المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عرض رسالة:(أهل الذمة والولايات العامة)


عبدالله السَّيباني
31-Jan-2008, 04:27 AM
رسائل جامعية

أهل الذمة والولايات العامة
في الفقه الإسلامي

عبد العزيز بن محمد الحويطان

(أهل الذمة والولايات العامة في الفقه الإسلامي) [1] هو عنوان للرسالة التي
رأيت مناسبة عرضها ، والتي فرضت جودتها وحسن تبويبها : الوقوف عندها هذه
الوقفات العاجلة ، ولعل أهمية هذه الرسالة تتضح من عنوانها ؛ فأهل الذمة في بلاد
المسلمين موجودون قديماً وحديثاً ، وربما ازداد عددهم في هذه الأزمنة نتيجة تقدم
وسائل النقل ، واختلاط الشعوب ، وانتقال الأيدي العاملة للبحث عن مصادر الرزق ،
مما يجعل دراسة الموضوع أكثر إلحاحاً وأهمية ، وأكثر مساساً بواقع بعض
المسلمين الذي امتزج به الجهل والفقر والتخلف ، إلا من رحم الله ، والذي يفرض
طَرق مثل هذه الأبحاث والتأكيد عليها ، وزاد الرسالة قوة : ذلك العرض والتقسيم
البديع الذي صاحب فصولها ، وسأتطرق بحول الله (تعالى) إلى مميزات الرسالة ،
وما عليها ، بعد العرض السريع لها .
قسّم الباحث الرسالة بابين : الباب الأول جعله مدخلاً للرسالة في الولاية وما
يتعلق بها ، وقسمه ثلاثة فصول : تعريف الولاية ، وأقسامها ، وشروطها . والباب
الثاني : (في الذمة والولايات العامة) .
ففي تعريف الولاية في الاصطلاح : وبعد أن أورد أقوال الفقهاء : خلص إلى
أنها : (سلطة شرعية لشخص في إدارة شأن من الشؤون ، وتنفيذ إرادته فيه على
الغير من فرد أو جماعة) (ص27) .
وقد ثبتت مشروعيتها من الكتاب والسنة والإجماع .
وفي مبحث أقسام الولاية : ذكر أنها تنقسم إلى ولاية عامة وخاصة (وهذا
تقسيم الفقهاء) ، فالولاية الخاصة يمكن حصرها في : ولاية الحضانة ، والولاية
على النفس ، والولاية على المال .
أما الولاية العامة فإنها تتمثل فيما يقوم به الإمام أو نائبه من التصرفات ،
وتنبثق عنها ولايات عامة متعددة ، وعلى هذا تكون أنواع الولاية العامة هي :
1- الإمامة العظمى .
2- الوزارة (سواء أكانت وزارة تفويض أو تنفيذ) .
3- الإمارة على البلدان (بنوعيها : العام ، والخاص) .
4- الإمارة على الجهاد (إمارة على سياسة الجيش والجند ، أو إمارة على
جميع أحكام الجهاد) .
5- الولاية على حروب المصالح (قتال أهل الردة والبغي والمحاربين) .
6- ولاية القضاء .
7- ولاية المظالم .
8- ولاية النقابة على ذوي الأنساب .
9- الولاية على إمامة الصلوات .
10- الولاية على الحج .
11- ولاية الصدقات .
12- ولاية الفيء .
13- ولاية الجزية والخراج .
14- ولاية الحسبة . (ص53-57) .
وهذه الأنواع لم يذكر الباحث من أين استقاها ، ولعله استقرأها من كتب الفقه ،
والسؤال هنا : ألا توجد مناصب جديدة في هذا الوقت تختلف عن السابق ؟ ثم :
ألا يمكن وضع ضوابط عامة لهذه الولاية العامة بدلاً من تفصيلها ؟ .
ثم أورد الباحث في الفصل الثالث شروط الولاية العامة والخاصة كلّ على
حدة باختصار .
