المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع


طالب الحجة
21-Oct-2006, 06:49 AM
موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله  وبعد.
فإن من أعظم الشرور التي انتشرت في الأمة، وتفاقم أمرها، والتبست على كثير من الناس: البدع المضلة، ففيها الاستدراك على الله، وادعاء عدم كمال الدين، فكان  في كل خطبة يحذر منها فيقـول: (( وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)).
وقال  : (( سيكون في آخر أمتي ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم )). [ مسلم ( 1/12 )]
وقال  عن المدينة: (( من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين )). [ مسلم: رقم 1366]
 فهجر أهل البدع ومنابذتهم من أعظم أصول الدين التي تحفظ على المسلم دينه وتقيه شر مهالك البدع والضلالات.
كيف لا، وقد أوضح الله  هذا الأصل العظيم حيث قال: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعـرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ﴾.
قال ابن عون: كان محمد بن سيرين - رحمه الله تعالى – يرى أن أسرع الناس ردة أهل الأهواء، وكان يرى أن هذه الآية أُنزلت فيهم: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ﴾. [الإبانة لابن بطة ( 2/431 )]
 والآثـار عن السلف في التحذير من البدع وأهلها كثيرة جداً، فسيرتهم مليئة بهجر أهل البدع، وإخزائهم، وإذلالهم، ولو أردت أن أنقل ما جاء عنهم في ذلك لبلغ مجلداً، بل مجلدات.
فهذا ابن عمر  حين سئل عن القدرية قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني. [رواه مسلم ( 8 )]
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لا تجالس أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلوب. [الإبانة ( 2/438 )]
وقال الإمام الأوزاعي: اتقوا الله معشر المسلمين، واقبلوا نصح الناصحين، وعظة الواعظين، واعلموا أن هذا العلم دين فانظروا ما تصنعون وعمن تأخذون وبمن تقتدون ومن على دينكم تأمنون؛ فإن أهل البدع كلهم مبطلون أفّاكون آثمون لا يرعوون ولا ينظرون ولا يتقون. إلى أن قال: فكونوا لهم حذرين متهمين رافضين مجانبين، فإن علماءكم الأولين ومن صلح من المتأخرين كذلك كانوا يفعلون ويأمرون. [تاريخ دمشق ( 6/362 )]
وقال الفضيل بن عياض (ت: 187) : إن لله ملائكة يطلبون حلق الذكر، فانظر مع من يكون مجلسك، لا يكون مع صاحب بدعة؛ فإن الله تعالى لا ينظر إليهم، وعلامة النفاق أن يقوم الرجل ويقعد مع صاحب بدعة، وأدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة وهم ينهون عن أصحاب البدعة. [حلية الأولياء ( 8/104 )]
قلت: والفضيل بن عياض - رحمه الله - له كلام كثير نفيس في ذم أهل البدع والتحذير منهم، فمن ذلك:
قوله : لا تجلس مع صاحب بدعة، فإني أخاف أن تنـزل عليك اللعنة.
وقال: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه.
وقال: آكل مع يهودي ونصراني ولا آكل مع مبتدع وأحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد. [الإبانة لابن بطة (2/460 )]
قال رجل لأيوب السختياني: يا أبا بكر أسألك عن كلمة. قال: فرأيته يشير بيده ويقول: ولا نصف كلمة ولا نصف كلمة. [الإبانة ( 2/472)]
وعن ابن سيرين أنّه كان إذا سمع كلمة من صاحب بدعة وضع إصبعيه في أذنيه ثم قال: لا يحل لي أن أكلمه حتى يقوم من مجلسه. [الإبانة ( 2/473 )]
