مشاهدة النسخة كاملة : رد الشيخ سليمان العلوان على الجهمي حسن السقاف
أبو عمر الدوسري
29-Oct-2006, 10:22 PM
إتحاف أهل الفضل والإنصاف
بنقض كتاب ابن الجوزي دفع شبه التشبيه وتعليقات السقاف
تأليف
سليمان بن ناصر عبد الله العلوان
قام بصفه ونشره
[أبو عمر الدوسري]
www.frqan.com
أبو عمر الدوسري
29-Oct-2006, 10:25 PM
قبل البدء .. فقد يسر الله لي أن نشرت هذه الطليعة، والتي أتبعها الشيخ بهذا الرد المفصل .. وهذا رابط الطليعة:
الكشاف عن ضلالات حسن السقـاف
المؤلف سليمان بن ناصر العلوان
http://saaid.net/book/open.php?cat=88&book=1011
أبو عمر الدوسري
29-Oct-2006, 10:31 PM
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد:
فقد سبق أن كتبت رسالة في الرد على حسن السقاف في تعليقاته على كتاب ابن الجوزي ((دفع شبه التشبيه...))، وبينت مجانبة السقاف للصواب في تعليقاته، وشدة تحامله على علماء السلف وخيار الأمة، وكنت أختصر الجواب اختصارا يفي بالمعنى ولا يخل بالمقصود، ووعدت أن أكتب ردا مفصلا عليه وعلى كتاب ابن الجوزي؛ نصرا للحق، ودحضا للباطل، خصوصا أن السقاف وابن الجوزي كثيرا ما يذكران التأويل الباطل ويعزوانه لأئمة السلف، موهمين الخلق أن هذا مذهبهم وهذا اعتقادهم؛ تشبثا بما نقل عن بعض أئمة السلف من التأويل، وهو إما نقل غير صحيح، وإما نقل محرف؛ كما سأبينه فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.
مع أن السقاف وأمثاله لا يعبؤون بأئمة السلف، ولا يأخذون بآرائهم وأقوالهم، بل ينبذونها ويطرحونها مع التهجم العنيف عليهم، وتارة يشككون في كتبهم وفي صحة نسبتها إليهم، وإذا عثروا على نقل مجرد أو محرف يوافق أهواءهم ومشاربهم، احتجوا به، وجالدوا عليه بالسيوف، ونسبوا القول وقائله إلى مذهبهم، وهذا من اتباع الهوى، وقد قال تعالى: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص: 26].
والواجب على جميع العباد عدم تتبع زلات العلماء وأخطائهم؛ لأنهم ليسوا بمعصومين؛ فالخطأ أمر لا بد أن يقع من البشر، سوى من عصمه الله، ولا عصمة إلا للأنبياء والرسل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)). رواه: الترمذي (4/ 568)، وابن ماجه (4251)، وغيرهما، عن أنس. وسنده حسن.
وقد أمرنا الله تعالى عند التنازع بالرجوع إلى الكتاب والسنة، والرد إليهما، وتحكيمهما، فقال تعالى: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء: 59].
والرد إلى الله: الرد إلى كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: الرد إلى سنته الواضحة التي تركنا عليها النبي صلى الله عليه وسلم ليلها كنهارها، ولا يزيغ عنها إلا هالك.
قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُّبِينًا[الأحزاب: 36].
فكل من عصى الله والرسول بفعل النواهي وترك الأوامر؛ فله حظ وافر من الضلال المبين.
ومن نبذ أقوال الرسول، أو وجد في نفسه حرجا منها، أولم يسلم لأقواله؛ فليس له حظ من الإيمان؛ كما أقسم الله تعالى بنفسه على ذلك، فقال: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا[النساء: 65].
أبو عمر الدوسري
29-Oct-2006, 10:33 PM
[SIZE="4"]فصل
لا يخفى أن هناك فرقا بين إنسان جعل التأويل الباطل منهجا وطريقة يناضل ويجادل عليه، وبين عالم أخطا خطأ وزل زلة؛ فالأول جعل التأويل الفاسد عقيدة يسير عليها، ونبذ الكتاب والسنة وراء ظهره، ولم يرجع إلى فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين كي يعينو على فهم النصوص، ولم يتحر الصواب في الوصول إلى الحق، إنما لجأ في تحرير المسائل إلى فهوم علماء الكلام والضلال؛ كالجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، والمريسي، والرازي، وجهمي العصر الكوثري؛ فمثل هذا يلحق بأحد الطوائف المبتدعة أو المارقة، والثاني لا يرى التأويل الباطل ولا التحريف مطلقا، ويتوخى الحق، ويستعين على فهم الكتاب والسنة بعلوم السلف وفهومهم، ولكنه زل زلة، فأول آية أو حديثا؛ لشبهة قامت عنده: إما لضعف الحديث عنده، وإما لعدم فهمه للمسألة على وجهها، وإما لغير ذلك؛ ففي هذه الحالة خطؤه مغفور له، ولكن يجتنب خطؤه ويبين، ولا يتابع عليه؛ لأنه ليس كل من أخطأ يكون كافرا أو مبتدعا؛ فقد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان.
قال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) في ترجمة ابن خزيمة (14/ 376): ((ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه وتوخيه لإتباع الحق أهدرناه وبدعناه؛ لقل من يسلم من الأئمة معنا)).
وهذا ظاهر، وكلام علماء السلف يدل على ذلك.
فمن سوّى بين الأول والثاني؛ فقد جار في حكمه، ولم يعدل في قوله؛ فكيف يسوى بين رجلين: أحدهما: تحرى الحق والصواب، واجتهد في ذلك، مع حسن قصده، ولم يصبه؛ لشبهة قامت عنده. والآخر: نظر في كلام المتكلمين واتبعه، وأخذ يجادل عن الباطل، ونبذ نصوص الكتاب والسنة وراء ظهره؛ فالمعروف عنده الرد على علماء السلف وتسفيههم والطعن فيهم، وبيّن له الحق والصواب ولم يرجع، وأنكر أمورا معلومة من الدين بالضرورة، وكثر عثاره، وطال شقاقه وعناده، وكثر تحريفه للنصوص وجداله، ويسب علماء السلف وخيار هذه الأمة، ويسمي التوحيد شركا والشرك توحيدا؟!
