامٍ ، و َ رَأَى سَرَيَانَ آثَارِهَا فِيْهِمَا ، وَ عَلِمَ بِحَسَبِ مَعْرِفَتِهِ مَا يَلِيْقُ بِكَمَالِهِ وَ جَلالِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ ، وَ مَا لا يَلِيْقُ ؛ فَاسْتَدَلَّ بِأَسْمَائِهِ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ ، وَ مَا لا يَفْعَلُهُ ؛ فِإِنَّهُ لا يَفْعَلُ خِلافَ مُوْجَبِ حَمْدِهِ وَ حِكْمَتِهِ .
وَ كَذَلِكَ يَعْلَمُ مَا يَلِيْقُ بِهِ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ ، وَ يَشْرَعُهُ مِمَّا لا يَلِيْقُ بِهِ ؛ فَيَعْلَمُ أَنَّه ُ لا يَأْمُرُ بِخِلَافِ مُوْجَبِ حَمْدِهِ وَ حِكْمَتِهِ ، فَإِذَا رَأَى فِي بَعْضِ الأَحْكَامِ جَوْرَاً وَ ظُلْمَاً أَوْ سَفَهَاً وَ عَبَثَاً وَ مَفْسَدَةً ، أَوْ مَا لا يُوْجِبُ حمَدْاًَ وَ ثَنَاءً : فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحْكَامِهِ ، وَ لا دِيْنِهِ ، وَ أَنَّهُ بَرِئٌ مِنْهُ وَ رَسُوْلهُ _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ _ ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِالعَدْلِ لا بِالظُّلْمِ ، وَ بِالمَصْلَحَةِ لا بِالمَفْسَدَةِ ، وَ بِالحِكْمَةِ لا بِالعَبَثِ وَ السَّفَهِ " ا.ه. [انظر :"طريق الهجرتين وباب السعادتين"ص227،وانظر:"التبيان في أقسام القرآن"ص14].
قَالَ ابْنُ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ _ رَحِمَهُ اللهُ _ (ت751) : " 000 وَ كَمَا أَنَّ العِلْمَ بِهِ أَجَلُّ العُلُوْمِ ، وَ أَشْرَفُهَا : فَهُو أَصْلُهَا كُلِّهَا ، كَمَا أَنَّ كُلَّ مَوْجُوْدٍ فَهُو مُسْتَنِدٌ فِي وُجُوْدِهِ إِلَى المَلِكِ الحَقِّ المُبِيْنِ ، وَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ فِي تَحْقِيْقِ ذَاتِهِ وَ أَبْنِيَتِهِ ، وَ كُلّ عِلْمٍ فَهُو تَابِعٌ لِلْعِلْمِ بِهِ ، وَ مُفْتَقِرٌ فِي تَحْقِيْقِ ذَاتِهِ إِلَيْهِ ، فَالعِلْمُ بِهِ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ ؛ كَمَا أَنَّهُ _ سُبْحَانَهُ _ رَبُّ كُلِّ شَئٍ ، وَ مَلِيْكُهُ ، وَ مُوْجِدُهُ .
وَ لا رَيْبَ أَنَّ كَمَالَ العِلْمِ بِالسَّبَبِ التَّامِّ ، وَ كَوْنهُ سَبَباً : يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِمُسَبَّبِهِ ، كَمَا أَنَّ العِلْمَ بِالعِلَّةِ التَّامَّةِ ، وَ المَعْرِفَةَ بِكَوْنِهَا عِلَّةً : يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِمَعْلُوْلِِهِ .
وَ كُلُّ مَوْجُوْدٍ سِوَى اللهِ فَهُو مُسْتَنِدٌ فِي وُجُوْدِهِ إِلَيه اسْتِنَادَ المَصْنُوْعِ إِلَى صَانِعِهِ ، وَ المَفْعُوْلِ إِلَى فَاعِلِهِ ؛ فَالعِلْمُ بِذَاتِهِ _ سُبْحَانَه ُ _ ، وَ صِفَاتِهِ ، وَ أَفْعَالِهِ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِمَاسِوَاهُ ؛ فَهُو فِي ذَاتِهِ رَبُّ كُلِّ شَئٍ ، وَ مَلِيْكُهُ ، وَ العِلْمُ بِهِ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ ، وَ مَنْشَؤُهُ ؛ فَمَنْ عَرَفَ اللهَ عَرَفَ مَا سِوَاهُ ، وَ مَنْ جَهِلَ رَبَّهُ فَهُو لِمَا سِوَاهُ أَجْهَلُ ؛ قَالَ _ تَعَالَى _ : " وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِيْنَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ "[الحشر:19] ؛ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الآيَةَ تَجِدْ تَحْتَهَا مَعْنَى شَرِيْفَاً عَظِيْمَاً ، وَ هُو أَنَّ مَنْ نَسِيَ رَبَّهُ أَنْسَاهُ ذَاتَهَ و َ نَفْسَهُ ؛ فَلَمْ يَعْرِفْ حَقِيْقَتَهُ ، وَ لا مَصَالِحَهُ ، بَلْ نَسِيَ مَا بِهِ صَلَاحُهُ وَ فَلَاحُهُ فِي مَعَاشِهِ وَ مَعَادِهِ ؛ فَصَار مُعَطَّلاً مُهْمَلاً بِمَنْزِلَةِ الأَنْعَامِ السَّائِبَةِ ، بَلْ رُبَّمَا كَانَت الأَنْعَامُ أَخْبَرَ بِمَصَالِحِهَا مِنْهُ ؛ لِبَقَاءِ هُدَاهَا _ الذِي أَعْطَاهَا إِيَّاهُ خَالِقُهَا _ ، وَ أَمَّا هَذَا فَخَرَجَ عَنْ فِطْرَتِهِ _ التِي خُلِقَ عَلَيْهَا _ ؛ فَنَسِيَ رَبَّهُ ؛ فَأَنْسَاهُ نَفْسَهُ وَ صِفَاتِهَا ، وَ مَا تَكْمَلُ بِهِ ، وَ تَزْكُو بِهِ ، وَ تَسْتَعِدُّ بِهِ فِي مَعَاشِهَا وَ مَعَادِهَا ؛ قَالَ اللهُ _ تَعِالَى _ : " وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَ كَانَ أَمْرُهُ فُرُطَاً "[الكهف:28] ، فَغَفَلَ عَن ذِكْر ِ رَبِّهِ ، فَانْفَرَطَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَ قَلْبُهُ ، فَلا التِفَاتَ إِلَى مَصَالِحِهِ و َكَمَالِهِ ، وَ مَا تَزْكُو بهِ ِنَفْسُهُ وَ قَلْبُهُ ، بَلْ هُو مُشَتَّتُ القَلْبِ ، مُضَيَّعُهُ ، مُفْرَطُ الأَمْرِ ، حَيْرَانُ ، لا يَهْتَدِي سَبِيْلاً .
وَ المَقْصُودُ أَنَّ العِلْمَ بِاللهِ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ ، وَ هُو أَصْلُ عِلْمِ العَبْدِ بِسَعَادَتِهِ وَكََمَالِهِ وَ مَصَالِحِ دُنْيَاهُ وَ آخِرَتِهِ .
وَ الجَهْلُ بِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَهْلِ بِنَفْسِهِ وَ مَصَالِحِهَا وَ كَمَالِهَا وَ مَا تَزْكُو بِهِ ، وَ تُفْلِحُ بِهِ ؛ فَالعِلْمُ بِهِ أَصْلُ سَعَادَةِ العَبْدِ ، وَ الجَهْلُ بِهِ أَصْلُ شَقَاوَتِهِ " ا.ه [انظر:"مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة"ص107]
وَ قَالَ _ أَيْضَاً _ : " إِحْصَاءُ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى ، وَ العِلْم ُ بِهَا أَصْلٌ لِلْعِلْمِ بِكُلّ ِ مَعْلُوْمٍ ؛ فَإِنَّ المَعْلُوْمَاتِ سِوَاهُ :
إِمَّا أَنْ تَكُوْنَ خَلْقَاً لَهُ _ تَعَالَى _ ، أَوْ أَمْرَاً ، إِمَّا عِلْمٌ بِمَا كَوَّنَهُ ، أَوْ عِلْمٌ بِمَا شَرَعَهُ .
وَ مَصْدَرُ الخَلْقِ ، وَ الأَمْرِ عَنْ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى ، وَ هُمَا مُرْتَبِطَانِ بِهَا ارْتِبَاطَ المُقتَضَى بِمُقْتَضِيْهِ ؛ فَالأَمْرُ كُلُّهُ مَصْدَرُهُ عَنْ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى ، وَ هَذَا كُلُّهُ حَسَنٌ ، لا يَخْرُجُ عَنْ مَصَالِحِ العِبَادِ ، وَ الرَّأْفَةِ ، وَ الرَّحْمَةِ بِهِمْ ، وَ الإحْسَانِ إِلَيْهِمْ بِتَكْمِيْلِهِمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ ، وَ نَهَاهُمْ عَنْهُ ، فَأَمْرُهُ كُلُّهُ مَصْلَحَةٌ و َحِكْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَ لُطْفٌ وَ إِحْسَانٌ ؛ إِذْ مَصْدَرُهُ أَسْمَاؤهُ الحُسْنَى .
وَ فِعْلُهُ كُلُّهُ لا يَخْرُجُ عَن العَدْلِ وَ الحِكْمَةِ وَ المَصْلَحَةِ ؛ إِذْ مَصْدَرُهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى ، فَلا تَفَاوُتَ فِي خَلْقِهِ ، وَ لا عَبَثَ ، وَلَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ بَاطِلاً ، وَ لا سُدَىً ، وَ لا عَبَثَاً .