أما الباب الثاني فهو : (في الذمي والولاية العامة) : فقد قسمه أربعة فصول :
الذمي وعقده ، وواجبات أهل الذمة في الفقه الإسلامي وحقوقهم ، وحكم تولي الذمي
المناصب العامة ، وأخيراً : أهل الذمة والشورى .
أما الذمي فقد عرفه الباحث في الاصطلاح قائلاً : (كل من يُقَر من الكفار في
دار الإسلام على التأبيد آمناً ، بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة فيما يتعلق بهم)
(ص74) .
قلت : وتبقى المسألة ، فيمن تقبل منه الجزية ويقر ببذلها ؟ وقد أجاب الباحث
عن هذا التساؤل قائلاً : وهذا فيه خلاف بين الفقهاء بعد اتفاقهم على دخول اليهود
والنصارى فيهم ، وبعد أن أورد الباحث أقوال أئمة المذاهب خلص إلى أن (الجزية
تقبل من كل كافر ، فيدعى للإسلام أولا ، فإن أبى فالجزية ، فإن بذلها قبلت منه) .
ثم ساق الأدلة فيما يلي :
1- آية الجزية :  قَاتِلُوا الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ
مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا
الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ  [التوبة : 29] .
2- حديث بريدة (رضي الله عنه) الطويل المشهور : (كان رسول الله إذا أمّر
أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه ... فإن هم أَبَوْ فسلهم الجزية ،
فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم .. ) أخرجه مسلم والترمذي ، وهو على
عمومه في أهل الكتاب وغيرهم .
3- كما استدلوا بقبول الجزية من المجوس وهم ليسوا أهل كتاب بقوله :
(سنوا بهم سنة أهل الكتاب) رواه مالك في الموطأ [2] .
أما عقد الذمة ، فقال الباحث : (هو التزام الإمام أو نائبه بإقرار بعض الكفار
بالإقامة الدائمة في دار الإسلام ، على أن يبذلوا الجزية ويلتزموا أحكام الملة فيما
يتعلق بهم) (ص97) والمقصود بأحكام الملة أي : الأحكام الظاهرة ، كمنعهم من
إظهار الخمر والخنزير .
ثم تطرق الباحث إلى شروط العقد وآثاره ، وذكر من آثاره :
1- عصمة النفس .
2- عصمة الأموال والأعراض لأنها تبع للنفوس .
3- إنهاء الحرب بين المسلمين وأهل الذمة .
4- هذا العقد ملزم للمسلمين ، فلا يستطيعون نقضه .
5- التزام كل طرف بحقوق وواجبات الطرف الآخر .
وذكر الحقوق الواجبة عليهم ما أورده الماوردي ( رحمه الله ) حيث قال :
1- ألا يذكروا كتاب الله بطعن ولا تحريف .
2- ألا يذكروا رسول الله بتكذيب له ولا ازدراء .
3- ألا يذكروا دين الإسلام بذم أو قدح .
4- ألا يصيبوا مسلمة بزنى ولا باسم نكاح .
5- ألا يفتنوا مسلماً عن دينه .
6- ألا يعينوا أهل الحرب ، ولا يودوا أغنياءهم . (ص103) .
ثم تسائل الباحث قائلاً : متى ينتقض العقد ؟ فأجاب بقوله : ينتقض العقد
بمخالفة النظام الشرعي في ناحية جوهرية ، كقتال الذمي للمسلمين والتحاقه بدار
الحرب ، وامتناعه عن الجزية لغير عذر كفقر ، وامتناعه التزام أحكام المسلمين ،
كذلك ينتقض بالشروط الستة التي ذكرها الماوردي ، (ص107) .
أما الفصل الثاني (واجبات أهل الذمة في الفقه الإسلامي) : فقسمه الباحث
قسمين : واجبات أهل الذمة ، وحقوقهم .
تطرق في المبحث الأول إلى الواجبات المترتبة عليهم ، وهي ثلاثة :
أولاً : الجزية ، وهي واجبة عليهم بالاتفاق ، ومقدارها زهيد ، يجب مرة
واحدة في السنة ، ويرجع تقديرها للإمام ، كما اجتهد عمر (رضي الله عنه) في
تقديرها) ؛ لأن القيمة الشرائية للدرهم تتغير بتغير الأحوال والأزمان .