وقال رجلاً لابن سيرين: إن فلاناً يريد أن يأتيك ولا يتكلم بشيء.
قال: قل لفلان: لا، ما يأتي، فإن قلب ابن آدم ضعيف، وإني أخاف أن أسمع من كلمة فلا يرجع قلبي إلى ما كان. [الإبانة (2/446)]
وقال معمر: كان ابن طاووس جالساً فجاء رجل من المعتزلة فجعل يتكلم، قال فأدخل ابن طاووس إصبعيه في أذنيه، وقال لابنه: أي بني أدخل أصبعيك في أذنيك واشدد، ولا تسمع من كلامه شيئاً. [الإبانة ( 2/446)]
وقال يحيى بن أبي كثير: إذا لقيت صاحب بدعة في طريق فخذ في طريق آخر. [الإبانة ( 2/475 )]
وقال ابن المبارك: صاحب البدعة على وجهه الظلمة وإن ادّهن كل يوم ثلاثين مرة. [اللالكائي: 284]
 قال  : إن الله احتجز التوبة عن صاحب كل بدعة.[السلسلة الصحيحة: 1620]
وقال الإمام أحمد: قبور أهل السنة من أهل الكبائر روضة، وقبور أهل البدعة من الزهاد حفرة؛ فساق أهل السنة أولياء، وزهاد أهل البدعة أعداء الله. [طبقات الحنابلة (1/184)]
وقال أيضاً: أهل البدع ما ينبغي لأحد أن يجالسهم ولا يخالطهم ولا يأنس بهم. [الإبانة ( 2/475)]
وجاء الإمامَ أحمد رجلٌ، فقال: أنا من أهل الموصل، والغالب على أهل بلدنا الجهمية، وفيهم أهل سنة نفر يسير يحبونك، وقد وقعت مسألة الكرابيسي. قال الإمام أحمد: "إياك إياك وهذا الكرابيسي، لا تكلمه، ولا تكلم من يكلمه" أربع مرات، أو خمس مرات. [تاريخ بغداد (8/65)]
وقال مفضل بن مهلهل: لو كان صاحب البدعة إذا جلست إليه يحدثك ببدعته حذرته وفررت منه، ولكنه يحدثك بأحاديث السنّة في بدو مجلسه ثم يدخل عليـك بدعته فلعلها تلزم قلبك فمتى تخرج من قلبك.[الإبانة (2/444 )]
 قال الإمام إبن بطة العكبري: ومن السنة مجانبة كل من اعتقد شيئاً مما ذكرناه [أي: من البدع]، وهجرانه، والمقت له، وهجران من والاه، ونصره، وذب عنه، وصاحبه، وإن كان الفاعل لذلك يظهر السنّة. [ والإبانة ( ص 282 )]
رحم الله الإمام ابن بطة، فعن علم تكلم، وبحكمة نطق، فبعد أن بين أن هجر أهل الأهواء والبدع ومقتهم من أصول السنة، نبّه على أن من ناصر أهل البدع ووالاهم وذب عنهم، وصاحبهم، وإن كان يظهر السلفيّة، فإنه يلحق بهم، ويأخذ حكمهم، ويعامل معاملتهم في الهجر وغيره.
وقـد بين ذلك ووضحه عدد من الأئمة، ومستندهم في ذلك ما جاء في حديث عائشةـ رضي الله عنها –قالت: قال رسول  : (( الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)). [البخاري ( 3336 )]
قال ابن مسعود  :
إنما يماشي الرجل، ويصاحب من يحبه ومن هو مثله. [الإبانة ( 2/476 )]
وقال الأوزاعي : من ستر علينا بدعته لم تَخْفَ علينا أُلفته " [الإبانة ( 2/479]
وعن عقبة بن علقمة قال: " كنت عند أرطاة بن المنذر فقال بعض أهل المجلس: ما تقولون في الرجل يجالس أهل السنّة ويخالطهم، فإذا ذكر أهل البدع قال: دعونا من ذكرهم لا تذكروهم، قال أرطأة: هو منهم لا يلبّس عليكم أمره، قال: فأنكرت ذلك من قول أرطاة قال: فقدمت على الأوزاعي، وكان كشّافاً لهذه الأشياء إذا بلغته، فقال: صدق أرطأة والقول ما قال؛ هذا يَنهى عن ذكرهم، ومتى يحذروا إذا لم يُشد بذكرهم " [تاريخ دمشق ( 8/15 )]
وقال محمد بن عبيد الغلابي:" يتكاتم أهل الأهواء كل شيء إلا التآلف والصحبة " [الإبانة ( 2/479]
وقال أحمد: إذا سلّم الرجل على المبتدع فهو يحبه. [طبقات الحنابلة ( 1/196)]
قال الأعمش: كانوا لا يسألون عن الرجل بعد ثلاث: ممشاه ومدخله وألفه من الناس. [الإبانة (2/476)]