فمن سوى بين من كانت هذه حاله وبين الأول؛ فقد أبعد النجعة، وقفا ما لا علم له به، وخالف الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة وأئمتها.
أبو عمر الدوسري
29-Oct-2006, 10:37 PM
فصل
الأصل في الرد أن يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم؛ لأن الظلم مما يبغضه الله، وهو من صفات أهل الأهواء، الذين يلجؤون في كتبهم إلى الكذب والظلم لترويج باطلهم.
وكثيرا ما ينهج السقاف في تعليقاته على ((دفع شبه التشبيه))، وفي كثير من كتبه، منهجا وبيا من الكذب على علماء السلف وتقويلهم ما لم يقولوا، وحمل كلامهم على خلاف الحق؛ كي يلج لجة التبديع والتكفير؛ كما ستقف عليه إن شاء الله في هذا الكتاب، وهذه سجية جهمي العصر الكوثري في كثير من كتبه؛ فإنه لا يتحرى الصدق في النقل، وكثيرا ما يلجأ إلى السب والشتم والوقوع في أعراض علماء الأمة، وهذه الصفة ليست خاصة في الكوثري وتلاميذه، بل هي عامة في كثير من أهل الأهواء، الذي ينتصرون لبدعهم وضلالهم، ولا يعدلون في قولهم وفعلهم.
والعدل في القول والفعل من صفات المؤمنين، وهو مما يحبه الله ويأمر به: قال تعالى:
وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ [الأنعام: 152] وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [الآية أ النحل: 90]؛ فالمؤمن لا يكذب ولا يظلم، وإن كذب عليه؛ لأن الكذب والبهت من صفات المنافقين.
وما يلاقيه أهل السنة من كثير من أهل البدع من الظلم والكذب أمر مشهور، قد دونه أهل العلم في كتبهم؛ فإن كثيرا من أهل البدع أهل ظلم وبغي وجور، لا ينفقون ضلالهم إلا بالكذب، وليس عندهم من الحجة والبرهان سوى السب والشتم، أما أهل السنة؛ فلا يكذبون على أهل البدع، وإن كذبوا عليهم؛ لعلمهم أن الكذب مذموم عند الله وعند رسوله؛ فهم يحبون العدل، ويأمرون به، ويبغضون الظلم، وينهون عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ((المنهاج)) (5/ 127): ((والعدل مما اتفق أهل الأرض على مدحه ومحبته والثناء على أهله ومحبتهم، والظلم مما اتفقوا على بغضه وذمه وتقبيحه وذم أهله وبغضهم)).
وقال: ((العدل محمود محبوب باتفاق أهل الأرض، وهو حبوب في النفوس، مركوز حبه في القلوب، تحبه القلوب وتحمده، وهو من المعروف الذي تعرفه القلوب، والظلم من المنكر الذي تنكره القلوب فتبغضه وتذمه، والله تعالى أرسل الرسل ليقوم الناس بالقسط، قال الله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: 25])).
وقال رحمه الله (ص 157): ((وليس في أهل الأهواء أصدق ولا أعبد من الخوارج، ومع هذا؛ فأهل السنة يستعملون معهم العدل والإنصاف، ولا يظلمونهم؛ فإن الظلم حرام مطلقا كما تقدم، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض، وهذا مما يعترفون هم به، ويقولون: أنتم تنصفوننا ما لا ينصف بعضنا بعضا. وهذا لأن الأصل الذي اشتركوا فيه أصل فاسد مبني على جهل وظلم، وهم مشتركون في ظلم سائر المسلمين، فصاروا بمنزلة قطاع الطريق المشتركين في ظلم الناس، ولا ريب أن المسلم العالم العادل أعدل عليهم وعلى بعضهم من بعض، والخوارج تكفر أهل الجماعة، وكذلك أكثر المعتزلة يكفرون من خالفهم، وكذلك أكثر الرافضة، ومن لم يكفر؛ فسق، وكذلك أكثر أهل الأهواء يبتدعون رأيا ويكفرون من خالفهم فيه، وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم، الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يكفرون من خالفهم فيه، بل هم أعلم بالحق وأرحم بالخلق؛ كما وصف الله به المسلمين بقوله: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: 110]، قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس...)).
أبو عمر الدوسري
29-Oct-2006, 10:40 PM
فصل
بعض من ينتسب إلى السلف يخطئ عليهم ويهم في قوله وفعله، ومن ثم يكون مدخلا لأهل البدع في الطعن في منهج السلف وعقيدتهم يهم بالتشبيه أو التجسيم أو التأويل أو غير ذلك:
فبعض المنتسبين إلى السلف يفوض بعض الصفات وينسب ذلك إلى السلف...
وبعضهم يحرف بعض الصفات ويعزو ذلك إلى بعض أئمة السلف...
وبعضهم يوافق الجهمية والأشاعرة في بعض أصولهم لظنه صحة هذه الأصول( )...
وبعضهم يغلو في الإثبات ظنا منه أن هذا هو الطريق المستقيم...
وبعضهم يصف الله تعالى معتمدا على حديث ضعيف أو موضوع؛
لعدم علمه بالحديث، فيقع في ورطات ومشكلات.
وأقوال هؤلاء القوم محسوبة- عند من لا يعرف مذهب السلف- من أقوال أهل السنة؛ لا نتساب أصحابها إلى الحديث وأهله، ولكن لما لم يكن لهم من العلم والمعرفة بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة؛ أساؤوا إلى السلف؟ لعزوهم ما يأتون به من الباطل إلى السلف، مع حسن قصد الكثير منهم.
وبعضهم يزعم أن الذي يقوله في ذلك هو مذهب أحمد وقوله، وهذا خطأ على أحمد وعلي غيره من علماء السلف.
وبسبب هذه الأخطاء التي تنسب إلى السنة وإلى علمائها- مع براءة السنة وأهلها منها- طعن بعض أهل الباطل في مذهب السلف، وسماه مذهب التجسيم أو التشبيه!!