وَ كَمَا أَنَّ كُلَّ مَوْجُوْدٍ سِوَاهُ فَبِإِيْجَادِهِ فَوُجُوْدُ مَا سِوَاهُ تَابِعٌ لِوُجُوْدِهِ تَبَعَ المَفْعُوْلِ المَخْلُوْقِ لِخَالِقِهِ : فَكَذَلِكَ العِلْمُ بِهَا أَصْلٌ لِلْعِلْمِ بِكُلِّ مَا سِوَاهُ .ُ
فَالعِلْمُ بِأَسْمَائِهِ ، وَ إِحْصَاؤهَا أَصْلٌ لِسَائِرِ العُلُوْمِ ؛ فَمَنْ أَحْصَى أَسْمَاءَهُ كَمَا يَنْبَغِي لِلْمَخْلُوْقِ أَحْصَى جَمِيْعَ العُلُوْمِ ؛ إِذْ إِحْصَاءُ أَسْمَائِهِ أَصْلٌ لإِحْصَاءِ كُلِّ مَعْلُوْمٍ ؛ لأَنَّ المَعْلُوْمَاتِ هِي مِنْ مُقْتَضَاهَا ، وَ مُرْتَبِطَةٌ بِهَا .
وَ تَأَمَّلْ صُدُوْرَ الخَلْقِ وَ الأَمْرِ عَنْ عِلْمِهِ وَ حِكْمَتِهِ _ تَعَالَى _ ؛ وَ لِهَذَا لا تَجِدُ فِيْهَا خَلَلاً ، وَ لا تَفَاوُتَاً ؛ لأَنَّ الخَلَلَ الوَاقِعَ فِيْمَا يَأْمُرُ بِهِ العَبْدُ ، أَوْ يَفْعَلُهُ : إِمَّا أَنْ يَكُوْنَ لِجَهْلِهِ بِهِ ، أَوْ لِعَدَمِ حِكْمَتِهِ .
وَ أَمَّا الرَّبُّ _ تَعَالَى _ فَهُو العَلِيْمُ الحَكِيْمُ ؛ فَلَا يَلْحَقُ فِعْلَهُ ، وَ لا أَمْرَهُ خَلَلٌ ، وَ لا تَفَاوُتٌ ، وَ لا تَنَاقُضٌ ا.ه .[انظر:"بدائع الفوئد"1/163]
وَ قَالَ _ أَيْضَاً _ : " ... وَ مَنْ كَانَ لَهُ نَصِيْبٌ مِنْ مَعْرِفَةِ أَسْمَائِه ِ الحُسْنَى ، وَ اسْتِقْرَاءِ آثَارِهَا فِي الخَلْقِ و َ الأَمْرِ : رَأَى الخَلْقَ وَ الأَمْرَ مُنْتَظِمَيْنِ بِهَا أَكْمَلَ انْتِظَامٍ ، و َ رَأَى سَرَيَانَ آثَارِهَا فِيْهِمَا ، وَ عَلِمَ بِحَسَبِ مَعْرِفَتِهِ مَا يَلِيْقُ بِكَمَالِهِ وَ جَلالِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ ، وَ مَا لا يَلِيْقُ ؛ فَاسْتَدَلَّ بِأَسْمَائِهِ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ ، وَ مَا لا يَفْعَلُهُ ؛ فِإِنَّهُ لا يَفْعَلُ خِلافَ مُوْجَبِ حَمْدِهِ وَ حِكْمَتِهِ .
وَ كَذَلِكَ يَعْلَمُ مَا يَلِيْقُ بِهِ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ ، وَ يَشْرَعُهُ مِمَّا لا يَلِيْقُ بِهِ ؛ فَيَعْلَمُ أَنَّه ُ لا يَأْمُرُ بِخِلَافِ مُوْجَبِ حَمْدِهِ وَ حِكْمَتِهِ ، فَإِذَا رَأَى فِي بَعْضِ الأَحْكَامِ جَوْرَاً وَ ظُلْمَاً أَوْ سَفَهَاً وَ عَبَثَاً وَ مَفْسَدَةً ، أَوْ مَا لا يُوْجِبُ حمَدْاًَ وَ ثَنَاءً : فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحْكَامِهِ ، وَ لا دِيْنِهِ ، وَ أَنَّهُ بَرِئٌ مِنْهُ وَ رَسُوْلهُ _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ _ ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِالعَدْلِ لا بِالظُّلْمِ ، وَ بِالمَصْلَحَةِ لا بِالمَفْسَدَةِ ، وَ بِالحِكْمَةِ لا بِالعَبَثِ وَ السَّفَهِ " ا.ه. [انظر :"طريق الهجرتين وباب السعادتين"ص227،وانظر:"التبيان في أقسام القرآن"ص14].