المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التأليف معاناة ولذة


معالي
29-Nov-2007, 08:41 PM
اخترت وضع المقال هنا ليستشعر كل من سيؤلف شيئا قل أو كثر وبالأخص طلاب الدراسات العليا في تأليف رسائلهم التي تتصدر أهم مؤلفاتهم ليستشعروا معاني التأليف السامية فإليكم المقال -جزى الله كاتبه خيرا-:
.............................


التأليف معاناة ولذة
د/محمد بن إبراهيم الحمد


أما معاناةُ التأليف فمن وجوهٍ كثيرةٍ منها: كدُّ الذهن، ومعالجةُ العزو، والتأكد من صحة المعلومة، وكثرةُ المراجعة، والحذرُ من الزلل، والحرص على إبراز الأفكار في معرض حسن، وثوب مقبول.
ومنها ما يعتري المؤلف من الملل، والفتور، وصداع الرأس، وقلة النوم، وتعب الأعصاب، وآلام المفاصل والعينين، والانقطاع عن كثير من الملذات، والتقصير في بعض الحقوق؛ فهذه بعض معاناة التأليف.
أما لذته فتكمن بمناجاة الفكر، واصطياد الأوابد، ومعرفة أقدار المؤلفين السابقين واللاحقين، والتعود على طول النفس، والحرص على الوصول إلى الحقائق.
ومن أعظم لذات التأليف: استشعارُ نهايةِ البحث، والفرحُ بطبعه، ونشرِه، وإهدائه، وانتفاعِ الناسِ به؛ فإن نفع التصنيف - كما يقول ابن الجوزي - أكثر من نفع التعليم بالمشافهة؛ لأن الإنسان يشافه في عمره عدداً من المتعلمين، ويشافه بتصنيفه خلقاً لا يحصون، وخلقاً لم يوجدوا بعد؛ فيكون التأليف من الباقيات الصالحات.
وإن لانتظار مجيء الكتاب من المطبعة فرحة تشبه فرحة انتظار المولود الجديد.
وتكمن - كذلك - باستجماع الخواطر، والخلوة عن الناس، وإلى هذا أشار بعضهم بقوله:

وأطيب أوقاتي من الدهرخلوةٌ **يقرّ بها قلبي ويصفو بها ذهني

ويأخذ لي من سَورة الفكر نشوةً** فأخرج من فنّ وأدخـل في فنّ

ويفهم ما قد قال عقلي تصوري** فنقلي عن أذني وسمعي بها مني
وأسمع من نجوى الدفاتر طُرفةً** أزيل بها همي وأجلو بها حزني