ثانياً : الخراج وهو ما وضع على رقاب الأرض المفتوحة عنوة أو صلحاً من
حقوق تؤدى عنها ، ودليل مشروعيته : فعل عمر وموافقة الصحابة له ؛ فيكون
إجماعاً ، وأما تقديره فهو راجع أيضاً للإمام ، فيراعي مصلحة الطرفين وحال
الأرض والزرع .
ثالثاً : العشور ، وقد ثبتت بعمل الصحابة (رضوان الله عليهم) ، حيث ثبت
عن عمر (رضي الله عنه) أنه أخذ من أهل الذمة نصف العشر ومن أهل الحرب
العشر ، وقد عمل بها الصحابة من غير نكير ؛ فيكون إجماعاً ، ويشترط أن يكون
في التجارة مما ينتقل بها صاحبها في دار الإسلام ، وألا يؤخذ إلا مرة واحدة في
العام ، وأن يبلغ نصاباً (اشترطه الأحناف والحنابلة) .
هذا عن الواجبات اللازمة عليهم ، أما المستحبة التي لا تجب عليهم إلا إذا
ذكرت في العقد ، كما أنها لا تنقض العقد لكن يؤاخذون بها إجباراً ويؤدبون عليها
زجراً : فقد سردها الماوردي (رحمه الله) قائلاً : (أما المستحبة فستة أشياء :
1- تغيير هيئاتهم بلباس الغيار وشد الزنار .
2- ألا يعلوا المسلمين في الأبنية .
3- ألا يسمعوهم أصوات نواقيسهم أو تلاوة كتبهم .
4- ألا يجاهروهم بشرب خمورهم ، ولا بإظهار صلبانهم وخنازيرهم .
5- أن يخفوا دفن موتاهم ، ولا يجاهروا بندب عليهم ولا نياحة .
6- أن يمنعوا من ركوب الخيل عتاقاً وهجاناً . ( ص124 ) .
قلت : وما ورد من الشروط العمرية شبيه بهذا ، إلا أن أهل الذمة شرطوها
على أنفسهم في خلافته فيجب أن ينفذوها ، لكن السؤال : هل ثبتت الشروط العمرية
تفصيلاً ؟ وهل هي لازمة لأهل الذمة على الدوام ؟ هذا ما لم يتطرق إليه الباحث .
أما ثبوت الشروط العمرية فقد ثبتت جملة بالإجماع ، قال ابن القيم : (إن
شهرتها تغني عن إسنادها) ، ونقل ابن تيمية الإجماع على ثبوتها جملة ، أما تفصيلاً :
فهذا راجع لأسانيدها ، وقد أجاد الباحث في رده على من أنكرها من أمثال الشيخ
محمد الغزالي وغيره [3] .
أما المبحث الثاني في الفصل الثاني : فعن (حقوق أهل الذمة) ، وهذا من
المباحث المهمة في الرسالة التي كان من المفترض أن يتوسع فيها الباحث بدل
اختصارها واكتفائه منها بالعموميات ، فقد تطرق لحقوقهم بعد أن فند القاعدة التي
يذكرها بعض الفقهاء (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) وبيّن أنها خاطئة بإطلاق ، وقد
أجاد .
وذكر من حقوقهم حرية المعتقد دون إظهار للشعائر ، أما بخصوص معابدهم
فرجح أن ما أسلم عليه أهل مصر أو مصّره المسلمون فلا يجوز لهم فيه إحداث
بيعة أو كنيسة ؛ قال ابن القيم : (وهو اتفاق من الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاع) ، وأما
ما فتح عنوة ففيه خلاف ، والراجح : إن شرطوا الإحداث في عقد الجزية يوف لهم
بالشرط ، وكذا : إن شرطوه فيما فتح صلحاً . (ص133) .