وقدم موسى بن عقبة الصوري بغداد، فذُكِر للإمام أحمد بن حنبل فقال: أنظروا على من ينزل وإلى من يأوي. [الإبانة (2/479)]
وقال أبو داود السجستاني: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أرى رجلاً من أهـل البيت مع رجل من أهل البدع، أترك كلامه؟ قال: لا، أو تُعْلِمه أن الذي رأيته معه صاحب بدعة، فإن ترك كلامه وإلا فألحقه به، قال ابن مسعود: المرء بخدنه".( ) [طبقات الحنابلة ( 1/160 )]
قال الفضيل بن عياض: من عظّم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام، ومن تبسم في وجه مبتدع فقد استخف بما أنزل الله  على محمد  ، ومن زوّج كريمته من مبتدع فقد قطـع رحمهـا، ومن تبع جنازة مبتدع لم يزل في سخط الله حتى يرجع. [شرح السنّة للبربهاري ( ص : 139 )]
قال الشاطبي: " فإن توقير صاحب البدعة مظنّة لمفسدتين تعودان على الإسلام بالهدم: إحداهما: التفات الجهال والعامة إلى ذلك التوقير، فيعتقدون في المبتدع أنّه أفضل الناس، وأن ما هو عليه خير مما عليه غيره، فيؤدي ذلك إلى اتباعه على بدعته دون اتباع أهل السنّة على سنّتهم.
والثانية: أنّه إذا وُقِّرَ من أجل بدعته صار ذلك كالحادي المحرض له على إنشاء الابتداع في كل شيء. وعلى كل حال فتحيا البدع وتموت السنن، وهو هدم الإسلام بعينه. [الاعتصام للشاطبي ( 1/114 )]
وقال الفضيل بن عياض: " الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكـر منها اختلف، ولا يمكن أن يكون صاحب سنة يمالئ صاحب بدعة إلا من النفاق".
قال ابن بطة – معلقاً على قول الفضيل - :
"صدق الفضيل - رحمه الله – فإنا نرى ذلك عياناً". [الإبانة لابن بطة ( 2/456)
قال ابن عون: الذي يجالس أهل البدع أشد علينا من أهل البدع. [الإبانة (2/273)] وقال عتبة الغلام : من لم يكن معنا فهو علينا. [الإبانة (2/437)]
 ولما قدم سفيان الثوري البصرةَ، جعل ينظر إلى أمر الربيع – يعني ابن صبيح – وقدره عند الناس، سأل أي شيء مذهبه؟ قالوا: ما مذهبه إلا السنة. قال: من بطانته؟. قالوا: أهل القدر. قال: هو قدري. [الإبانة ( 2/453)]
وقال الإمام البربهاري:
وإذا رأيت الرجل جالساً مع رجل من أهل الأهواء فحذّره وعرّفه، فإن جلس معه بعد ما علم فاتقه؛ فإنه صاحب هوى. [شرح السنة (ص: 121)]
وقال ابن تيميّة فيمن يوالي الاتحادية وهي قاعدة عامة في جميع أهل البدع:
" ويجب عقوبـة كل من انتسـب إليهم، أو ذب عنهم، أو أثنى عليهم أو عظم كتبهم، أو عرف بمساندتهم ومعاونتهـم، أو كره الكلام فيهم، أو أخذ يعتذر لهم بأن هذا الكلام لا يدرى ما هـو، أو من قال إنه صنف هذا الكتاب، وأمثال هذه المعاذير، التي لا يقولها إلا جاهل، أو منافق؛ بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم، ولم يعاون على القيام عليهم، فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات؛ لأنهم أفسدوا العقول والأديان، على خلق من المشايخ والعلماء، والملوك والأمراء، وهم يسعون في الأرض فساداً، ويصدون عن سبيل الله. " [مجموع الفتاوى ( 2/132 )]
وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في شرحه لكتاب: "فضل الإسلام"، ما نصّه: الذي يثني على أهل البدع ويمدحهم، هل يأخذ حكمهم؟
فأجاب – عفا الله عنه -: " نعم ما فيه شكٌّ، من أثنى عليهم ومـدحهم هو داعٍ لهم، يدعو لهم، هذا من دعاتهم، نسأل الله العافيـة".