ينادمني قـــومٌ لــديّ حديثـــهم **فما غاب منهم غيـر شخصهم عني



هذا وإن من أعظم نعم الله على المؤلف أن يرى عند عزمه على التأليف أنه سهلٌ ميسور، وأنه لا تَمُرُّ عليه مدة وجيزة إلا أنجزه وأتمه؛ فإذا ما ابتدأ فيه تفتَّق ذهنه عن مسائل لم يحلم بها، وطرأت عليه أبحاث لم يكن يتخيلها، وإذ هو في واد متشعب يرى أنه لا بد له من سلوكه.
ولو علم بادئ الأمر ما سيلقاه من المشقة والتعب لأبعد عن فكره خيال التأليف، ونأى بنفسه عن مسالك التكليف، مفضلاً منادمة الأحباب، ودعةَ التنعم بمغتسل بارد وشراب.
وقد وجدت كلاماً جميلاً حول هذا المعنى للشيخ محمد بن طاهر الكردي في كتابه (مقام إبراهيم)؛ حيث ذكر في خاتمة كتابه كلمة تدور حول التأليف ومعاناته ولذته، ومما جاء في ذلك الكتاب قوله: "هذا، ولما كنت مشتغلاً بالتصنيف، مخالطاً للعلماء أرباب التأليف يمكنني أن أقول: إنني لم أجد أصعب، ولا أتعب، ولا أشغل للإنسان من تأليف الكتب مهما تنوعت واختلفت.
ولئن كان شيء يُسْرع في ضعف الإنسان وهرمه فذلك الشيء إنما هو الاشتغال بالتأليف وحده، وفي الوقت نفسه تجد المؤلف - مع وهنه وضعفه - قوياً في معلوماته، راسخاً في دراساته ومراجعاته؛ فكل شيء ينقص إذا أنفقت منه إلا العلم؛ فكلما أنفقت منه لغيرك بالإفادة زادت معرفتك مهما تكررت منك الإعادة.
فالاشتغال بالتأليف، هو الشغل الذي لا شغل بعده، والعمل الذي ينقطع إليه المرء وحده، تجده يبحث عن مسألة إذا به يعثر على أخرى ولما يكمل الأولى بعد، تراه يحقق في بحث إذا به يصل إلى غيره؛ لتشعّب الكلام، وارتباط بعضه ببعض.
وإنه كثيراً ما تطرأ عليه المسائل، وتنكشف له الدقائق وهو يأكل أو يمشي، أو يريد النوم؛ لذلك يكون المؤلف الخبير بالأحوال لا يخلو عن القلم والورق أنّى سار، وحيثما كان؛ ليقيد رؤوس المسائل التي تطرأ على فكره بغتة، حتى إذا ما رجع إلى حالة الاشتغال قَتَلها بحثاً وأشبعها درساً.
تجده يبتعد عن الأهل والولد؛ خوفاً من أن يقطع أحد عليه أفكاره، ينفرد عن الناس بنفسه، وقد يصطفي شخصاً من شكله وجنسه، يساعده في البحث والتنقيب، ويبيض له مسوداته بنظام وترتيب.
ولست مبالغاً إن قلت: إنه يقضي الساعات الطوال، ويسهر غالب الليالي بالاشتغال في المطالعة والكتابة، لا يسأل عن أكل ولا شرب، ولا يصغي لحديث أو خبر، ولا تجد الراحة إلى جسمه سبيلاً، قد يعتريه الملل، وتتعب أعصابه، وهو مع ذلك يتطلب برهاناً، ويستنبط دليلاً، وقد يريد النوم؛ فيمتنع عليه؛ لشدة تعبه المتواصل؛ لإتمام ما لديه؛ فهو لذلك قد يكون مقصراً عن زيارات إخوانه وأحبائه؛ فإنه من لا يؤدي حقوق نفسه كيف يؤدي حقوق غيره؟
وهو في ذلك معذور مأجور، وفي عمله مغبوط مشكور.
مسكين المؤلف، يشغل حواسه الخمس، ويصل يومه بالأمس؛ ليريح طلاب العلم والفنون، ولأن يصل في بحثه إلى نتيجة مرضية، وخلاصة شافية، وأجوبة سديدة، أحبّ إليه من الدنيا وما فيها، وأشد ما يكون فرحاً إذا ما اهتدى إلى حلّ مسألة عويصة كانت مستعصية عليه، أو أتى ببحث لم يسبقه إليه أحد.
أما ثوابه على عمله وجزاؤه فهذا موكول إلى الله -عز شأنه- فهو الذي لا يَضيع عنده عَمَلُ عاملٍ من ذكر أو أنثى، على أنه - سبحانه وتعالى - قد رفع ذكر العلماء، وأعلى شأنهم في الدارين، وحفظهم من التخريف مهما عمروا، وتقدموا في سن الشيخوخة.
وأما تقديره ومكافأته في المجتمع الإنساني فهذا راجع إلى الوسط الذي يعيش فيه، وإلى القوم الذين ينتمي إليهم؛ فعلى قدر مكانتهم في العلم والأدب، وثقافتهم في مختلف الفنون، وخلوّهم من المكر والحسد يكون تقديرهم لمنزلته، ومعرفته لمكانته، وأكثر المؤلفين لا يظهر فضلهم إلا بعد الممات.
هذه بعض حالات المشتغلين بالتأليف "ولا ينبئك مثل خبير".

لا يعرف الشوق إلا من يكابده*** ولا الصبابة إلا من يعانيها" ا-هـ



وبعد: فهذه معاناة التأليف، وتلك لذته، وستنقضي المعاناة واللذة بانقضاء عمر المؤلف، وبعد ذلك يكون له الغُنْم، أو عليه الغُرْم؛ فنسأل الله أن يجعل ما نكتب حجة لنا لا علينا، وأن ينفع به، ويجعله خالصاً لوجهه.