ومن حقوقهم : حرمة الدماء والأبدان ، وحق الحماية داخليّاً وخارجيّاً ، وحق
الأمن ويقصد به حرمة المسكن فله أن يسكن فيما شاء إلا في جزيرة العرب ، وقيل :
الحجاز خاصة على خلاف والأول هو الصواب ، قلت : ويلزم أن يقيّد بألا يكون فيه
إضرار للمسلمين ، أما بخصوص حرية التنقل وحرية الفكر والكتابة والاجتماع
في المناسبات : فقد أجازها الباحث بإطلاق ، وفيه نظر ، إذ إن بعضها يلزم منه
إظهار لدينهم ورأيهم . (ص141) .
وذكر من حقهم : حق التمتع بمرافق الدولة وخدماتها ، قلت : وهذا يقيد بعدم
الإضرار أو التضييق بالمسلمين ، ولهم حق الحرية في شؤونهم الخاصة كالحقوق
الشخصية ، ونظام الأسرة ، والطلاق ، والزواج ، والإرث .. وغيرها . (ص144) .
وتطرق الباحث أخيراً إلى حق تولي وظائف الدولة ، وأوضح أن الوظائف
الرئيسة في الدولة والوظائف ذات الصبغة الدينية لا يجوز للذمي شغلها ، ثم فصّل
القول بتقسيمها إلى ثلاثة أقسام :
1- استعمالهم في الحرب ، وذكر الخلاف في ذلك .
2- استعمالهم في غير الحرب ، ورجح جوازه بشروط ، هي :
أن يحصل الوثوق به ، ألا يكون في عمله ولاية على مسلم ، ألا تكون
الوظيفة ذات صبغة دينية ، قلت : ويلزم أن يزاد شرط : ألا يوجد من هو أولى لها
من المسلمين ، تمشياً مع قول عمر لأبي موسى الأشعري .
3- استعمالهم في الوظائف العامة ، وهذا ما سيذكره في الفصل الثالث .
أما الفصل الثالث (حكم تولي الذمي المناصب العامة) : فهو لب الرسالة
وموضوعها ، قسمه الباحث ثمانية مباحث ، كل منها يمثل منصباً من المناصب
العامة ، وطريقته هنا : أن يورد المنصب ، ثم يعرفه ، ويذكر مشروعيته ،
وضوابطه ، وشروطه ، بشكل بديع قلما يوجد في غير هذه الرسالة ، ثم يعرج على
حكم تولي الذمي لهذا المنصب .
بدأ بمبحث رئاسة الدولة أو الخلافة ، ذكر فيه : تعريف الخلافة ، وأدلة
مشروعيتها ، وشروط الخليفة ، وواجباته ، وحقوقه ، ثم عرج على تولي الذمي
للخلافة ، وذكر أن لا مدخل له في هذا المنصب بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول ؛
فأما الكتاب : فهناك آيات كثيرة ، منها قوله (تعالى) :  وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ
عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً  [النساء : 141] وأما السنة : فمنها قوله : (من أطاعني فقد
أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن
عصى أميري فقد عصاني) أخرجه البخاري ، ووجهه : أن طاعة الأمير واجبة ،
وهو الأمير الذي أمّره رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ، ولم يؤمر كافراً على
مسلم ، وأما الإجماع : فقد نقله غير واحد كالقاضي عياض وابن حجر والجويني ،
قال القاضي عياض : (أجمع العلماء على أن الإمامة لا تعقد لكافر ، وعلى أنه لو
طرأ عليه الكفر انعزل) (ص180) . ثم ذكر موانع ذلك من المعقول ، منها : أن
حفظ الدين لا يقوم به الكافر ، وأن غير المسلم لا يضحي من أجل المسلمين ، وأن
أسرار المسلمين وثغراتهم يجب ألا تكون عند الكافر . ( ص184 ) .