وهذا من الجور والظلم؛ فخطأ من أخطا ممن ينتسب إلى السنة لا ينسب إلى جميع علماء السلف، ولا تنسب الأقوال الباطلة إلى مذهبهم؛ كما أن المسلم إذا فعل منكرا؛ لا يقدح ذلك في دين المسلمين، ولا ينسب المنكر إلى دينهم( ).
ولذلك كله؛ الواجب أن لا يتكلم المرء إلا بعلم؛ لئلا يكون عارا على مذهبه، ويتخذ مذهبه بسبط غرضا لأهل الأهواء.
وابن الجوزي- عفا الله عنه- في كتابه ((دفع شبه التشبيه)) رد على أبي عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبي يعلي وابن الزاغوني، وقال (ص 99): ((صنفوا كتبا شانوا بها المذهب...))، وطعن عليهم ابن الجوزي في أشياء كثيرة؛ بحق وبغير حق، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكرها وبيانها، وتعلق ببعض الأخطاء التي وقعت من القاضي وغيره ممن ينتسب إلى مذهب السلف ويعظم علماء السلف، حتى قال ابن الجوزي (ص 101) ((وكلامهم صريح في التشبيه)).
والقاضي أبو يعلي وغيره ممن !د تعظيم السلف عندهم بعض الأخطاء؟ كالتفويض، والغلو في الإثبات، ونحو ذلك( )، ومم مع ذلك أحسن حالا من ابن الجوزي، ولكن عندهم بعض الأخطاء التي يزعمون أنها أقوال أحمد وغيره من علماء السلف، وقد تعلق بها بعض أهل الباطل؛ للطعن في مذهب السلف الصالح، ورمي أهله بالتجسيم!!
ووقوع القاضي أو غيره ممن يعظم مذهب السلف في التفويض أو الغلو في الإثبات لا يسوغ لأي إنسان أن يطعن في مذهب السلف، أو ينسب أخطاءهم إلى السلف، بل عليه أن يبين خطأهم بعلم وعدل؛ دون ظلم وجهل.
ولما لم يكن لابن الجوزي- عفا الله عنه- معرفة بحقيقة مذهب السلف عموما، وما عليه الإمام أحمد رحمه الله خصوصا؛ ظن أن كل ما قاله أبو يعلى وابن الزاغوني تشبيه، فنفى- عفا الله عنه- كثيرا مما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم بدعوى تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين؛ لأن وصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم في تشبيه عند ابن الجوزي؛ فنفي الصفات من قبل ابن الجوزي وغلوه في نفي التشبيه أوقعه في مذهب النفاة، من الجهمية وغيرهم، وقد تكلف الصعاب لصرف الآيات والأحاديث عن ظواهرها، وأتى بتأويلات مستكرهة، ووقع في أمور عظام؛ كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى ( ).
والحاصل أنه يجب على المرء أن لا ينسب إلى السلف إلا ما تيقن صحته وعلم مخرجه؛ لئلا يقولهم ما لم يقولوا، فيسيء إليهم بخطئه.
وبعض الناس عنده تعظيم للحديث وأهله، ويظهر الانتساب إلى مذهب السلف، وله قصد حسن، ولكنه يوافق أهل البدع في بعض أصولهم، ويشاركهم في بعض آرائهم الباطلة؛ لجهله بمذهبهم؛ فيتعلق أهل الباطل بأخطائه، ويجعلون من الصغير الكبير، ومن القليل الكثير، وهذا من اتباع الهوى والجور في الحكم؛ فلا ينسب خطؤه إلى السلف، ولا يقدح خطؤه في مذهب أهل السنة؛ فإن الحق عليه نور كنور الشمس، والباطل عليه ظلمة كظلمة الليل، والواجب على المسلم أن يجعل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حكما على قول كل إنسان؛ فيزن أقوال الناس بالكتاب والسنة؛ فما وافقهما؛ قبله، وإلا؛ ردة، ولا يتعلق بهفواتهم وزلاتهم، ولا يحمله خطأ من غلا في الإثبات على التعطيل؛ فإن ذلك من وحي الشياطين، بل يرد غلو من غلا في الإثبات، ويثبت الحق؛ فلا ينفي عن الله ما وصف به نفسه، ولا يشبه أو يمثل؛ لأن الله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].
أبو عمر الدوسري
29-Oct-2006, 10:41 PM
فصل
وأشرع الآن مستعينا بالله تعالى بما وعدت به من بيان أخطاء ابن الجوزي في كتابه ((دفع شبه التشبيه))، وبيان ضلال المعلق عليه حسن السقاف.
وقد قدم السقاف للكتاب ب (84) وجها:
ذكر في هذه المقدمة أولا: ترجمة لابن الجوزي.
وذكر في الباب الثاني: إثبات التأويل عن السلف.
وذكر في الباب الثالث: أن خبر الواحد يفيد الظن ولا يفيد العلم.
وذكر في الباب الرابع: الحديث الصحيح وما يتعلق به.
وذكر في الباب الخامس: إبطال استدلالات المشبهة على العلو الحسي (ويعني السقاف بالمشبهة: السلف).
وهذا جميع ما ذكره السقاف في مقدمته للكتاب في الجملة، وأعاد كثيرا مما ذكره في المقدمة في أثناء التعليقات على الكتاب، وسوف أتعرض إن شاء الله لما ذكره في المقدمة أثناء ردي عليه في تعليقاته على الكتاب، وقد أذكر كلامه مع كلام ابن الجوزي، ويكون الرد عليهما جميعا.
والله أسأل أن يرزقني الإخلاص في القول والعمل.
*قال ابن الجوزي (ص 100):
(وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات تسمية مبتدعة، لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى، ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث...)).
* أقول: الكلام معه من وجوه:
الوجه الأول: قوله: أوقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات)):
أقول: إن كان يعني ب (الظاهر): ما تدل عليه الأسماء والصفات من المعاني؛ فنعم؛ الأخذ بالظاهر أمر متعين واجب؛ فاسم الله السميع يدل على إثبات السمع لله تعالى، والعليم يدل على إثبات العلم لله تعالى، والرحيم يدل على إثبات الرحمة لله تعالى؛ إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل؛ لأن الله جل ذكره لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؛ لا في ذاته، ولا في أفعاله، ولا في صفاته، وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11].
