المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اختزال التدين بمعايير ظاهرية


ابو عبدالله
05-Oct-2006, 01:59 PM
اختزال التدين بمعايير ظاهرية
يشترك المسلمون في أصل التوحيد وقاعدة الإيمان، وعلى ما بينهم من هذا القدر المشترك إلا أنهم متفاوتون فيما بينهم تديّناً وصلاحاً، أو ظلماً وتفريطاً (فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله)، لكنه تفاوت لا يُخرِج أحداً منهم من دائرة الولاء والمحبة، ولا يرفع عنه حرمة المسلم، فكلهم موعود بجنة الله ورضوانه؛ إذ يقول الله في الآية التي تليها: (جنات عدن يدخلونها) حتى الظالم لنفسه منهم، فمآله للجنة (يُحلّون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير).
وكما أن ظلم الناس لأنفسهم تتعدّد صوره بتعدّد صور الكبائر، فكذا صلاحهم لا يأتي في صورة واحدة، وإنما يدخلونه من أبواب متفرقة. وكما للنار سبعة أبواب، فللجنة منها ثمانية، من كل باب يُنادى أناس، وآخرون يُنادَون من كل باب.
إذاً ليس للصلاح وجهٌ واحدٌ لا يُعرف إلا به، ولا مظهر واحد لا تتشكل صورة الصلاح إلا منه، ولا مقاييس شكلية تقوم بظاهر بدن الرجل وهيئته فتُختزل فيها صورة الصلاح.
واختزال التديّن في مقاييس شكلية -نسبة إلى الشكل لا إلى ما يقابل الجوهر، بحيث تكون هي المؤهل الوحيد لاستحقاق وصف التدين، فتغني عن غيرها في إضفائه، ولا يغني غيرها عند عدمها- هو من جملة تلك الأخطاء التي وُلِدت مع ميلاد الصحوة.
لقد أحدثت الصحوة تغييراً في المجتمع تجاوز تغيير السَّمت والمظهر، فقد كانت -مذ ظهرت- صحوةً في العقيدة، وفي الفكر، وفي المنهج، وفي السلوك، وفي الشعور، بيد أن الألقاب التي وُلدت معها كـ(التديّن) لم تمتدّ امتدادها، ولم تَسَعْ ما وسعته الصحوة من الناس في تأثيرها، بل بقيت كما هي مذ وُلدت ألقابَ تزكيةٍ اختزلت التديّن في هيئة، وجعلته منوطاً بها، فمن حقّق الشعائر المتعلقة بالهيئة خُلع عليه هذا اللقب، وأُضفيتْ عليه شارة الصلاح( كا إطلاق اللحية وتقصير الثوب)، فلا يضيره بعدُ أن يقصِّر في غيرها، ومن تخلّفت فيه صفة من صفاتها خُلع عنه اللّقب، وجُرّد من ذلك التشريف، ثم لا يشفع له أن يكون فيه من دلائل الصلاح ما هو أوجب وأعظم منها. فهي -كما ترى- أحكام مرتجلة، تمنحها نظرة خاطفة إلى مظهر الرجل وهيئته، بل -في الحقيقة- إلى (مشهد صامت) ليس فيه فعل ولا قول -واللذان هما المعيار والمحك- فيتلقف هذه الأحكام فماً عن فم؛ حتى يصبح هذا معياراً عاماً يُسبر صلاح كل شخص من خلاله.
نعم ليس للناس إلا الظاهر، كما قال عمر -رضي الله عنه-: "وإنما نؤاخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم"، غير أنه يجب أن يُفهم أن الظاهر المقصود هو ما ظهر للناس من فعل الإنسان وقوله وسلوكه، لا مجرّد ما ظهر من هيئته، فهذا ظاهرٌ لا يدل إلا على نفسه، ولا دلالة له على غيره، لا نفياً ولا إثباتاً، ولا مدحاً ولا ذمّاً. وعمر قال: "ما ظهر لنا من أعمالكم" ولم يقل: "من هيئتكم أو مظهركم".
ليس التدين محصوراً ببضع شعائر تقوم بظاهر البدن، بل هو مشاعر إيمانية يفيض بها القلب، وسلوك طاهر يقوم بالجوارح. وإنَّ تحجيمَ الولاء في دائرة ضيقةٍ تحكمُها سماتٌ ظاهرة يُفضي إلى تشطير المجتمع إلى فئاتٍ متنافرةٍ، أو على أقل تقدير غيرِ متعاونة، تتسع بينها الفجوةُ والجفوة، وتصبح كأنّها لا تلتقي على شيء!
فيجب أن تُوضع هذه السماتُ الظاهرة حيث وضعها الشّرع، بلا تهويل ولا استهانة، والذي يعني أنها شعيرة من الشعائر فحسب، المحقق لها مطيع، والمقصّر فيها عاصٍ، لا شارةَ كمال تُضفي على صاحبها الصلاحَ المطلق، ولا أن تُجعلَ أصلاً من أصول الإسلام يُجعل فرقاناً بين الولاء والبراء، والمحبّة والبغضاء. وإذ لم يجُز لأحد الاستهانة بها؛ فلا يجوز له أن يقدّرها فوق قدرها، فإنها إن أُعطيت فوق ذلك تواردتْ عليها اللوازمُ الباطلة، من إطلاق الصلاح لمن تحقّقت فيه بإطلاق، أو نفيِه عن غيره بإطلاق.
من الحقائق التي لا يختلف فيها عاقلان أن وجود بعضِ سِمات الصلاح الظاهرة لا يدلّ على كمالِ صلاحِ الباطن بالضرورة، وعدمُ وجودها لا يدل بالضرورة على فساد الباطن، فلماذا يجعلها بعضُنا حَكَماً يُملي عليه طريقةَ التعامل ويصرِّف له بها ولاءاته؟ ولماذا تتعامى بصائرنا عن هذه الحقيقة البسيطة؟!
إنك قد تفتقدُ في بعض الناس بعضَ السمات الظاهرة للصلاح، لكنّك لا تفتقد فيه معالم أخرى للصلاح هي أهم وأوجب؛ كسلامة الصدر، وعِفَّة اللسان، واستقامة الفكر، ولين الجانب، وبذل المال في سبيل الله، وتعظيم قدر الصلاة، والتذمُّم للناس، وأداء حقوقِهم. فهل تُلغى هذه المعالم العظيمة للصلاح لأجل افتقاد شيءٍ من السمات الظاهرة!
أليس هذا بأولى بمزيد من البشاشة والمحبّة من ذلك الذي تتامّت فيه تلك الهيئة المانحة لوسام (التديّن) وبدت منه قبائح لا يسترها جمال هيئة ولا حسن سَمْت؛ كالاستطالة في الأعراض، وبذاءة اللسان، وتضييع الحقوق، وخفر الذمم، وغلبة الحسد والحقد وسوء الظن؟!
يجب أن يُصحّح مفهوم التديّن لدى الناس، حتى يدركوا أن وصفَ التديّن لا تحتكرُه سماتٌ خاصةٌ بالمظهر، ولا يختصّ بطائفة تتميَّز بمظهرها، وكي لا ينخدعوا بهيئاتٍ يتلبّسها رجال خدّاعون؛ لتزكيهم بها العيون، وتأمن خيانتهم القلوب.
ويجب أن يُصحّح مفهوم التديّن كي تزول تلك النفرة التي قد تبدو من بعض الناس تُجاه آخرين بسبب نظرة خاطفة لا تجاوز ملامح الوجه.
وأخيراً أرجو ألاّ يُفهَم من هذا تهويناً من بعض الشعائر، أو تسويغاً للتقصير فيها، إنما قصدتُ الإنكارَ لتقديرها فوق قدرها، ولتهوينِ شأن غيرها.
سامي الماجد