أما في مبحث الذمي والوزارة : فبعد تعريف الوزارة لغة واصطلاحاً ، ذكر
مشروعيتها من الكتاب والسنة وفعل الصحابة والمعقول ، ثم ذكر أنواع الوزارة ،
وهي نوعان : وزارة تفويض ، ووزارة تنفيذ ، ففي وزارة التفويض : عرفها
الماوردي بقوله : (وهو أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه
وإمضاءها على اجتهاده) وأعمال وزير التفويض تكاد تكون هي أعمال الخليفة ،
وشروطه شروطه مع اختلاف يسير ، أما تقليد الذمي لوزارة التفويض فلا مدخل له
فيها ، لأن وزير التفويض كالخليفة فيما يقوم به من تدبير للأمور وتعيين للولاة
وعزلهم .
أما وزارة التنفيذ : فقال الماوردي عنها : (وهذا الوزير وسط بين الإمام وبين
الرعايا والولاة ، يؤدي عنه ما أمره ، وينفذ عنه ما ذكره ، فهو معين في تنفيذ
الأمور وليس بوالٍ عليها) . ( ص197 ) ، وبخصوص حكم تولي الذمي لهذا
المنصب : فقد أجازه الماوردي (رحمه الله) دون ذكر دليل على ذلك من كتاب أو
سنة ، وهذا خلاف ما عليه عامة الفقهاء ، فقد نقل أحمد والجويني وابن جماعة
وغيرهم عدم جواز ذلك ، بل قال الجويني في مقولة الماوردي هذه : (وهذه عثرة
ليس لها مقيل ، فهي مشعرة بخلو صاحب الكتاب عن التحصيل) والصواب الذي
رجحه المؤلف : عدم جواز ذلك لأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وفعل الصحابة ،
كأدلة النهي عن اتخاذ بطانة من دون المسلمين وغيرها . (ص207) .
وقد أجاد الباحث في تقصيه لأصل هذا التقسيم للوزارة (وزارة تفويض
ووزارة تنفيذ) وذكر بطلانه ، لأن الإمام هو الذي يباشر الأمور بنفسه ، وإذا
فوضت جميع الأعمال إلى الوزير : فما دور الإمام إذن ؟ وهذا التقسيم لم يكن
معروفاً قبل عصرالماوردي والفراء ، فهما أول من ذكره ، وما خرج هذا التقسيم إلا
في عهد بني بويه ، وكان الخليفة العباسي آنذاك منزوع السلطة ، وقد وصل من
تعدي بني بويه على الخليفة أن اعتقلوا المستكفي وسملوا عينيه وحبس في دار
الخلافة إلى أن توفي . (ص197) .
ثم عقد المؤلف مقارنة بين الوزارة في السابق وبينها في العصر الحاضر ؛
ليثبت أن الوزير سابقاً ولاحقاً له ولاية وسلطة على المسلمين ، فلا يجوز للذمي
تولية هذا المنصب (وليت هذه المقارنة استمرت في جميع مباحث الرسالة) .
وفي المبحث الثالث (الذمي والإمارة) : قسم الإمارة قسمين : عامة وخاصة ،
فالإمارة العامة : (هي أن يفوض إليه الخليفة إمارة بلد أو إقليم ولاية على جميع
أهله ، فيصير عام النظر فيما كان محدوداً من عمل ومعهوداً من نظر) أما الإمارة
الخاصة ، فهي : (أن يكون الأمير مقصور الإمارة على تدبير الجيش وسياسة
الرعية وحماية البيضة والذب عن الحريم ، لكن لا يتولى القضاء والأحكام وجباية
الصدقات والخراج) .
أما تولي الذمي للإمارة العامة : فلا مدخل له فيها ؛ لأن الكافر لا تكون له
ولاية على المسلمين ، ولم يعرف أنه بعث أميراً ذميّاً أو كافراً ، والأمير نائب عن
الخليفة ، والنائب كالأصيل في حالة غيابه ، فلا يستحق هذه النيابة كافر ، أما
الإمارة الخاصة : فإن الأمير له سبيل على المسلمين ولا سبيل لكافر على مسلم ،
ولا يجوز أن يسند هذا المنصب لغير المسلم . (ص228) .