وإن كان يقصد أنهم أخذوا بالظاهر، فجعلوها مماثلة لصفات المخلوقين؛ لأن بعض أهل البدع يعتقد في صفات الله تعالى أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين؛ فمن ثم ينفون عن الله ما وصف به نفسه؛ فهذا خطأ من وجهين:
الأول: أن السلف لم يجعلوا صفات الله، تعالى مماثلة لصفات المخلوقين، ومن نسب إليهم ذلك؛ فقد أخطأ عليهم.
الوجه الثاني: أن زعم من زعم أن ظاهر الصفات التمثيل أو التشبيه بصفات المخلوقين قول بلا علم، ولا ريب أن من اعتقد أن ظاهر الصفات التمثيل أو الشبيه بصفات المخلوقين قد أخطأ وضل وخالف الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها؛ لأن الله جل وعلا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى: 11]؛ فنفى الله جل وعلا عن نفسه مماثلة المخلوقين، وبعد النفي أثبت لنفسه السمع والبصر.
ولكن ليعلم أنه لم يقل أحد من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان ولا من الأئمة الأربعة ولا من غيرهم من أئمة الهدى: إن ظاهر الصفات التمثيل، بل كلهم متفقون على، إمرار الصفات كما جاءت، مع فهم معانيها، وإثبات حقائقها، مع نفي مماثلتها لصفات المخلوقين.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ((التدمرية)) المطبوعة ضمن ((الفتاوى)) (3/ 43): ((القاعدة الثالثة: إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد أو ظاهرها ليس بمراد. فإنه يقال: لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك: فإن كان القائل يعتقد أدى ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم؛ فلا ريب أن هذا غير مراد، ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرا وباطلا، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال.
والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين: تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجا إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك. وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ؛ لاعتقادهم أنه باطل...)).
إلى أن قال رحمه الله: أو إن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع؛ فإن الله لما أخبر أنه بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد؛ كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون عليه كعلمنا وقدرته كقدرتنا، وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة عالم حقيقة قادر حقيقة؛ لها يكن فرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير؛ فكذلك إذا قالوا في قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ[المائدة: 54]، رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ [البينة: 8]، وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ[الأعراف: 54] وغيرها،: إنه على ظاهره؛ لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق، ولا حبا كحبه، ولا رضي كرضاه.
فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين؛ لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مرادا، وإن كان يعتقد أن ظاهرها ما يليق بالخالق ويختص به؛ لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مرادا؛ إلا بدليل يدل على النفي، وليس في العقل ولا السمع ما ينفي هذا؛ إلا من جنس ما ينفى به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحدا.
وبيان هذا أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام وهي أبعاض لنا كالوجه واليد، ومنها ما هو معان وأعراض وهي قائمة بنا كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة.
ثم إن من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير؛ لم يقل المسلمون: إن ظاهر هذا غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا. فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه؛ لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا، بل صفة الموصوف تناسبه، فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين؛ فصفاته كذاته ليست كصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه؛ كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ((ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر؛ فشبه الرؤية بالرؤية، ولم يشبه المرئي بالمرئي)).
الوجه الثاني: أن قول ابن الجوزي: ((فسقوها بالصفات تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل...)): قول بلا علم، وهو أصل التعطيل.
وقد دل العلم على تسمية ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم: صفات، والعقل الصحيح لا يخالف السمع الصحيح؛ فإذا صح السمع بتسمية ما وصف الله به نفسه صفات؛ فالعقل يوافقه ولا يخالفه؛ إلا إن كان العقل فاسدا؛ فلا عبرة به.
وأهل العلم والدين يثبتون لله تعالى جميع الصفات التي صحت بها النصوص، لا يعدون ذلك؛ فهم لا يصفون الله تعالى إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ لا يحرفون، ولا يكيفون، ولا يمثلون، وهذا حقيقة الانقياد لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
وتحريف صفات الله تعالى ونفي معانيها وما دلت عليه إلحاد عظيم، وهو من أعظم الكذب على الله تعالى، وقد قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[الصف: 7]، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ[النحل: 116].
وأي افتراء أعظم من نفي الأسماء الحسنى والصفات العلى عن الله تعالى ووصفه بصفات العدم؟!
وقد عاب إبراهيم الخليل أباه لكونه يعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئا؛ كما قال تعالى عن إبراهيم: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا [مريم: 42]؛ فدل ذلك على أن الله يسمع ويبصر، وإلا؛ لقال أبو إبراهيم: وربك كذلك!
ولكن أهل التعطيل لا يفهمون من صفات الخالق إلا ما يفهمون من صفات المخلوق؛ فأدى ذلك بهم إلى نفي الصفات عن الله تعالى؛ مدعين نفي مماثلة صفات الخالق للمخلوق.
وأهل السنة لم يقولوا: إن صفات المخلوق تماثل صفات الخالق! وحاشاهم من ذلك، ولكن أهل البدع يلبسون على الخلق، ويدعون أن من اثبت الصفات وأثبت معانيها؛ فقد شبه المخلوق بالخالق، وهذا من جهلهم بالله تعالى.
وأهل العلم والدين يقولون: إن وصف الله تعالى بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ليس فيه تمثيل للمخلوق بالخالق، ومن زعم ذلك؛ فقد ألحد في أسماء الله وآياته، وحرف الكلم عن مواضعه، وسلك مسلك النفاة الجهمية؛ فكون الله تعالى موصوفا بالرحمة والسمع والبصر واليدين وغير ذلك من صفاته، والمخلوق موصوفا بالرحمة والسمع والبصر واليدين؛ لا يلزم منه مماثلة أو مشابهة، فليست رحمة الخالق كرحمة المخلوق، ولا سمعه كسمعه... وكذلك يقال في سائر الصفات.
وهذا أمر معلوم عند أئمة السلف، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون، ولم ينازع في ذلك إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته واتبع هواه.