طيب السجايا
29-Nov-2007, 11:49 PM
بوركت أخي الفاضل على نقل المقال النافع ،،

بارك الله فيك ورفع قدرك وصوب قلمك ،،،

لا تحسبن العلم ينفع وحده ... ما لم يتوج ربه بخلاق
والعلم إِن لم تكتنفه شمائل ... تعليه كان مطيةَ الإخفاق
كم عالم مد العلوم حبائلا ... لوقيعة وقطيعة وفراق
وفقيه قوم ظل يرصد فقه ... لمكيدة أو مستحل طلاق
وطبيب قوم قد أحل لطبه ... ما لا تحل شريعة الخلاق
وأديب قوم تستحق يمينه ... قطع الأنامل أو لظى الإحراق

معالي
03-Dec-2007, 08:25 AM
وبارك الله فيكم
وهذا مقال آخر


حاجة الناس إلى التصنيف والتأليف ... باقية متجددة!!


حاجة الناس إلى التصنيف والتأليف لا تنتهي؛ وافتقارهم إلى وضع الجديد من الكتب في شتى العلوم لا تزول

وذلك لعدة أمور:

1. منها: أن لكل زمان ما يَجِدُّ ويظهر بعد أن لم يكن من المسائل المستحدثات والمشاكل العويصات، التي تحتاج إلى ثاقب النظر ودقيق البحث لاستخراج حلها من مكنون حكم الأولين، وعظيم مكتوب الأقدمين. وكذلك ففي النصوص الشرعية تجد بعض الأحاديث تبدأ بـ " يأتي على الناس زمان ... " إلخ، فيكون ذلك إخبارا عن شيء مستقبل لا نعلم متى يأتي به الله، فتكون حاجة الناس إلى التصنيف في موضوعه عند حدوثه ماسة، وبيان ذكر النبي صلى الله عليه وسلم له قبل مجيئة جليلة.

2. ومنها: أن العرف والعادة يتغيران مع تغير العصر والزمان، ويقل فهم الناس لما سُطِّر في قديم الزمان، مما لعله كتب بعبارة قديمة لا تفهم، أو بجملة مستغلقة تخفى على أبناء العصر، فكان افتقار أبناء العصر إلى من يكتب لهم بما يقرب من أفهامهم وبما يقرب من لسانهم الذي يتغير ويتبدل على مر الأعصر والأزمان، بخير أو بشر.

3. ومنها: أن بعض مستجدات العصر تفرض بعض التغيير على أسلوب التصنيف مثل أساليب التحقيق المعاصرة التي لم تكن معروفة بمنهجها الحالي عند الأقدمين، وهي خير عظيم رزقنا الله إياه يسر علينا كثيرا من البحث والمراجعة وكذلك يسر على المطالع مطالعة الكتاب، ويسر على الباحث أن يجد ضالته في الفهارس.

4. ومنها: أن الناس تحتاج إلى التجديد والتحديث بين كل وقت وحين ليكون أنشط لهم وسببا لدفعهم إلى الطلب والبحث والتنقير عن المسائل؛ فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها "

5. ومنها: أن كل عصر جديد يعطي أبناءه إمكانيات لم تكن متاحة لمن سبق؛ فيكونون أقدر على الاستخراج والمقابلة والبحث، وذلك كما حدث في هذا العصر بعد أن أنعم الله علينا بنعمتي الكمبيوتر والإنترنت، فسهلت مشاكل البحث والاستخراج والمقابلة والتنقير، بعد أن كان المرء يقضي عمره في بحث شيء، ثم لعله لا يجده وهو موجود، فصار ذلك سببا في وجدان بعض ما لم يجده الأقدمون، واستدراك بعض ما قصر عنه الأولون، واحتاج أن يوضع له التصانيف.

6. ومنها: أن العلماء يحتاجون إلى التصنيف ليُبَلِّغوا ما آتاهم الله من علم إلى الناس، ولتَرْسَخَ قدَمُهم في العلوم؛ فإن العالم إذا درس العلوم الشرعية وتبحر فيها، فإنه يحتاج إلى التصنيف لكمال الرسوخ؛ ولينال درجة التحقيق والتدقيق، كما ذكر نحوه الإمام النووي رحمه الله.