وفي المبحث الرابع (الذمي والقضاء) : بعد تعريفه للقضاء أورد شروط
القاضي ، وهي : الإسلام ، والعقل ، والبلوغ ، والحرية ، والذكورة ، والعدالة (وقد
أجاز الأحناف تولية الفاسق) ، وسلامة السمع والبصر والنطق (والمالكية يعدون ذلك
شرط دوام وليس شرط انعقاد) ، وأخيراً : العلم بالأحكام الشرعية ، حيث اشترط
الحنابلة والشافعية وابن حزم الاجتهاد ، على خلاف المالكية والأحناف ، والراجح
أن يحصل القاضي من الوسائل ما يوصله إلى الحكم الشرعي في حدود ما ولي له .
(ص239) .
أما ولاية الذمي للقضاء : فلا مدخل له فيها ؛ لأن من شروطها الإسلام
بالاتفاق ، كما أن القاضي من أولي الأمر  يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ  [النساء : 59] فلا يجوز طاعة الكافر .
وأهل الذمة يطبق عليهم في دار الإسلام الشرع الإسلامي ، ورجح الباحث
استثناء شربهم للخمر وأكلهم الخنزير وشعائرهم التعبدية ما لم يظهروها في أمصار
المسلمين وقوانين الأسرة كالنكاح ، وإذا ترافعوا إلينا يجب على القاضي أن يحكم
فيهم بحكم الإسلام ، ولا يشترط ترافع الاثنين بل يكفي واحد ، وإذا اختلف المسلم
والذمي فيجب الحكم بينهما حماية للمسلم وحفاظاً على الذمي ، وأما إذا اختلفت ملة
المتحاكمين كيهودي ونصراني فيجب الحكم بينهم عند الشافعية وهو الصواب .
(ص 252) .
أما المبحث الخامس (الذمي وولاية الحسبة) : فذكر أنه لا مدخل له فيها لاتفاق
الفقهاء على اشتراط الإسلام في المحتسب ، كما أن المحتسب وما بيده يدل على
العز والسلطان وهذا لا يتمتع به الذمي لأنه ينافي النص الذي ورد بصغارهم
 حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ  [التوبة : 29] .
وما يقال عن الذمي وولاية الحسبة يقال عن الذمي وولاية المظالم .
(ص 284) .
أما المبحث السابع (الذمي وإمارة الجيش) : فلا مدخل له فيها ؛ لأن ولاية
الجيش شبيهة بالإمارة العامة والخاصة والتي شروطها هي شروط الإمامة (في
الغالب) ، كما أنه لم يعرف عنه أنه أمّر كافراً على سرية من المؤمنين ، إضافة إلى
القدوة في هذا المنصب والاطلاع على الأسرار التي لا يجوز أن يطلع عليها كافر .
(ص290) .
أما في المبحث الثامن (أهل الذمة والولايات الأخرى) : فقسمه إلى عدة
مطالب ، هي : الفيء والغنيمة ، والصدقة ، والخراج ، والجزية ، أما الفيء (كل
مال وصل إلى المسلمين من غير مباشرة القتال) : فليس للذمي مدخل في ولايته ،
وأجاز الماوردي والفراء للذمي أن يُستعمل في عمل لا يستدعي الاستنابة وكان ما
يجبيه متعلقاً بأهل الذمة ، كالجزية وعشور أهل الذمة ، والراجح خلافه ، أما ولاية
الغنيمة : فلا مدخل للذمي فيها ، وكذلك الصدقة ، إلا أن الماوردي والفراء أجازا
تولي قبض نوع من أنواع الزكاة ، والراجح عدم الجواز ؛ لأنه شاهد على رب
المال ولا تجوز شهادة غير المسلم على المسلم ، أما ولاية الخراج : فلا يجوز
توليتها للذمي إلا إذا كان جباية دون تقسيم على مال محدد يؤخذ من أهل الذمة ،
ويشترط أن يتصف الذمي بالصدق والأمانة ، أما ولاية الجزية : فلا مدخل له
فيها . (327) .