وأهل البدع الذين ينفون عن الله تعالى ما وصف به نفسه قد وقعوا في التعطيل أولا؛ لكونهم سلبوا عن الله تعالى ما سمي ووصف به نفسه، وفي التشبيه ثانيا؛ لأن من لم يصف الله تعالى بصفاته؛ فقد شبهه بالجمادات والناقصات، تعالى الله عن قول الجهمية ومن سلك مسلكهم علوا كبيرا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في ((التدمرية)) المطبوعة ضمن ((الفتاوى)) (3/ 48): ((إن كثيرا من الناس يتوهم في بعض الصفات أو كثير منها أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه؛ فيقع في أربعة أنواع من المحاذير:
أحدها: كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.
الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومهاً وعطله؛ بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السيء الذي ظنه بالله ورسوله؛ حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل؛ قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى.
الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله عز وجل بغير علم، فيكون معطلا لما يستحقه الرب.
الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات أو صفات المعدومات، فيكون قد عطل به صفات الكمال التي يستحقها الرب، ومثله بالمنقوصات والمعدومات، وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في كلام الله وفي الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحدا في أسماء الله وآياته...).
وابن الجوزي في هذا الموضع قد عطل الله تعالى عن صفات الكمال، وادعى أن تسميتها مبتدعة، بينما في كتابه ((تلبيس إبليس)) (ص 101) قال عن آيات وأحاديث الصفات: ((إنما الصواب قراءة الآيات والأحاديث من غير تفسير ولا كلام فيها...))، وهذا تفويض من ابن الجوزي.
وقال (ص 102) في الطريق السليم من ((تلبيس إبليس)): ((إنه ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعوهم بإحسان من إثبات الخالق سبحانه وإثبات صفاته على ما وردت به الآيات والأخبار من غير تفسير...)).
فقوله: ((من إثبات الخالق سبحانه وإثبات صفاته على ما وردت به الآيات والأخبار من غير تفسيرا: يتنافى مع ما قرره في كتابه ((دفع شبه التشبيه))، وهذا مما يؤكد اضطرابه في العقيدة؛ فتارة يثبت، وتارة ينفي، وتارة يفوض.
ومن ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى (4/ 169): ((إن أبا الفرج نفسه متناقض في هذا الباب، لم يثبت على قدم النفي ولا على قدم الإثبات، بل له من الكلام في الإثبات نظما ونثرا ما أثبت به كثيرا من الصفات التي أنكرها في هذا المصنف؛ فهو في هذا الباب مثل كثير من الخائضين في هذا الباب من أنواع الناس؛ يثبتون تارة، وينفون أخرى في مواضع كثيرة من الصفات؛ كما هو حال أبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي)).
الوجه الثالث: أن قول ابن الجوزي: ((ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى، ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث)): من أعظم الجهل وأقبحه، وهذا القول من ابن الجوزي مبني على أن ظاهر النصوص التمثيل بصفات المحدثين، وهذا الفهم الفاسد جعله يدأب لنفي ما فهمه، فوقع في التعطيل ثم التشبيه، وسببه هذا الفهم العاطل، وقد تقدم رد هذا الفهم وإبطاله؛ فإن الله جل وعلا متصف بصفات الكمال، وصفاته لائقة به.
وأهل الباطل مضطربون في هذا الباب أشد الاضطراب؛ فإن منهم من ينفي جميع ما وصف الله به نفسه، ومنهم من يثبت بعض الصفات وينفي بعضها؛ فيقولون: لله حياة ليست كحياتنا، وينفون عن الله اليدين والقدم ونحو ذلك!! وهذا تناقض؛ فمن أثبت لله الحياة؛ لزمه إثبات سائر الصفات، والذين أثبتوا لله تعالى القدم واليدين والسمع والبصر ونحو ذلك متفقون ومجمعون على أن يد الله ليست كأيدينا، وقدمه ليست كأقدامنا.
ثم إنه يقال لمن زعم أن وصف الله تعالى بالقدم واليدين والسمع والبصر يلزم منه التشبيه؛ يقال: يلزم مثل ذلك أيضا فيمن أثبت الحياة والقدرة؛ فإذا لزم التشبيه في وصف الله بالقدم واليدين والصورة؛ لزم التشبيه في وصف الله بالحياة والعلم والقدرة والإرادة، إذا؛ لا فرق بين ذلك، ولكن أهل الباع لا يفقهون، وأصولهم يناقض بعضها بعضا؛ لأنها مبنية على الجهل والضلال ومخالفة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأثمنها.
ثم إن قول ابن الجوزي: ((ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر...)): يقال عنه: إن لفظة (الظاهر) صارت لفظة مشتركة؛ فإن الظاهر عند أهل العلم والدين الذين اتبعوا كتاب ربهم وسنة نبيهم ولم يركنوا إلى أهل الكلام وعلومهم يخالف الظاهر الذي يطلقه من تأثر بآراء المتكلمين واتبع غير سبيل المؤمنين، ولم يقل أحد من أهل العلم والدين: إن ظاهر استواء الله على عرشه ورحمته ومحبته ونحو ذلك مثل استواء المخلوق ورحمته ومحبته، ومن قال ذلك؛ فقد شبه الخالق بالمخلوق، وهذا كفر صريح، ولكن لا يكفر المعين حتى تقوم الحجة عليه.
والله جل وعلا ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في أفعاله، ولا في صفاته، وهذا أمر يجب القطع به، وطرح ما سواه من الترهات والأباطيل والأوهام المشككة في عقائد المسلمين.
والمسلمون متفقون مجمعون على أن الظاهر من قوله تعالى:
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[الأعراف:54،وغيرها]: أن الله جل وعلا عال على خلقه، مستو على عرشه، وهذا مراد يزيد بن هارون رحمه الله؛ إذ يقول: ((من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة؛ فهو جهمي)) ( ).
أبو عمر الدوسري
29-Oct-2006, 10:44 PM
*قال ابن الجوزي (ص 100) أيضا:
((ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات؛ قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة؛ مثل: يد على نعمة، وقدرة ومجيء وإتيان على معنى بر ولطف، وساق على شدة، بل قالوا: نحملها على ظواهرها المتعارفة، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين...)).