7. ومنها: أن الزمان لا يخلو من طلاب العلم الذين يدرسون على أيدي العلماء، وهم يحتاجون إلى وضع ما يسمعون من علمائهم من العلم في صورة مكتوبة ليكون أرفق بهم وأيسر للمراجعة والدرس.

8. ومنها: أن الزمان لا يخلو من مبطلين وضلال ومشعوذين، ينطلي عملهم على بعض الناس، أو يخشى على بعضهم من شبهاتهم، فيلزم بيان وجه الضلال في كلامهم بالرد عليهم وبيان بطلان وجهتهم، ومن أقوى سبل الرد على المخالفين: التصنيف المكتوب.

9. ومنها: أن الأفكار والخواطر لا تنتهي إلا بانتهاء الأيام، ولا تنفد إلا في آخر الزمان، والله يفتح على بعض عباده بما لم يقدره للأولين من الحكم الجسام، والأفكار العظام، وذلك في كل علم وفن، فيحتاج من رزقه الله من ذلك شيئا إلى تقييده بقيد وكتابته بجلد لكي لا يضيع ويذهب، وكما قال الشاعر:

كــم تــرك الأول لـلآخــر


10. ومنها: جميع مباحث الإعجاز العلمي في القرآن والسنة؛ لأن العلوم الكونية فيها الكثير من الأسرار والأمور التي لم يسبر غورها ولم يكشف كننها بعد، فيأتي الباحثون العلميون بدراساتهم وبحوثهم المبنية على المخترعات والنظريات الحديثة كل يوم بالجديد فكانت الحاجة داعية إلى وضع التصانيف في بيان ذلك، وبيان وجه إعجاز القرآن في ذلك، تصديقا لقوله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} ولاحظ أن السين في (سنريهم) استقبالية، وهي تدل كما قال بعضهم على تجدد ذلك إلى يوم القيامة، والله أعلم، ومباحث إعجاز القرآن كثيرة وإن كان على بعضها ملاحظات وتحفظات، إلا أن الكلام هنا عن الأسباب الداعية إلى التصنيف دائما، وليس على صواب ذلك من خطئه.

11. ومنها: أن التصنيف في نفسه مطلب مروم، ومتعة للمصنف، وكذلك فهو يخبر عن عقل صاحبه وعلمه؛ كما قال بعض الحكماء: اختيار المرء قطعة من عقله، وكل إنسان يحب أن يذكر بجميل الذكر فيمن بعده ويترك من الآثار ما يجمل ويستحسن، كما قال إبراهيم عليه السلام: { واجعل لي لسان صدق في الآخرين }، وكذلك فهو يخلد ذكر صاحبه على مدى الأزمان، ولولا ما سطر علماؤنا من جليل التصانيف ما سمعنا عن كثير منهم.

12. ومنها: أن ذلك يزيد في حسنات العبد بمقدار ما يجده الناس بعده في مصنفاته من خير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " الدال على الخير كفاعله" ، ولو لم يكن من حسنة للتصنيف غير ذلك لكفى لأنه يبقى بعد موت كاتبه بقدر ما يقدر له الله عز وجل، فكل من قرأ فيه أو استفاد منه أو عمل أو اهتدى بهدى، فإن ذلك يزيد في حسنات المصنف الأول، وانظر مثلا لمصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، كم كانت تحارب في عصرهم، واليوم هي من أجل التصانيف التي يستفيد منها العلماء وطلاب العلم.

هذا ما حضرني فكتبته من رأس القلم، ولعلك تجد بعد ذلك غير ذلك وربما ما هو أكثر منه

والله تعالى أعلى وأعلم، ومنه الهداية وبه التوفيق

أخوكم ومحبكم/ أبو مالك العوضي

سفانـــة البدويـــة
30-Dec-2007, 01:48 AM
جزاك الله خيرا

المُوَقِّع
29-Jul-2010, 08:20 AM
أجمِل به من نقلٍ وقيل !
أحسن الله إليك.

أبو محمد العنزي
29-Jul-2010, 10:29 AM
بوركت موفقة

معالي
31-Jul-2010, 10:33 AM
أشكر لكم المشاركة

بنت الدعوة
25-Apr-2011, 08:00 AM
لا يعرف الشوق إلا من يكابده*** ولا الصبابة إلا من يعانيها" ا-هـ