أما الفصل الرابع (آخر فصول الرسالة) فعن أهـل الذمة والشورى : عرف
الباحث الشورى اصطلاحاً بقوله : (هي استعراض الآراء المطروحة من أهل الرأي
في المسألة ، واختبارها ، ثم اختيار أصوبها ، أما تولية الذمي للشورى : فقد اتفق
العلماء على اشتراط الإسلام في أهل الحل والعقد ، وليس للمتقدمين قول بجواز
تولية ذلك للذمي ، نقله الماوردي والفراء والجويني وابن جماعة وابن خلدون ، قال
الإمام الجويني : (ولا مدخل لأهل الذمة في نصب الأئمة ، فخروج هؤلاء عن
منصب الحل والعقد ليس به خفاء) ، وذكر الباحث قولاً لبعض المحدثين بجوازه
بشرط ألا ينظر في الأمور التشريعية ، وألا يشارك في انتخاب الخليفة ، وأن تكون
استشارته مقصورة على قضايا أهل الذمة والأمور الفنية البحتة ، ومال الباحث إلى
استحسان هذا ، قلت : وهذا خلاف ما عليه الكتاب والسنة والإجماع . (ص340) .
ثم ختم الباحث رسالته بذكر مبحث وضّح فيه عدل المسلمين مع أهل الذمة
مقارنة بما فعله ويفعله اليهود والنصارى قديماً وحديثاً مع الأقليات المسلمة بينهم ،
فهذا (جوستاف لوبون) يصف فظاعة الصليبيين : (وكانوا يذبحون الأولاد والشبان
والشيوخ ويقطعونهم إرباً إرباً ، وكانوا لا يستبقون إنساناً ، وكانوا يشنقون أُناساً
كثيرين بحبل واحد بغية السرعة) ويقول أيضاً : (كان قومنا يقبضون على كل شيء
يجدونه ، فيبقرون بطون الموتى ليخرجوا منها قطعاً ذهبية ، فيا للشره وحب الذهب ،
وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طريق المدينة (القدس) المغطاة بالجثث) ، ومدينة
(معرة النعمان) شاهدة على ما فعله الصليبيون عندما قتلوا مئة ألف لاجئ مسلم
صبراً في الجوامع والطرقات والسراديب .
بل ما نشهده هذه الأيام من وقوع مجازر في البوسنة والهرسك بالرغم من أنهم
أغلبية في بلادهم ، فليتأمل لأكبر دليل على هضم حقوق المسلمين في البلدان
الغربية (المتحضرة) ! ، أما موقف المسلمين من أهل الذمة : فهذه كتب الفقهاء
ومقولات عمر (رضي الله عنه) تنطق بذلك ( .. أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ،
ولكنائسهم وصلبانهم ... ) .
هذا عرض سريع لأبواب وفصول هذه الرسالة ، أردت منه إعطاء فكرة ولو
ميسرة عنها .
ومما تميزت به هذه الرسالة ما يلي :
1- إجادة الباحث لجمع مادته العلمية بخصوص الموضوع ، واستقصائه
لأقوال الأئمة ومناقشتها في مباحث الرسالة ، فجاءت أحكامه الفقهية في الغالب
متزنة وموافقة للدليل الصحيح ، وإن كان يؤخذ عليه إغفاله لأقوال بعض المتأخرين
الذين أشبعوا الموضوع مناقشة ودراسة ؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره .
2- الدراسة التي قام بها المؤلف في أوائل مباحث الرسالة عن بعض
المناصب الإسلامية (الخلافة القضاء الشورى الحسبة الإمارة) تعتبر دراسة فريدة ؛
نظراً لتقصيه في تعريف هذه الولايات وشروطها وأحكامها ، وحقّها أن تخرج في
كتاب منفصل .
وكل عمل لا يسلم من الملاحظات (أبى الله أن يتم إلا كتابه) وقد قيل (من ألّف
فقد استهدف) ... وألخص ملاحظاتي على الرسالة في النقاط التالية :
1- كان من المفترض إفراد فصل عن معاملة الإسلام للذمي ، تورد فيه
أحاديث المصطفى-صلى الله عليه وسلم- ، وفعله معهم ، وفعل الخلفاء الراشدين ،
والدول الإسلامية بعدهم (وقد أورد لمحة عن ذلك في الخاتمة لكنها في نظري لا
تكفي) .