* أقول:
لم يقل أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة الهدى والدين: إن ظواهر الصفات هو المعهود من نعوت الآدميين، بل إنهم أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، وقالوا: من شبه الله بخلقه؛ فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه؛ فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه أو ما وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم تشبيها.
وحمل صفات الله تعالى على الظاهر ليس تشبيها كما يظنه من تأثر بآراء المتكلمين؛ فإن الله جل وعلا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى: 11]؛ فنفى الله جل وعلا عن نفسه مماثلة المخلوقات، وأثبت لنفسه الصفات، وليس بعد هذا البيان بيان لمن عقل أمر الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في ((الفتاوى)) (33/ 175): ((... الظاهر من فطر المسلمين قبل الأهواء وتشتت الآراء، وهو الظاهر الذي يليق بجلاله سبحانه وتعالى؛ كما أن هذا هو الظاهر في سائر ما يطلق عليه سبحانه من أسمائه وصفاته؛ كالحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، والمحبة، والغضب، والرضى؛ كقوله: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ[ص: 75]، و((ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة))... إلى غير ذلك؛ فإن ظاهر هذه الألفاظ إذا أطلقت علينا أن تكون أعراضا أو أجساما؛ لأن ذواتنا كذلك، وليس ظاهرها إذا أطلقت على الله سبحانه وتعالى إلا ما يليق بجلاله ويناسب نفسه الكريمة؛ فكما أن لفظ (ذات) و (وجود) و (حقيقة) تطلق على الله وعلى عباده، وهو على ظاهره في الإطلاقين، مع القطع بأنه ليس ظاهره في حق الله مساويا لظاهره في حقنا ولا مشاركا له فيما يوجب نقصا أو حدوثا، سواء جعلت هذه الألفاظ متواطئة أو مشتركة أو مشككة...)).
وقول ابن الجوزي: ((قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة؛ مثل: يد على نعمة): يقال: قد أصابوا في ذلك؛ فإن حمل اليد على النعمة لا يصح البتة، بل هو من أعظم الإلحاد والتحريف.
فهل يصح أن يقال في قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]؛ أي: نعمتي؟! فهذا من أعظم الباطل وأقبح التحريف؛ فإن نعم الله تعالى لا تعد ولا تحصى؛ كما قال تعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم: 34].
ومن فسر قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ؛ بمعنى القدرة؛ فتحريفه أعظم من سابقه؛ فإن الله جل وعلا خلق جميع الخلق بقدرته؛ فلا يكون لآدم مزية على غيره، وهذا واضح جلي لمن لم تجتله الشياطين عن فطرته.
وسيأتي إن شاء الله زيادة بيان وإيضاح لهذه المسألة، وإثبات اليدين لله تعالى حقيقة؛ فلا يصح حملها على القوة ولا على النعمة، وصرف الكلام عن ظاهره بدون دليل تحكم.
والأدلة على إثبات اليدين لله تعالى- وكلتا يدي ربي يمين- كثيرة جدا من الكتاب والسنة:
قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ... [الزمر: 67].
ولئن حرف أهل البدع الآية المتقدمة من إثبات اليدين لله تعالى، وحملوها على معنى القدرة أو النعمة مع بطلانه لغة وشرعا؛ فهل يصح حمل هذه الآية على النعمة أو القدرة؟! هذا ما لا سبيل لهم إليه؛ فلا يصح أن يقال: وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ؛ أي: بقدرته أو نعمته؛ فإن القدرة لا يمين لها، كذلك النعمة!!
يوضح ذلك ويبينه ما رواه مسلم في ((صحيحه)) (1827) عن عبد الله بن عمرو؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن جل وعلا، وكلتا يديه يمين...))؛ فلا يصح أن يقال: وكلتا قدرتيه يمين، أو نعمتيه!!
فإذا بطل هذا القول؛ وجب الانقياد والإذعان لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فلا يصف الله أحد من البشر أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وصف ربه كما وصف الله به نفسه؛ بأن له يدين، وهاتان اليدان حقيقيتان؛ فيجب إثباتهما لله تعالى؛ إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل؛ فالله جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11].
ثم إن ابن الجوزي أراد أيضا حمل مجيء وإتيان الرب جل وعلا على معنى (بر) و(لطف)، وهذا خلاف مذهب السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ فإن السلف يثبتون لله تعالى الإتيان والمجيء على ما يليق بالله جل وعلا؛ قال تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22]، ومن قال في هذه الآية: جاء بره ولطفه؛ فقد ألحد في آيات الله تعالى، وحرف الكلم عن مواضعه؛ كتحريف اليهود.
وقول السقاف معلقا على قول ابن الجوزي المتقدم في تأويل المجيء والإتيان؛ قال: ((وقد ثبت كما قدمنا أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أول قول الله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ بمعنى: جاء ثوابه؛ كما هو ثابت عنه بالإسناد الصحيح في (البداية والنهاية)): تعلق بما هو أوهى من ببت العنكبوت.
ومذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم لا يتأولون مجيء الرب بمجيء ثوابه؛ كما أنهم لا يتأولون الرحمة بإرادة الإنعام، ولا المحبة بالرضى أو علامة القبول، ولا الساق بالشاة، وما نقل عن أحمد رحمه الله فيما يخالف ذلك؛ كالذي نقله البيهقي وابن كثير، واحتج به الجهمي السقاف؛ يجاب عنه من وجوه:
الوجه الأول: قيل: إن ذلك من رواية حنبل عنه، وحنبل ينقل عن أحمد رحمه الله ما لا ينقل غيره، بل ينقلون خلافه.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في ((مختصر الصواعق)) (ص: 395): ((إن حنبلا تفرد بها عنه، وهو كثير المفاريد المخالفة للمشهور من مذهبه، و إذا تفرد بما خالف المشهور عنه؛ فالخلال وصاحبه عبد العزيز لا يثبتون ذلك رواية، وأبو عبد الله بن حامد وغيره يثبتون ذلك رواية، والتحقيق أنها رواية شاذة مخالفة لجادة مذهبه، هذا إذا كان ذلك من مسائل الفروع؟ فكيف في هذه المسألة؟!))