منقوول من موقع الإسلام اليوم http://www.islamtoday.net/articles/show_articles_.cfm?id=37&catid=188&artid=5802

طالب علم
31-Oct-2006, 05:01 PM
كم نحن بحاجة إلى أن نلتزم شعائر الإسلام ظاهراً وباطناً ..

بارك الله فيك أخي أبا عبدالله وجزى الله الكاتب عنّا خير الجزاء

دكتور في العقيدة.
02-Nov-2006, 02:25 PM
أولاً: من المعلوم أن الدين ثلاث مراتب، والإيمان عند الاطلاق بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون كما جاء في الحديث المتفق عليه، وهذه الشعب منها ما يتعلق بالقلب، منها ما يتعلق باللسان، منها ما يتعلق بأعمال الجوارح. ولهذا الحكم على الشخص بالتدين والصلاح لا بد فيه من النظر في هذه الأمور بمجموعها وإلا تكون الأحكام قاصرة.

ثانياً: هناك فرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان. أي بين أصل الإيمان والإيمان الكامل بالواجبات. ولهذا قد يوصف بعض المسلمين بالإيمان، وقد ينفى الإيمان عن بعض العصاة من المسلمين، كما يرد في كثير من النصوص الشرعية، فلا يفهم من نفي الإيمان عن بعض العصاة إخراجه من الدين.
ولهذا وصف بعض المستقيمين بالصلاح والتقى لا يفهم منه إختزال الدين فيهم فقط، ونفيه عن غيرهم كما يظن البعض.
ولذا أرى أن هذا الموضوع دقيق جداً.. يرجع إلى قاعدة أسماء الدين والإيمان عند الاطلاق والتقييد، وهذا ما تميز به أهل السنة عن مخالفيهم.