2- أشرت في عرض الرسالة إلى أهمية وضع ضوابط للولاية العامة ، بدلاً
من إيرادها هكذا مفصلة ، فلو أن الباحث قام بوضع ضوابط لها ، وقام بدراسة هذه
الضوابط ، وجعلها أصل الرسالة لكان أفضل ، وإن أشار إلى جزء من هذه
الضوابط في مبحث الذمي ووظائف الدولة .
3- كان من المفترض أن تربط المناصب المذكورة عند الفقهاء بالمناصب
الموجودة الآن في عصرنا الحاضر ، وتعقد مقارنة بينها في الماضي والحاضر لتتم
الفائدة من الموضوع .
4- يلاحظ القارئ عدم تمحيص بعض الأحاديث صحة وضعفاً ، فما يسكت
عنه أبو داود لا يحتج به إطلاقاً ، كما أن تصحيح الحاكم لا يؤخذ به بإطلاق ،
إضافة إلى كثرة الاستدلال بفعل عمر (رضي الله عنه) (خاصة فيما ينقله عن كتاب
الخراج لأبي يوسف) ، وهذا النقل يحتمل الصحة والضعف ، فلا يحتج به هكذا
بدون تحقيق صحته .
5- يُلحظ في مواضع قليلة : الاحتجاج بأقوال بعض الطوائف المخالفة لنا في
أصولها وأصلها .
6- تعتبر الشروط العمرية مع أهل الذمة أصلاً في التعامل معهم ، ومنهجاً
لمن بعده في تحري الحقوق التي لهم والواجبات التي عليهم ، لكن الباحث لم يتطرق
لهذه الشروط ولا لأسانيدها ، وكان بودي لو عرج على هذه الأسانيد ونقحها واعتمد
عليها في كتابه هذا لمعرفة مالهم وما عليهم ، ورسالة في هذا الموضوع خليق بها
ألا تغفلها ، وأن تقف عندها وقفات طويلة ، وقد تطرق إليها ابن القيم في كتابه
(أحكام أهل الذمة) وكذلك ابن تيمية في كتابه الرائع (اقتضاء الصراط المستقيم
لمخالفة أصحاب الجحيم) .
وفي العموم : فإن هذا لا يقدح في هذه الرسالة المتميزة عرضاً ومحتوًى
وعنواناً ، وقد أجاد في طبعها ، نسأل الله (سبحانه وتعالى) أن ينفع بها المسلمين
جميعاً ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
________________________
(1) تعريف بالرسالة : -إعداد : نمر محمد الخليل النمر -إشراف : الدكتور محمد أبو فارس -قدمت
إلى كلية الشريعة في الجامعة الأردنية استكمالاً لمتطلبات الماجستير في قسم الفقه والتشريع -عدد
الصفحات : 415 صفحة ، بما فيها الفهارس -الطبعة الأولى : 1409هـ المكتبة الإسلامية .
(2) إسناده ضعيف ، انظر : إرواء الغليل ، رقم (1248) .
(3) وبخصوص لزومها لمن بعده فقد ذكر الدكتور ناصر العقل أنها غير لازمة بحذافيرها (بدليل تغيير
عمر بن عبد العزيز لبعض منها) إلا ما تلقته الأمة بالقبول وأجمعوا عليه ؛ كثبوت مبدأ المغايرة
والتميز في عامة الهدي ، وعدم إظهار شيء مما يختصون به ، وترك إكرامهم ، وإلزامهم الصغار ،
فهذا لازم لهم بالإجماع ، قلت : وهذا ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (ج
1 ، ص 320 ومابعدها) فليراجعه من أراد مزيد تفصيل .

(( مجلة البيان ـ العدد [93] صــ 28 جمادى الأولى 1416 ـ أكتوبر 1995 ))

سعد الماجد
31-Jan-2008, 08:00 PM
جزاك الله خيرا شيخ عبدالله السيباني
وبارك في همتكم العالية
وسلمت لمحبك

زين العابدين
01-Feb-2008, 01:12 AM
جزاكم الله خير