الوجه الثاني: قيل: إن الإمام أحمد رحمه الله قال ذلك على وجه الإلزام لخصومه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله في "الاستقامة" (1/ 75): ((إنما قال ذلك إلزاما للمنازعين له؛ فإنهم يتأولون مجيء الرب بمجيء أمره، قال: فكذلك قولوا: يجيء كلامه مجيء ثوابه! وهذا قريب)).
قال ابن القيم رحمه الله: (فأحمد ذكر ذلك على وجه المعارضة والإلزام لخصومه بما يعتقدونه في نظير ما احتجوا به عليه، لا أنه يعتقد ذلك، والمعارضة لا تستلزم اعتقاد المعارض صحة ما عارض به)( ).
الوجه الثالث: أن يقال: إن ذلك وقع من أحمد ثم رجع عنه؛ لأن أكثر النقول عن أحمد رحمه الله مصرحة بعدم التأويل في جميع الصفات، بل كان ينكر على من يتأول شيئا من آيات أو أحاديث الصفات، ويزجر من يفعل ذلك، وربما هجره وهجر مجلسه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله كما في ((الفتاوى)) (5/ 401): ((ولا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد يناقض هذه الرواية، ويبين أنه لا يقول: إن الرب يجيء ويأتي وينزل أمره، بل هو ينكر على من يقول ذلك)).
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله على رواية حنبل- كما في ((مختصر الصواعق)) (ص 391)-: ((وهذه رواية: إما شاذة، أو أنه رجع عنها؛ كما هو صريح عنه في أكثر الروايات، وإما أنها إلزام منه ومعارضة لا مذهب، وهذا الاختلاف وقع نظيره في مذهب مالك؛ فإن المشهور عنه وعن أئمة السلف إقرار نصوص الصفات والمنع من تأويلها، وقد روي عنه أنه تأول قوله: (ينزل ربنا)؛ بمعنى: نزول أمره، وهذه الرواية لها إسنادان:
أحدهما: من طريق حبيب كاتبه، وحبيب هذا غير حبيب، بل هو كذاب وضاع باتفاق أهل الجرح والتعديل، ولم يعتمد أحد من العلماء على نقله.
والإسناد الثاني: فيه مجهول لا يعرف حاله.
فمن أصحابه من أثبت هذه الرواية، ومهم من لم يثبتها؛ لأن المشاهير من أصحابه لم ينقلوا عنه شيئا من ذلك)).
أفول: وهذا هو الحق؛ فإنه لا يشك من له معرفة بصناعة الحديث ومذهب مالك أن النقل عن مالك في تأويل النزول لا يصح، بل هو كذب مفترى , وأهل الباطل يتعلقون بمثل هذه الأباطيل، ويدعون النصوص الصحيحة الصريحة التي توجب العلم على إثبات
إمرارها كما جائت مع فهم معناها وإثبات حقائقها.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في ((الفتاوى)) (5/401))
على الحكاية المنقولة عن مالك في تأويل النزول؛ قال رحمه الله:
((وكذلك ذكرت هذه رواية عن مالك رويت من طريق كاتبه حبيب بن أبي حبيب، لكن هذا كذاب باتفاق أهل العلم بالنقل، لا يقبل أحد منهم
نقله عن مالك، ورويت من طريق أخرى ذكرها ابن عبد البر، وفي إسنادها من لا نعرفه...)).
والحاصل أن التأويل لا يصح عن الإمام أحمد ولا عن مالك، وليس
هو مذهباً للسلف، ولا يتعلق بما ينقل عن الأئمة- وهو إما خطأ عليهم، أو كذب، أو غير ذلك مما يشبهه-؛ إلا من في قلبه زيغ ومرض.
وقد أجاد العلامة المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى؛ حيث يقول- كما في ((مختصر الصواعق)) (ص 391)-:
((فصل: وها هنا قاعدة يجب ا لتنبيه عليها، وهي أنه إذا ثبت عن مالك وأحمد وغيرهما تأويل شيء في موارد النزاع لم يكن فيه أكثر من أنه وقع بينهم نزاع في معنى الآية أو الحديث، وهو نظير اختلافهم في تفسير آيات أو أحاديث؛ مثل تنازع ابن عباس وعائشة في قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى[النجم: 13]؛ فقال ابن عباس: رأى ربه. وقالت عائشة: بل رأى جبرائيل. وكتنازع ابن مسعود وابن عباس في قوله تعالى:
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ [الدخان: 10]؛ فقال ابن مسعود: هو ما أصاب قريشاً من الجوع، حتى كان أحدهم يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان. وقال ابن عباس: هو دخان يجيء قبل يوم القيامة. وهذا هو الصحيح... ونظائر ذلك؛ فالحجة هي التي تفصل بين الناس)).
أقول: وعلى ذلك دل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة؛ فمن جاء بالحجة؛ قبل قوله، ومن لم يأت بها؛ رد قوله، وإن كان عالماً جليلاً؛ فالحجة في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: 159]، والرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الرد إلى سنته والتحاكم إليها.
فإذا رددنا الاختلاف في آيات وأحاديث الصفات؛ وجدنا الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على ترك التأويل الباطل، ووجوب إثبات الصفات لله تعالى.
ومن ذلك المجيء والإتيان والنزول ونحو ذلك؛ فإن الله جل وعلا
أثبت مجيئه وإتيانه، وقد تقدم قوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ [ الفجر: 22].
وأما الإتيان؛ فقد قال تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ [البقرة: 210]،وقال تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [النعام: 158]؛ ففرق الله جل وعلا بين
إتيان الملائكة وإتيانه بنفسه، وهذا ظاهر، وقد قال مجاهد على قوله تعالى: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ؛ قال: ((يوم القيامة لفصل القضاء))( ).
وقد حرف هذه الآية وما في معناها من إثبات الإتيان لله جل وعلا الجهمي المعطل الكوثري في تعليقه على كتاب ((الأسماء والصفات)) للبيهقي، وقال: ((قال الزمخشري ما معناه: يأتي الله بعذاب في الغمام الذي ينتظر منه الرحمة، فيكون مجيء العذاب من حيث تنتظر الرحمة أفظع وأهول. وقال إمام الحرمين: فِي بمعنى الباء. كما سبق. وقال الفخر الرازي: أن يأتيهم أمر الله...)).