 بل كان السلف الصالح -رضي الله عنهم ورحمهم- إذا رأوا الشاب في أول أمره مع أهل السنة رجوه، وإن رأوه مع أهل البدع أيسوا من خيره.
قال الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله - : إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه، وإذا رأيته مع أصحاب البدع فايئس منه؛ فإن الشاب على أول نشوئه. [الآداب الشرعية ( 3/77)]
وقال عمرو بن قيس الملائي: إن الشاب لينشؤ فإن آثر أن يجالس أهل العلم كاد أن يسلم وإن مال إلى غيرهم كاد أن يعطب. [الإبانة ( 2/481-482 )]
قال أرطأة بن المنذر: لأن يكون ابني فاسقاً من الفساق أحب إليّ من أن يكون صاحب هوى.[الإبانة (2/446)]
 قال الإمام أحمد: لا غيبة لأصحاب البدع. [طبقات الحنابلة ( 2/274)]
قال الإمام ابن أبي زمنين –رحمه الله-: ولم يـزل أهل السنة يعيبون أهل الأهواء المضلة، وينهون عـن مجالستهم، ويخوفون فتنتهم، ويخبرون بخلاقهم، ولا يرون ذلك غيبـة لـهم، ولا طعناً عليهم. [أصول السنة ( ص: 293 )]
عن سفيان بن عيينة قال: قال شعبة: تعالوا نغتاب في الله عز وجل.
قال الفضيل: من دخل على صاحب بدعة فليست له حرمة. [اللالكائي (2/140)]
وقال أبو صالح الفراء: حكيت ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئاً من أمر الفتن فقال: ذاك يشبه أستاذه - يعني: الحسن بن حي-، فقلت ليوسف: ما تخاف أن تكون هذه غيبة؟ فقال: لم يا أحمق أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا فتتبعهم أوزارهم ومن أطراهم كان أضر عليهم. [السير ( 7/364 )]
قال بشر الحارث: كان زائدة يجلس في المسجد يحذر الناس من ابن حي وأصحابه. قال الذهبي في ابن حي: مع جلالته وإمامته كان فيه خارجية. [تذكرة الحفاظ (1/216)]
ودخل سفيان الثوري المسجد فإذا الحسن ابن حي يصلي، فقال: نعوذ بالله من خشوع النفاق، وأخذ نعليه وتحول. [ التهذيب (2/249)]
 قال أبي قلابة: إن أهل الأهواء أهل الضلالة ولا أرى مصيرهم إلا النار، فجربهم فليس أحد منهم ينتحل قولاً – أوحديثاً – فيتناهى به الأمر دون السيف... وإن اختلف قولهم اجتمعوا في السيف. ( ) [الدارمي (1/58)]
قال أيوب: وكان – أبو قلابة – والله من الفقهاء الألباء.
قال سعيد بن عنبسة: ما ابتدع رجل بدعة إلا غلّ صدره على المسلمين واختلجت منه الأمانة. [الإبانة (2/256)]
 كان السلف الصالح يعدون الشدة على أهل البدع من المناقب والممادح ، فكم من إمام قيل في ترجمته: كان شديداً على أهل والبدع. وما كان باعثهم على هذه الشدّة إلا الغيرة والحميّة لهذا الدين، والنصيحة لله.
قال ابن الجوزي عن الإمام أحمد: وقد كان الإمام أحمد بن حنبل لشدة تمسكه بالسنّة ونهيه عن البدعة يتكلم في جماعة من الأخيار إذا صدر منهم ما يخالف السنّة، وكلامه ذلك محمول على النصيحة للدين.[مناقب الإمام أحمد: 253
فـمـن ذلك:
$ قال علي بن أبي خالد: قلت لأحمد بن حنبل: إنّ هذا الشيخ – لشيخ حضر معنا – هو جاري، وقد نهيته عن رجل، ويحب أن يسمع قولك فيه: حارث القصير – يعني حارثاً المحاسبي – وكنت رأيتني معه منذ سنين كثيرة، فقلت لي: لا تجالسه، فما تقول فيه؟ فرأيت أحمد قد احمرّ لونه، وانتفخت أوداجه وعيناه، وما رأيته هكذا قط، ثم جعل ينتفض، ويقول: ذاك؟ فعل الله به وفعل، ليس يعرف ذاك إلا من خَبَره وعرفه، أوّيه، أوّيه، أوّيه، ذاك لا يعرفـه إلا من قد خبره وعرفه، ذاك جالسه المغازلي ويعقوب وفلان، فأخرجهم إلى رأي جهم، هلكوا بسببه، فقال له الشيخ: يا أبا عبـد الله، يروي الحديث، ساكنٌ خاشعٌ، من قصته ومن قصته؟ فغضب أبو عبد الله، وجعل يقول: لا يغرّك خشوعه ولِينه، ويقول: لا تغتر بتنكيس رأسه، فإنه رجل سـوء ذاك لا يعرفه إلا مـن خبره، لا تكلمه، ولا كرامة له، كل من حدّث بأحاديث رسول الله  وكان مبتدعاً تجلس إليه؟! لا، ولا كرامة ولا نُعْمَى عين، وجعل يقول: ذاك، ذاك. [طبقات الحنابلة ( 1/234)]