عبدالله القحطاني
07-Dec-2006, 10:28 PM
إنَّ الإيمان عند الإطلاق له ظاهرٌ ، و هو قول اللسان ، و عمله ، و عمل الجوارح ، و باطنٌ ، و هو قول القلب ، و عمله ، و الباطن أصلٌ للظاهر ؛ ولهذا إذا كان الظاهر لا باطن له فهو نفاقٌ ، و المنافقون أشدُّ عذاباً من سائر الكفرة ؛ قال - تعالى - :"إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار و لن تجد لهم نصيراً "[النساء:145] ، ولما توعدهم الله - تعالى - قدم المنافقين في الذكر ؛ فقال :"إن الله جامع المنافقين و الكافرين في جهنم جميعاً "[النساء:140] ، ولا يمكن تحقق باطن بلا ظاهر إلا في حال العجز عنه ، أو حال الإكراه على تركه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-(ت728) :"إن اعتقاد القلب أصل لقول اللسان ، و عمل القلب أصل لعمل الجوارح ، و القلب هو ملك البدن كما قال أبو هريرة -رضى الله عنه- :"القلب ملك ، و الأعضاء جنوده ، فإذا طاب الملك طابت جنوده ، و إذا خبث الملك خبثت جنوده ،و فى الصحيحين عن النبى -صلى الله عليه و سلم- أنه قال :"ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، و إذا فسدت فسد لها سائر الجسد ،ألا و هي القلب" "ا.ه["مجموع الفتاوى"13/234]
و قال -أيضاً- :"القلب هو الأصل ؛ فإذا كان فيه معرفة و إرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة ، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب ؛ و لهذا قال النبى -صلى الله عليه و سلم- فى الحديث الصحيح :"ألا و إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ،و إذا فسدت فسد لها سائر الجسد ،ألا و هي القلب" ، و قال أبو هريرة :"القلب ملك ، و الأعضاء جنوده ،فإذا طاب الملك طابت جنوده ،و إذا خبث الملك خبثت جنوده" ، و قول أبى هريرة تقريبٌ ،و قول النبى -صلى الله عليه و سلم_ أحسن بياناً ؛ فإن الملك وإن كان صالحا فالجند لهم اختيار ؛ قد يعصون به ملكهم ،و بالعكس ؛فيكون فيهم صلاح مع فساده ،أو فساد مع صلاحه ، بخلاف القلب فإن الجسد تابعٌ له ، لا يخرج عن إرادته قط كما قال النبى -صلى الله عليه و سلم- :"إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ،و إذا فسدت فسد لها سائر الجسد" "ا.ه["مجموع الفتاوى"7/187]
و قال ابن قيم الجوزية - رحمه الله -(ت751) :"الايمان له ظاهر و باطن . و ظاهره : قول اللسان و عمل الجوارح. و باطنه : تصديق القلب و انقياده و محبته ؛ فلا ينفع ظاهر لا باطن له - وإن حقن به الدماء ، و عصم به المال و الذرية- ، و لا يجزىء باطن لا ظاهر له إلا اذا تعذر بعجز أو إكراه وخوف هلاك ، فتخلف العمل ظاهراً مع عدم المانع دليل علي فساد الباطن و خلوه من الايمان ، و نقصه دليل نقصه ، و قوته دليل قوته.
فالإيمان قلب الاسلام و لبه ، و اليقين قلب الايمان ولبه ، و كل علم و عمل لا يزيد الإيمان و اليقين قوةً فمدخول ، و كل إيمان لا يبعث على العمل فمدخول"ا.ه ["الفوائد" ص112]
و لا شك أن الباطن من الخوف و الرجاء والتوكل والوجل والمحبة وغيرها أكثر ، و أدوم من الظاهر ؛ فإنها ممكنةٌ للعبد ما دام في دائرة التكليف ، والظاهر معلَّقٌ بأحوال و أوقات ، و متعلِّقٌ بقدرة العبد.
و لو أعطى العبد الباطن حقه لنجى من التناقض ، والاضطراب الذي أشار إليه الكاتب - وفقه الله -

أثير
25-Dec-2006, 12:40 AM
اختزال التدين بمعايير ظاهرية
قابلته موجة من اختزاله بمعايير داخلية

كلاهما بلاء


نسأل الله لنا ولأخواتنا وإخواننا السلامة والتوفيق لما يحب ويرضى
آمين