وهذا كله تحريف للكلم عن مواضعه، وصرف للآيات عن معناها بتأويلات مستكرهة موروثة عن الجعد بن درهم.
وما تقدم فيه كفاية في الرد على من تأول الإتيان بالتأويلات الباطلة.
وأما قول الكوثري. ((قال الزمخشري))؛ فأقول: وإن كان الكوثري شراً من الزمخشري؛ إلا أن الزمخشري معتزلي متلاعب بكتاب الله جل وعلا، محرف للكلم عن مواضعه.
وقد قال العلامة حمد بن عتيق رحمه الله كما في ((الدرر السنية)) (10/ 15): ((ومن أبلغ الناس بحثاً في المعاني الزمخشري، وله في ((تفسيره)) مواضع حسنة، ولكنه معروف بالاعتزال، ونفي الصفات، والتكلف في التأويلات الفاسدة، والحكم على الله بالشريعة الباطلة، مع ما هو عليه من مسبة السلف، وذمهم، والتنقص بهم، وفي تفسيره عقارب لا يعرفها إلا الخواص من أهل السنة، وقد قال فيه بعض العلماء:
ولكنه فيه مقال لقائل
وزلات سوء قد أخذن المخانقا
ويسهب في المعنى القليل إشارة
بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا
يقول فيها الله ما ليس قائلاً
وكان ممجًا في الخطابة وامقاً
ويشتم أعلام الأئمة ضلة
ولا سيما إن أولجوه المضائقا
لئن لم تداركه من الله رحمة
لسوف يرى للكافرين مرافقا
وأما نقل الكوثري عن الرازي؛ فسيأتي إن شاء الله تعالى ترجمة لبيان حال الرازي، وبيان ما هو عليه من الاعتقاد، وكلام العلماء فيه؛ حتى لا يغتربه من لا يعرف حاله.
أبو عمر الدوسري
29-Oct-2006, 10:47 PM
* قال ابن الجوزي (ص 101):
((فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه (يعني: مذهب أحمد) ما ليس منه! ثم قلتم في الأحاديث: تحمل على ظاهرها، وظاهر القدم الجارحة...)).
* أقول:
اتفق السلف على مراعاة الألفاظ في باب الأسماء والصفات؛ فلا يثبت لله تعالى إلا ما جاءت به النصوص، ولا ينفى إلا ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقول ابن الجوزي: ((وظاهر القدم الجارحة)): ابتداع في الدين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أثبت القدم لله تعالى، كما في ((الصحيحين)) وغيرهما عن ا أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: ((يلقى في النار، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه، فتقول: قط قط))؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أثبت لربه صفة القدم، ولم يتكلم في الجارحة، وكذلك أصحابه من بعده لم يتكلموا في الجارحة لا نفياً ولا إثباتاً.
وأهل الأهواء يتكلمون بمثل هذه الألفاظ، ويوقعون الناس في لبس وجهل وضلال؛ لأن هذه الألفاظ ألفاظ مجملة؛ تحتمل حقاً وتحتمل باطلاً، وأهل البدع لا يريدون بها إلا باطلاً وتكذيباً للحق وتصديقاً للباطل.
والأصل الذي قرره غير واحد من أهل العلم، خصوصاً شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن مثل هذه الألفاظ (أعني: الجسم، والحيز، والعرض، ومثل ذلك الجارحة) لا تثبت ولا تنفى حتى يعرف مراد المتكلم بها.
وأهل الأهواء والبدع كالجهمية والأشاعرة والإباضية وغيرهم من أهل الإلحاد لا يفهمون من صفات الخالق إلا ما يفهمون من صفات المخلوق؛ فهم يتوهمون أنهم إذا أثبتوا لله تعالى قدماً والمخلوق له قدم؛ فقد شبهوا الخالق بالمخلوق -تعالى الله عن قولهم-، ومن ثم؛ جرهم هذا الفهم الفاسد إلى نفي صفات الله تعالى أو بعضها.
وبعض أهل الجهل يقول: ظاهر الاستواء المماسة، وظاهر القدم واليدين الجارحة... ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة؛ فهم يحدثون في الدين ما ليس منه، وينفون بهذه الألفاظ المحدثة المبتدعة ما دل عليه الكتاب والسنة من الصفات، وهذا من أعظم الجهل والضلال.
والواجب على جميع المسلمين أن لا يتكلموا إلا بما في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وترك الألفاظ المحدثة التي تورث الشبه والشكوك، فلو كان فيها خير للأمة؛ لتكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولنشرها أصحابه من بعده؛ فإنهم أحرص الناس على الخير، فلما لم يتكلموا فيها لا نفياً ولا إثباتاً؛ علم أن الكلام فيها بدعة وضلالة وإحداث في الدين ما ليس منه.
والحاصل أن صفة القدم جاءت بها النصوص الصحيحة؛ فلا ترد بألفاظ مجملة مبتدعة، كلفظة (الجارحة)، ومن نفى عن الله تعالى صفة القدم بمثل هذه الشبهة ونحوها من الشبه الباطلة؛ فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ولا إخال مخالف ذلك إلا مبتدعاً ضالاً، إن لم يكن كافراً معانداً، أو زنديقاً مارقاً، يبث الشبه بين المسلمين؟ ليفسد عليهم دينهم.
أبو عمر الدوسري
29-Oct-2006, 10:52 PM
ولعلنا ننشط في الحلقات القادمة وننشر بقية الكتاب، وأضع لكم رابط كتاب الشيخ السابق والذي هو طليعة نقضه لابن الجوزي والسقاف:
العنوان الكشاف عن ضلالات حسن السقـاف
المؤلف سليمان بن ناصر العلوان
http://saaid.net/book/open.php?cat=88&book=1011
النعمان
05-Mar-2007, 03:54 AM
بارك الله فيكم وفيجهودكم
أبو عمر الدوسري
29-Apr-2007, 04:38 PM
وفيك بارك أخي الكريم .
vBulletin® v3.8.5, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir
منتديات