$ وقدم داود الأصبهاني الظاهري بغداد وكان بينه وبين صالح بن أحمد حسن، فكلم صالحاً أن يتلطف له في الاستئذان على أبيه، فأتى صالح أباه فقال له: رجل سألني أن يأتيك. قال: ما اسمه؟. قال: داود. قال: من أين؟ قال: من أهل أصبهان، قال: أيّ شيء صنعته؟ قال وكان صالح يروغ عن تعريفه إيَّاه، فما زال أبو عبد الله يفحص عنه حتى فطن فقال: هذا قد كتب إليّ محمد بن يحيى النيسابوري في أمره أنه زعم أن القرآن محدث فلا يقربني. قال: يا أبت ينتفي من هذا وينكره، فقال أبو عبد الله: محمد بن يحيى أصدق منه، لا تأذن له في المصير إليَّ. [تاريخ بغداد ( 8/374 )]
 قال الإمام أحمد بن حنبل: إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة فاتهمه على الإسلام؛ فإنّه كان شديداً على المبتدعة.( )
وهذا الإمام الشافعي قال عنه البيهقي: وكان - رضي الله عنه - شديداً على أهل الإلحاد وأهل البدع مجاهراً ببغضهم وهجرهم" [مناقب الشافعي ( 1/469 )]
وكذلك إمام أهل السنّة في عصره أبو محمد الحسين بن عـلي البربهاري ( ت :329) ، قال عنه ابن كثير: العالم الزاهد الفقيه الحنبلي الواعظ، صاحب المروزي وسهلاً التستري، ... وكان شديداً على أهل البدع والمعاصي، وكان كبير القدر تعظمه الخاصة والعامة. [البداية والنهاية ( 11/213)]
وقـال ابن رجب: " شيخ الطائفة في وقته ومتقدّمها في الإنكار على أهل البدع والمباينة لهم باليد أو اللسان. [طبقات الحنابلة ( 2/18 )]
وكانت للبربهاري مجاهدات ومقامات في الدين كثيرة وكان المخالفون يغـلّظون قلب السلطان عليه. [المنهج الأحمد ( 2/37 )]
ومن أقواله: مثل أصحاب البدع مثل العقارب، يدفنون رؤوسهم وأبدانهم في التراب ويخرجون أذنابهم، فإذا تمكّنوا لدغوا، وكذلك أهل البدع هم مختفون بين الناس فإذا تمكّنوا بلغوا ما يريدون. [طبقات الحنابلة ( 2/44 )]
وقال أيضاً: إذا ظهر لك من إنسان شيء من البدع فاحذره فإن ما أخفى عنك أكثر مما أظهر. [شرح السنة (123 رقم 148)]
وكذلك ما قيل في شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله الأنصاري الهروي (ت:481)، فقد قال عنه ابن رجب: " كان سيّداً عظيماً وإماماً عارفاً وعابداً زاهداً ... شديد القيام في نصر السنّة والذبّ عنها والقمع لمن خالفها، وجرى له بسبب ذلك محنٌ عظيمة، وكان شديد الانتصار والتعظيم لمذهب أحمد ". [ذيل الطبقات ( 3/ 60-61 )]
قال الذهبي: كان جذعاً في أعين المبتدعة وسيفاً على الجهميّة" [العبر ( 2/343)]
وقد جاء في ترجمته أنه قال:
عُرضت على السيف خـمس مرّات، لا يقال لي: ارْجع عن مذهبك، لكن اسكتْ عمن خالفك، فأقول: لا أسكت. [السير( 18/509)]
 وأختم بهذه النصيحة للإمام البربهاري – رحمه الله – قال:
فاحذر ثم احذر أهل زمانك خاصة، وانظر من تجالس، وممن تسمع، ومن تصحب، فإن الخلق كأنهم في ردة؛ إلا من عصم الله منهم!. [شرح السنة :116]

علي القرني
06-Nov-2006, 09:07 AM
أخي / طالب الحجة

ماذكرته من الأقوال لاجدال فيه ، لكن هل يمثل موقف أهل السنة والجماعة المطلق في هذه القضية ؟

بعبارة أخرى :

كيف نجمع بين ماورد من المناظرات بين أهل السنة - ومنهم من ذكرت أقوالهم ـ والمبتدعة وبين هذه الأقوال ؟

هل نحكم على من يجالس المبتدعة لمناظرتهم والرد عليهم بأنه مخالف لأهل السنة ؟

هل ترى أن إحجام أهل السنة عن مناظرة أهل البدع في هذا العصر هو نصر للسنة وتحقيق لمنهج وموقف أهل السنة ؟

أخي الكريم .. أتمنى منك وممن يكتب في هذا الملتقى العلمي وغيره عن ( منهج أو موقف أو مذهب ) أهل السنة في أي قضية أن يتذكر أن وصف المنهج أو الموقف أو المذهب يقتضي جمع الأقوال والنصوص في تلك القضية على حد الاستقصاء ليصل إلى تحقيق منهجهم بالتفصيل في تلك المسألة .
وهذا مما تميز به أهل السنة - أعني جمع النصوص في المسألة التي يريدون التحدث عنها _ فقد قرروا أن " معقد السلامة من الانحراف عند بيان قضية عقدية وتفصيل أحكامها هو جمع ما ورد بشأنها من نصوص الكتاب والسنة على درجة الاستقصاء، مع تحرير دلالات كلٍّ، وتصحيح النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، واعتماد فهم الصحابة والثقات من علماء السلف الصالح رضي الله عنهم، فإن بدا ما ظاهره التعارض بين نصوص الوحيين عند المجتهد -لا في الواقع ونفس الأمر-، فينبغي الجمع بين هذه الأدلة برد ما غمض منها واشتبه إلى ما ظهر منها واتضح، وتقييد مطلقها بمقيدها، وتخصيص عامها بخاصها، فإن كان التعارض في الواقع ونفس الأمر فبنسخ منسوخها بناسخها -وذلك في الأحكام دون الأخبار فلا يدخلها نسخ-، وإن لم يكن إلى علم ذلك من سبيل، فبرده إلى عالمه I، الذي يقول:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} {آل عمران:7}.

وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "نزل الكتاب الأول من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، زاجرًا وآمرًا، وحلالاً وحرامًا، ومحكمًا ومتشابهًا، وأمثالاً، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا".
وقال الربيع بن خثيم رحمه الله: "يا عبد الله، ما علمك الله في كتابه من علم فاحمد الله، وما استأثر عليك به من علم فكله إلى عالمه، لا تتكلف فإن الله يقول لنبيه:{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} {صّ:86} .
وإذا اتضح هذا، فإنه لا يجوز أن يؤخذ نص وأن يطرح نظيره في نفس الباب، أو أن تعمل مجموعة من النصوص وتهمل الأخرى؛ لأن هذا مظنة الضلال في الفهم، والغلط في التأويل، قال الإمام أحمد رحمه الله: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا".
وقال الشاطبي رحمه الله: "ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد، وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين، إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة، بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها..".

وقد كانت لأهل البدع مواقف خالفوا بها إجماع أهل السنة بسبب مخالفتهم لهذا الأصل العظيم، فكانوا يجتزئون من النصوص بطرف، مع إغضاء الطرف عن بقية الأطراف، فصارت كل فرقة منهم من الدين بطرف، وبقي أهل السنة في كل قضية عقدية وسطًا بين طرفين، والقاعدة الهادية عند اشتباه الأدلة: "أن من رد ما اشتبه إلى الواضح منها، وحكَّم محكمها على متشابهها عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس".
واتفق أهل السنة والجماعة على "رد المتشابه إلى المحكم، والأخذ من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضها بعضًا، ويصدق بعضها بعضًا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره"، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ - 41- لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ -42} {فصلت:41، 42}، وقد حكى الباقلاني الإجماع على منع التعارض بين الأدلة الشرعية في نفس الأمر مطلقًا، كما روى الخطيب البغدادي عنه ذلك.

ولما خالف أهل البدع هذه القاعدة كفَّر بعضهم بعضًا، حيث آمن بعضهم بنصوص وكفروا بأخرى، فقد آمن -مثلاً- الوعيدية بنصوص الوعيد، وكفروا بنصوص الوعد، وقابلهم المرجئة آمنوا بنصوص الوعد وكفروا بنصوص الوعيد، وأهل السنة والجماعة آمنوا بكل وجمعوا بين النصوص، واعتمدوا على قول الله تعالى:{وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ} {لأعراف:156}.
"وقد استعمل هذه القاعدة كثير من أئمة العلم والدين في كسر المبتدعة وتفنيد شبهاتهم، كصنيع الإمام الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة، وفي كتاب مختلف الحديث، وكذلك الإمام أحمد رحمه الله في الرد على الجهمية، والإمام ابن قتيبة رحمه الله في كتاب مختلف الحديث، والطحاوي رحمه الله في مشكل الآثار، وغير هؤلاء كثير من أئمة السنة".

وأعود للموضوع الذي تحدثت عنه أخي / طالب الحجة وهو موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع وأقول بأن ماذكرته عن السلف رحمهم الله تعالى من الأقوال في مقالك ليس بالقاعدة المطَّرِدة التي لا يصح أن تُخالف ، ولمزيد من بيان منهج السلف يمكن الرجوع إلى الرسائل العلمية التي تحدثت عن ذلك بالتفصيل .
وإليك هذا الرابط الذي تحدث عن هذه المسألة ولكنه استطاع أن يقرب منهج أهل السنة بطريقة جمعت بين أفعالهم وأقوالهم في هذه المسألة .


http://saaid.net/bahoth/55.doc

أو: http://saaid.net/book/open.php?cat=5&book=1322

أعتذر أخي طالب الحجة على الإطالة ولكن الذي أردت أن أوصله لك وللقراء الكرام أن وصف المنهج والمذهب ونحوها تحتاج استقصاء في الأقوال وهذا هو ما تميز به أهل السنة كما سبق . والله ولي التوفيق .